فَــنُّ الـكِــتَــابَــة

فَــنُّ الـكِــتَــابَــة

رَحْمَان النُـوضَـة

(الصِّيغَة  10)

كَـاتِب فِـرْعَـوْنِـيٌ جَـالِـسٌ.
Un écrivain pharaonique assis.

Fleche.(تنزيل الملف).2

لِـتَـنْـزِيل مِلَفِّ “فَـنِّ الكِـتَـابَـة”، أَنْـقُـرْ على الرَّابـط التَّـالِي :

فـن الـكـتـابـة، رحمان النوضة، الصيغة 10.ء.pdf

Fleche.(قراءة الملف دون تنزيله)

لِـقِـرَاءَة مِـلَـفِّ “فَـنِّ الكِـتَـابَـة” دُون تَنْزِيلِه، هَا هُو النَـصُّ المباشر :

تَــقْــديــم :

بعد نشر كتابي المُجْتَمَعِي” (“Le Sociétal”) باللغة الفرنسية، ثم كتابي نقد الشعبباللغة العربية، على مدونتي الشّخصية (http://LivresChauds.Wordpress.Com) ، سألني بعض الأصدقاء: «ماذا تفعل لكي تكتب بشكل جيّد، سواءً باللغة الفرنسية أم بِالعربية»؟ فأرسلت إليهم، عبر الإنترنت، النص الحالي (فنّ الكتابة)، الذي كنتُ قد أعددتُه من قبل. وَلِتَلَافي أيّ سُوء تَـفاهم، أُذَكِّرُ أنني لا أتحدّثُ عن فَنّ كتابة الشِّعر، أو الرِّوَايَات، أو الأدب، وإنما أتكلّم، على الخُصوص، عن الكتابة في ميادين السياسية، والصحافة، وعِلْم المُجتمع، والتّأْرِيخ، والقانون، والفلسفة، وما شَابَهَهَا.

في الحقيقة ، أنا لا أُتْـقِنُ أَيَّة لغة. لكنني أَخْدُمُ كثيرًا النصوص التي أكتبها. وإذا قال أحد المُراقبين إن كتاباتي تحتوي على نقاط ضُعف، فسوف أقبل انتقاداته بِتِرْحَاب كبير. لأنني لا أُتْـقِـن لَا اللغة العربية، ولَا اللغة الفرنسية، بالقدر الذي أتمنَّاه.

في الواقع، في حوالي عام 2000، كنتُ قد كتبتُ هذا النص الأصلي لهذا المقال (فنّ الكتابة) لتحسين أسلوبي الشخصي. وأثناء كتابة كِتَابي المُجْتَمَعِي” (Le Sociétal)، كنتُ من وقت لآخر أُعِيدُ قراءة هذا المقال (فنّ الكتابة) ، لكي أتذكّر ما يجب فعله، وما يجب تجنّبه.

النص الحالي (فنّ الكتابة) هو سِرٌّ في مهنة الكتابة. والأفكار الرئيسية الموجودة في هذا النص قديمة. وفن الكتابة هو أقدم مما يمكن لِلْمَرْء أن يتصوّر. وخلال عدة قرون، كانت أجيال من المؤلفين تُمَرِّرُ هذا الفَنَّ من جيل إلى جيل، بشكل غير مباشر في معظم الأحيان، خاصة في آسيا، ثم في العالم النَّاطِق بالعربية، وفي أوروبا. ونحن نعرف أن البعض يُوافق على اقتسام هذه الأسرار، بينما يريد آخرون احْتِكَارَها لِوَحْدِهِم. وإذا نَقَل إلينا مُهَرِّبٌ” (passeur) تُرَاثًا ثقافيا، فَيَنْبَغِي علينا أن نَـنْـقُل هذا التراث، نحن بدورنا، إلى الأجيال الـلَّاحِقَة. ومن الأفضل أن نقتسم أقصى قدر ممكن من المنتجات، مع أقصى عدد ممكن من الناس، حتى وإن كان من الممكن أن يَنْـقَلِب بعضهم ضِدَّنا.

وفي ما يلي النص المذكور (فَنُّ الكِتَابَة) :

  1. كُلُّ نَصٍّ يتوجَّه قبل كلّ شيء إلى العَقْل. لِذَا فإن فن الكتابةهو مسألة مَنْطِق، وأخلاق، وحِسّ سَلِيم. ويمكن لِكُلّ شخص أن يلاحظ، في كل ما هو جميل، أنه يخفي مَنْطِقًا يَبْهَرُ النَّاظِرين، أو يُعجبهم.

  2. إذا أردتَ أن تشعر بِفَنّ الكتابة، أُكْتُبْ فقرة، ثم أَعْطِهَا لِكاتب مَاهِر. واطلب من هذا الكاتب أن يُحَسِّن تلك الفقرة. ماذا يفعل هذا الكاتب الماهر؟ يُكَسِّر الجُمَل الطويلة. وَيِبَسِّطُ هذه الجُمل. ويُغَيِّر ترتيب عِدَّة أجزاء من الجُمل. ويُصَحِّح الأخطاء النَّحْوِيَة، واللُّغَوِيَة. ويحذف ما هو غير ضروري. ويستبدل بضع الكلمات بأخرى تكون ملائمة بشكل أفضل. فَنَحْصُل هكذا على جُمل مُسْتَحَبَّة، أو جميلة. وهذه الطريقة تَنْطَبِق على جميع اللغات. والشيء المُدهش هو أن الكاتب الماهر لا يكتفي فقط بتحسين شكل التعبير، بل يُحسّن أيضاً دِِقَّةَ التفكير وَوُضُوحِه. فالتعبير المكتوب ليس مجرد شكل، بل هو أيضا الحَامِل المَلْمُوس للتـفكير. وتنعكس جودة التفكير في جودة التعبير. معنى ذلك، أن من يريد أن يكتب بشكل جيّد، يجبُ عليه أن يُفكر بشكل جيّد. ومع الأسف، موهبة التفكير الجيّد ليست مُعْطَاة بالتساوي للجميع. وَلَوْ أننا نعرف أنه بإمكان أي شخص أن يكتسب فنّ التـفكير، من خلال الدراسات، والتَدَارِيب.

  3. قبل أن تُصبح قادرا على الكتابة، يلزمك أن تـقرأ. وكل شخص لا يقرأ التراث الثقافي للبشرية جمعاء، لا يقدر على أن يكون مُؤَهَّلًا لِإثْرَاءِ هذا التراث بِمُساهماته المُبْدِعَة.

  4. في مشروعك لكِتَابة كِتَاب، تَجَنَّبْ الحديث عن أمور محلية أو ظَرْفِيَّة، لأن القارئ العالمي قد لا يفهمها، أو قد لا يهتمّ بها. ولكن إذا لم تتحدث عن أشياء ملموسة، وهي بالتَّالِي محلية، فقد يصبح خطابك غامضًا، أو نظريًا. القضية تتوقَّف على الكيفية التي تتحدث بها عن هذه الأمور. إذا كنتَ تتحدث عن قضايا محلية، أو ظَرْفِيَّة، بطريقة تُثِير اهتمام القارئ العالمي، فستصبح هذه القضايا مُثيرة للاهتمام. لأن ما هو كَوْنِي يختـفي في ما هو مَحَلِّي، أو في ما يظهر أنه غير ذي أهمية.

  5. في النَصِّ الذي تَـكْتُبُهُ، حَاوِل أن تحذف كل ما هو غير ضروري. احتفظ فقط بالنـقاط التي تحتوي على هذا التوتّر الخِصْب، الذي يُـقَدِّم تساؤلات، أو يُعبّر عن القلق، أو يُثير الإلهام، أو يطرح النـقد، أو يقترح البحث، أو يدعو إلى المُراجعة. فَضِّلْ العبارات التي تفتح آفاقًا جديدة للتحليل، أو للمعرفة، أو للتجربة الشخصية، أو الجماعية.

  6. لماذا تَكْتُبُ بطريقة مُكَثَّـفَة، أو مُعَقَّدَة؟ لا يُدرك عادةً الكاتب أن تَـعابيره ثَـقِيلَة، إلَّا حينما يجد تعابير بديلة تكون خفيفة، أو رشيقة. ووضوح النص ضروري. يجب أن تكون الكلمات بسيطة، والجُمل واضحة. وكل نصّ غير مفهوم يـفـقد مُبَرِّر وجوده. وأفضل الجُمل هي تلك التي تكون قصيرة وواضحة. ينبغي تجنّب الجُمل التي تحتوي على كثير من الأسماء أو المصادر (adverbes). وعندما يكون الاختيار ممكنا، فَضِّلِ الأفعال على الأسماء. لأن القُراء يفهمون الأفعال بسهولة أكبر، مُقارنةً مع الأسماء. وكلّما كانت الأسماء الواردة في جملة كثيرةً، تُصبح هذه الجملة غير مفهومة. بينما الجملة التي تهيمن عليها الأفعال، غالبا ما تـكون أسهل في الفهم.

  7. غَالِبًا مَا تكون الجُمل الطويلة مُرْبِكَة. وكُلَّمَا كانت الجُمل طويلة، كلما كان فهمها صعبًا. وعندما يصل القارئ إلى نهاية جُملة طويلة، يكون قد نَسِيَ بداية هذه الجُملة. فلا يستطيع القارئ أن يَدْمَجَ بين نهاية هذه الجملة الطويلة وبدايتها. وبالتالي، فالاحتمال الأكبر هو أن القارئ العالمي لا يفهم الجُمل الطويلة. ضَعْ مَا يكفي من علامات الفَوَاصِل” [،]، والنِقَاط” [.]، في الجُمل، وفي النَصِّ. وهذه الفَوَاصِلوالنِقَاطتُمكّن القارئ من التَنَـفُّسِ بشكل مُريح. وعلامات التنـقيطضرورية لِكَي يَدْمَجَ ويَفْهَمَ القارئُ المُعْطَيَات التي يقرأها.

  8. يتكوّن التفكير من عَنَاصِر أَوَّلِية (élémentaires). والعُنصر الأوّلي الذي نبني به الأفكار هو الجُمْلَة (phrase). والفَقْرَة (الموجودة في نَصّ) هي فكرة شبه مُستـقلة. وكل فكرة واضحة يلزم أن نـقدر على التعبير عنها بِواحدة أو أكثر من الجُمَل القَصِيرة. والجُمَلُ التي تكون طَويلة، أو مُعَقَّدَة، تخفي في معظم الحالات عدّة أفكار مُتَدَاخِلَة، أو مُشَوَّشَة، أو غير مَخْدُومَة بما فيه الكفاية. فَيَنْبَغِي آنَئِذٍ أن نُوَضِّحَها، وأن نُــقَسِّمَهَا.

  9. لِكَي نكتب بوضوح، يُستحسن أن نُـفَكِّر بِواسطة سلسلة من الجُمل الصغيرة، والمُستـقلة نِسْبِيًّا عن بعضها البعض. في كل مرة، لِنُـفَكِّر بواسطة فكرة أَوَّلِيَّة (élémentaire)، أي جُملة صغيرة. لِنَكْتُب هذه الجُملة. ثم نفكّر في الجُملة القصيرة التَّالية. فَنَـكْتُبُهَا. ثم نَـفْصِل فيما بين كلّ جُمْلَتَين صَغيرتين مُستقلتين مُتَتَالِيَّتَين بواسطة نُـقْطَة” (un point). لِنُـكَرِّر هذه العملية كُلَّما تتطلب الأمر ذلك. وَسَنَحْصُل بالتّالي على سلسلة من الجمل القصيرة والواضحة. على خِلَاف ذلك، إذا نحن شَرَعْنَا في الكتابة، ثم أخذنا نُـفَكِّرُ في ما ينبغي كتابته، وفي نفس الوقت نَـكْتُب ما يظهر في ذِهْنِنَا من أفكار أو تَعَابِِير، أثناء الكتابة، سَنَحْصُل هكذا على جُمل طويلة، مُتشابكة، فَوْضَوِيَة، وغير واضحة. وهذا هو ما يجب تجنّبه.

  10. إذا أراد كاتبٌ التعبير عن العديد من الأفكار في كل جملة، فإن النتيجة هي أن القارئ لَا يفهم أيًة واحدة من بين هذه الأفكار.

  11. ما هو واضح أو مفهوم لدى الكاتب، ليس بالضرورة واضحا أو مفهوما لدى القارئ. يمكن لِعدَّة قُرَّاء مُنفصلين أن يَفهمُوا نفس النَصّ بعدة طُرق مختلفة. والتكوينات الثـقافية التي يحملها كل قارئ هي التي تُحَدِّدُ سِعَةَ ما يمكن أن يفهمه هذا القارئ. وإذا كان موضوعُ نَصٍّ مُحدّدٍ مُعقدًا، وإذا كان، بالإضافة إلى ذلك، تحرير ذلك النَصّ غير مَخْدُوم بشكل كَاف، سَيُصْبِح فهم القارئ لِذلك النَصّ صعباً، أو غير مُؤَكَّد، أو غير مُمكن.

  12. لا يلجأُ الكاتب النَّزِيه إلى إخفاء غُموض أفكاره بواسطة تَعْبِيرَات مُعقّدة، إلى درجة أن ما يَكتُبه يُصبح غير مفهوم. وبقدر مَا تكون أفكار الكاتب واضحة، بِقدر ما تكون التَـعْبِيرَات التي يكتبها مفهومة. والنَصّ الذي يكون غامضا، حتى ولو كان مُشْبَعًا بِتِقْنِيَّات البَلَاغَة أو الزَّخْرَفَة، فإنه يخفي أفكارًا مُبْهَمَة، أو مشكوكًا فيها، أو غير دقيقة، أو خاطئة. وإذا اعتبر عدد هَامّ من القراء أن نصًّا مُحَدَّدًا غَامِض، إلى درجة أنه أصبح غير مفهوم، فإن ذلك يعني، في غَالِبِيَة الحالات، أن كَاتِبَ هذا النص لا يُتْـقِنُ الأفكار التي يريد التعبير عنها. قد يعتـقد مُؤَلِّـفٌ أنه يتوفّر على أفكار مُهمّة، ويريد تَبْلِيغَها. ولكن إذا كان هذا الكاتب غير قادر على توضيح أفكاره، أو تَدْقِيقِها، فإننا سنصبح في وضعية مُمِلَّة. وإذا زَعَمَ شخصٌ أنه يمتلك فكرة جيّدة، وإذا عجز هذا الشخص عن التعبير عن هذه الفكرة بوضوح، فكأنه لا يمتلك أيّة فكرة. قد تكون فكرة مُعيّنة ممتازة، ولكن إذا عبّر عنها صاحبها بشكل سَيِّئ، فلن يفهم القُرَّاءُ أنها فكرة ممتازة.

  13. إذا كان شكل كل نَصٍّ مُهِمًا، فإن محتواه هو أكثر حَسْمًا. إِهْتَمْ على الخُصوص بالاشتـغال على تَـعْمِيق وتحسين مضمون النَصِّ الذي تُحَرِّره. فَـعَلَى خلاف بعض الظنون، لا تأتي قِيمَة نَصٍّ مُحَدَّد من شكله المُزَخْرَف، وإنما تأتي من جَوْدَة مُحْتَوَاه.

  14. لكي يُصبح نَـصُّ مُعَيَّن عَمَلًا فَـنِّـيًا مُعْتَرَفًا به، يجب أن يكون واضحًا، ومُهِمًّا، ومُمْتِعًا في القراءة. يجب أن يُعَلِّمَنَا هذا النَصُّ حقائـق جديدة، وأن يُشَوِّقَنَا، وأن يُلْهِمَنَا أحاسيس لطيفة. يجب أن يَكْشِفَ لنا حقائـقَ خَـفِـيَة. يجب أن يُعطينا رُؤية شُمُولِيَّة وثَاقِـبَة لِلْكَوْن. يجب أن يفاجئنا، وأن يُدْهِشَنَا. يجب أن يُثِيرَ قضايا عالمية، أو كَوْنِيَة. يجب أن يُغْطِسَنَا في عُمق المشاعر الإنسانية، خاصّةً منها تلك التي تكون مُرْهَـفَـة، أو مَكْتُومَة، أو مَخْفِيَة. يجب أن يَكْشِف التناقضات، واللَّاوَعْي، ونِـفَاق البَشَر. يجب أن يَكْشف الجَشَعَ أينما اخْتَبَـأَ. يجب أن يَـفْضَح رَدَاءَة السُلُوكِيَات، بالمُقارنة مع الاِدِّعَاءَات، أو مع الطُمُوحَات المُعْلَنَة. يجب أن يندّد بالجهل الذي يُخَادِعُ الذَّاتَ ويُعْمِيهَا. ينبغي أن ينتـقد بشكل جذري، مع إعطاء آفاق للتحرّر. يجب أن يكون نَزِيهًا، وصادقا، وعَادِلًا، ومُتَوَاضِعا، وصَريحا. يجب على الكاتب أن يَعْتَرِف بِمَحْدُودِيَة مَعَارِفِـه، وبِمَدَى اتِّسَاعِ جهله. يجب أن يُقَرِّبنا النَصُّ المكتوب أكثر مَا يُمكن من واقع الأشياء. يجب على النَصِّ أن يُحَلِّل بعمق الواقع الحَيّ. يجب عليه أن يقول الحقيقة بوضوح، وبدون أي تَحَيُّز. يجب على النص أن يوضّح الوَقَائِع المُعقّدة، وأن يُفضِّل استعمال مُفردات بسيطة. ولا يُقبل من النَصّ أن يكون صَعْبَ الفَهْم، أو مُنَـفِّرًا أثناء القراءة. ويُطْلَبُ من النَصِّ أن يكون قصيرًا وواضحًا، بدلاً من أن يكون طويلاً، أو مُرْتَبِكًا. ويُسْتَحْسَنُ في النَصِّ أن يَتوفَّر على جُرْعَة جَيِّدَة من السُّخْرِيَة، التي تُـثِـيـرُ الابتسامة، أو حتى الضَّحِك.

  15. عندما تَـكْتُبُ، حَرِّرْ نفسك من المُعتـقدات الوهمية. ولا تسعى إلى مناصرة وُجهات نظر مُنْحَازَة. ولا تُـقَيِّد ذكائك بأية أيديولوجية، أو معتـقدات قديمة، ولو كانت مُـقَدَّسَة. ولا تُخفي الحقيقة. لَا تتكلّم عَمَّا تَجْهَلُه. ولَا تُصَرِّح أبدًا بشيء لم يسبق لك أن دَرَسْتَهُ، وحَلَّـلْـتَهُ. إِجْمَع أقصى قدر مُمكن من المُعْطَيَات الدّقيـقة، وأَخْضِعْهَا للمُراقبة، وللتحليل، وللنَّـقْد المُحَايِد. وَرَكِّزْ جُهودك على البحث عن الحقيقة. دَافِعْ فقط عن الحقيقة. لَا تُـقَـيِّد نفسك بالدِّفَاع عن مصالح مجوعتك العِرْقِيَة، أو الطائفية، أو الوطنية، أو السياسية، أو الاقتصادية، أو الثقافية. حَرِّرْ نفسك من قَبِـيلَتِكَالاجتماعية، أو من عَشِيرَتِكالسياسية، أو من دَائِرَتِكالثقافية. تَجَنَّب التَحَيُّز لصالح أيّ طَرَف كان، حتى تُجاه نفسك. وكل كاتب يُخَاطِب الجمهور، ولا يعتني بِصِيَانَة حِيَادِه الفكري، يصبح مثل تلك الدُوَارَة” (girouette) السَّخِيفَة، التي تُشِير إلى إتِّجَاه الرِّيح (لأن هذه الدُوَارَةتُشِير فقط إلى الاتجاه الذي تَفْرِضُه عليها الرِيَاح القوية). حَارِبْ كل المَزَاعِم المُضَلِّلَة، أو الظَّلَامِية. وخُذْ بِعَيْن الاعتبار مصالح جميع الأطراف المُتـصارعة. وذَكِّرْ بِآراء الأطراف المُتعارضة. وَافْهَمْ مَوَازِين القِوَى. وَأَدْرِكْ الوَضْع السياسي القَائِم. فَالحَقِيقة سِلاح. يجب أن نَفْهَمها بأكبر عُمق مُمكن. وقد قال أَنْطُونْيُو غْرَامْشِي: «وَحْدَها الحقيقة ثورية». اِسْتَخْدِم حُرِّيَتَك في التفكير، وفي النـقد، بأكبر حيوية ممكنة. اُصْرُخْ الحقيقةَ، حتى لَوْ كان ذلك سَيُهَيِّجُ خُصومك، أو سَيُغْضِب أصدقائك. كلّ مُتَكَلِّم يَتَجَنَّبُ قولَ الحقيقة، يَمُوت. فَيُصْبِح مُجَرَّد «تَـفْصِيل غير مُهِم».

  16. إذا قَبِلْتَ بأن تكون كَاتِبًا رسميًا، أو إعلاميا مأجورًا، تتلخَّص مِهنته في إنتاج الدِعَايَة، أو في مَدْحِ الحَاكِمِين، أو في مناصرة السائدين في المُجتمع، فَلَا تَنْتَظِرْ أن يحترمك المُثـَـقَّـفُون، ولَا أن يُـقَـدِّرَكَ الشعب. لأن الجماهير لا تحترم من بَاعَ ضَمِيره، أو عَقْلَه، مُقابل المَال.

  17. لا يـقدر على إقناع القرّاء، أو اسْتِهْوَائِهم، أو التأثير عليهم، سِوَى الكُتاب الذين يكتبون بصدق ونزاهة. والكاتب الذي يُصِرّ على الدفاع عن أطروحات مُتَحَيِّزة، أو خاطئة، إنما هو مُؤَلِّفٌ يَنْتَحِر. فَلَا يبقى ضِمْنَ التُرَاث الثقافي للإنسانية، سِوَى تلك الكُتب التي تكون، على الرغم من قِدَمِها، صحيحة إلى حد مُعَيَّن، ونَاقِدَة، وغير مُتَحَيِّزَة، وعادلة، وعَـقْلَانية، ومُفيدة، ومُمْتِعَة في القراءة.

  18. لا يَتَحَمَّلُ القارئ العُمُومِيات، أو التِّـكْرَار، أو الحَشْوَ“. وغالبًا مَا تكون التفاصيل غير الضرورية مُزْعِجة. ولا يستطيع أيّ كان أن ينتج كتابًا جيدًا إذا لم يَقُم بِعمل دَائِم، وجِدِّي. وكل كِتَاب لا يأتي بتوضيحات ثمينة حول قضايا مُقْلِقَة، لا يمكنه أن يَهُمَّ القُرَّاء. ومن الوَهْم الاعتقاد بإمكانية إنتاج كتاب جيّد بِكلام فارغ. فَالكِتاب الجِدِّي هو الذي يقدّم للقارئ خُلَاصَات عمل طويل، وعميق، ومبني على دِراسات، وتـفكير، وملاحظات، وتحاليل. خاصّة إذا كانت هذه الخُلاصات تُـؤَدِّي إلى توضيح آفاق شَاسِعة.

  19. لا تَـتَـعَجَّل لِـكِتَابة كُتب مُتَـعَدِّدة. فمن المُمْـكِن أن تكون كلّ هذه الكتب رَدِيئَة، أو بدون فائدة. خُذْ وقتَك الكَافِي. فإذا أنتجتَ خلال حياتك كُلِّها كتابًا واحدًا ممتازًا، سيكون إنجازك جَيِّدًا، أو مُتَمَيِّزًا، أو حتى استثنائـيًّا.

  20. يَحْتَاج الكاتب على الأقل لخمسة سنوات لِكِتَابَة كتاب جَيِّد. بينما يمكن لِقارئ عَادي أن يقرأ هذا الكتاب في قرابة خمسة أيام.

  21. إذا كُنْتَ عُرْضَةً لِإلهام قَـوِيّ، إلى درجة أنك تَـكتبُ بسهولة، وبشكل تِلقائي تقريبًا، وإذا كان الأشخاص الذين يقرأون مَخْطُوطَة كتابَتِكَ يُطَالِبُون بِنشرها، آنئذ يحقّ لك التـفكير في إمكانية نشر ما كَتبتَه. وإلَّا، فسيكون من الأفضل التخلِّي عن فكرة النّشر. لأن إلهاماتك، أو كتاباتك، لم تَـنْـضُج بعدُ بِمَا فيه الكِـفَايَة.

  22. لا تَــكْـتَـفِي بِكتابة انطباعاتك. لأن الانطباعات غالبًا ما تكون سطحيّة، أو قليلة المَنْـفَعَة. أُخْرُجْ من وِعَاء الأَنَا“. فَضِّلْ تحليل الظَّوَاهِر (المُجتمعية، أو الطبيعية، أو التاريخية، أو العالمية، إلى آخره). حَاوِل أن تَـفْهَم القوانين التي تَحْكُمُهَا. لأن فهم الظَوَاهِر المُجتمعية يُـثِيرُ مُتْعَة سَارَّة. وبالإضافة إلى ذلك، يُـثَـقِّـفُـنَا فَهمُ الظواهرِ المُجتمعيةِ، ويسمح لنا بتحسين الحياة المُشتركة في المُجتمع.

  23. عندما تَـكتب، حاول أن تُـناقش جميع المواضيع التي صَادَفْـتَهَا أثناء بحثـك. قُـمْ بِـبِنَاء رُؤية شُمُولِيَة. أَعْطِ نظرة عن الحياة، وعن حَرَكِيَتِها (أو عن دِينَامِيَتِها)، وعن تناقضاتها. أَحْـكِي قِصَصًا، أَبْـهِرْ القُرّاء، أَدْهِشْهُم. قُلْ مَا هُو مُهِمٌّ في بضع كلمات. إِجْعَلْ شخصيات مُختلفة تُعَبِّر عن آرائها، وعن مُعتـقداتها المُتَـفَاوِتَة. أَعْرِضْ وُجُهَات النَـظَر المُختلفة، دون إِغْفَال عَرْضِ وُجُهات النَّظَر المُعَاكِسَة. قَارِنْ بين الأطروحات. كُن مفيدا لجميع الطبقات الاجتماعية. فَضِّلْ أن تكون لَاذِعًا، بدلًا من أن تكون لَـيِّـنًـا، أو ضَبَابِيًا. تَـقَـبَّلْ أن تَظهر غريب الأطوار، بدلا من أن تظهر عاديا. يجب أن يجد القارئ في كتاباتك الغرائز، والشُّكُوك، والمشاعر، والمُيُول، أو الانطباعات التي أحسّ بها القارئ أثناء حياته. ولكن لا تُجَامِل القارئ. لا تحاول إرضاءه على حساب المَوضُوعية، أو الحقيقة. إِنْـشَغِلْ فقط بِالوُصُول إلى حقيقة الأشياء. فَضِّلْ جَوْدَة المُحتوى على إرضاء القراء.

  24. يُـتْـقِـنُ الكَاتبُ البارعُ التفاصيلَ. ويكتـفي عُمومًا بِالتَـلْمِيح إليها، بشكل عَابِر، دون أن يُـثْـقِـلَ القارئ بعبء استعراض هذه التـفاصيل.

  25. لا تَـتَجَنَّبْ المُحرّمات (tabous)، على عكس ذلك، من المُفيد أن نَـكتشفها، وأن نُـشَرِّحَهَا، وأن نُحَلِّـلَها. بَل يتطلّب تـقدّمنا المُجتمعي المُشترك توضيح هذه المُحرّمات، أو نـقـدها.

  26. اِسْتَخْدِم سِحْرَ الكلمات. يُمكن لِبعضة كلمات مُختارة بشكل جيِّد أن تُحْدِثَ في وعي القارئ صُورًا ذهنية، وذكريات، ومشاهد حَيَّة، وتوضيحات، وتـفكير منطقي.

  27. اُكْتُبْ بِلُغة سَليمة، وبطريقة قريبة من اللغة المَحْكِيَّة، أو من الأسلوب الشَّائِـع الذي يستخدمه الشعب. لأن هذا الأسلوب غالباً ما يكون بسيطاً، ومُرَكَّزاً، ومُكثَّـفاً، وتصويرياً. لكن دون أن تُصبح عبدًا لِهذا الأسلوب، ودون أن تَـفْـقِد عُمق التَّـفكير، أو العقلانية. إِبْـقَ خَـفيفًا، ورَشِيقًا، ومُنْـعِشًا. تَجَنَّب التعبيرات الثَّـقِيلة، أو الصّعبة الفهم. أَزِلْ بِلَا شفـقة العبارات التَّافِهَة، أو التي لا تأتي بِشيء جديد، أو مُـفِيد.

  28. الكِتَاب الجَيّد يُثير فُضُول القُراء. ويُطْلِق مُناقشات، أو يُحدِث جِدَالات. وقد يُلْهِم حتى برامج لَدَى فاعلين مُختلفين.

  29. الكِتاب الجيّد ليس مقالاً صُحُفِيًّاطَويلاً حول الشّؤون الجارية. يمكنه أن يتناول موضوعات ساخنة، مأخوذة من الوقائع القائمة، لكن مع التّـركيز على الجوانب أو الظَّواهر التي لا تَـشِيـخ.

  30. يجب أن يكون محتوى النص الذي كَتَبْـتَه مَخْدُومًا بِـعِنَايَة. وكلما أَعَدْتَ قراءة النص الذي كَتبتَه، أو راجعتَ أية فقرة من بين فقراته، يمكنك، من وقت لآخر، أن تكتشف بعض التَحسينات المُلائمة. ليس فقط في شكل التعبير، بل أيضًا في الدِّقَة، أو في وُضوح التـفكير. يُمكن للقارئ أن يقول: «لَدَيَّ رأي مخالف لِرَأي المؤلف»، لكن يجب على جَـوْدَةِ عملك أَلَّا تُـتِيح للقارئ الفرصةَ لِكَي يقول إن كِتَابك «سَطْحي»، أو «خَاطئ».

  31. تَجَرَّأ على الدفاع عن أفكار جديدة، سَخِيَة، أخلاقية، تـقدمية، ثورية، غريبة، أو مُمتـعة. وعندما يكون ذلك مُمكنا، فَـضِّل الفُـكاهة على العمل الصَّارِم، أو المُـمِلّ.

  32. كلّ كَاتِب يَـغُشُّ، يَـفْـقِـدُ مُستـقبله. وكلّ مُفَكّر يَخْدَعُ، كأنّه يَـنْـتَـحر. حيث يُـصبح تَافِهًا في محيط من الرداءة.

  33. لَا يتـظاهر الكاتب النَّزِيه بِكونه يَكتب انطلاقًا من عَدَم. بل يذكر الكاتب الصّادق المَصادر التي سبق له أن استـفاد منها. ولا يَنْـتَحِلُ (plagiat) أفكارًا، أو مَقاطعَ من كُتَّاب آخرين. ولا يُلَمِّحُ إلى أنه اخترع كل شيء هو وحده. بل يجب على الكاتب النَّزِيه أن يدرس التُرَاث الثقافي العالمي، وأن يعترف أنه يستعمل هذا التراث، وأنه يُطوِّره، ويُوَاصِلُه، ويُثْرِيه، من خلال مساهماته المتواضعة. فقط الأخلاق تُشَرِّفُ الشخص. بينما الغِشّ، أو الأنانية، أو الانتهازية، هي من علامات التَـخَلُّف، أو الغباء.

  34. أثناء الكتابة، انتبه إلى أسلوب التأليف. وتَجَنَّبْ أن تكون مُتحمّسا، أو مُتعصّبا، أو مُتوتّرا. فَضِّلْ أن تكون مُسْتَرْخِيًا، ومُحَايِدًا (neutre)،وحتى فُكَاهِيًا. ومن المهم الحفاظ على هذا السُّلُوك المُسْتَرْخ، والذي ينظر إلى الأمور بِسُخرية. ويتـطلب الأمر الكثير من الاِرْتِيَاح، أو المُرُونَة، أو الدَعَابَة، لكي تَـقدر على السَّخَر من الأمور الأكثر إِيلَامًا، أو صُعوبةً، أو تعقيدا، أو طُموحاً. وإذا كنتَ تنتـقد المُجتمع بطريقة مَرِحَة، أو لَاذِعة، فمن المُرَجَّح أن غالبية الناس سوف يُصَفِّـقُون لك، وأن أقلية سَتُلْقِي باللَّوْم عليك. وتُشِير الانتقادات بالضرورة إلى مسار مُعَيَّن للتـقدّم. وغالباً ما يكون من غير الضروري شرح كل الأشياء التي يتعيّن القيام بها.

  35. أفضل طريقة لإدانة مُمَارَسَات غير شريفة، أو إجرامية، هي التعريف بها، بطريقة موضوعية، ووصفها بوضوح، دون الحاجة إلى تَصْنِيـفِهَا، أو الحكم عليها، بعبارات الاتهام، أو الإهانة.

  36. إذا كان نَصٌّ لا يُحَلِّـلُ ظَوَاهِرَ، أو إذا كان لَا ينتـقدُ بطريقة صريحة، لَا أطروحةً، ولَا أخلاقًا، ولَا أيّ شخص، فمن المُحْتَمَل أن لَا يـقدر هذا النَصُّ على تعليمنا أيَّ شيء.

  37. عندما تريد نـقد شخص، أو مجموعة، أو مؤسّـسة، أو حزب، أو شعب، أو دولة، إلى آخره، يكون من الأفضل أن تأخذ كل الوقت اللَّازم لِكِتَابة النَصّ الخاص بهذا النَـقد. اِجْعَل نـقدك شاملا، وواضحا، ومَبْنِيًّا، إلى درجة أن لَا أحد يقدر على مُعَاكَسَة هذا النّـقد. كما يجب عليك أن تتخيّل جميع الاعتراضات التي قد تخطر على بال القارئ، وأن تُجِيب على هذه الاعتراضات المُحتملة، قبل أن يُـعَبِّر عنها القارئ.

  38. أثناء كتابة نـقدك، لَا تُـقَلِّلْ من شأن خصومك، ولَا تَشْتُمْهُم، ولَا تحتـقرهم. ولكي يـكون نـقدٌ مُعيّن مفيدًا، يجب ألَّا يُركِّزَ في تحامله على أشخاص مُحَدَّدِين. ولكن ينبغي على هذا النـقد أن يُحلِّل أفكارًا، أو أن يَشْجُب ممارسات غير مُرْضِيّة، أو غير نزيهة. حاول أن تبقى موضوعيًا، دون تقديم تنازلات غير مبررة في انتـقاداتك. انتـقد بالقدر الذي تريد، ولكن بدون تَحَيُّز، وبدون إذلال، وبدون إهانة، وبدون كراهية. لأن الهدف هو تـَقْوِيم الأشخاص المُخْطِئِين، وليس هو سَحْـقُهُم.

  39. يجب أن يَسُودَ «الحِسُّ السَّلِيم» (le bon sens)، أو العقل، أو العدالة، أو الذّكاء، على كلِّ من العادات، والاقتصاد، والتِّـقْنِيَة، والسياسة، والأيديولوجية، والفن، وحتى على المُقَدَّسَات.

  40. لا تَـكْتَـفِي بِتَـقْسِيم الأمور إلى «صَائِب» أو «خاطئ»، «عَادِل» أو «ظَالِم»، «خَيِّر» أو «شِرِّير»، «مقبول» أو «غير المقبول». حَاوِل أن تَـدرس الأشياء في نَشْأَتِهَا التاريخية. حَاول أن تُحَلِّلها كَظَوَاهِر مُتـَكَرِّرَة، وليس كأحداث استثنائية. لأن الواقع (أو نتيجته المنطقية، أي الحقيقة“) هو دائمًا في تَطَوُّر، ومتناقض، وتاريخي.

  41. كتبتُ كتابي “Le Sociétal” (باللغة الفرنسية) فقط بِسلسلة طويلة من التَخْمِينَات” (intuitions)، المُستـقلة عن بعضها البعض. (واستعملتُ أيضًا الحَدَسلِكتابة كتابي نَـقْد الشَّعْبباللغة العربية). فقال لي بعض الأصدقاء: «كيف تكتبُ التَخْمِين» (intuition)؟ فَـقُلتُ لهم: النَصُّ المثالي لِكتابة تَخْمِين، أو حَدَس، يتكوّن من ثلاثة أجزاء: أ) مَدْخَل الحَدَس هو مُقَدِّمة سريعة، مَكْتُوبَة في جُملة واحدة أو جُملتين. ويُعْلِنُ هذا المدخلُ المسألةَ التي نَوَدُّ مُعالجتها. ويُـثِيرُ في نفس الوقت انتباه القارئ أو اهتمامه. ب) يبدأ التفكير على الفَوْر في جِسْم الحَدَس“. وَيُبْرِزُ بِإِيجاز الظواهر المُجتمعية، والمُعْطَيَات، والتحاليل، والتَسَاؤُلات، والأطروحات، والأطروحات المُضَادّة، واستنتاجات واضحة وملموسة. ت) نَخْتِمُ عادةً نهايةَ الحَدَسبعبارة تُزَعْزِعُ القارئ، وتدفعه إلى التوقُّف من أجل التـفكير. كما يُمكن لِهذه الجملة الأخيرة أن تُـثِـيرَ فجأة جَدَلًا جديدا. الهدف هو أن نُـفَكِّر بشكل جماعي. والشيء المهم، ليس هو فقط جمال النص، بل هو أيضًا الوضوح، والحقيقة، وَنَـزاهة الفِكر. ويجب أَلَّا يتجاوز النص الكامل للحَدَسالمثالي بضعة جُمَل، أو بضعة أسطر.

  42. «رَكِّزْ ذِِهْنَكَ على البحث عن الحقيقة. اِبْحَثْ عن المعرفة كهدف في حَدِّ ذاته. أَرْفُضْ استبدالَ هذا الهدف بأغراض غير عِلْمِيَة. اِسْتَخْدِمْ حُريتك في التفكير والنقد إلى أقصى درجة ممكنة. قُـمْ بِمُجَابَهَة دَائِمَة، وَعَلَنِيَة، للأُطْرُوحات، والتَأْوِيلات العِلمية». (مَقُولَة مُسْتَوْحَاة من كتاب السيد مِيكَائِيلْ لُووِي، [Michael Lowy, Paysages de la vérité, Paris, Édition Anthropos, 1985, p.221]).

  43. أُحْرُصْ أكثر ما يمكن على تَحْيِين معارفك في مجالات الثـقافة، والاقتصاد، والعلوم، والفلسفة، والتاريخ، والقانون، والتكنولوجيا، والسياسة، المحلية والدولية. اِفْتَرِضْ أن قارئ كِتَابَاتك عَالَمِيٌّ، وليس مَحَلِّيًا.

  44. من خلال تجربتي الشخصية في الكتابة، تَأَكَّدْتُ من أن استعمال تكنولوجيات الحَاسُوب المَنْـقُول (أو ما يَـقْتَرِبُ منه)، يُحَسِّن بقدر كبير السُّرعة، والسُهُولة، والمَهَارة، والإنتاجية، والدِّقَّة، في عَمَلِ الكِتَابة. ويكفي عمومًا شهر واحد لِتَعَلُّم تِـقْنِيَة الدَكْتِيلْيَة” (dactylographie) (أو الكتابة على آلة كاتبة، أو على ملامس الحَاسُوب). وتسمح لك هذه الدَكْتِيلْيَةبِالكِتابة بعشرة أَصَابِع، بدلًا من الكتابة بأُصْبُعَيْن فقط. كما يكفي أسبوع، أو شهر، لِلتَـعَوُّدِ على وَظَائف تَطْبِيقَاتالكتابة، مثل “Microsoft Office Word” (وهو مُؤَدَّى عنه)، أو “OpenOffice” (وهو بالمجان)، إلى آخره. ويُوَفِّرُ لك الحاسوب، المُرتبط بالأَنْتِرْنِيت، أدوات مُرَقْمَنَة مُتَعَدِّدة، منها : قَوَامِيسَ متـنوّعة، وتطبيقات للترجمة الآلِيَة، وموسُوعَات غنية، وكُتُب، ووثائق، ومَراجع، مُرَقْمَنَة، وسريعة الاستعمال. ويصبح تطوير النص على شاشة الحَاسوب أسهل بكثير من تطويره على الورق. ومع تقدم الزمان، تتعمّق هذه المَزَايَا، وتَـتَـوَسَّعُ هذه التحسينات.

  45. بعد الانتهاء من تَحْرِير كتابك، لا تَظُن أنك ستجد بسهولة دَارًا للنَّشْر. فَلن تَـقْبَل أيّ دَار للنَّشْر طَبْعَ كتابك إِلَّا إذا كان مَضْمُونه مُمْتَازًا، وبيعه مُؤَكَّدًا. ولَا تَتَخَيَّل أن المواطنين سَيَشْتَرُون الآلَاف من نُسَخ كتابك. لأن العرب والمُسْلِمِين لا يَشْتَرُون الكتب، ولا يقرؤونها، ولا ينخرطون في المكتبات العمومية، حتّى وَلَوْ كانت بالمجان. ولا يَهْتَمُّون بِالثـقافة. ولا تَحْلُم بأن «حُقُوق التَأليف» سَتُغَطِّي نـفـقـات إعداد كتابك. واعْلَمْ أن الرَّابِحِين الوحيدين من صناعة الكتاب (في البلدان الإسلامية)، هم أَوَّلًا المُوَزِّعُون، وثانيًا بَائِعُو الكتب. ولا يربح الناشرون إلَّا القليل، وفي حالات نَادِِرَة. بينما الكُتَّاب لا يربحون أيَّ مَرْدُود مَالي. فَلَا تَهْتَمْ بالتَأْلِيف أو الكتابة إِلَّا إذا كان هدفك الوحيد هو نَشْر الثـقافة، ولو تطلّب ذلك منك الإِنْـفَاق بلا حساب من جيبك. أما إذا كان هدفك هو ربح المال، فمن الأحسن لك أن تذهب إلى القطاعات الاقتصادية أو التجارية.

وفي الختام، هل تُحَبِّذُ اقتراح تحويل هذا النَصِّ إلى مشروع مِيثَاق شَرَف«لِنَادِي الكُتَّاب النَزِهِين» ؟

رحمان النوضة (حُرّرَت الصِّيغة الأولى في الدار البيضاء، في سنة 2000),

 

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.