كتاب : «نقد أحزاب اليسار بالمغرب». ء

     نَـقـد أحزاب اليسار بالمغرب

لتنزيل كتاب : «نـقد أحزاب اليسار بالمغرب» (صيغة 47)، للكاتب رحمان النوضة، أنقر بالفأرة فوق العنوان أو الرّابط التالي، الموجود في تحت، والذي يحتوي على الحروف اللاتينية «بِي دِي إفْ». ويُقرأ هذا النص في برنامج  «أَدُوبْ رِيدَرْ». حجم الوثيقة: قرابة 108 صفحة، أو 23 ألف كلمة، أو 90 كيلو بايت. ء

Captur.très.courte.flèche.rouge%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%86%d9%80%d9%82%d8%af-%d8%a3%d8%ad%d8%b2%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d8%8c-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84    

فهرس وثيقة ‘ نـقد أحزاب اليسار بالمغرب‘ (الصّيغة 47) : ء

capture-%d9%81%d9%87%d8%b1%d8%b3-%d9%86%d9%82%d8%af-%d8%a3%d8%ad%d8%b2%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%a7%d8%b1%d8%8c-%d8%b5%d9%8a%d8%ba%d8%a9-47jpg

قراءة مباشرة لِهذه الوثيقة :  ء

نـقد أحزاب اليسار بالمغرب 

عبد الرحمان النوضة (الصيغة 47).

(ملاحظة: حُرّر هذا الكتاب (’’نـقد أحزاب اليسار بالمغرب‘‘) على شكل استجواب، بهدف تبسيط التّعبير والعرض).

سؤال : في البداية، أطرح عليك أسئلة تمهيدية وسريعة، لتوضيح الإطار الحزبي العام : كم هو عدد قوى اليسار بالمغرب؟

جواب : حسب التعريف، ما بين أربعة وعشرة.

سؤال : هل تتعاون قوى اليسار فيما بينها؟

جواب : لاَ.

سؤال : هل قوى اليسار بالمغرب راضية اليوم عن بعضها بعضًا؟

جواب : لاَ ٍ!

س : هل تناقش قوى اليسار خلافاتها السياسية والفكرية بشكل كتابي، وعلني ؟

ج : لاَ !

س : هل تتبادل قوى اليسار النـقد فيما بينها، بشكل مكتوب، وواضح، ومسؤول ؟

ج : لاَ !

س : وكيف تتـفاعل إذن قوى اليسار بالمغرب فيما بينها ؟

ج  : إنها تتجاهل بعضها بعضًا، أو تحتـقر بعضها بعضًا، ولا تبالي بما فيه الكفاية بالتواصل السياسي، والفكري، فيما بينها. كل حزب من بين أحزاب اليسار يكتـفي، ومن بعيد، بتأويل سلوك أحزاب اليسار الأخرى، بشكل سلبي، وقد يُفسّر هذا السّلوك بنوايا مُغرضة، دون تحمّل عناء الاتصال بتلك الأحزاب المنافسة للتّأكّد من حقائق الأمور.

س : وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق ؟ ما هي الخطوات الأولى التي ستساعد قوى اليسار على تحقيق قفزة نوعية في مناهجها ؟

ج : هذه الخطوات الأولى الضرورية تكمن في التزام مجمل قوى اليسار بالتواضع، والاحترام المتبادل، وبالتـقارب فيما بينها، والحوار، والتشاور، والتنسيق، والتـفاعل، والتعاون، والتكامل، والتضامن، وخوض النضال المشترك.

س : ما العمل إذن؟

ج : ما  تحتاجه قوى اليسار اليوم بالمغرب، ليس هو البدء بِبناء جبهة تـقدمية أو اشتراكية، أو التوحّد في حزب واحد موحّد، وإنما هو الاتـفاق (أولا وقبل كل شيء) على تشخيص الأخطاء أو الأمراض التي تعاني منها قوى اليسار. وتشخيص أوضاع المجتمع. ويُرجى في هذا التشخيص أن يكون محايدا، وموضوعيا، ودقيقا، ومعلّلا، ومقنعا. وبعد وضع هذا الشخيص، يصبح بالإمكان وصف العلاجات الملائمة والدقيقة. خاصّة وأن المشكل الأهم هو أن نسبة هامة من مناضلي قوى اليسار تـفكّر بمناهج غير سليمة، وغير دقيقة. فلا بدّ من تدقيق، وتـقويم، وعقلنة، وتثوير، المناهج المستعملة. وإذا ما بقي مناضلو اليسار لا يعرفون كيف يفكّرون بشكل منهجي سليم، فإنهم لن يستطيعوا تشخيص المشاكل، فبالأحرى أن يقدروا على التـفاعل مع واقع المجتمع بأساليب ملائمة وفعّالة. وإذا لم تُبْنَ السياسةُ على أساس العلوم، والأخلاق، والقانون، فإنها قد تبقى مجرد خطابات جوفاء، أو تخمينات مهزوزة، أو سلوكيات غير عقلانية. وبعد تـقويم مناهج التـفكير، تصبح مهمة التوحيد سهلة، أو ناضجة، أو غير إجبارية. لأنه، إذا غدت مكوّنات اليسار تـفكر بمناهج سليمة، فإنها ستتعاون بالضرورة، وستتكامل فيما بينها، سواء كانت موحّدة داخل جبهة أو حزب، أم أنها بقيت على شكل أحزاب متعدّدة ومتكاملة.

س : وإذا كان مجمل مناضلي قوى اليسار يُقرّون بوجود نـقط ضعف متعدّدة لدى قوى اليسار، فما هي المظاهر التي يتجلّى فيها هذا الضّعف، أو النـقص، أو القصور؟

ج : مِمَّا يزيد المشكل صعوبةً أنه لا تُوجد إلى حدّ الآن وثائق تحلّل نـقط ضعف قوى اليسار، بشكل منهجي، وشمولي، ودقيق، وموضوعي، ومحايد. وقد يوفّر الاستجواب الحالي مناسبة لِنـقد مجمل قوى اليسار، بمنهج واضح، ومحايد. وسواءً اتـفق القارئ أم لاَ مع الأطروحات المقدّمة فيما يلي، إن جزئيا أم كلّيا، فالمهم هو أن هذا الاستجواب يقدّم أرضية للنـقاش فيما بين مناضلي اليسار، ويقترح تحليلا دقيقا، ومعلّلا، لأوضاع قوى اليسار بالمغرب، بهدف إبراز نـقط الضعف، والمساهمة في تـقارب قوى اليسار، وتعاونها، وتكاملها، وخوضها للنضالات المشتركة.

1) ما هي الأحزاب التي يتكوّن منها اليسار بالمغرب؟

  • يوجد رسميا بالمغرب ما يزيد عن 35 حزبًا سياسيا. لكن معظم هذه الأحزاب تشبه قبائل سياسية. لأنها لاَ تتميّز فيما بينها بفكرها، أو بِبرامجها، أو بمشاريعها، وإنما بطريقة نشأتها، أو بالجماعة التي تـقودها، أو بأساليب اشتغالها أو استـقطابها للأنصار. وأغلبية هذه الأحزاب هي جماعات صغيرة على مستوى عدد أعضائها النّشطين. ونـقسّم هذه الأحزاب إلى قسمين:
  • «أحزاب خاضعة» للسلطة السياسية المركزية، وتشمل الأغلبية المطلقة من بين هذه الأحزاب.
  • «أحزاب مستـقلّة» عن السلطة السياسية، وهي قليلة العدد (أي أنها تُعدّ على رؤوس أصابع اليدين).

أمّا «الأحزاب الخاضعة»([1]) فقد أُنْشِئت بإيعاز من السّلطة السياسية. ولا تتحرك إلاّ بأمر من القصر الملكي، أو بإيحاء منه، أو من وزارة الداخلية، أو من مستشاري الملك، أو من أجهزة المخابرات. ونسمّي عادة هذه الأحزاب بعبارة «الأحزاب الإدارية»، أو «الأحزاب المَخْزَنِية» (نسبة إلى ’’المَخْزَن‘‘، أي للنّظام السياسي القائم). والخاصّية الأساسية المشتركة لمعظم المسؤولين في هذه «الأحزاب الخاضعة» هي ولاؤهم المطلق للنظام الملكي. ويعمل هذا النّوع من الأحزاب كمُجرّد أدوات، تُحَرّكها السلطة السياسية متى شاءت، وكيفما شاءت. والميزات العامة ل «الأحزاب الخاضعة» هي التالية:

1- كلّ «الأحزاب الخاضعة» هي ملكيّة، محافظة، ويمينية. وأعضاءها هم في غالبية الحالات أعيان محلّيين، ورجال أعمال، ووصوليين، يستغلّون انتخابهم في الهيئات التمثيلية (من برلمان، ومجالس محلية) لتنمية مقاولاتهم، أو لخدمة قضاياهم الشخصية والعائلية، تحت غطاء الولاء والمناصرة للنظام السياسي القائم.

2- لا تتوفر هذه «الأحزاب الخاضعة» على إرادة سياسية حرّة ومستـقلّة([2]).

3- لا تحمل مبادئ ثابتة، ولا خطّا سياسيا واضحا. عقيدتها الوحيدة هي مناصرة الملك، ودعم النّظام الملكي القائم، في كل الظّروف، وفي كل القضايا، وبدون أي شرط كان، مقابل الحصول على امتيازات.

4- ليس لديها برنامج فعلي في ميادين الاقتصاد، أو السياسة، أو الثقافة.

5- تعجز كليّا عن مخالفة أو معارضة ما يريده، أو ما يوحي به، القصر الملكي.

أما «الأحزاب المستـقلّة» فهي على الخصوص أحزاب اليسار التـقدّمي أو الثوري. وهي التالية (بدون ترتيب): الحزب الاشتراكي المُوحَّد، و حزب الطّليعة الديمقراطي الاشتراكي، و حزب النّهج الديمقراطي، و حزب المؤتمر الاتّحادي”. الشيء الذي لا ينفي أن بعض الأشخاص الوصوليين في قيادات أحزاب اليسار يطمحون في الخفاء إلى تحويل حزبهم إلى حزب مشابه «للأحزاب الإدارية»، بهدف تحسين أوضاعهم المجتمعية، أو التحاقهم بالنخب الرسمية.

وتدخل أيضا ضمن قوى اليسار بالمغرب جماعات مناضلة، وتنظيمات ثورية، وكذلك تيارات متواضعة، وهي عموما صغيرة في حجمها، وتـعمل في شبه سرّية بسبب القمع، لكنها تساهم في النضالات الجارية، وتتوفر على تأثير معترف به في الساحة السياسية أو النضالية، ولو أن هذا التأثير يبقى متواضعا، أو ضعيفا.

وعند تحديد الموقع السياسي لأحزاب مثل ”الاتحاد الاشتراكي“، أو ”حزب التـقدّم والاشتراكية“، نصطدم ببعض الآراء التي تُصرّ على تصنيف هذين الحزبين داخل «اليسار». وتعتـقد هذه الآراء أن الأحزاب التي كانت خلال سنوات 1960 م «يسارية»، تبقى بالضرورة دائما داخل «اليسار». وهذا رأي ”آلي“ (mécaniste)، أي غير جدلي. لأن هذا الرّأي لا يدرك أن أي حزب يتطوّر باستمرار، بل يمكنه أن يتحوّل إلى نـقيضه ! فمثلاً حزب الاتّحاد الاشتراكي لم يعد حزبا ثوريا، ولا يساريا، منذ مؤتمره الاستثنائي في سنة 1975. وتأكّد ذلك أثناء «حكومة التناوب» التي قادها عبد الرحمان اليوسفي بين سنتي 1997 و 2002. وأصبح حزب ”الاتحاد الاشتراكي“ اليوم يتأرجح بين موقعي يسار الوسط، ويمين الوسط. أمّا حزب التـقدم والاشتراكية“، فقد تخلّى عن التـقدّمية وعن الاشتراكية. وقد بدأ تحوله إلى حزب يميني، منذ سنوات 1975. وكان ”حزب الاستـقلال“ ولا يزال حزبا ملكيا، يَمِينيا، ومُحافظا.

وأما حزب العدالة والتنمية الإسلامي، فَيَحْتَلّ، على العموم، موقع اليمين، أو يمين الوسط. تارة يدافع عن مواقف أخلاقية (مثل التنديد بالفساد، ولو عبر الخطاب فقط، ومن منطلق ديني)، وتارة أخرى يدافع عن قضايا يمينية، أو مُحافظة، أو رجعيّة (مثل المُساندة المُطلقة للنّظام الملكي القائم، ومسايرة النظام الرسمالي الليبيرالي المتوحّش، وتزكية القمع، والدّفاع عن إمارة المؤمنين، وعن أَسْلَمَة الدولة (Islamisation de l’Etat)، وعن الخضوع الأعمى «للشّريعة الإسلامية»، وعن دوام التمييز السّلبي ضدّ النساء).

 2) هل يجوز نـقد أحزاب اليسار؟

  • أنتـقد أحزاب اليسار، لكن هذا النـقد هو نـقد من نوع جديد. لأنني لا أنتـقد أحزاب اليسار من منطلق الكراهية، أو المزايدة، أو التّحدي، أو المنافسة، أو تصفية حسابات ذاتية. على عكس ذلك، أعلن انتمائي إلى قوى اليسار، وأحترمها، وأتـعاطف معها، وأساندها، وأتـضامن معها، وأُصِرّ على النضال إلى جانبها. واحترام أحزاب اليسار لا يلغي شرعية نـقدها. والاحترام لا يتناقض مع النـقد. وأحزاب اليسار تبقى هي نفسها في حاجة إلى النـقد. وأنتـقد أحزاب اليسار ولو أن بعض أعضاء هذه الأحزاب لا يطيقون هذا النـقد. ولا أنتـقد قوى اليسار إلاّ لأنني أريدها أن تكون قوية، وفعّالة، أكثر مِمّا هي الآن. وبقدر ما أدعّم قوى اليسار، بقدر ما أحرص على مُناقشتها، ونـقدها، كُلّما دعت الضّرورة إلى ذلك. والنـقد المُتبادل هو من بين أهم السُّبل لتحسين أداء هذه القوى. ومن لا يَجْرُؤُ على تبادل النـقد، بشكل بناء، وعلني، لن يتـقدم.

 3) هل اليسار في المغرب بخير؟

  • يظهر كل حزب من بين أحزاب اليسار بالمغرب أنه راض عن حاله. بينما في الواقع، أوضاع أحزاب اليسار تُخيّب الأمل، أو تُثير القلق، أو الاستياء. لأن أحزاب اليسار لا تـعمل بما فيه الكفاية لتطوير نـفسها، أو لرفع مستوى فعاليتها. وتبقى ممارستها أقلّ من القدر المطلوب.

وكل خطاب سياسي يعتبر اليوم أن حالة أحزاب اليسار بالمغرب جيّدة، أو حسنة، أو عادية، هو خطاب خاطئ، ومُكَرّر، ومُحافظ، ولا فائدة منه. بل نـقد قوى اليسار هو عمل ضروري، وهو الوحيد الذي يمكن أن يُساعد على إبراز نـقط ضعف قوى اليسار، أو نـقائصها، أو أخطائها. ولا يوجد سبيل آخر، غير النـقد، لمُساعدة أحزاب اليسار على إصلاح نـفسها، أو تـقويمها، أو تَثْوِيرِها. 

وبشكل إجمالي، وخلال ال 10 أو 20 سنة الماضية، نلاحظ أن قوى اليسار بالمغرب لم تتحسّن كيفيا، أو أنها لم تنجح في إعلاء درجة تأثيرها. بل إنها لم تجتهد إلى حدّ الآن لكي ترفع مستوى فعاليّتها السياسية. وهذا القصور يعني أن أحزاب اليسار تـخلّفَت بالمقارنة مع أحزاب اليمين.

وسُوء حال أحزاب اليسار بالمغرب يتجلّى في كون تأثيرها السياسي على الجماهير هو الأقل فاعلية بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى. وتظهر أحزاب اليسار كأنها مهمّشة، ليس فقط من وسائل الإعلام العمومية (كما يقول البعض)، ولكن أيضا من السّاحة السياسية، ومن الشارع، ومن الأنشطة الجَمْعَوِية، والثقافية. فتظهر أحزاب اليسار، بالمقارنة مع أحزاب اليمين، كأنها غارقة في رتابة مُعْتَادَة، وفي الدُّوغْمَائية (dogmatisme)، وفي التـقليد، وفي فقدان المُبادرة، وفي ضعف دائم. 

لقد تكوّنت معظم تيارات اليسار بالمغرب بين سنوات 1970 و 1995، على أساس الفكر الاشتراكي، أو ”الماركسي اللِّينِيني“. وكانت غايتها هي بناء مجتمع اشتراكي. لكن منذ انهيار نموذج منظومة ”اتّحاد الجمهوريات الاشتراكية السّوفياتية (URSS)“ في قرابة سنة 1989، وإلى حدّ الآن، لم تُجب أحزاب اليسار على الأسئلة المحرجة التي يطرحها ذلك الانهيار. ومن أهمّ هذه الأسئلة ما يلي: 1) ما هي الدّروس السياسية المستخلصة من تجارب ”الاتحاد السّوفياتي“ المنهار؟ 2) ما هو تـقييم الفكر ”الماركسي اللّينِيني“ على ضوء انهيار ”الاتحاد السّوفياتي“ في سنة 1989؟ 3) ما هو المشروع السياسي البديل عن المشروع الماركسي القديم (إن كان هناك بديل مُعدّل لهذا المشروع)؟

وإذا لم تـقدّم أحزاب اليسار إجابات واضحة ومُقنعة عن هذه الأسئلة المُحرجة، فإنها ستبقى في حالة حيرة فكرية. كما أن تصوّراتها للاستراتيجية وللتّكتيك ستبقى ملفوفة في الغموض، أو الارتباك. والأحزاب السياسية «الإسلامية»، المنافسة لأحزاب اليسار، هي المرشّحة للاستـفادة من هذا الارتباك الفكري الذي يوجد فيه اليسار.

وأحزاب اليسار هي تـقريبا الأحزاب الوحيدة في المغرب التي لا تتوفّر على أعضاء أو مسؤولين مُحْتَرِفين، أي مُتـفرّغين للعمل السياسي وحده، وقادرين على تـخصيص كل وقتهم لحزبهم، أو لقضايا النّضال. والسّبب في هذا النـقص لا يرجع فقط إلى ضعف الإمكانيات المالية([3])، كما يقول البعض. بل يُحتمل أكثر أن يرجع السّبب إلى غَلَبَة الهِوَاية على الاحتراف في مجال العمل السياسي. فمُعظم مناضلي كل حزب يساري مُحدّد، بقواعده وأجهزته القيادية، يركّزون ذهنهم على انشغالاتهم الشخصية اليومية، أو على قضاياهم المهنية المُعتادة، خلال ستة أيام من الأسبوع، ولا يفكرون عُمومًا في شؤونه النّضال، إلاّ خلال يوم الراحة الأسبوعية (الذي هو يوم الأحد في المغرب). كما لو كانوا مُجرد مواطنين عاديين. ونسمّيهم «مناضلي يوم الأحد فقط» ! كيف يمكن في هذه الحالة أن يقدر أي حزب يساري محدّد على تـخصيص طاقات فكرية كافية لدراسة مجمل القضايا المجتمعية التي تستوجب الدّراسة؟ كيف يُعقل في هذه الحالة، أن يقدر هذا الحزب اليساري على تلبية جميع الاحتياجات التي يَسْتَلزمها النّضال الثّوري؟ كيف يستطيع هذا الحزب اليساري أن يُدرك واقع المجتمع، وأن يُبلور الخطط النّاجعة، وأن ينظّم النّضالات الجماهيرية الكفيلة بتحقيق طموحات الشعب؟

لهذا، يُستحسن أن يُشْتَرَطَ في كل مناضل يترشّح لمنصب رئيس الحزب، أو كاتبه العام، أو لأي منصب قياديّ آخر، أن يلتزم بالتـفرُّغ للعمل الحزبي والنّضالي. كما يُستحسن أن ينصّ القانون الداخلي لكل حزب من بين أحزاب اليسار على إعطاء أفضلية معيّنة للمرشّحين للهيئات القيادية في الحزب الذين يلتزمون بالتـفرّغ للعمل الحزبي (وذلك مثلاً عبر منحهم زيادة 10 في المئة من كتلة الأصوات التي تصوّت على المرشّحين لهذه المناصب أثناء المؤتمر).

وإذا كان الحِسّ النـقدي لمناضلي أحزاب اليسار تجاه القوى اليمينية حادّا، فإن حِسّهم النـقدي هذا، تُجاه أنـفسهم، وتُجاه أحزابهم الخاصة، يُصبح في معظم الحالات مَكْبُوتا، أو مُلَجّما، أو مُحَرّما.

ويقول بعض المناضلين، أو بعض أحزاب اليسار : «يجب أن تعترف أحزاب اليسار أنها تعاني من ضعف أو قصور في أدائها». لكنهم يقصدون هنا بعبارة «أحزاب اليسار» الأحزاب الأخرى، ويستثنون حزبهم من هذا التشخيص. كأنهم لا يعون أن ”العقلية“ المُعتلّة التي أصابت قوى اليسار، موجودة أيضا في حزبهم، وفي شخصهم، وأن مهمة تـقويم العقليات مطروح على الجميع، وبدون أي استثناء.

ويبقى تطبيق الديمقراطية داخل أحزاب اليسار بعيدا عن أن يكون سَليما. لأن المُنافسة فيما بين مُختلف الشّخصيات، أو الكفاءات (إبان المُؤتمرات، إن وُجِدَت)، لا ترقى إلى مُستوى مُرض. ولأن مواقع المسؤولية، داخل أحزاب اليسار، تـقتَسَمُ فيما بين أفراد جماعات صغيرة، وثابتة، أو فيما بين بضعة جماعات مُتماسكة، وفق مُحَاصصة معيّنة، سرّية، أو غير معلنة.

ولا يرجع نموّ قوّة الأحزاب ”الإسلامية” (بالمقارنة مع أحزاب اليسار) فقط إلى كونها تستغل الدّين في مجال السياسة، كما يعتـقد البعض. وإنما يرجع أيضا، وعلى الخُصوص، إلى كونها تستـعمل مناهج في التـفكير وفي العمل تَتّسِم بواقعية أفضل، وبفعالية أكبر (بالمقارنة مع مناهج أحزاب اليسار)، ولو أن مناهج الأحزاب ”الإسلامية” تكون مُغَلّفة بخطاب ديني. بينما المناهج التي تستـعملها أحزاب اليسار (في التـفكير وفي العمل السياسيين) تبقى دون المستوى المطلوب. كما تجرؤ ”الأحزاب الإسلامية” من حين لآخر على اتّـخاذ مبادرات سريعة، وعملية، بينما أحزاب اليسار لا تـقوم بمبادرات إلاّ نادرا.

وخلال ال 20 سنة الماضية، فإن الأحزاب التي تـقدّمت أو تـقوّت أكثر بالمغرب، ليست هي أحزاب اليسار، وإنما هي على الخصوص الأحزاب ”الإسلامية”. ويُحْتَمل جدّا أن يستمر هذا التوجّه خلال ال 10 سنوات الآتية. كما يُحتمل جدّا، خلال السّنوات المقبلة، أن تستمر هذه الأحزاب ”الإسلامية” في الفوز بأكبر عدد من أصوات الناخبين في مجمل الانتـخابات المُبرمجة في المستـقبل. وذلك لثلاثة أسباب: السبب الأول هو أنه، إذا كان الشعب جاهلا أو متخلّفا، فإنه سينتخب ممثّلين جاهلين ومتخلّفين. والسبب الثاني هو ضعف أحزاب اليسار. والسّبب الثالث هو استلاب (aliénation) جماهير الشعب من طرف الأيديولوجية الدّينية. لكن الجانب الأساسي هو أن قوّة الأحزاب ”الإسلامية” تأتي من ضعف أحزاب اليسار.

ويُحتمل أن يَسْتمرّ فوز الأحزاب ”الإسلامية” في مجمل الانتـخابات إلى أن تُحِسّ غالبية الشعب، من خلال ممارسة ”الإسلاميين” للسلطة السياسية، أن هيمنة الدّين (على الدولة، أو على المجتمع) تتناقض مع الديمقراطية، ومع التنمية الاقتصادية. وتحتاج جماهير الشعب، لكي تُدْرِك أن ”الإسلاميين” غير مُؤهّلين لتحقيق الديمقراطية والتّنمية، إلى قرابة 10 أو 20 سنة من التجربة. وتحقيق التّنمية والديمقراطية، يبقى مشروطا بالفصل بين الدّين والدولة، وبين الدّين والسياسة.

 4) لماذا لا يوجد نضال مشترك فيما بين أحزاب اليسار؟

تعدد الأحزاب السياسية، بما فيها تعدد أحزاب اليسار، هي ظاهرة موضوعية، ترتبط بما يوجد في المجتمع من طبقات، وفئات طبقية مجتمعية. ولكي يوجد نضال مشترك، فيما بين أحزاب اليسار بالمغرب، يجب أوّلاً أن يتوفّر فكر وحدوي (مبني على أساس فنّ معالجة التناقضات وسط الشعب). ويجب ثانيًّا أن يوجد إطار منظّم ومضبوط للعمل المشترك. مثلا على شكل جبهة، أو فدرالية، أو تحالف، أو هيئة للتنسيق. وخلال عقود متتابعة بالمغرب، توالت الخطابات حول ضرورة بناء جبهة قوى اليسار. لكن هذه الجبهة (بمعناها السليم) لا توجد إلى حدّ الآن بالمغرب.

ومنذ 20 أو 30 سنة، ظلّ كلّ حزب من بين أحزاب اليسار بالمغرب يتكلم نظريا عن «الحاجة إلى نضال مشترك فيما بين قوى اليسار»، وعن «ضرورة تكوين جبهة يسارية»، أو «جبهة ديموقراطية»، أو «جبهة وطنية». لكن أحزاب اليسار ظلّت، إلى حدّ اليوم، عاجزة على تحويل هذا الكلام النظري عن «الجبهة» إلى أفعال ملموسة.

وأسباب غياب «جبهة قوى اليسار» بالمغرب متعددة، وأبرزها النواقص التالية في أحزاب اليسار: 1) قصور في التواصل (فيما بين قوى اليسار)؛ 2) سوء التـفاهم ناتج عن وجود مواقف مُسبقة (préjugés)؛ 3) نـقص في القدرة على الإنصات المتبادل؛ ث) ضعف التواضع السياسي؛ 4) قلّة الاحترام المتبادل؛ 5) نـقص في مُرُونَة الفكر؛ 6) نفور من التـقارب، والتعاون، والتكامل فيما بين قوى اليسار؛ 7) الخوف من احتمال إقدام بعض أحزاب اليسار المنافسة أو الحليفة (داخل الجبهة المُرتـقبة) على مناورات غير مرغوب فيها. 8) خوف كل حزب (من بين أحزاب اليسار) من أن يذوب، أو أن يتلاشى، في إطار جبهة أكبر منه. 9) لا تُـتـقن أحزاب اليسار فنّ مُعالجة التناقضات داخل صفوف الشعب، ولا تكتسب وضوحا كافيا في مجال تحديد العدوّ الطبقي المشترك، وفي تحديد الحلفاء الطبقيين. 10) لا تُـجيد أحزاب اليسار فنّ العمل المشترك فيما بين فاعلين يحملون مواقف سياسية مختلفة. (وتـقول نكتة أن العرب والمسلمين يجيدون أنشطتهم الفردية المُعتادة، أو الأنانية، لكنهم رديؤون أو فاشلون في أعمالهم الجماعية أو المشتركة) ! 11) تَحْمِل أحزاب اليسار تصوّرا خاطئا حول طريقة بناء «الجبهة». حيث يشترط كلّ حزب في الحزب الآخر المُرشّح للعضوية في «الجبهة» أن يتـفق معه في كلّ الآراء، وعلى كل القضايا ! وإذا كان حزب مرشّح للعضوية في ”الجبهة“ يحمل رأيا مخالفا في قضية سياسة معيّنة (مثل الموقف من قضية الصحراء، أو الموقف من النظام الملكي، أو الموقف من المشاركة في مؤسّـسات الدولة)، تعتبر أحزاب اليسار الأخرى هذا الخلاف في الرأي مبرّرا كافيا لرفض إنشاء أي «تنسيق»، أو «تحالف»، أو «نضال مشترك»، أو «جبهة»، مع هذا الحزب المخالف. 12) بعض الأشخاص في قيادات أحزاب اليسار لا تؤمن (في سرّية ذهنها) بجدوى بناء جبهة يسارية، وتتمنّى أن يفشل كل اقتراح عملي للشّروع في تشييدها.

وقد اِتـفقت ”فِدْرَالية أحزاب اليسار“ (المكوّنة من الأحزاب الثلاثة: ”الحزب الاشتراكي الموحّد“، و”حزب الطليعة“، و”حزب المؤتمر“)، على عدّة قضايا (ذات بعد استراتيجي)، من بينها المواقف التالية: «أ) تَسْقِيف النضال السياسي بالملكية البرلمانية (ومعناه بلغة واضحة هو: رفض العمل المشترك مع أيّ فاعل سياسي مثل ”حزب النهج“ يطمح إلى الجمهورية، ومنع أي نضال جماهيري من أن يتجاوز حدود هذا ”السّقف“)؛ ب) المشاركة في الانتخابات المحلية والبرلمانية؛ ت) الانخراط في الإجماع الوطني حول مغربية الصحراء الغربية»([4]). واعتبروا هذه المواقف الثلاثة من بين شروط العضوية، أو المشاركة، في «فدرالية أحزاب اليسار»، أو في أي عمل جبهوي، أو فدرالي، أو تحالفي، أو تنسيقي. لكن ”فِدْرالية أحزاب اليسار“ لم توضّح كيف تصنّف الأحزاب التي تَختلف مع هذه الشروط (مثل ”حزب النّهج“). فهل تُصنّف ”حزب النّهج“ كعدوّ سياسي؟ أم كخصم؟ أم كصديق؟ ألاَ تُشكّل هذه الشّروط الثلاثة حيلة مقصودة لتبرير إقصاء ”حزب النّهج“ من أي عمل مشترك فيما بين الأحزاب الثلاثة المتعاونة داخل «فدرالية أحزاب اليسار»؟ ألاَ يتميّز ”حزب النهج“ بالضبط بمواقف معاكسة لتلك الشّروط؟ حيث أن ”حزب النهج“: أ) يرفض تَسْقِيف النضال السياسي بالملكية البرلمانية؛ ب) يرفض المشاركة في الانتخابات في إطار نظام سياسي استبدادي وفاسد؛ ت) يعتبر أن حلّ مشكل الصحراء الغربية لا يمرّ عبر الضمّ القسري بالقوة للصحراء، وإنما عبر تمكين شعب الصحراء من تـقرير مصيره بحرّية. وبالتّالي، فإن الشّروط التي سطّرتها أحزاب «فدرالية اليسار» الثلاثة وُضعت خصّيصًا لتبرير «التَّطْلِيق بالثلاثة» مع ”حزب النهج“. وهي إرادة واضحة، ليس فقط لإقصاء ”حزب النهج“ وتهميشه، وإنما أيضا لإبقاء اليسار بالمغرب مقسّما، وبالتّالي ضعيفا. وهذه الاستراتيجية التـقسيمية لا تخدم قوى اليسار، وإنما تـفيد مصالح النظام السياسي القائم.

ولاَ تتعامل أحزاب اليسار بالمغرب مع مسألة بناء ”جبهة اليسار“ بمهارة كُفئة. بل تعامل أحزاب اليسار بالمغرب مع مسألة بناء ”الجبهة“ يفضح أن هذه الأحزاب تـفتـقد إلى المرونة الكافية في تـفكيرها. وذلك لعدّة اعتبارات. أولا، لأن أحزاب اليسار تنسى أن تعدد أحزاب اليسار، وتعدد الآراء فيما بينها، وحتى فيما بين أعضاء نفس الحزب، هي ظاهرة موضوعية، ومزمنة، بل حتمية. وثانيا، لأن أحزاب اليسار تنسى أن بناء «الجبهة» يكون بالضّبط مع القوى السياسية التي تختلف في بعض الآراء (ولو كانت استراتيجية). بينما القوى التي تتـفق حول كلّ، أو حول مُعظم القضايا، فمن المُفترض أن تُوجد هذه القوى داخل نفس الحزب، وليس فقط داخل «جبهة» !

ورغم تأسيس «تَجَمُّع اليسار» بالمغرب في سنة 2004 (ويشمل نظريًّا هذا ”التجمّع” أحزاب اليسار الثلاثة المذكورة سابقًا، بالإضافة إلى ”حزب النّهج“)، فإن هذا الإطار لم يُفعّل، وهيئاته لم تجتمع أبدًا. فبقي «تجمّع اليسار» مُسمًّا بدون أي وجود فعلي. وظلّت أحزاب ”فدرالية اليسار“ الثلاثة (الاشتراكي الموحّد، والطليعة، والمؤتمر) ظلّوا يتلافون، أو يرفضون، أي حوار، أو تنسيق، أو تـعاون، أو نضال مُشترك، مع ”جزب النّهج“. وذلك رغم أن أفكار وأهداف أحزاب اليسار الأربعة مُتشابهة، أو مُتـقاربة، أو مُتطابقة، حسب الميادين المعنية. بالإضافة إلى أن الظّرفية التاريخية الحالية تستوجب بإلحاح تـعاون وتكامل أحزاب اليسار. ويؤدّي غياب النضال المشترك، أو انعدام قيام جبهة قوى اليسار، يؤدّي حتمًا إلى إضعاف أحزاب اليسار، وإلى غياب نضالات جماهيرية مشتركة فيما بين قوى اليسار.

وما دامت بعض أحزاب اليسار تعتبر نفسها هي وحدها التي «تُجسّد حزب الطبقة العاملة»، وأنها هي وحدها التي تكتسب الشرعية السياسية، أو التاريخية، للقيام بدور «الطليعة»، أو «القيادة الطبقية» (حسب نظرية الماركسية اللّينينية)، فإن «جبهة» قوى اليسار لن تـقوم في هذه الحالة.

وعندما نلتـقي بِمُمثلي أحزاب عالمية معروفة بنجاحها في بناء ”جبهة“ يسارية أو ديمقراطية، في بلدان مثل تونس، أو فرنسا، أو تركيا، أو اليونان، أو إسبانيا، وعندما نسألها عن السرّ في توفيقها في بناء «جبهة القوى الثورية»، يُجيبنا عادة هؤلاء الممثلين أن هذا السرّ يكمن في التزام الأحزاب والمناضلين المُنخرطين في ”الجبهة“ بالمبادئ التالية:

أ) أن لا تشترط النـقاوة الأيديولوجية، أو الاتـفاق الفكري الشامل على كلّ شيء.

ب) أن لا ترغب في أن تصبح ”طليعة“ للجبهة، أو ”قيادة“ للحركات الجماهيرية.

ت) أن تعطي دائما الأسبقية إلى مصالح الشعب، وليس إلى مصالح حزبك الخاصة.

ث) أن تتلافى الوصول إلى وضعية فيها منتصرين ومنهزمين.

ج) أن تتذكّر دائما أن ”الجبهة“ ليست حزبا طاهرًا، وإنما هي مجرّد وعاء تنظيمي، مؤقّت، ومَرِن، يهدف إلى تسهيل نضالات جماهيرية مشتركة، على مدى قصير أو متوسّط.

فمتى سترقى قيادات أحزاب اليسار بالمغرب، في المستـقبل، إلى مستوى التحلّي بهذه المبادئ؟

 5) هل خطاب أحزاب اليسار يتلاءم مع مُمارستها؟

  • تميل أحزاب اليسار عادة إلى إخفاء ضعفها عبر التركيز على إنتاج بيانات ثورية، أو عبر نشر نصوص يسارية جذرية. بينما ممارستها السياسية تبقى على العموم دون المستوى المطلوب. وتظلّ مبادراتها السياسية نادرة، أو محدودة، أو خجولة. ربّما لأن قوى اليسار تميل إلى الإفراط في الاحتياط، أو ربّما لأنها لا تعرف كيف تنجز أنشطة هامّة، بموارد قليلة.

وتتميّز أحزاب اليسار، ولو بدرجات متـفاوتة من حزب لآخر، بِصِفَتَين متناقضتين ومترابطتين، وهي أنها تميل إلى التّـصعيد في خطابها السياسي من جهة أولى، ومن جهة ثانية تتـجنّب أو تتلافى الفعل النّضالي المُشترك فيما بين مجمل قوى اليسار.

وغالبا ما نجد انـفصاما واضحا بين خطاب أحزاب اليسار وممارستها. ومن بين الأمثلة المُعبّرة في هذا المجال، نذكر مثلاً علاقة أحزاب اليسار ب حركة 20 فبراير (التي اندلعت في المغرب في سنة 2011، في ارتباط (بما سمّاه بعض الصحافيّين) ب ”ثورات الربيع الديمقراطي العربي” في كل من تونس ومصر). فكل أحزاب اليسار (الحقيقية) تـعلن في بياناتها أنها تـقدّر ”حركة 20 فبراير”، وتُساندها، وتـعظّمها، وتُشارك فيها، وتُراهن عليها، في برامجها، وفي خُططها. لكن في الواقع، نلاحظ أن مُشاركة أعضاء أحزاب اليسار في ”حركة 20 فبراير” تبقى غائبة، أو هزيلة، أو ضعيفة، أو أقل من المستوى المُمكن. ومناضلو أحزاب اليسار الذين كانوا يشاركون في ”حركة 20 فبراير“، كانوا يفعلون ذلك كاجتهاد شخصي، وليس نتيجة لتوجيه حزبي.

حيث لا يُشارك معظم مناضلي أحزاب اليسار في ”حركة 20 فبراير”، ولا يتواجدون في لجانها، ولا يتحمّلون فيها مسؤوليات تنظيمية. بمعنى أن غالبية أطر أحزاب اليسار لا تُساهم في تأطير شباب ”حركة 20 فبراير”. وأعداد أعضاء أحزاب اليسار الذين يُشاركون في المسيرات الأسبوعية ل ”حركة 20 فبراير” تبقى ضعيفة، أو دون المستوى الممكن. ومُشاركة هؤلاء المناضلين في ”حركة 20 فبراير” تكون، في غالب الحالات، ناتجة عن مبادرات شخصية، وليس عن قرارات حزبية واضحة وصارمة.

فالموقف الرسمي، أو النظري، لأحزاب اليسار من ”حركة 20 فبراير” هو الدّعم المُطلق لهذه الحركة. لكن موقفها العملي هو إهمالها. وتظهر الأمور كما لو أن ”حركة 20 فبراير” توجد على شكل حركتين، واحدة خيالية، أو أسطورية، تُساندها أحزاب اليسار، وتـؤيّدها مجمل القوى الديمقراطية، وحركة ثانية، واقعية، توجد في الشارع، لكن أحزاب اليسار تتجاهلها، أو تحتاط منها، أو لا تشارك فيها بالقدر المطلوب !

وبدلا من أن تكون أحزاب اليسار هي المُنَشّْط، أو القائد الطّبيعي، ل ”حركة 20 فبراير”، نجد أنها تسير ورائها، أو تُهْمِلها، أو تَحْذَر من ديناميكيتها، أو لا ترغب في استمراريتها. ومن بين نتائج هذا الإهمال، نجد أن أنواعا مختلفة من عناصر البوليس المُسْتَتِرَة تشارك بكثافة في ”حركة 20 فبراير”، وفي جمعها العام، وتـقوم بمحاولات لا يستهان بها للتّحكّم فيها.

ولا تستطيع القِلّة القليلة من المناضلين المُتحَزّبين، العاملين داخل ”حركة 20 فبراير”، والذين يُحاولون تنمية فعالية هذه الحركة، أن ينجحوا في نضالاتهم، أو في مجهوداتهم، إلا إذا طَوّرت أحزاب اليسار نـفسها، بهدف الرّفع من مستوى مشاركتها السياسية في هذه الحركة.

إن ضعف ”حركة 20 فبراير”، أو توقّفها، أو موتها، سيكون، في جوهره، نتيجة لضعف أحزاب اليسار ! وفشل ”حركة 20 فبراير”، سيكون فشلا لأحزاب اليسار !

والمثال الثاني الذي يتجلى فيه انـفصام تام بين خطاب أحزاب اليسار وممارستها، هو مسألة بناء ʼʼجبهة قوى اليسارʽʽ. فمنذ عشرات السّنين، كل أحزاب اليسار تـقرّ بضرورة تَكَتّلها وتـعاونها داخل جبهة لليسار. لكنها لا تـفعل أي شيء ذي أهمية في مجال بناء هذه الجبهة. أو أنها تـختلق أكثر مِمّا ينبغي من الأعذار لكي تُبرّر رفض أي عمل مُشترك، أو جبهوي. فمن جهة أولى، كل أحزاب اليسار تتـفق على الحاجة إلى بناء جبهة اليسار، ومن جهة ثانية، ترفض أية مُبادرة تهدف إلى الشروع العملي في بناء جبهة اليسار([5]).

 6) ما هي أسباب مشاكل أحزاب اليسار؟

مشاكل وصعوبات أحزاب اليسار متعدّدة، ومُتداخلة. ومن الصّعب إدراك أو تناول كلّ العناصر (الفكرية، والمنهجية، والتنظيمية، والإجرائية) التي تتسبّب في إضعاف قوى اليسار. ولو كان فهم هذه المشاكل بسيطا، أو سهلاً، لكان بإمكان قوى اليسار أن تعالج هذه المشاكل قبل عدّة عقود. فَلا أدّعي (مثلما يفعل البعض) أنني فهمتُ كل معيقات قوى اليسار بالمغرب، وإنما أساهم بملاحظات، ولو أنها تبقى جزئية، أو متواضعة. ويمكن لمناضلين آخرين أن يساهموا، هم أيضا، بأبحاثهم، أو اجتهاداتهم، أو أطروحاتهم. ومن بين أسباب مشاكل قوى اليسار ما يلي:

1) قبل قرابة سنة 2011 م، لم تكن مجمل قوى اليسار بالمغرب تتكلّم عن وجود قوى اليسار في أزمة. لأن مناضلي هذه القوى لم يكونوا يشعرون بمظاهر هذه الأزمة. وبعد قرابة سنة 2014 م، أصبحت أعداد متزايدة من المناضلين تعترف، إلى حدّ مَا، بِ «وجود قوى اليسار بالمغرب في أزمة». والغريب هو أنه، حتى بعد سنة 2014 م، بعض المناضلين الذين يعترفون بِ «وجود قوى اليسار بالمغرب في أزمة»، كانوا يقصدون (بتلك العبارة) أن «أحزاب اليسار الأخرى، هي التي توجد في أزمة»، ويفترضون أن حزبهم الخاص (أو تنظيمهم، أو تيارهم الخاص) هو سالم من هذه الأزمة. كَمَنْ يقول: «نعم، المشكل موجود، لكن هذا المشكل موجود في الآخرين، وليس فيّ أنا». وهم في ذلك مثل الجمل الذي يرى حَدَبَة الجِمال الآخرين، ولا يبذل مجهودا لرؤية حدبته الخاصة. أو كأن المنهج النـقدي (لدى هذه الأحزاب) مطروح للتطبيق على الآخرين فقط، وليس أيضًا على الشخص المقصود، أو على الحزب المعني، هو بذاته.

2) من بين المشاكل أيضا أن بعض مناضلين قوى اليسار مهووسون بالرّغبة في أن يصبحوا فورًا زعماء كبار، بينما لا يزال مستواهم الثقافي رديئا، أو لا تزال تجاربهم النضالية هزيلة. وهم لا يدركون أن الزّعامة تتنافى مع الثورية([1]).

3) نلاحظ أن أحزاب اليسار (بالمغرب) لا تتوفّر على مدرسة لتكوين أعضاء وأطر الحزب (سواء كانت هذه المدرسة خاصّة، أم مشتركة مع أحزاب يسارية أخرى). ولا تنظّم أحزاب اليسار محاضرات متسلسلة، ولا ندوات منتظمة، ولا تدريبات دورية، لتوفير تكوين دقيق، ولِتجويد المهارة، في الميادين التي يحتاجها مناضل الحزب. وعلى ما يظهر، يعتـقد كثيرون من مسؤولي أحزاب اليسار أن كل عضو في الحزب، يحضر اجتماعات هذا الحزب، «سيتلقّى تلقائيّا تكوينا شاملا ومرضيا». ويظن مسؤولو أحزاب اليسار أنه «يكفي أن يكون المناضلون في قوى اليسار ثوريين شيئا ما» لكي تستمر قوى اليسار في الحياة، ولكي تنجح في إنجاز مهام الثورة المجتمعية المنشودة على مدى زمني متوسّط. وهذا تصوّر خاطئ، يؤمن بِ «العفوية». حيث يستحيل أن يكون تكوين أطر الحزب عفويا. ولا يمكن لتحصيل الخبرة أن يكون تلقائيا. وكل من يكتـفي، أو يقنع، بٍ «توفّر مستوى قليل من الثورية» لدى مناضلي اليسار، لا يدرك درجة صعوبات النضال الثوري في مجتمعنا الحالي، أو لا يستوعب ضرورة أن تكون عقلية المناضلين الثوريين من مستوى عال، في مجالات النّضج السياسي، والممارسة النضالية، والمعرفة، والدّقة، والحزم، والأخلاق. وهل يمكن لمناضل يتميّز بتكوين ثقافي بدائي، أو ناقص، أو ضعيف، أو رديء، أو منحرف، أو حتّى متوسّط، أن يقوم بدور بنّاء، أو مبدع، أو فعّال، خلال حركة نضالية جماهيرية؟ مثل هذا المستوى النّاقص، أو المتوسّط، لا يقدر على أن يكون في مستوى احتياجات النضال الثوري. ومن يعتـقد بعكس ذلك، فهو كمن يؤمن أن الثورة هي حتمية، وأنها ستحدث آليا. أو كمن يظن أنه بالإمكان أن تحدث الثورة المجتمعية بالصدفة، أو بشكل تلقائي.

فلا يستطيع المناضل العادي أن يساهم حقّا في إنجاز الثورة المجتمعية إلاّ إذا كانت عقليته قد استوعبت، وأنجزت، قطيعة كيفية مع الجهل المجتمعي البنيوي، ومع الأيديولوجية السّائدة في مجتمعه، ومع المعتـقدات الغيبية (métaphysique)، ومع الرّداءة، ومع الانتهازية، ومع التخلّف، وذلك على مستويات المعرفة (rupture épistémologique)، والقِيَم، والمناهج، والسلوكيات، والأخلاق. وواجب قوى اليسار هو أن تعمل، وباستمرار، من أجل رفع مستوى تكوين مناضليها، إلى أرقى مستوى ممكن في الامتياز، والخبرة، والمهارة، والجودة، والفعالية.

4) كلّما كان المستوى الثقافي، أو المعرفي، لدى مجموعة من المناضلين (أو لدى مجموعة من القوى اليسارية)، ضعيفا، فلن يستطيعوا لاَ التحاور فيما بينهم، ولاَ التنسيق، ولاَ خوض النضال المشترك. ويمكن لكثير من المناضلين، أن يتذكّروا أنه سبق لهم أن لاحظوا، خلال عدة حركات نضالية، وخاصة خلال «حركة 20 فبراير» في سنة 2011 م، أن ضعف التّكوين، أو تدنّي المستوى المعرفي، لدى نسبة كبيرة من المناضلين المشاركين في تلك النضالات المشتركة، يقود إلى استحالة رفع مستوى تلك النضالات الجماهيرية. فتضعف تلك النضالات، وترتبك، ثم تتلاشى، ثم تندثر. ورغم وضوح هذه الظاهرة، يأتي دائما مناضلون جُدد، أو مبتدئون، ويكرّرون تلك الجملة المكرّرة والمشؤومة: «نحن لا نحتاج إلى ضياع الوقت في النظرية، أو في بلورة الوضوح السياسي، نحن نريد فقط الأفعال الملموسة، أعطونَا فقط أشياء عملية»! كأنّ المناضل يستطيع أن ينتج ممارسة نضالية ثورية ناجحة، بدون الحاجة إلى الاسترشاد بأية نظرية ثورية ! وفي مثل هذه الظروف، يصبح معظم مناضلي قوى اليسار غير قادرين على إتـقان فن النضال المشترك مع قوى تـقدّمية، وذلك كلّما وُجِدت خلافات جزئية، أو تناقضات ثانوية، فيما بين هذه القوى.

5) بعض أسباب مشاكل قوى اليسار، (وكذلك ”حركة 20 فبراير“ بالمغرب)، ترجع إلى العقل، أو المنطق، الذي يفكّر به معظم المناضلين. فكيف يمكن أن يكون منهج التـفكير سليما إذا خَلاَ هذا المنهج من الحسّ النـقدي، وفَرُغَ من الوعي بالبعد التاريخي، وخَوِيَ من الرّؤية الجدلية للأشياء في تـفاعلها المتبادل، وشَغَرَ من الرّبط بين الفكر والممارسة ؟

6) جلّ الحوارات التي تُجْرَي فيما بين مناضلي أحزاب اليسار بالمغرب (وكذلك فيما بين مناضلي ”حركة 20 فبراير“)، تبقى مثل حوارات صُمّ، أو طُرشان. كأن هؤلاء المناضلين يحتـقرون بعضهم بعضًا، ويرفضون (بشكل غير واع) الاستماع إلى بعضهم بعضًا، ولا يفهمون بعضهم بعضا، ولا يقبلون التـفاعل فيما بينهم. بينما كان يلزم أن يكون هدف الحوار هو بالضبط الانفتاح على الغير، والتـقارب، والتـفاعل، والتأثّر، والتّأثير، والاستـفادة المتبادلة، والتكامل، والتعاون، فيما بين المتحاورين. وإذا كانت قوى اليسار ترفض مُسبقًا التـفاعل فيما بينها، فإنها لن تـقدر على خوض نضالات مشتركة. وكل شخص لا يتحلّى بالتواضع، ولا يمارس الاحترام المُتبادل، لن يقدر على الاستماع لمن يختلف معه في الرأي.

7) من الموضوعي أن نختلف جميعا في آرائنا، أو في تـقديراتنا، بل من المستحيل أن نتـفق على كل شيء. لكنه سيكون من قبيل التـخلّف أن لا نعرف كيف نعمل جماعيا، ولا كيف نناضل بشكل مشترك، وذلك بالرّغم من وجود خلافات جزئية فيما بيننا. وتناقضاتنا الثانوية، لا تمنعنا من التوحّد، ومن خوض النضال المشترك، ولو مؤقّتا، لمواجهة التناقض الرئيسي. وكل شخص لا يُدخل المُرونة، أو النّسبية، على فكره، لن يستطيع خوض أعمال، أو نضالات مشتركة، مع غيره. خاصة وأن الآراء، أو المواقف السياسية، التي يحملها كل مناضل (أو حزب)، لا تنبني بالضّرورة على يقينيات علمية، أو مُطلقة، وإنما تنبني، في آخر المطاف، على معتـقدات أيديولوجية، أو على طموحات، أو على تـقييمات ذاتية، أو على افتراضات مُحتملة، أو على اختيارات مُتَـعَمَّدة، أو على تـفضيلات ثقافية، أو على ظنون، أو تخمينات، أو إحساسات، أو ما شابه ذلك.

8) مجمل قوى اليسار تدّعي أنها «اشتراكية»، وتضيف صفة «الاشتراكي» في اسم حزبها. وهذا الادّعاء يفترض أنها تطمح إلى المساهمة في تشييد مجتمع «اشتراكي»، ينعدم فيه الاستغلال الرأسمالي، ويزول منه انـقسام المجتمع إلى طبقات متناحرة. لكن في نفس الوقت، نلاحظ أن معظم مناضلي ومسؤولي قوى اليسار، لا يدرسون بشكل دقيق التراث التاريخي للنظرية الاشتراكية (ولعلوم المجتمع)، وخاصة منها الفكر الماركسي، ومناهج المادية الجدلية، وقواعد الصراع الطبقي. {أتلافى هنا الدخول في التـفاصيل، لكنني أميّز بين الفكر الماركسي، والمنظومة النظرية التي بلورتها قيادة الحزب الشيوعي في ”اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية“ (URSS)، تحت زعامة يوسف اسطالين (Josephe Staline)، والتي سمّتها بِ ”الماركسية اللينينية“}. فكيف يمكن لهؤلاء المناضلين، والمسؤولين الحزبيين، الذين يرفضون ضمنيا النظرية الماركسية، أن ينتجوا أفكارا، وسلوكيات، ونضالات، ذات صفة «ثورية»، أو «اشتراكية»؟ وبدون استيعابهم لِ «النظرية الثورية»، كيف يمكن لهؤلاء المناضلين أن يفهموا مستوى تطوّر الصراع الطبقي في بلادهم، أو أن يقوموا بقراءة صحيحة للتناقضات الطبقية القائمة في المجتمع؟ وكيف يمكن لمن يرفض دراسة التراث العالمي للفكر الماركسي (والمجتمعي)، بتنوّع مدارسه وتوجّهاته، أن يقدر على تحليل وفهم تناقضات مجتمعه بمناهج دقيقة، أو موضوعية، أو علمية؟ وكل من لا يدرس تراث الفكر الماركسي، سيستعمل بالضرورة مناهج تـفكير عفوية، أو انتـقائية، أو رأسمالية. وسيبقى حتمًا مبهورا بالأحداث السطحية التي تحدث في الساحة السياسية (scène politique). ولن يقدر على النفاذ إلى عمق مجال الصراع الطبقي (sphère de la lutte des classes). ولن يستطيع استيعاب جدلية تناقضاته. أعترف شخصيا، أنه بعد انهيار منظومة ”الاتحاد السوفياتي“ (URSS)، في قرابة سنوات 1989 م، أن النظريات الماركسية أو الاشتراكية غدت تحتاج إلى مراجعة، على ضوء تـقييم نـقدي دقيق، للسيرورة التاريخية للصراع الطبقي، داخل هذه المجتمعات. لكن ضرورة المراجعة النـقدية للنظريات الماركسية، لا تعني، ولا تبرر، إلغاء تلك النظرية الماركسية جملة وتـفصيلا، أو تجاهلها. نحن نحتاج إلى تطوير النظرية الثورية، وليس إلى تجاهلها.

9) تستـقطب دائما قوى اليسار أشخاصا جددا لكي يصبحوا أعضاء فيها. وبعض هؤلاء المستـقطبين الجدد يتحولون إلى مسؤولين من مختلف الدرجات داخل قوى اليسار. وهذا أمر عادي ومطلوب. لكن قوى اليسار تنسى عادة ضرورة فحص، وإعادة تكوين، كل أعضاء الحزب، وخاصة منهم الأعضاء الجدد. لماذا؟ لأن الأعضاء الجدد يأتون إلى الحزب مُحمّلين بكل ما ألفوه في بيئتهم المجتمعية، من أفكار سائدة، وسلوكيات معتادة، ومعتـقدات شائعة، ومناهج متداولة، قد تكون إقطاعية، أو رأسمالية، أو انتـفاعية، إلى آخره.

فإذا لم يُصحّح مجمل مناضلي أحزاب اليسار (وكذلك مناضلي ”حركة 20 فبراير“)، منهجهم في الحوار، وإذا لم يصلحوا العقل الذي يفكّرون به، فقد يبقون عاجزين على التـفاهم، أو التـفاعل، أو التلاقح، أو التكامل فيما بينهم. وفي هذه الحالة السيّئة، قد يكون مصيرهم المشترك هو التشرذم، ثم التّهميش، ثم الفشل، ثم التخلّف.

 7) هل تجتهد أحزاب اليسار لتطوير نفسها؟

  • من بين الملاحظات التي لا تَسُرّ، والتي لها دلالة سلبية، أذكر أن أغلبية أحزاب اليسار تنظّم مؤتمراتها الحزبية منذ عدّة سنوات. لكن هذه المؤتمرات الحزبية لا تُحْدث تغييرات كيفية، لا في نوعية القيادة المنتخبة، ولا في الخط السياسي لهذه الأحزاب، ولا في برامجها، ولا في أساليب عملها، ولا في ممارساتها. فإذا استثنينا إصدار بعض البيانات المكتوبة بلغة جذرية، وإذا استثنينا إحداث تغيير جزئي في أعضاء بعض الأجهزة القيادية، فإن الرّكود الماضي للحزب، ورتابته السّابقة، وعاداته القديمة، تـعود بسرعة، وتستمر في السّيطرة، كأن شيئا لم يتغيّر في هذه الأحزاب. بينما تطوّرات الصّراع الطبقي تستوجب منها ملائمات، أو تغييرات سريعة، أو عميقة، أو جذرية.

وهكذا، عندما يحين وقت تنظيم مؤتمر حزب معيّن من بين أحزاب اليسار، ترتـفع حمّى المناقشات، والخلافات، والمنافسات، والتحالفات. ويتسابق أعضاء الحزب على مواقع المسؤوليات، وعلى الكراسي، والألقاب، والمناصب. كلّ مناضل يريد أن يصبح زعيما، أو قائدا، أو ممثّلا، أو مسؤولا كبيرا. لكنه في نفس الوقت، يتهرّب هذا المناضل من بذل المجهودات التي يتطلّبها تحمّل المسؤولية. وبعد انتهاء المؤتمر، يرجع كل مناضل من الحزب إلى حال سبيله. وتـعود الرّتابة، والرّوتين، والانتظارية، والإتّكالية على التّطوّر الطبيعي للأشياء.

والحقيقة التي ينساها، أو لا يدركها، كثير من المناضلين، هي أنه يستحيل أن تـنهض ثورة مجتمعية، أو أن تنجح في بلد محدّد، إذا لم يقم سلفًا مجمل مناضلي هذا البلد بثورة داخل فكرهم، وفي وعيهم، وفي مناهجهم، وفي سلوكهم، وفي أساليبهم النضالية.

 8) هل تُوجد أمثلة أخرى تُبَيّن ضعف أحزاب اليسار؟

  • توجد فعلاً إشكالات أخرى يتجلّى فيها ضعف أحزاب اليسار. ومنها ما يلي:

1) تعاني أحزاب اليسار بالمغرب من قِلّة مُبَادراتها، ومن ندرة أنشطتها. وتـعاني أيضا من ضعف حماس غالبية أعضائها. ونسبة هامة من أعضائها لا تشارك في النضالات الجماهيرية. وتـعاني أيضا قوى اليسار من ضعف الانضباط داخلها. وكيف يمكن لمناضلي حزب محدّد أن ينضبطوا لقرارات حزبهم إذا لم يشركهم حزبهم في التـفكير، وفي التشاور، وفي إنضاج مشاريع القرارات الجماعية ؟ وكيف يمكن للمناضلين القاعديين في حزب معيّن أن ينضبطوا لقرارات حزبهم إذا كانت قيادة هذا الحزب هي نفسها لا تنضبط لبعض القرارات التي سهرت هي نفسها على وضعها؟

2) يبقى الإنتاج السياسي لأحزاب اليسار غير كاف. كما تظل إبداعاتها في مجال أساليب النضال شحيحة، أو منعدمة. أمّا قدرتها على تـعبئة جماهير العمال، أو الفلاحين، أو فئات الذين لا يستغِلون ولا يُستغَلّون، فقد ظلّت محدودة، بل كانت في كثير من المناسبات الهامّة منعدمة. توجد طبعًا صعوبات موضوعية، وقاهرة، تعوق تعبئة تلك الجماهير، لكن دور الأحزاب اليسارية هو العمل من أجل التغلّب التدريجي على تلك الصعوبات.

3) يظهر أن أحزاب اليسار غير راضية عن بعضها البعض. حيث تُسَرِّب انتـقادات شفوية لاذعة عن بعضها البعض. لكنها لا تجرؤ، في نـفس الوقت، على صياغة هذه الانتـقادات ونشرها، بشكل مكتوب، علني، رسمي، ومسؤول.

4) تدلّ ظاهرة نَدْرَة، أو غياب، تبادل النـقد المكتوب فيما بين أحزاب اليسار، أو فيما بين أعضائها، تَدُلّ على أنها غارقة في فكر يظهر، في خطابه، أنه ثوري، أو يساري، لكنه مُحَافِظ في جوهره. وتتجلّى أيضا هذه الصّفة المُحافظة في كون أحزاب اليسار لا تجرؤ بما فيه الكفاية على مُراجعة، أو تطوير، أطْرُوحَاتها السياسية القديمة. ولا تُبْدِع أفكارا سياسية، أو لا تجرؤ على تجريب أساليب نضالية جديدة. ونتيجة ذلك هي أن أحزاب اليسار تتـفاعُل بِبُطْء كبير مع التطوّرات العميقة الجارية داخل المجتمع. وهذا البُطء في التـفاعُل مع تطوّرات المجتمع يُفَوّت عليها الكثير من فرص التدخّل، أو التّأطير. فَتَضعف أحزاب اليسار، ولا تَتـقوّى.

5) من بين المظاهر الأخرى المُعبّرة عن ضعف أحزاب اليسار، نجد أيضا هروب الأطر العُليا، والمُفكّرين، والعلماء، والخُبراء، والمهندسين، والأطبّاء، والباحثين، والكتّاب، والمبدعين، من أحزاب اليسار، أو نُـفُورهم منها. لأنهم لا يتحمّلون ”الرّداءة“ الموجودة حاليا داخل أحزاب اليسار. بينما الظاهرة الطبيعية (التي كان ينبغي أن توجد) هي أن تكون أحزاب اليسار مُتـقدّمة، أو حَيَوِيّة، أو طليعيّة، إلى درجة أنها تجذب إليها، أو تستـقطب حولها، أكبر المُثـقفين، وأحسن المُفكّرين في المجتمع.

6) على مستوى المالية، نجد أن أحزاب اليسار هي الأكثر فقرًا من بين كل الأحزاب الموجودة في البلاد. وقد يكون سبب فقر أحزاب اليسار هو فقر أعضائها. لكن المشكل هو أن فقر أحزاب اليسار يساهم في تـقييد أو تـقليص أنشطتها. الشيء الذي يزيد في الحدّ من إشعاعها. وكلّما أراد حزب من بين أحزاب اليسار تنظيم أيّ نشاط كان، فإنه يعاني كثيرًا من قلّة موارده المالية. فيضطر إلى تبسيط هذه الأنشطة، أو حصرها، أو اختصارها، أو التخلّي عنها. فتدخل أحزاب اليسار في الحلقة المفرغة التالية: «فقر الحزب ← قلّة أنشطته ←  إشعاع ضعيف ←  أنصار قليلين ←  موارد ضعيفة أو منعدمة ←  تـفاقم ضعف الحزب وفقره». بينما الأحزاب التّابعة للدولة، أو التي تتعاون معها، تحصل رسميا من هذه الدولة على دعم مالي (يعدّ في كلّ عام بملايين، أو بعشرات الملايين من الدراهم)، وذلك طبقا لقانون وضع خصّيصا لهذا الغرض. بينما أحزاب اليسار لا تحصل على شيء ذي أهمية من الدولة.

وقد يكون الحل لخلاص أحزاب اليسار من ضعف مواردها المالية هو انفتاحها على، أو تـقرّبها من، المواطنين الميسورين الذين يتّصفون بدعمهم للتـقدّمية، أو للوطنية، أو للديمقراطية. وعلى عكس بعض المواقف السياسية التي ترفض، أو تعادي، كل ما له صِلة بما يُسمّى «البرجوازية الصغيرة»، أو «البرجوازية الوطنية»، فإن تعاون وتكامل مجمل الطبقات المجتمعية الوطنية والتـقدمية، يشكّل ضرورة مرحلية تاريخية. حيث أن «الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية» لن تتحقّق إلا إذا تحالفت، أو تعاونت، أو تكاملت، مختلف طبقات الشعب، بما فيها طبقة العمال، وطبقة الفلاحين الفقراء والصغار، وطبقة الذين لا يستغِلّن ولا يستغَلّون، وطبقة المستغِلين الصغار، وربّما حتى فئات متنوّرة من طبقة المستغِلّين المتوسطين. ومن واجب أحزاب اليسار أن تستـقطب الأشخاص الأكثر تـقدّما من كلّ هذه الطبقات.

7) من فترة لأخرى، ينسحب بعض المناضلين الأعضاء من أحزاب اليسار، أو يغادرونها، أو يبتعدون عنها. ويُعلّل هؤلاء المناضلين ابتعادهم عن أحزاب اليسار بعدم رضاهم عمّا يجري داخل هذه الأحزاب. ومن بين الأسباب التي يفسّر بها عادةْ المنسحبون ابتعادهم عن أحزاب اليسار، ما يلي: أ) يشتكون مثلاً من ميول بعض المسؤولين في الحزب نحو زَعَامِيَّة مقلقة، أو مفرطة. ب) يحتجّون على وجود جماعة صغيرة، منسجمة ومتماسكة، تهيمن على كلّ شيء في الحزب، وتتحكّم كلّيا في هيئاته، وفي تطوّره، أو لا تستمع إلى الآراء المعارضة، أو لا تلتزم بمبادئ الديمقراطية في تدبير الخلافات والصراعات السياسية الداخلية للحزب. ت) يتذمّرون من كون بعض الأعضاء البسطاء في الحزب هم وحدهم الذين يكدّون، ويجتهدون، ويناضلون، ويضحّون، بينما بعض المسؤولين في الحزب يكتـفون بتملّك رصيد تلك النضالات، واستثمارها لتشييد زعامتهم، أو لخدمة  مسارهم السياسي، أو لتلميع شهرتهم الشخصية.

8) قد توجد مشاكل أخرى متعدّدة، منها مثلا مشكل صعب، أسمّيه «مشكل غيّاب وسائل لامتحان كفاءات المناضلين»، أثناء وقت السّلم. وقد اكتشفتُ وجود هذا المشكل بعدما تعرّضت التنظيمات السرّية ”للحركة الماركسية اللّينينية“ بالمغرب إلى تَسَلْسُل سريع في اعتـقال واختطاف مناضليها، بين سنوات 1974 و 1976 م. وأدّى تـقريبًا التسلسل السريع لهذه الاعتـقالات إلى تصفية هذه التنظيمات من الساحة السياسية، في ظرف وجيز يُعدّ ببضعة أسابيع، أو ببضعة شهور.

وقبل هذه الاعتـقالات، أي خلال وقت السّلم، كان مجمل المسؤولين في تنظيمات ”الحركة الماركسية اللّينينية“، سواءً من المستوى العالي أم المتوسّط، يدّعون أنهم يتّصفون بكفاءات عالية، ويزعمون أنهم مؤهّلون لتحمل مسؤوليات قيادية، ويعتـقدون أنهم يفهمون كل شيء، ويصرّحون أنهم يلتزمون بكلّ الواجبات الثورية، ويتظاهرون بأنهم مستعدين للتضحية بحياتهم إن اقتضى الحال. لكن عندما اعتـقلوا، وبعدما تعرّضوا لضغط شديد، أو للضّرب، أو للتعذيب، أو للتهديد بالقتل، داخل المعتـقلات السّرية، انهارت بسرعة معنويات نسبة كبيرة من هؤلاء المسؤولين. فأعطوا للعدو (البوليس السياسي) ما طلبه منهم من معلومات دقيقة عن المناضلين الذين كانوا يعملون تحت مسؤولياتهم الشخصية. ومكّنت بسرعة هذه المعلومات العدوَّ من اعتـقال الأعضاء الباقين في التنظيم السرّي، وتصفيته من الساحة. الشيء الذي أصاب باقي المناضلين القاعديين بخيبة أمل كبرى، بل سهّل انهيار بعضهم.

ومن المعروف أن تيارات سّرية أخرى، وُجدت قبل تجربة ”الحركة الماركسية“، كانت تناضل في إطار يسار ”حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية“، عانت هي أيضًا من مشكل مشابه. وهذا المشكل هو التّالي: يتميّز النضال السياسي بكونه من بين الميادين التي لا توجد فيها امتحانات، ولا مباريات، ولا شواهد، تسمح بالتأكّد من جودة ما يزعمه أعضاء الحزب حول كفاءاتهم الشخصية، أثناء وقت السّلم. ونتيجة ذلك هي أنه بإمكان أيّ شخص أن يدخل ميدان النضال السياسي الثوري، وأن ينخرط في حزب يساري محدّد، وأن يدّعي أشياء كثيرة وهامّة حول قدراته أو كفاءاته الشخصية، وأن يترشّح لتحمل مسؤوليات قيادية، دون أن يستطيع أحد مراقبة صحّة ادّعاءات ذلك الشخص، أو تكذيب مزاعمه. حيث يمكن لأي شخص أن ينخرط في عضوية حزب ثوري معيّن، وأن يدّعي أنه يعرف جيّدا الخطّ السياسي للحزب الذي انخرط فيه، وأنه يلتزم بالانضباط التّام لمبادئ الحزب، وقيمه، وبرنامجه، ومقرّراته. ويمكن لهذا الشخص، خاصة إذا كان يتحمّل مسؤوليات تنظيمية، أن يصرّح أنه مستعد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل هذه القيم. لكن، كيف يمكن للحزب أن يتأكّد من صحّة نوايا أعضاءه، ومن مزاعمهم، والتزاماتهم، وكفاءاتهم، وقدراتهم الشخصية؟ وفي الواقع، وفي فترات السلم المجتمعي، لا تعرف أحزاب اليسار، إلى حدّ اليوم، كيف تراقب ادّعاءات أعضائها، ولا كيف تتأكّد من صحة مزاعمهم. ويستمر عادة هذا الغموض، أو الشكّ، حول قدرات المناضلين إلى أن تحلّ فترة تاريخية يحتدم فيها الصّراع الطبقي، وتظهر فيها ظروف محفوفة بالمخاطر. آنذاك يظهر كل مناضل على حقيقته. وآنذاك يسهل التمييز بين المناضلين الذين يستميتون في الدّفاع عن القيم الثورية، وبين المناضلين الذين يتخلّون فجأةً عن التزاماتهم الثورية السّابقة بمجرّد أن يحسّوا بخطر داهم. فالمناضلون الصّامدون([2]) هم الذين يضمنون استمرارية النضال الثوري، مهما كلّفهم ذلك من تضحيات شخصية، بما فيها الاستشهاد. بينما المناضلون الذين تنكسر صلابتهم، قد يستسلمون للعدو، وقد يعطونه ما يريد. ولا نعرف، إلى حدّ الآن، كيف نعالج هذا المشكل أثناء وقت السّلم، لتلافي حدوثه أثناء وقت الشدّة. الشيء الذي لا يبرّر تجاهل هذا المشكل، أو نسيانه، أو إهماله.

 9) هل الأطر القديمة في أحزاب اليسار تلعب دورا مُبْدِعا أم مُحَافظا ؟

  • بعض الأطر القديمة (Apparatchik) في أحزاب اليسار تلعب دورا مُحافظا. وتظهر بعض هذه الأطر كأنها هي التي تحتكر حقّ تحديد من هم «الأفراد المقبولين»، ومن هم «الأفراد المنبوذين». وتظهر هاته الأطر القديمة على شكل ”حرّاس المعبد“، الذين يَصُونون ”الأصول“، و”المراجع“، و”المشروعية“، و”الاستمرارية“. ويتحوّل أحيانا دور هذه الأطر القديمة إلى تَرْوِيج الدّوغمائية (Dogmatisme). وقد تُحَنّط الفكر الثوري، أو الفكر النضالي، إلى درجة تحويله إلى معتـقدات مُطلقة، أو جامدة، تَصْلحُ لكُلّ مكان، ولكل زمان. وتخاف من أن يكون كل مسعى لتطوير الفكر مغامرة قاتلة. وتَتّهِم كل مُحاولة لتجديد الفكر بأنها ”تراجع“، أو ”انحراف“، أو ”زَنْدَقة“ سياسية. وقد تكون هذه الأطر القديمة من بين أهمّ الحواجز التي تـعوق إحداث تغييرات، أو مُراجعات، أو إبداعات، سواء في الأفكار، أم في الخط السياسي، أم في التّكتيك، أم في الأساليب النضالية.

وأحيانا، يغرق بعض الأطر القديمة في تـفاصيل صراعات سياسية داخلية خَفِيّة، مُعَقّدة، ومُتواصلة، بين شخصيات، أو جماعات، أو تيارات، مُتَنَافِسة داخل أحزابهم. وقد تستحوذ، أو تستهلك، هذه الصراعات، جُلّ طاقاتهم، إلى درجة أن مُساهماتهم في مجالات تطوير الأفكار، أو تحيين الخط السياسي، أو إبداع أساليب نضالية جديدة، تُصبح هزيلة، أو مُنعدمة.

وبقدر ما تكون تلك الأطر القديمة مَشْغُولة بتلك المُنافسات أو الصّراعات فيما بين شخصيات، أو جماعات، أو تيارات، داخل حزبها الخاص، بقدر ما تكون رؤيتها الشُّمولية للصراع الطبقي (الدائر على صعيد مُجمل المجتمع) محدودة أو ناقصة.

قد تكون هذه الأطر القديمة قوية، أو فعالة، في ميدان هذه المنافسات أو الصّراعات الدّاخلية للحزب المعني، فيما بين شخصيات، أو تيارات، لكنها قد تكون، بالمقابل، ضعيفة، أو مُتـخلّفة، في مجال فهم أو معالجة الإشكالات الكبرى للحزب، أو للمجتمع.

وفي مثل هذه الحالات، يُصبح الحزب المعني غير قادر على التّطوّر، وغير قادر على التـفاعل بِسُرعة، أو بفعالية، مع مستجدّات، أو مع متطلّبات، الصّراع الطّبقي (الدّائر على مستوى عموم المجتمع). وقد يدخل الحزب المعني في صيرورة ضعف، أو تـخلّف متواصل، إلى درجة أنه قد يصبح مُهَمّشا، أو عاجزا، أو هامدا، أو مُتـخلفا.

 10) هل أحزاب اليسار تـختلف حول اختيارات استراتيجية؟

  • تـعاني بعض أحزاب اليسار من ازدواجية في تَصوّرها لعملية الوصول إلى السلطة السياسية. فتارة، يعتـقد بعض مناضليها أن الوصول إلى السلطة يستحيل بدون استـعمال العنـف الثّوري (تَبَعًا لأطروحة فلاديمير لينين والبلاشفة). وتارة أخرى، يعتـقدون أن الفوز في الانتـخابات يمكن أن يكون سبيلا سلميّا للوصول إلى السلطة. وهذه الازدواجية في التصوّر قد تـؤثّر سلبا على التوجّهات، أو على البرامج السياسية، أو على النضالات. بينما الفعالية السياسية تـقتضي الانخراط الكُلّي، إما في استراتيجية العنـف الثوري، وإما في استراتيجية النّضال السّلمي، وليس التّذبذب المُتواصل بينهما.

ويعتـقد بعض المناضلين أن المراهنة على صناديق الاقتراع هي انحراف سياسي ساذج وعقيم. لأن منظومة الانتخابات مُتَحَكَّم فيها، ومغشوشة. ولأن هذه الانتخابات منظّمة بشكل يفرض تهميش قوى اليسار، أو يمنعها من الفوز. ولأن منطق هذه الانتخابات يمكن أن يفاقم ميل بعض مناضلين اليسار نحو استغلال هذه الانتخابات بعقلية انتهازية، أو نفعية، لجني امتيازات شخصية، أو لتحسين مواقعهم الطبقية. ولأن النظام السياسي القائم يحرص باستمرار على أن لا تتحوّل هذه الانتخابات إلى سبيل ممكن لتغيير طبيعة هذا النظام. ولأن هذا النظام «مُقْفَل» (verrouillé) بشكل مدروس بعناية فائقة، حيث لا يمكن لأي فاعل سياسي أن يُغيّره من داخله، سواءً عبر البرلمان، أم عبر المجالس المحلية، أم عبر السّبل الأخرى القانونية.

وعندما تحلّ كلّ مناسبة للانتخابات (البرلمانية أو المحلية)، يظهر من جديد الصراع السياسي بين قوى اليسار التي تريد المشاركة في هذه الانتخابات، والقوى التي ترفضها. والمستحسن هو أن يصبّ النـقاش بين قوى اليسار، ليس حول إشكالية المشاركة في الانتخابات (البرجوازية) بشكل عام أو مطلق، وإنما حول نوعية المشاركة المرغوب فيها. فإذا كان المطلوب هو تكرار نوع المشاركة في الانتخابات التي مارسها حزبي «الاتحاد الاشتراكي» و«التـقدم والاشتراكية» خلال عقود متوالية (من سنوات 1975 إلى الآن)، فهذا النوع من المشاركة مرفوض، لأنه سخيف، وعبثي، وعقيم. بل إن ذلك النوع من المشاركة حوّل حزبي «الاتحاد الاشتراكي» و«التـقدم والاشتراكية» إلى أحزاب مشوّهة، ومدجّنة، ومسخّرة لتزكية النظام السياسي القائم، ولخدمة الرجعية، والفساد، والاستبداد. ومعلوم أن بعض أعضاء الأحزاب التـقدّمية يضغطون دائما لكي يُقبل هذا النوع من المشاركة في الانتخابات. لأنه يمكّنهم من الحصول على مناصب تمثيلية، وعلى امتيازات مادية، وعلى تشريفات شخصية، وعلى فرص ملائمة لتحسين مداخيلهم، أو ممتلكاتهم، أو لتسريع ترقيتهم المهنية. وإذا كان المطلوب هو نوع آخر من المشاركة في الانتخابات، نوع يستهدف استعمال المؤسّـسات التمثيلية (من برلمان وجماعات محلّية) لمكافحة الفساد، والاستبداد، ولتوضيح استغلال الشعب، ولفضح خروقات القانون، ولتوعية جماهير الشعب، فهذا النوع من المشاركة مقبول، ومفيد، بل ضروري. فلا يحقّ أن تتحول المشاركة في الانتخابات إلى بديل عن المشاركة في النضالات الجماهيرية، وعن المبادرات اليسارية. بل ينبغي أن تكون هذه المشاركة ساحة إضافية، وموازية، ومكمّلة، للنضالات الجماهيرية في الميدان. فلا يقدر العمل داخل المؤسّـسات التمثيلية على أن يكون مفيدا للأحزاب الثورية إلاّ إذا كان جزءا من النضال الثوري الشامل، وليس بديلاً عنه.

وأحزاب اليسار ملزمة بأن تحسم اختياراتها بشكل تام، وأن تُحدث قطيعة مع أطروحة فلاديمير لينين (V.I. Lénine) حول الوصول إلى السلطة عبر العنـف الثوري. خاصّة وأن العنف الثوري يمكن أن يتحوّل إلى حرب أهلية مدمّرة. وتنبني فكرة تجاوز العنف الثوري على تجارب الثورات الحديثة، في سنة 2011، في كل من تونس، ومصر، واليمن، (على خلاف حالتي ليبيا، وسوريا). حيث أن إسقاط نظام مُستبد (أو على الأقل خلخلته عبر إسقاط رئيسه)، يمكن الوصول إليه عبر نضال جماهيري، سياسي، حَاشِد، سلمي، ومُتواصل، دون اللّجوء بالضّرورة إلى عنـف ثوري شمولي([3]). كما أن الحصُول على الشرعية السياسية، سواء تُجاه داخل البلاد، أم تُجاه خارجها، يَقْتَضِي الوصول إلى السلطة بِرِضَا الشعب، أي عبر انتـخابات نزيهة، وليس بالقوّة.

ويَعتبِرُ مناضلون آخرون أن المُراهنة على العنـف الثّوري هي نوع من التّطَرّف السياسي. ويَستنتِجُون أن الواقعية السياسية، أو الاعتدال السياسي، «يفترض بالضرورة» القَبُول بالنّظام الملكي القائم. وأن الموضوعية السياسية تستلزم حَصْر كل النّضالات المُقبلة «تحت سقف الملكية البرلمانية». ويُحوّلون «سقف الملكية البرلمانية» إلى «حدّ مطلق»، أو «دُغْمَة» (Dogme). ثم يستـعملون هذا «السّقف» كمقياس، كلّما أرادوا الفرز بين ما هو مقبُول، وما هو غير مقبول. فيُكبّلون هكذا فكرَهم، وممارَستهم، دُون الوعي بهذا التّـكبيل، أو التـقييد القَبْلِي. بينما المُرونة الفكرية تـقتضي القبول ب «الملكية البرلمانية الديمقراطية»، إذا كان فعلاً بالإمكان تحقيقها. أمّا إذا ظَلّ هذا النظام السياسي القائم يرفض بِعِنَاد تغييره إلى «ملكية برلمانية»، على مَرّ عشرات السّنين من التضحيات، فإن الحلّ البديل المنشود، يلزم أن يُصبح هو «الجمهورية البرلمانية الديمقراطية». لكن المهمّ، ليس هو شكل السّلطة (ملكية أم جمهورية)، وإنما هو مضمونها (أي نظام سياسي ديمقراطي). وينبغي أن تتجلّى هذه الديمقراطية في التّناوب السّلمي على السلطة، عبر انتخابات ديمقراطية، وعلى أساس الفصل فيما بين السّلط، وكذلك الكرامة، والحرية، والعدالة، والتضامن، وحقوق الإنسان.

وكل مناضل يضع «سقفا»، أو يُسَطّر «حدّا» سياسيا، ثم يُحَرّم على نـفسه تجاوز هذا «الحدّ»، قد يفقد موضوعيته، أو قد يفقد حِسّه النـقدي، أو قدرته على التّـكيّف مع المستجدّات. فهل هناك فرق بين شخص يجبره نظام سياسي استبدادي على احترام «خطوط حمراء» محدّدة، وشخص آخر يفرض هو نفسه «خطوطًا حمراء» على نفسه، ويَمنع نـفسه من الطموح إلى أكثر من ذلك «السّقف»؟ أليس المناضل الثّوري، هو الذي يتـفاعل بحرية تامّة مع كل مستجدات الواقع المجتمعي، ويهتدي في كل مناسبة بعقله وحده، ولا يقبل الخضوع لأي «حدّ»، أو «سقف»، أو «مقدّس»، أو «خطّ أحمر»، سواء في فكره، أم في نضاله؟

 11) هل انـقسام اليسار إلى عدة أحزاب يُشكّل عائقا؟

  • ظل اليسار بالمغرب ينـقسم إلى 4 أو 5 أحزاب، بالإضافة إلى وجود عدّة تنظيمات، أو جماعات، أو تيارات يسارية. وهذا الانـقسام يدوم منذ 20 أو 30 سنة. لكن المُبرّرات المقدّمة لتعليل دوام انـقسام اليسار إلى عدّة أحزاب متميّزة ومتنافسة، ليست واضحة بما فيه الكفاية، ولا مُقنعة. ولا يلمس الملاحظ وجود خلافات جذرية فيما بين مناضلي مُختلف أحزاب اليسار، سواء على مستوى الخط السياسي، أم على مستوى البرنامج النضالي، أم على مستوى منهج التـفكير. والغريب هو أن الخلافات السياسية، أو الفكرية، الموجودة فيما بين أحزاب اليسار، توجد أيضا داخل كل حزب يساري على حِدَة، وفيما بين أعضاء كل حزب يساري محدّد. فمن الوهم الاعتـقاد بإمكانية وجود حزب يساري يتميّز أعضاءه باتـفاقهم على كل شيء. وهذه الخلافات الموجودة فيما بين مناضلي أحزاب اليسار، هي خلافات طبيعية، ولا ترقى إلى مستوى تبرير انـقسامهم إلى أحزاب مُتَنَافِسَة، أو مُتناقضة.

وإذا ما استمرّ انـقسام اليسار إلى عدّة أحزاب متنافسة، فإن هذا اليسار سيظل بالضّرورة، مُتشرذما، ومُتـفرّقا، وضعيفا، وهزيلا. وستبقى الفَعالية السياسية لليسار، في هذه الحالة، ضئيلة، أو رَديئة، أو عاجزة، أو منعدمة. بينما تستوجب مصلحة اليسار توحيده عاجلا، في إطار حزب واحد، أو داخل جبهة مُوحّدة، أو على الأقل في هيكلة تنسيقية حيوية.

وكثيرون من مناضلي قوى اليسار يتمنّون بشغف كبير تحقيق تـقارب، أو توحيد قوى اليسار، في حزب، أو جبهة. لكن هذا التوحيد بقي إلى حدّ الآن مستحيلاً. لماذا؟ لأن العقليات السائدة حاليا في قوى اليسار لا تسمح حتّى بالنضال المشترك، فبالأحرى أن تدفع تحو التوحّد. ولأنه يستحيل توحيد قوى اليسار إذا لم نعمل على تغيير وتثوير عقليات مسؤوليه ومناضليه. فلا بدّ من نـقد، وتـقويم، وتثوير، عقليات قوى اليسار. ونحن كلّنا، مناضلي قوى اليسار، في حاجة إلى الاستماع إلى بعضنا بعضًا، وإلى الاحترام المتبادل، وإلى تبادل النـقد الرزين والمسؤول، وإلى الاستـفادة من بعضنا بعضًا، وبكل تواضع. ومن بين أهم سبل تـقويم قوى اليسار، سُلوك التـقارب فيما بين قوى اليسار، والتحاور، والتشاور، والتنسيق، والتعاون، والتكامل، والتضامن، وخوض النضال المشترك.

وعلى خلاف كثير من الآراء، لا تُبنى الجبهة فيما بين أحزاب تتـفق على كل شيء، وإنما تبنى الجبهة فيما بين أحزاب تختلف حول كثير من القضايا. والجبهة هي، في آخر المطاف، مجرّد وعاء تنظيمي لتسهيل التنسيق والنضال المشترك. فَالجبهة ليست هدفًا في حدّ ذاته، وإنما الجبهة هي مجرد وسيلة. وهدف الجبهة هو تسهيل خوض النضال المشترك. وكل من يرفض بناء جبهة يسارية، فهو في الحقيقة يرفض وجود نضال يساري مشترك.

ويستوجب العمل الجَبْهَوِي بالضّرورة مرونة كبيرة في التـفكير، وفي الممارسة. (ويمكن، إن اقتضى الحال، أن تعمل هذه الجبهة، أو هذا الحزب الذي سيتوحّد فيه أحزاب اليسار، بأسلوب التّيارات، ولو مُؤقّتا، لتمكين مختلف الحساسيات السياسية من التـعبير عن نـفسها. ولكن تجربة «الحزب الاشتراكي الموحّد» قد أكّدت بالملموس أن العمل بأسلوب التّيارات لا يُنشّط التنافس فيما بين مدارس فكرية، وإنما يتحوّل إلى مبرّر لِلْحَلَقِية، وللعصبية، بين جماعات أو زعامات ثابتة عبر الزمان، ولا تتغيّر ولو تبدّلت المواضيع أو الأفكار).

وعلى خلاف النّزعة السطالينية (stalinisme)، يلزم أن ندرك أن تنوّع مكوّنات اليسار هي ظاهرة طبيعية، وموضوعية، ودائمة. بل إن تـفاوت التصوّرات والآراء فيما بين المناضلين اليساريين، وفيما بين التّيارات اليسارية، هي ظاهرة حتمية. لكن العقل السّليم لا يشترط تطابق الآراء في كل شيء، بل يجتهد لتأسيس النضال المُشترك، ويكافح ضدّ تشتيت القوى أو تشرذمها. كما أن الحاجة إلى الفعالية السياسية توجب تنسيق وتوحيد الجهود، في إطار سياسي واحد، مثلا على شكل تنسيق، أو تحالف، أو فدرالية، أو جبهة وطنية تـقدمية، أو ما شابه ذلك. خاصة وأننا لا زلنا في مرحلة التّحرر الوطني الديمقراطي.

 12) هل توجد صراعات داخل أحزاب اليسار ؟

الغريب هو أن أحزاب اليسار تتجاهل، أو تنكر، الصراعات السياسية، والمنافسات الشخصية، التي تحدث داخلها، من فترة لأخرى. ومعظم أعضاء الحزب اليساري يظنون أنهم كلّهم رفاق، أو إخوة، متساوون، ومتحابّون. ويصعب عليهم الاعتراف بوجود هذه الصراعات، لأنها تبقى مُحرجة، أو لأنها غالبا ما تكون ذاتية، أو انتـفاعية، أو غير مبدئية.

وحينما يصبح عضو، أو بعض أعضاء الحزب، طرفا في صراع سياسي، يكتشفون عالما جديدا، ومناقضا للخطابات النظرية حول المبادئ.

وفي الواقع، توجد تناقضات موضوعية داخل كل حزب. وتحدث فيما بين أعضاء كلّ حزب (سواءً كان يمينيا، أم يساريا، أم ثوريا) أنواع متعدّدة من الصراعات المتواصلة، والمستترة. تارة تكون هذه الصّراعات هادئة ومخفية، وتارة أخرى تكون مُلتوية، أو مفضوحة، أو صاخبة، أو هوجاء. وأهم هذه الصّراعات تدور حول ”الرّتب“ القائمة داخل الحزب، أو حول التسابق لاحتلال مواقع المسؤولية، أو الزعامة. لأن من يقود الحزب كمن يمتلكه. ولأن أعضاء الحزب ينظرون إلى مواقع المسؤولية باعتبارها تمنح لمن يحتلها قدرا من الجاه، أو الشّهرة، أو الامتيازات، بعضها معنوي، وبعضها الآخر مادّي. ولأن هذه المواقع تُثير لدى بعض أعضاء الحزب أطماعا انتـفاعية، أو سّلوكيّات انتهازية. كما تجري منافسات فيما بين أعضاء الحزب القاعديين، أو المتوسطين، تهدف إلى التـقرّب من الأشخاص المسؤولين الكبار، أصحاب ”الرّتب“ المعتبرة. لأن بعض أعضاء الحزب يعتـقدون أن الارتباط بمسؤولين نافذين داخل الحزب قد يوفّر لهم حظوظا أكبر لكي يصلوا هم أنفسهم إلى مناصب مسؤولة. فيتنافس، أو يتسابق، بعض أعضاء الحزب لكي يُحسّنوا درجة مواقعهم داخل منظومة المراتب القائمة في الحزب.

وأهم الإشكالات التي تطرحها الصّراعات الداخلية للحزب هي التالية: هل نعترف بهذه الصراعات، أم نتجاهلها ؟ هل نتركها تتطوّر بشكل عفوي، أم نحاول تنظيمها ؟ هل نتركها تتطور حسب أهواء شخصية ذاتية، أو حسب ميول غريزية، أو حسب سلوكيات خفية، أو حسب أطماع انتهازية، أم هل نحاول عقلنتها، أو تـقنينها، للحدّ من أضرارها المحتملة، أو لتـقليص تأثيراتها السلبية على الحزب؟ هل نترك الصّراع السياسي تلقائيا، أم نحاول تنظيمه، عبر ندوات حوارية، أو عبر نشر أراء ووثائق نظرية؟ هل نحرص على أن يبقى الصّراع في حدود منافسة بين أفكار، وأطروحات، ونظريات، وبرامج، أم نترك الصراع يتطوّر إلى صدام عدائي بين أشخاص، أو بين جماعات حلقية ومتناحرة؟ وكيف نـقارن بين الأعضاء المتنافسين حول مواقع المسؤولية؟ وما هي المقاييس التي نعتمد عليها أثناء الاختيار، أو الانتخاب، للفرز بين المرشّحين الرّاغبين في الوصول إلى مواقع المسؤولية؟ وكيف نـقدّر هذه المقاييس؟ وفي حالة إذا ما أخطأنا وانتخبنا بعض المسؤولين غير الأكفاء، كيف نعالج أخطاءنا، وكيف ننظم انتخابات جديدة تصحيحية؟

فعندما يحين وقت تعيين، أو انتخاب، مسؤولين في مختلف الهيئات القيادية للحزب، تبزر إلى السطح المنافسات والصراعات فيما بين أعضاء الحزب. وكل عضو يظنّ، في داخل نفسه، أنه ممتاز، وأنه كفء، ونزيه، بما فيه الكفاية، لكي يستحقّ تحمّل مسئولية حزبية، بل ولكي يكون قائدا، أو زعيما بارزا. فيتكاثر الطامحون إلى القيادة، وإلى الزعامة. ولا يعرف كثيرون من أعضاء الحزب، أو المؤتمرون، كيف يختارون بين المرشّح الأكثر جودة، والمرشّح الأقل جودة، في مجالات معيّنة مثل : الكفاءة، والتكوين العلمي، والوضوح النظري، والنزاهة، والرّوح الثورية، والجرأة، والاستعداد للتضحية، والقدرات النضالية، إلى آخره.      لكن المعضلة المحيّرة هي أنه لا توجد امتحانات، أو مباريات، أو شواهد، في ميدان العمل الحزبي، أو السياسي، لكي نستند إليها عند الفرز بين المتنافسين المتصارعين حول مواقع المسؤولية. فأعضاء الحزب الذين يظنّون أنهم كلّهم متساوين، ومتحابّين، هم في والواقع متـفاوتين فيما بينهم في مجالات المعارف العلمية، والشجاعة، والكفاحية، والاستعداد للتضحية، والاجتهاد، والإنتاجية، والمثابرة، واللباقة، والإبداع، والقدرة على المبادرة، إلى آخره.

لكن ما يتناساه معظم الطامحين، إلى احتلال مواقع المسؤولية أو القيادة داخل الحزب، هو أن الاستمتاع بموقع المسؤولية، خلال وقت السّلم، أو الهدوء، أو الرّفاه، لا يدوم كثيرا. فسرعان ما يحتدم الصّراع الطبقي، فَتَحُلّ فترات الأزمة، أو الشدّة، أو الأخطار، أو التضحيات الجسام. وآنذاك، تنكسر بسرعة مذهلة بعض الشخصيات، أو ينهار بعض المسؤولين، أو يهرب بعض القادة إلى الخلف، ويفضّلون النجاة بأنفسهم بدلاً من الضحية بها، ويحاولون ابتكار أعذار كثيرة لتبرير تخاذلهم. فتنفضح عدم أهليتهم لتحمل أية مسؤولية حزبية، أو سياسية. ويندم كثير من المناضلين على الثقة التي وضعوها في الماضي في هؤلاء الطامحين إلى المسؤولية الحزبية.

 13) هل تحمل أحزاب اليسار تصوّرا مُوحّدا حول النظام السياسي المطلوب؟

  • منذ استـقلال المغرب من الاستـعمار الفرنسي، في سنة 1956، ظلّت قوى اليسار بالمغرب تُطالب ب ”دَمَقْرَطَة” النظام السياسي الملكي الاستبدادي. وذلك هو ما زال يُعَبّر عنه اليوم ثلاثة أحزاب يسارية عبر ِمَطْلَب «ملكية برلمانية ديمقراطية». لكن النّظام السياسي المُستبد لم يتوقّف، إلى حَدّ اليوم، عن التّحايل، وعن رفض أي إصلاح دِيموقْراطي حقيقي. فهل يُعْقَل أن تستمر أحزاب اليسار، خلال ال 60 سنة الأخرى المُقبلة، في المطالبة بِنـفس الطّلب الذي ظلّت تطالب به خلال ال 60 سنة الماضية، ألا وهو مطلب «ملكية برلمانية ديمقراطية»؟

ورغم عِنَاد النّظام، لا زالت بعض قوى اليسار تُصِرّ على ألا يَتَجاوز نضالها، الحالي أو المُقبل، «سقف الملكية البرلمانية»! والقوى السياسية التي تَتَشَبّث باحترام هذا «السّقف»، تـقضِي على أية إمكانية للنضال المُشْتَرَك مع قوى اليسار الأخرى التي ترفض هذا «التَّسْقِيف». ولا يُعقل أن تستمر أيّة قوة من بين قوى اليسار في تـقييد نـفسها داخل حدود شعار «سقف الملكية البرلمانية» خلال ال 60 سنة الأخرى المُقبلة.

ألم يَحِن بَعْدُ الوقت لكي تُراجع مُجمل قوى اليسار بالمغرب شعارها حول طبيعة النظام السياسي المطلوب، عبر حوارات صريحة، ودراسات معمّقة؟ ألم يحن الوقت لكي تُبَلْوِر أحزاب اليسار تصوّرا مُوحّدا حول طبيعة النظام السياسي المَنْشُود؟ ألا تـقتضي الفعالية السياسية أن يكون تصوّر أحزاب اليسار للنظام السياسي المطلوب، مُوَحّدًا، واضحا، وحازما؟ ألا يُسْتَحْسن أن يكون شعار اليسار من قبيل الشِّعار التالي: «إمّا ملكية برلمانية وديمقراطية الآن، وإمّا جمهورية برلمانية وديمقراطية الآن، ولا نـقبل بأي بديل ثالث لهما» !

14) هل يلتزم مناضلو اليسار بالأخلاق؟

يلتزم على العموم مناضلو قوى اليسار بالأخلاق. لكن الانتـقادات الشفوية التي يتبادلها بعض مناضلي قوى اليسار عن بعضهم بعضا قد تشير أحيانا، ضمنيًّا أو علنيّا، إلى أن هذا الالتزام بالأخلاق لا يصل دائما إلى مستوى مُرض، أو كامل. خاصّة وأن المناضلين يعيشون في بيئة مجتمعية (عربية مسلمة) أَلِفَت التّطبيع مع الغشّ، إلى درجة أن ممارسة الغش في المجتمع أصبحت تلقائية، أو غير واعية، أو غير محسوسة. ولم يعد الغشّ مألوفًا فقط في سلوكيّات الحكّام والسّائدين، ولكنه أصبح شائعًا أيضا في الاقتصاد، وفي الإعلام، وفي التعليم، وفي المؤسّـسات الدّينية، وفي الطّب، وفي القضاء، وأجهزة الأمن، وفي الانتخابات العامة، إلى آخره.

وإذا كانت بعض الجماهير لا تُعير اليوم كثيرًا من الاهتمام إلى مناضلي اليسار، فقد ترجع بعض أسباب ذلك الإهمال إلى أن نسبة هامّة من هؤلاء المناضلين لا يرقون إلى مستوى ما يقولونه. وهل يمكن لمناضلين لا يجسّدون اليومَ القِيمَ التي يزعمون أنهم يريدون تحقيقها في المستـقبل أن يحضوا بثقة أو تـقدير جماهير الشعب ؟ وهل يُعقل أن ينتظر المناضل الثوري حصول نجاح الثورة المجتمعية في المستـقبل لكي يختار في النهاية التحلّي بكل الأخلاق الثورية ؟

ومن الممكن أن بعض المناضلين (مثل الذين يطمحون إلى الحصول على مسؤوليات رفيعة، أو الذين يرغبون في أن يُنتخبوا إلى مناصب تمثيلية) يظنّون أحيانًا «أن الأخلاق، أو الصّدق، أو النزاهة، لا يشكّلون ضرورةً كبيرة في النضال». وبعضهم قد يعتـقد داخل قرارة نفسه السرّية أنه «إذا تخلل العملَ النضاليَّ المشترك شيء من الاحتيال، أو الكذب، أو الانتـفاعية، أو الانتهازية، أو الغشّ، أو النفاق، أو الخداع، أو المناورة، فذاك ليس بمشكل خطير. يكفي أن تكون غاية هذا الاحتيال إيجابية، وأن يبقى هذا التحايل خفيًّا، أو غير مرئيّ، أو غير محسوس». وقد لا يدركون أن التساهل مع النـقص في الأخلاق، ولو كان طفيفًا، أو مُسْتَـتِرا، فإنه يفتح الباب كاملاً لانتشار الغشّ، أو لتعميم الفساد. وربّما لا يستوعب مثل هؤلاء المناضلين أن المآل الحتمي لكل خداع هو الانفضاح، وأن النضال المشترك يتناقض إطلاقًا مع أي شكل من أشكال الغشّ أو النفاق. قد نضطر، في ظروف قاهرة، تتعلّق بأمننا، إلى الكذب على الأعداء الطبقيين، لكنه من غير المقبول أن نكذب، أو أن نخادع، المناضلين الذين يناضلون إلى جانبنا. ولو كانت غاية هذا الكذب تظهر إيجابية. وكلما مُورس التّحايل، أو المغالطة، أو الغشّ، أو النّفاق، في العمل النضالي، فإنه يقضي فورًا على الثّـقة المتبادلة فيما بين المناضلين، ويُدمّر حتّى النضال المشترك هو نفسه.

ولكي يكون مواطن محدّد مناضلاً أو ثوريا، يلزمه، أوّلاً وقبل كلّ شيء، أن يكون نزيها وصادقا. وإذا ما ظهر شيء من الغشّ في سلوكه، أو في نضاله، تصبح ثوريته ملغاة فورًا.

فإمّا أن يُبنى العمل السياسي على الالتزام التّام بالأخلاق، وإلاّ فإن الجماهير ستنظر إلى هذا العمل السياسي على أنه مجرّد شكل من أشكال التـفنّن في الانتهازية، أو الغشّ، أو الخداع. وكلّ عمل سياسي يتلوّث بالغشّ، ولو بقدر طفيف، سَيُصنّـف فورًا من طرف الجماهير كانتهازية مُستهجنة. ولا يمكن لأي عمل السياسي أن يحظى باحترام، أو بتـقدير جماهير الشعب، إلاّ إذا كان ملتزما بشكل كلّي بالأخلاق.

 15) ما العلاقة بين المناضل والثقافة؟

سؤال الثقافة يحيلنا إلى تحليل الفرق بين المناضل الحزبي، والمواطن العادي. وفي مجال الثقافة هذا، لا أنتـقد فقط تـقصير أحزاب اليسار، بل أنتـقد كذلك تهاون مناضليها.

مثلاً خلال سنوات 1960، و 1970 م، كانت أحزاب اليسار بالمغرب تعطي أهمّية معتبرة لثقافة المناضل. لأن خروج المغرب من الاستعمار الفرنسي كان حديثا، ولأن الأحزاب الوطنية كانت تُحسّ أن العوامل التي جعلت استعمار بلاد المغرب في الماضي ممكنا، لا تنحصر في ضعف جيوش الدولة، أو في تخاذل الملوك، وإنما ترجع أيضًا إلى ضعف المستوى الثقافي لعموم الشعب. وكانت أحزاب اليسار تشترط في المناضل المرشّح للعضوية فيها، من بين مَا تشترط فيه، أن يحمل ثقافة متـقدّمة، أو معمّقة، أو متنوّعة، أو متنامية. ونـقصد بالثقافة دراسة واستيعاب أكثر ما يمكن من التراث الفكري المكتوب للإنسانية جمعاء، بما في ذلك الفلسفة، والتاريخ، والعلوم الدقيقة، والاقتصاد، والقانون، وغيرها([1]).

أمّا اليوم، وبعدما حوّل النظام السياسي القائم الثقافةَ إلى مجموعة من الفنون، والتـقاليد، والفولكلور، نلاحظ أن بعض أحزاب اليسار نسيّت الدّرس المستخلص من الاستعمار، وأصبحت تميل إلى إهمال تثـقيف مناضليها. والدليل على ذلك هو أن مختلف قوى اليسار لا تتوفّر على مدرسة، ولو بسيطة، لتكوين مناضليها، سياسيا، ونظريا، وثقافيا. ونسيّت أحزاب اليسار أنها، كفاعل جماعي، تتحمّل مسئولية السهر على تثـقيف وتكوين أعضائها.

فهناك تصوّران حزبيّان للمناضل. التصوّر الأول يقنع بأن يكون مناضل الحزب عمليّا، ومكافحا، مثل ”جندي من الدّرجة الثانية“ (Soldat de 2e classe). أي أن يكون مناضلا مؤهّلا لتنفيذ «توجيهات القيادة»، دون الحاجة إلى استـقلالية في الفهم، والتـفكير، والمبادرة، والنـقد، والإنجاز. والتصوّر الثاني يشترط في المناضل في الحزب، زيادة على ما سبق من كفاحية، أن يكون من مستوى ضابط سامي (Officier supérieur)، أو أكثر. فيطلب من المناضل، ولو كان قاعديا، ليس فحسب أن يقدر على فهم مبرّرات وأهداف «توجيهات القيادة»، المطروحة للتنفيذ، بل أن يكون مؤهّلاً لتعويض القيادة، وبلورت تلك «التوجيهات» هو بنفسه، بكل حيثياتها وأبعادها المعقّدة، وتطبيقها. لأن المطلوب من المناضل، ليس هو أن يكون مثل مواطن عادي، وإنّما أن يكون هو الأكثر تـقدما بالمقارنة مع عامّة المواطنين العاديين.

أمّا اليوم، وفي ارتباط بتوجّه معظم الأحزاب نحو التركيز على المشاركة النّفعية في الانتخابات، ونحو تضخيم أعداد الأعضاء في الحزب، ونحو التـقيّد بسقف الالتزام بالمؤسّـسات التمثيلية للدولة، تميل بعض أحزاب اليسار إلى حصر مفهوم المناضل الجيّد في الشخص الذي ينخرط في عضويّة الحزب، ويناصر قيادته، وينضبط لتوجيهاته، ويشارك في تعبئة النّاخبين، أو في المظاهرات، أو في توزيع المناشير، إلى آخره. وهذه الخصال، إن كانت ضرورية، فإنها تبقى غير كافية. لأن الجماهير تستند في تـقييمها لجودة المناضل على مدى صدقه، ونزاهته، وفعاليّته، وثقافته، ودقّة تحاليله، وصحّة استشرافه للمستـقبل. ولأن فعالية المناضل تستوجب بأن تتوفّر لديه علاقة عقلانية بين المنطلقات والأهداف، وبين الأساليب والمبادئ، وبين الممارسة والنظرية. وَيُفترض في المناضل، بالمقارنة مع المواطن العادي، أن يكون متـقدّمًا، أو طليعيا، في أكثر ما يمكن من المجالات. فَيُطلب من المناضل أن يكون ممتازًا في مجالات كثيرة، بما فيها الثقافة، والمعرفة، والعلوم، والأخلاق، والقيم، والسّلوك، والمبادرة، والفعالية السياسية.

وفي إطار نمط العيش الرأسمالي التّبعي، المسيطر حاليا على المجتمع، غدى كثير من المناضلين مثل المواطنين العاديين، خاضعين في كلّ يوم لضغط مهامهم المهنية، ولواجباتهم العائلية الرّوتينية، دون القدرة على تخصيص جزء من وقتهم (اليومي، أو الأسبوعي) إلى التثقيف الذّاتي المتواصل على مدى الحياة. بالإضافة إلى أنهم لا يمارسون التعاون والتكامل فيما بينهم. فيصبح معظم المناضلين، سواءً كانوا قاعديين أم قياديّـين، مثل عامّة المواطنين، ميّالين إلى الاعتـقاد أنهم يعرفون أو يفهمون كلّ شيء. بينما هم في الواقع يجهلون الكثير من القضايا (في الاقتصاد، أو القانون، أو التاريخ، أو الفلسفة، أو العلوم، أو التكنلوجيا).

فمن بين مظاهر أزمة قوى اليسار اليوم أن المناضل، أصبح مثل المواطن العادي، يكتـفي بسمع الأخبار والأفكار، وبـتـقليد المقولات السياسية المتداولة في السّاحة، لكنه يرفض، أو يتلافى، أو لا يقدر على، بذل جهد القراءة، والدراسة، والتحليل، والتمحيص، بهدف بناء آراءه على أسـس مفحوصة، ومضبوطة. ولا يحسّ المناضل أنه يجهل الشؤون التي لا يدرسها. فَغالبية المناضلين، ومعظم المواطنين، يظنّون أنهم يعرفون كلّ شيء، وأنهم يفهمون كلّ شيء، وأن آراءهم هي على صواب مطلق في كلّ شيء، دون الحاجة إلى القراءة، ولا إلى الدّراسة، ولا إلى العلوم الدقيقة، ولا إلى مجهود التّـثـقيف الذّاتي المتواصل. فيسقط بعض المناضلين في الغرور، ولا يجرؤون على ممارسة الشكّ المنهجي في يقينيّاتهم. فكأن بعض المناضلين يفترضون أن المعرفة المطلقة، أو الفطرية، تنزل يوميا، وتلقائيا، وباستمرار، من السماء إلى عقول هؤلاء المناضلين. لكننا إذا أخضعنا معارف هؤلاء المناضلين إلى امتحان دقيق، فـقد نجد أنها ناقصة، أو غير كُفْئَة، أو غير ناضجة.

لنتصوّر مثلاً مناضلا (أو مواطنا) يجهل علمًا محدّدا، أو قضية معيّنة، ولا يبذل أيّ جهد لدراستها (مثلاً في مجال الاقتصاد، أو القانون، أو التاريخ، أو الفلسفة، أو العلاقات الدولية، أو التكنولوجيا). في هذه الحالة المُفترضة، سيكون من العسير على هذا المناضل أن يعرف أنه يجهل هذه الأمور، أو أنه يتناقض مع بعض القوانين الدقيقة التي تضبطها. بل سيكون من الصّعب إقناع هذا المناضل بآراء مخالفة لآرائه المسبقة. ومن ميزات الجاهل أنه يصعب عليه الإحساس بجهله، وأنه لا يرى مُبرّرًا لبذل جهود مضنية من أجل تنمية معارفه، أو فحصها، أو تـقويمها. فكيف يُمكن، في مثل هذه الأوضاع، أن يكتسب هذا المناضل وضوحا ثاقبًا في مجالات فهم تناقضات المجتمع، وتحليل آلياته، واستيعاب الحلول الثورية أو الاشتراكية؟ وكيف يمكن لهذا المناضل أن يساهم في نـقد مواطنيه، وفي تشييد المجتمع البديل؟ هذا مستبعد!

وعلى خلاف كثير من الظنون، يستحيل أن ينجح العمل السياسي، أو النضال الثوري، إذا بقي عفويًّا، أو سطحيا، أو مُتَهَاويّا (amateurisme). بل يحتاج النضال، ليس فقط إلى الكفاح العملي، ولكن أيضًا إلى العلم. ويتطلب النضالُ دراسةَ واستيعابَ علوم دقيقة ومتعدّدة. فالنضال يجسّد الرغبة في تـقويم أو تثوير المجتمع، فكيف يُعقل أن يقدر الشّخص (أو الحزب) على تـقويم المجتمع إذا كان لا يفهم لا تاريخ هذا المجتمع، ولا آليات تطوّره؟ وهل يمكن لمناضل أن يكون جيّدًا إذا كان يجهل الفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، والقانون، والعلاقات الدولية، والتكنولوجيا؟

 16) ما هو نـقدك ل ”حزب الاتحاد الاشتراكي”؟

  • تناولتُ فيما سبق انتـقادات مُوَجّهة إلى عموم أحزاب اليسار. ولا بُدّ أيضًا من استـعراض أمثلة مَلْمُوسة على بعض الانتـقادات الخاصّة، الموجهة إلى كل حزب على حِدَة. وفيما يخصّ ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، وخلال الفترة الممتدّة من سنوات 1960 إلى قرابة سنوات 2000 م، ظلّ هذا الحزب هو أكبر حزب تـقدّمي في السّاحة السياسية. وهو لا زال يحتوي على عدد من المناضلين المُخلصين. إنه فعلاً حزب ضخم في حجمه، معقّد في آلياته، وثـقيل في حركته، إلى درجة أنه لم يعد قادرًا على المَشي، أو الإصلاح، أو التـقدم. وأصبحنا لا نسمع شيئا عن وجوده، أو عن نضاله، إلا خلال مناسبات الانتـخابات. أو عندما يأمر القصر الملكي الأحزاب الإدارية بالدّفاع عن قضية رسمية مَا (مثل قضية الصحراء). ويظهر أن غالبية النُّخبة السائدة داخل ”حزب الاتحاد الاشتراكي“ أصبحت مُترهّلة، أو محافظة. ولم تـعد تتوفّر على أية رغبة في تنظيم أي نضال جماهيري حازم، أو تـقدّمي، أو ثوري.

ويدّعي حزب ”الاتحاد الاشتراكي“ أنه «اشتراكي». لكننا لا ندرك في ماذا تتجلّى «اشتراكيته». ولا يوضّح هذا الحزب ما هو المعنى الدّقيق الذي يعطيه لمفهوم «اشتراكيته». تارة يتكلم عن «الاشتراكية الديمقراطية»، وتارة أخرى عن «الاشتراكية الليبيرالية». لكنه لا يرفض الرأسمالية. ويقول أنه يريد «تـقليص الفوارق الطبقية»، لكنه لا يقبل الحل الجذري الذي يستأصل أسبابها.

و”حزب الاتحاد الاشتراكي“ يطبّق مقولة: «هدف الحزب هو وصوله إلى الحكومة». لكن التّجربة بَيّنت (خلال سنوات 1980 و 1990 م) أنه كُلّما حصل هذا الحزب على مناصب وزارية في الحكومة، فإنه لا يدري ماذا يفعل بتلك الوزارات. وفي الحقيقة، فإن حصر هدف الحزب في «الوصول إلى الحكومة» هو توجّه غير مرض. لأن الحزب، وكذلك الوصول إلى الحكومة، إنّما هما وسيلتان، أمّا الهدف الحقيقي للحزب، ومُبرّر وجوده، فيجب أن يكون هو المُساهمة في تغيير الدولة، وتغيير المُجتمع، في اتجاه الدّمَقْرَطَة (démocratisation)، والتّنميّة، والاستـقلال الوطني، والحُرية، والعدل، والتحرّر من الاستغلال الرأسمالي، والرفاهية لكل المُواطنين، ولكل مُكوّنات المُجتمع. وكل حزب يصل إلى السلطة السياسية، ثم يستمتـع بها، دون أن يعمل على إصلاح الدولة، ولا على تغيير المجتمع، يصبح وجوده زائدًا عن الحاجة، أو غير مجدي، أو غير مُبرّر.

وكُلّما جاءت مناسبة تاريخية حاسمة في المغرب، إتّضَح من خلالها العجز التام ل ”حزب الاتحاد الاشتراكي“ على استغلال هذه المناسبة، أو على التـفاعل معها. وقع ذلك مِرارًا وتكرارا. وقع مثلا خلال الانتـفاضات الشعبية الماضية (في سنوات 1965، و1980، و1981، و1984، إلى آخره). وحدث خلال محاولتي الانـقلاب العسكري في سنتي 1971، و 1972 م. ووقع أيضا كلما حصل هذا الحزب على نِسَب هامة من مقاعد البرلمان. ووقع أيضا حينما نادى الملك المستبد الحسن الثاني على المناضل عبد الرحمان اليوسفي، زعيم ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، لكي يَرْأس أول حكومة «للتّناوب التّوافقي» بالمغرب، (بين أبريل 1998 و 2002 م). كما تَكَرّر ذلك العجز عِدّة مرّات، مثلا حينما حصل هذا الحزب على عدد مُعتبر من الوزارات داخل الحكومة. ورغم كل هذه الفُرَص التاريخية الضّائعة، فإن هذا الحزب لم يَتَمَيّز بأيّ إنجاز سياسي ذي أهميّة. وكان النّظام القائم، في كل مرّة، يحتال على هذا الحزب، ويستغلّه، ويتلاعب به، ثم يُضْعِفه، ثم يُهَمّشه. ولا شيء يُثْبِتُ، إلى حَدّ الآن، أن هذا الحزب يتوفّر على قدرة الاستـفادة من أخطائه السابقة، ولا على إيقاف سيرورة انحلاله (فكريا، وسياسيا، ونضاليا، وتنظيميا).

وَقِدَمُ حزب ”الاتحاد الاشتراكي“، وكِبَرُ حجمه، يدخلانه في غرور سياسي فظيع، ويجعلانه يحتـقر كل قوى اليسار الأخرى الحديثة أو الصغيرة. فَ ”الاتحاد الاشتراكي“ لا يقبل أقلّ من احتواء مجمل قوى اليسار الجديدة، ويعاملها بأبوية، ولا يرضى بالحوار معها، أو التنسيق معها، فبالأحرى أن يقبل خوض النضال المشترك واللاّمشروط معها.

 17) ما هو نـقدك لِ ”حزب التـقدم والاشتراكية”؟

  • يحتوي هذا الحزب هو أيضا على بعض المناضلين المُخلصين، يعملون في صمت، أو في الخفاء، لكن غالبية الجماعة الصغيرة التي تُسيطر على قيادة هذا الحزب تمارس السياسة باعتبارها «فَنّ النّـفاق والانتهازية». ورغم خطابها السياسي الباهت، فإنها لا تهتم سوى بمصالحها الشّخصية النّفعية. ويكفي أن يَنْزَع النّظام السياسي القائم «رَضّاعَة الحليب» من فَمِ قِيَادة هذا الحزب لكي يَنْدَثِر خلال بضعة سنوات. ومن الصّعب أن يبقى هذا الحزب موجودا بعد قرابة ال 10 سنوات المقبلة.

 18) وما هو نـقدك ”لحزب النهج الديمقراطي”؟

  • هذا الحزب، مثله مثل أحزاب اليسار الأخرى، يحتوي على كثير من المناضلين الصّادقين أو المُخلصين. المشكل هو أن الرّوح النـقدية تَنـقصهم، وذلك إلى درجة أنهم لا يُحِسّون بنـقط ضعف حزبهم.

واعتاد بعض أطر هذا الحزب على سهولة الاستثمار، ليس في التعبئة العملية لنضالات أعضاء للحزب، وإنما في استغلال تُرَاث منظمة إلى الأمام وشُهدائها. لكن ’’تاريخ انتهاء صلاحية‘‘ أيديولوجية منظمة ”إلى الأمام“ فَاتَ منذ زمان. حيث أن غالبية مُناضليه، أو قادته، لم يعودوا يؤمنون بالأطروحات الماضية لِ ”منظمة إلى الأمام”، مثل «العنـف الثوري»، و«حرب التحرير الشعبية»، و«ِالقواعد الحمراء المُتنـقلة»، و«بناء الحزب الثوري تحت نيران العدو». والكثير من الأطروحات السياسية لِ ”منظمة إلى الأمام“ تحتاج اليوم إلى مراجعة نـقدية، وإلى تَحْيِين يأخذ بعين الاعتبار المكتسبات النظرية الحديثة، والتجارب النضالية والثورية اللاّحقة.

ف ”حزب النهج“ هو حزب مُقَلّد، ومُحافظ في ثوريته. ولا زال غير قادر على مراجعة أو تجاوز بعض الأطروحات «الماركسية اللّينِينية» القديمة. يتـعامل مع نظرية «الماركسية اللينينية» باعتبارها «علما مُطلقا». وَعلى العموم، لا يقرأ مُناضلو ”حزب النهج“ مُؤلّفات كارل ماركس، أو فلاديمير لينين، أو مَاوُو تْسِي تُونْغ، أو غيرهم من المفكرين الثوريين، وإنما يكتـفون بحفظ بعض أطروحات «الماركسية اللينينية» كآيات قرآنية مُقدّسة، ويؤمنون بأنها حقائق صَائبة بشكل دائم ومُطلق. ويتـعاملون مع كارل ماركس كنبي مُقدّس للطّبقة العاملة. وفي الحقيقة، ليست «الماركسية اللينينية» لا علمًا، ولا أيديولوجية، ولا دين جديد. وإنما هي مُجرد اجتهاد فلسفي أو سياسي، يرجع إلى نهاية القرن ال 19 وبداية القرن ال 20 الميلادي. توجد فيها أشياء كثيرة سليمة، وثمينة، ورائدة، وتوجد أيضا فيها أشياء أخرى ناقصة، أو مُتجاوزة، أو خاطئة. فلا يُعقل أن تكون «بُوصَلَة» المناضلين هي فقط «الماركسية اللينينية»، باعتبارها علما أو ”دُغْمَة“ (dogme)، بل يُستحسن أن تكون «بُوصَلَتهم» هي العقل، والمنطق، والبحث العلمي الموضوعي، والعلوم الدّقيقة. والعقل يُشجّع على الانفتاح على كلّ الاجتهادات، وعلى التـقدّمية، أو الثورية، ويُؤدّي إلى الجَدَلِيّة (Dialectique). وينبغي أن نستـفيد من اجتهادات كارل ماركس، مثلما يلزم أن نستـفيد من كل المفكّرين الآخرين الذين ساهموا في إغناء التّراث الثّـقافي العالمي. فلم يبدأ الفكر الثوري مع ماركس، أو لينين، ولم يَنْتَهِ عند مَوْتِهِمَا. وماذا عَسَانَا أن نـفعل لو لم يوجد كارل ماركس؟

ويتـعامل بعض مناضلي ”حزب النهج” مع «الماركسية اللينينية» كأنها ”قرآن“ من نوع جديد، يحتوي على كل شيء، ولا يحتاج إلى أي اجتهاد جديد. بل يعتبر هؤلاء المُناضلين كل من يُحاول تجديد أو إغناء الفكر الثوري، بأنه «مُنحرف»، أو «زنديق». ويُعاني ”حزب النهج“ من الدُّوغْمَائِية (Dogmatisme). ولا يجرؤ على إبداع أطروحات سياسية جديدة، ولا يَتَجَرّأ على ابتكار أساليب نضالية من نوع جديد. يحفظ بعض مناضليه بعض المفاهيم أو العبارات الثورية، أو «الماركسية اللينينية»، ثم يعتـقدون أن ترديد هذه العبارات هو حُجّة قاطعة على أنهم ثوريون.

و”حزب النهج“ غارق في النّزعة ”السْطَالِينِية“ (Stalinisme). ولا يتحمّل النـقد، لا من داخل الحزب، ولا من خارجه. ويميل إلى مُحاولة السّيطرة على مجمل التّيارات أو التّنظيمات الجماهيرية. ويطلب من مناضليه أولا الولاء أو الإخلاص للقيادة، أو لِ «النواة الصلبة» في الحزب، بدلا من أن يطلب منهم الكفاءة السياسية، أو استـقلال الشخصية، أو الفعالية النضالية، أو النزاهة الأخلاقية. وتوجد داخل هذا الحزب هيمنة الولاء لأشخاص، وليس الولاء لمبادئ. وإذا استمرت هذه الظاهرة، فقد تُـعرّض هذا الحزب لانشقاقات في المستـقبل.

ويميل أحيانا بعض قِيّادِيّي حزب النهج، أو بعض المسؤولين فيه، إلى ممارسة مناورات خفية داخل الحزب.

ويُروّج عادة بعض قياديّ حزب النهج خطابا سياسيا جذريا، وذلك دون أن تكون ممارسة الحزب تطبيقا حرفيا لخطابه. ويأتي إلى هذا الحزب على الخصوص الشبان الذين يحملون اختيارات جذرية، أو راديكالية، بما فيها خيّار العنف الثوري، ومقاطعة كل الانتخابات. ويرفض بعض قادة هذا الحزب تَلْيِين أو عقلنة خطابهم السياسي الجذري، وذلك خشية من أن يبتعد الشباب الراديكالي عن هذا الحزب. ومثلما هو الحال في أحزاب أخرى من اليسار، يتناسى كثير من أعضاء هذا الحزب أن ترويج خطاب سياسي جذري، خلال فترات غير ثورية، يسوق بسهولة هذا الحزب المعني نحو التهميش (في الانتخابات، وفي الساحة السياسية).

ومستوى التّكوين السياسي لدى مناضلي هذا الحزب يبقى غير مُرض. ولا يجتهد هذا الحزب بما فيه الكفاية لتكوين أطره، ومناضليه الشبان. ولا يهتم بتنمية بعض الخصال الثورية الضرورية لدى أعضاءه، وأبرزها : التكوين النظري، والتدريبات العملية، والحسّ النـقدي، وروح الاستـقلالية، وملكة الإبداع السياسي.

ويستـعمل هذا الحزب أساليب التَّجْيِيش وسط الشّبان، ويستـعمل شَحْن العواطف، ويبالغ في تـقوية الارتباط الحماسي، وذلك على حساب تنمية التّكوين السياسي المُعَمّق، وعلى حساب تـقوية المنهج النـقدي، أو العقلانية.

وبعض أطر ”حزب النهج“ يكتبون تاريخ ”منظمة إلى الأمام“ بطريقة غريبة، بعيدة عن الموضوعية، وعن النزاهة. وهدفهم من هذا الصّنف من ”التّأريخ المتحيّز“ هو خصوصا تبرير احتكارهم لِ ”امتلاك“ منظمة ”إلى الأمام“، ونفي أيّ دور فكري، أو تنظيمي، أو نضالي، أو سياسي، أو كفاحي، أو إبداعي، لجيش كبير من الأشخاص الذين كانوا أطرا، أو مسؤولين، أو أعضاء، أو مناضلين، أو متعاطفين، في ”منظمة إلى الأمام“. كأن ”منظمة إلى الأمام“ وتراثها أصبحا مجرد «رأس مال» (fonds de commerce)، أو «عقار»، يمكن تملّكه من طرف بِضْعَة أفراد، أو التنافس عليه، أو توريته إلى الأصدقاء، أو إلى الأتباع الأوفياء. وهؤلاء «المؤرّخين» يبرزون دائما دور ما يتراوح بين خمسة أو عشرة من أصاحبهم في «النواة الصلبة» المزعومة التي ينتمون إليها. ويقدّمون أفراد هذه «النواة الصلبة» باعتبارهم «العقل المدبّر، والمفكر، والمنجز، والمنفّذ» في مجمل سيرورة بناء ”منظمة إلى الأمام“، وحياتها. وينكرون، بل يعدمون، المساهمات الكثيرة، النّوعية، والمعقّدة، التنظيمية والنضالية، لآلف الأعضاء والمناضلين، الذين ساهموا في حياة ”منظمة إلى الأمام“.

وفي ذلك «التاريخ» المتحيّز لِ ”منظمة إلى الأمام“، لا يثير كُتَّابُه إشكالية انسحاب قرابة 98 في المئة من الأعضاء القدامى في ”منظمة إلى الأمام“. ولا يحسّون بالحاجة إلى تحليل وفهم الأسباب الدقيقة والموضوعية لهذه الظاهرة السياسية. وفي كثير من الحالات، يكتـفون باعتبار المنسحبين «متخاذلين»، أو «متراجعين»، أو «منحرفين»، أو «منهارين».

وهذا الصنف من «التّأريخ» المتحيّز هو تصور يتنافى مع ”المادّية الجدلية“، ومع ”المادّية التاريخية“. وفي الحقيقة، وعلى خلال هذه الرؤية «العقارية» لِتاريخ ”منظمة إلى الأمام“، فلو اقتصر فعلاً بناء ”منظمة إلى الأمام“ وتنشيطها على أفراد تلك «النواة الصّلبة» المزعومة وحدها، لما وُجدت إطلاقًا ”منظمة إلى الأمام“. ومشاكل ”منظمة إلى الأمام“ القديمة، وكذلك مشاكل ”حزب النهج“ الحالية، تُثبت، وتؤكّد، أن قدرات أو كفاءات زعماء تلك «النواة الصّلبة» المزعومة كانت ولا زالت دون المستوى المطلوب. ومن المستبعد أن يتـفهّم، أو أن يتـقبّل، أولئك ”الزعماء“ مثل هذا النـقد.

 19) وما هو نـقدك ل ”حزب الطليعة”؟

  • هذا الحزب يُشبه إلى حَدّ مُعيّن ”حزب النّهج“. وكثير من الانتـقادات السّابقة المُوجّهة إلى ”حزب النّهج“ تنطبق أيضا على ”حزب الطّليعة“ (فلا أكرّر هذه الانتـقادات المشتركة). و”حزب الطّليعة“ هو أيضا محافظ في ثوريته، لا يقدر على تجاوز أطروحات «الاشتراكية العلمية»، أو «الماركسية اللينينية». ولا يجرؤ على تبني أطروحات سياسية جديدة. ولا يبتكر أساليب نضالية من نوع جديد. ويميل هو أيضا إلى تـقليد النّزعة «السْطَالِينية»(Stalinisme). ويميل إلى السّيطرة على الحركات أو التنظيمات الجماهيرية (طبقا لنظرية «طَلِيعية الطبقة العاملة» التي وضعها كارل ماركس، وطَوّرها فلاديمير لينين والبلاشفة). ويظنّ أنه يمتلك هو وحده مشروعية «الطليعة». ويُعاني هو أيضا من الدّوغْمَائِية (Dogmatisme).

ولا زالت الولاءات فيه لأشخاص أو لزعماء قوية. ويظهر أن هذا الحزب لا يعرف بعد كيف يتغلب على مشكل خلافة زعيمه المريض، والذي يحظى بتـقدير كبير ومُسْتَحَقّ. ويتوفّر على زعماء آخرين يَحْضَوْن باحترام مَشهود لهم. لكن المشكل هو أن التّجربة تُبَيّن أن نزعة الزّعَامِيّة([1]) تُضِرّ دائما، وفي آخر المطاف، بالمنهج النضالي أو الثوري، ولو مُورِسَت هذه الزّعامة بِحُسن النّية.

 20) وما هو نـقدك ”للحزب الاشتراكي الموحد”؟

  • هذا الحزب يحتوي هو أيضا على كثير من المناضلين الصّادقين. لكنه يعيش تناقضا حادا بين جناح ثوري، وجناح إصلاحي، أو ’’لِيبِيرَالِي‘‘ (libéral)، أو شبه مَلَكِي. وإذا لم يُعالج هذا الحزب هذا التناقض المذكور، فمن المُحتمل أن يتـعرّض لخطر انشقاق في المُستـقبل([2]).

وحينما قرّر هذا الحزب العمل بنظام «التيارات السياسية» (courants)، لم يكن ذلك الاختيار ناتجا عن وجود مرونة فكرية داخل هذا الحزب، ولم يكن ناتجا عن قناعة بضرورة العمل المشترك بالرّغم من وجود خلافات جزئية، وإنما كان نتيجة لكون حزب ”الاشتراكي الموحّد“ هو تجميع لجماعات متعدّدة، ولتيارات مختلفة، ولا تتحمّل هذه الجماعات الانصهار التّام داخل حزب واحد. فكان الحلّ (المطلوب من طرف هذه الجماعات) هو العمل بأسلوب «التيارات السياسية». وبدلاً من أن تكون هذه «التيارات» جماعات فكرية، متحرّكة، ومؤقّتة، وذلك حسب الأطروحات السياسية المتداولة، تحوّلت هذه «التيارات» إلى جماعات مشخّصة، ثابتة، ودائمة. وأصبحت نوعا من القبائل السياسية، أو العصبية. ثم غدت أحزابا مختلفة داخل الحزب الواحد. وكلّما فرضت جماعة محدّدة غلبتها على الحزب، لجأت إلى إخضاع أو تهميش الجماعات الأخرى. أما أعضاء الحزب الذين لا يحضون بدعم جماعة قوية، فيبقون بدون تأثير على الحزب، ولو كانت اجتهاداتهم ممتازة، أو اقتراحاتهم عبقرية. وبدلاً من أن تساهم هذه «التيارات» في تنشيط الحزب، أو تنميته، أو تـقويته، فقد أزّمته، وعرقلت تـقدّمه.

ويعاني حزب ”الاشتراكي الموحّد“ من ضعف الانضباط لدى بعض مناضليه. وبعض الأعضاء القلائل في هذا الحزب يناضلون ويُضَحّون بشكل مُتواصل، لأنهم يؤمنون بالحزب وبمبادئه، بينما بعض الأعضاء الآخرين يظهرون كأنهم دائما غائبين من أنشطة الحزب، لا يُبَالُون لا بالحزب، ولا بالمُقَرّرات الحزبية، ولا بالنضال الجماهيري. فلا يظهرون إلاّ في مناسبات نادرة، مثل مؤتمرات الحزب، أو مناسبات الانتخابات (البرلمانية أو الجهوية).

ويُفضّل جزء هام من أعضاء هذا الحزب تـقويّة تـقارب حزبهم، أو ارتباطه، بحزب الاتحاد الاشتراكي، وذلك بالمقارنة مع تـقاربه من أحزاب اليسار الأخرى. ربما لأن هؤلاء المناضلين يعتـقدون أن ارتباط حزبهم بحزب ”الاتحاد الاشتراكي“ يُعَزِّز لديهم الواقعية السياسية، أو يُقَوّي داخلهم المُراهنة على الانتـخابات (البرلمانية والجهوية). أو ربّما لأنهم يظنّون، أن ابتعادهم عن ”الاتحاد الاشتراكي“، (أو بعبارة أخرى، اقتراب حزبهم من أحزاب اليسار الأخرى)، يحتوي على خطر «تـقوِيّة التّيار الثوري، أو المُتَشَدّد، أو المغامر»، داخل حزبهم. كأن حزب ”الاشتراكي الموحّد“ يعتبر حزب ”الاتحاد الاشتراكي“ بمثابة القطب النموذجي، أو المثالي، الذي يلزم دائما التـقرّب منه، أو تـقليده، ولو أخطأ حزب ”الاتحاد الاشتراكي“ في سياساته، أو انحرف نحو سلوك محافظ، أو يميني.

ورغم أن حزب ”الاشتراكي الموحّد“ يحمل في اسمه صفة «الاشتراكي»، يظهر من خلال أدبيات هذا الحزب، ومن خلال خُطب قادته وأطره، أن جزءا كبيرا من هذا الحزب لا يقبل أن يكون ”ثوريا“، ولا يؤمن بالنظريات الاشتراكية، أو الماركسية. ونلاحظ أن أطر حزب ”الاشتراكي الموحّد“ يتلافون استعمال مفاهيم ماركسية مثل «الصراع الطبقي»، ومبادئ «المادية الجدلية»، و«المادية التاريخية»، و «نظرية التناقض»، و «دور الطبقات المُسْتَغَلَّة والكادحة» في سيرورة تغيير وتثوير المجتمع، و «العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية»، إلى آخره. وإذا كان حزب ”الاشتراكي الموحّد“ يعتبر أن بعض مبادئ الاشتراكية، أو بعض الأطروحات الماركسية، أصبحت متجاوزة، أو خاطئة، مثلاً بفعل انهيار ”الاتحاد السوفياتي (URSS)“، فيتوجب علي هذا الحزب أن يوضّح لأعضائه، ولِمُناضليه (وللرّأي العام)، ما هي هذه المبادئ التي غدت خاطئة، ولماذا هي خاطئة. ومن لا يسترشد بمناهج الفكر الماركسي، أو الاشتراكي، سيستعمل بالضرورة مناهج مناقضة، هي مناهج ليبيرالية، أو رأسمالية، أو عفوية، أو انتـقائية. الشيء الذي يؤدّي، في آخر المطاف، إلى فكر محافظ، أو يميني. وكل فكر يميني، سينتج بالضرورة سياسة يمينية.

وكلّما قَرُبت استحقاقات انتـخابية (برلمانية أو جهوية)، ظهرت أزمات معقّدة داخل حزب ”الاشتراكي الموحد“. وذلك نظرا للخلافات، أو المنافسات، التي تثيرها هذه الانتـخابات داخل هذا الحزب. حيث يَتسابق بعض مسؤوليه وأعضاءه من أجل أن يكونوا على رأس قوائم مُرَشّحي هذا الحزب في الانتـخابات (المحلية أو البرلمانية). وبعضهم يطمح إلى تحسين موقعه الطبقي عبر الفوز في هذه الانتخابات. وبعضهم يحلم بأن يُعيّنه النظام السياسي القائم في يوم قريب ضمن النخب الرّسمية. ومثل هؤلاء الأعضاء يرون في الحزب مجرد وسيلة من بين وسائل إنتاج النخب التي يحتاجها النظام السياسي القائم.

والمشاركة في الانتخابات العامة (الجهوية والبرلمانية)، ولو في ظلّ نظام سياسي استبدادي، مثلما هو الحال في المغرب، هي مقبولة، بل ضرورية، بشرط أن تكون في إطار سياسة تهدف إلى استغلال كل المواقع الممكنة لمقاومة النظام السياسي القائم، ولفضح خروقاته، أو جرائمه، أو لتنوير الجماهير. وحزب ”الاشتراكي الموحّد“ يميل أكثر فأكثر إلى تحويل ”المشاركة في الانتخابات إلى بديل (شمولي ونهائي) عن تعبئة النضالات الجماهيرية، أو عن الانخراط فيها. وكلّ حزب يحوّل المشاركة في الانتخابات إلى الميدان الوحيد الذي يشتغل فيه (مثلما يفعل حزبي ”الاتحاد الاشتراكي“ و ”التـقدم والاشتراكية“)، فإن هذا الحزب سيصبح بالضرورة محافظًا، أو يمينيا، ثمّ عقيما. سواءً أراد هذا التوجّه، أم أنكره.

ويجب أن نلاحظ أنه حينما يلتزم حزب ”الاشتراكي الموحّد“ بِشعار «سَقْف الملكية البرلمانية»، فإن هذا «التَّسْقِيف» لا يَحُدّ فقط نضالات هذا الحزب المرتـقبة بِ «سقف الملكية البرلمانية»، وإنما يسجن أيضا عقله، وتـفكيره، داخل حدود هذه «الملكية البرلمانية»! وسرعان ما تتحوّل «الملكية البرلمانية»، الدّيمقراطية، أو المثالية، أو المُبتغاة، في ذهن بعض مناضلي حزب ”الاشتراكي الموحّد“، إلى «الملكية» فقط، بمعناها الضيّق، وكما هي موجودة في الواقع، باستبدادها وفسادها ! وكان التزام مناضلي حزب ”الاشتراكي الموحّد“ بشعار «سقف الملكية البرلمانية» يُفَعَّل عبر سلوك «فَرْمَلَة» (freinage)، أو رفض، أيّ نضال جماهيري جذري يتجاوز «سقف الملكية البرلمانية». كما يُطَبَّق ذلك الشّعار عبر رفض النضال المشترك مع كلّ شخص أو حزب يطمح إلى نظام جمهوري. وكمثال على ذلك، وخلال سنتي 2011 و 2012 م، أي أثناء نضالات «حركة 20 فبراير»، كان الأعضاء القلائل من حزب ”الاشتراكي الموحد“ الذين كانوا يشاركون في هذه ”الحركة“، كانونا يرفضون كلّ قول، ويستهجنون كل فعل، يطرح «إسقاط النظام»! وهكذا، يمكن أن يُحَوِّل الالتزام بِ «سقف الملكية البرلمانية» حزبَ ”الاشتراكي الموحّد“ إلى فاعل سياسي مُـقيّد بالعمل فقط داخل مؤسّـسات النظام السياسي القائم (مثل البرلمان والمجالس المحلية). وقد تكون نتيجة ذلك «التّسْقِيف» هي تـقوية النظام السياسي القائم، وابتعاد الحزب عن المساهمة في إنضاج شروط تغيير هذا النظام السياسي من طرف الجماهير الكادحة.

وغالبية قياديي وأطر حزب ”الاشتراكي الموحّد“ يعتبرون أن دستور المغرب الممنوح في ِسنة 2011 م يشكّل تـقدما نوعيا في التاريخ السياسي للمغرب. بينما حزبي ”النهج“ و ”الطليعة“ يعتـقدان أن هذا الدستور إنّما يُعيد إنتاج الاستبداد، ويكرّس حماية الفساد، بصيغ جديدة ([3]).

ويؤمن ”الاشتراكي الموحّد“ أن دستور سنة 2011 يُعطي للحكومة صلاحيات جديدة، ومهمة جدّا. بينما عبد الإله بنكيران، زعيم حزب ”العدالة والتنمية“ الإسلامي، ورئيس الحكومة، اشتكى هو نفسه، في يوليوز 2016 (أثناء مَا سُمّي آنذاك ب «غضبة الملك ضدّ بنكيران»)، قُبَيل انتهاء ولايته في الحكومة، من «وجود حكومتين، واحدة في الظّل (في القصر الملكي)، قويّة وفعّالة، والأخرى رسمية، لكنها ضعيفة»، أو شبه شكلية. ولا يأتي هذا الاعتراف لعبد الإله بنكيران بأيّ شيء جديد. وقد سبق لِعبد الرحمان اليوسفي (زعيم حزب ”الاتحاد الاشتراكي“، ورئيس حكومة التناوب بين سنتي 1998 و 2002 م) أن اشتكى هو أيضًا، بعد نهاية ولايته، وداخل اللجنة الإدارية لحزبه (وكذلك أثناء استجواب علني له في أوروبا)، من وجود سلطتين في المغرب. وهذا الكلام عن هذه «الازدواجية في الحكومة» (حكومة رسمية شكلية، وحكومة خفيّة وفعّالة في القصر الملكي) لا يأتي بأيّ اكتشاف حقيقي، وإنما هو مجرّد اعتراف متأخّر بما كان يندّد به اليسار منذ عقود متوالية. لكن ما يهمّ مناضلي اليسار هو التالي: ما هي الدروس المستخلصة من ملاحظة هذه الازدواجية: هل تلتزم أحزاب اليسار (وخاصّة منها ”الاشتراكي الموحّد“، و ”المؤتمر الاتحادي“) بقواعد العمل داخل مؤسّـسات شكلية ومضلّلة ؟ هل الاختيار هو الاستمرار في تضييع الوقت في التعامل والتعاون مع نظام سياسي مخادع ومزوّر، أم العمل من أجل تهيء شروط تغيير هذا النظام أو إسقاطه ؟ فكان جواب قيادات أحزاب اليسار الثلاثة المشاركة في «الفيديرالية» هو شعار: «الالتزام بسقف الملكية البرلمانية»، الذي أخذ يتحوّل، أثناء الممارسة اليومية، إلى الالتزام بحدود ”الملكية“ كما هي موجودة في البلاد !

ويُحْسَب لحزب ”الاشتراكي الموحّد“ (أو بالضّبط لجناحه الثوري) أنه كان يمنح استعمال مقره المركزي (بمدينة الدار البيضاء) لِ «حركة 20 فبراير» لكي تعقد فيه جُمُعَاتِها العامّة الأسبوعية. كما يُحْسَب لحزب ”الاشتراكي الموحد“ أنه قاطع التصويت على دستور سنة 2011. لكنه اِتّضح، فيما بعد، أن مقاطعة التصويت على دستور سنة 2011، لم تكن نابعة عن رؤية ثورية للنظام السياسي القائم، وإنما كانت ناتجة عن إحساس قيادة الحزب بضرورة مسايرة التيار العام الذي كان سائدًا في تلك الفترة التاريخية، حيث كانت ”حركة 20 فبراير“ لا زالت حيّة، قوية، ومؤثّرة.

 21) وما هو نـقدك ”لحزب المؤتمر الاتحادي”؟

  • يوجدِ ’’حزب المؤتمر الاتحادي‘‘ في وضع خاص. لأنه يَتَمَاهَى مع نـقابة ”الكُونـفدرالية الديمقراطية للشغل“. ويقول بعض المراقبين أن ’’حزب المؤتمر الاتحادي‘‘ هو الدّرع السياسي لنـقابة ”الكُونـفدرالية الديمقراطية للشغل“. وفي الأصل، إنشقّ مناضلو هذا الحزب عن ”حزب الاتحاد الاشتراكي“. وقاموا بقطيعة فكرية أو سياسية معه. وجلبوا معهم نسبة هامة من مناضلي يسار ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، ومن مناضلي النـقابة التّابعة لهذا الحزب. إلاّ أن غالبية مناضلي ”حزب المؤتمر الاتحادي“  لا زالت تطمح إلى استعادة التّأثير القوي الذي كان لها في الماضي على ”حزب الاتحاد الاشتراكي“. بينما هذا الطموح يبقى حلما مستحيل التحقيق.

وعدد من الانتـقادات السياسية السّابقة تنطبق أيضا على ”حزب المؤتمر الاتحادي“. وهذا الحزب لا يتحمّل النـقد. وهو من بين أحزاب اليسار الذين لا يتـفاعلون إلا نادرا مع باقي أحزاب اليسار. وتبقى مشاركته في الأنشطة الثـقافية، أو في الحركات الجماهيرية، تبقى أضعف نسبيا بالمقارنة مع باقي أحزاب اليسار بالمغرب. لكن حينما يتحرّك هذا الحزب، فإنه يأتي بجماهير حاشدة تابعة لنـقابته. ويبقى التَوَجّه الفكري أو السياسي لهذا الحزب متذبذبا، أو غير مُستـقر، أو غير واضح بما فيه الكفاية. ولا يعمل هذا الحزب بالقدر الكافي لتدقيق اختياراته المبدئية، أو لتـعميق تصوّراته السياسية، أو لترسيخها لدى مناضليه.

 22) ما هو نـقدك لِ ”فيديرالية اليسار الديموقراطي“ ؟

  • قبل البدء في نـقد ”فيديرالية اليسار الديموقراطي“، وتفاديا لكلّ سوء تفاهم، أذكّر أنني أحترم، وأقدّر، كلّ مناضلي اليسار، بما فيهم قيادات الأحزاب الثلاثة في «فيديرالية اليسار الديمقراطي». لكن الاحترام لا يعني المجاملة، ولا يبرّر إلغاء واجب النـقد الصريح، كلّما كان هذا النـقد ضروريا. وهدف النـقد، ليس هو القضاء على الشخص المُنْـتَـقَد، وإنما هو مساعدته على إصلاحه نفسه.

وعلى مستوى النظرية المُعلنة، مبرّر خلق «فيديرالية اليسار الديمقراطي» (في سنة 2014) هو إشراك أكبر عدد ممكن من قوى اليسار في ”النضال الجماهيري المشترك“، بهدف تغيير النظام السياسي القائم. لكن في الواقع، بعض قيادات أحزاب اليسار طوّرت هذه «الفيديرالية» إلى نـقيضها. حيث أنها حوّلت هذه «الفيديرالية» إلى نادي سياسي مُغلق، ومخصّص فقط للتعاون في مجال الانتخابات (البرلمانية أو الجهوية)، من أجل ربح أكبر عدد ممكن من المقاعد التمثيلية، مع الحرص على تطمين النظام السياسي القائم، عبر الالتزام بِ «بسقف الملكية البرلمانية». وعلى خلاف ما تدّعيه قيادات أحزاب «الفيديرالية»، فإن هذا التوجّه السياسي يكتسب ديناميته الخاصة، وقد يؤدّي، في المستـقبل، إلى تـقوية ميول سياسي يميني لدى أجزاء هامة في هذه «الفيديرالية»، ولو أنها لا ترغب في ذلك، أو لا تعيه.

وقد كانت قيادة حزب ”الاشتراكي الموحّد“ هي الأكثر إصرارًا على إقصاء حزب ”النهج“ من «فيديرالية اليسار الديموقراطي»، وبالتّالي من ”النضال المشترك“.

فمن جهة أولى، اِتـفقت أحزاب اليسار الثلاثة (وهي: الاشتراكي الموحّد، والطّليعة، والمؤتمر الاتحادي) على تجميد (أو إلغاء) «تجمّع أحزاب اليسار»، الذي كان يضمّ نظريا أحزاب اليسار الأربعة (وهي: الاشتراكي الموحّد، والطّليعة، والمؤتمر الاتحادي، والنّهج).

ومن جهة ثانية، قرّرت قيادات الأحزاب الثلاثة في «فيديرالية اليسار الديمقراطي» بالمغرب (وهي: الاشتراكي الموحد، والطّليعة، والمؤتمر الاتحادي) فرض توفّر ثلاثة شروط في كل حزب يريد الالتحاق بِ «فيديرالية اليسار الديمقراطي». وهذه الشروط الثلاثة هي: « 1) الالتزام بِسَقْـف الملكية البرلمانية وعدم تجاوزه؛ 2) الالتزام بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية والجهوية؛ 3) الالتزام بكون الصحراء الغربية منطقة مغربية»([4]). ويظهر أن هذه الشروط الثلاثة هي مجرّد حيلة، وُضعت خصّيصًا لتبرير إقصاء حزب ”النّهج“ من «فيديرالية اليسار الديمقراطي»، وحتّى من أي عمل تنسيقي أو جماعي. والحجّة على وجود إرادة لإقصاء حزب ”النّهج“، هي أن هذا الحزب هو الوحيد الذي يحمل مواقف مخالفة لِتلك الشروط الثلاثة.

والغريب، هو أن هذه الشروط الثلاثة المذكورة، لم تكن من قبل أساسية في الخطوط السياسية الرسمية الخاصّة بكل حزب من الأحزاب الثلاثة المذكورة سابقا. ولم تشارك قواعد هذه الأحزاب الثلاثة، لا في نـقاش هذه الشروط الثلاثة، ولا في الموافقة على تـقريرها، رغم أن هذه الشروط الثلاثة تؤثّر على استراتيجية تلك الأحزاب الثلاثة. الشيء الذي يتنافى مع الديمقراطية الداخلية لهذه الأحزاب الثلاثة.

والغريب أيضا، هو أن تلك الشروط الثلاثة تتوفّر في كلّ الأحزاب المغربية، بما فيها الأحزاب المحافظة، أو اليمينية، أو الرّجعية، أو «المَخْزَنِية»، أو الخاضعة للنظام السياسي القائم. فأحزاب يمينية وخاضعة مثل: «الحركة الشعبية»، و «الاتحاد الدستوري»، و «التجمع الوطني للأحرار»، و «الأصالة والمعاصرة»، و «العدالة والتنمية» (الإسلامي الأصولي)، إلى آخره، كلها تتوفّر فيها تلك الشروط الثلاثة، ويمكنها نظريا أن تدخل إلى «فيديرالية اليسار الديمقراطي». لكن هذه الشروط الثلاثة (المذكورة أعلاه) لا تتوفر في حزب يساري وحيد بالمغرب، هو بالضبط حزب ”النهج“ ! وهذا الحزب (”النهج“)، الذي هو مُكِوِّنٌ من بين مكوّنات اليسار، هو الوحيد المرفوض في هذه «الفيديرالية».

فلماذا وضعت قيادات الأحزاب الثلاثة شروطا للعضوية في «الفيديرالية» تتوفر في كلّ أحزاب المغرب، باستثناء حزب ”النّهج“؟ ولماذا ترفض الأحزاب الثلاثة (المذكورة أعلاه) مشاركة حزب ”النّهج“ في «فيديرالية اليسار الديمقراطي» ؟ في الواقع، لم تـتجرّأ الأحزاب الثلاثة في «الفيديرالية» على توضيح الأسباب الحقيقية لإقصاء حزب ”النّهج“، فنجد أنـفسنا مضطرّين إلى تخيّل هذه الأسباب.

وتُوجد عدّة تـفسيرات ممكنة لإقصاء حزب ”النّهج“. أبرزها ما يلي:

أ) قد يقول البعض إن الأحزاب الثلاثة تريد فقط أن تتلافى جذرية حزب ”النّهج“، أو تشدّده، أو عِناده. وبعض قادة الأحزاب الثلاثة ينزعج كثيرا من المواقف الجذرية، أو غير المعتادة، التي يحملها حزب ”النّهج“، ولا يعرف كيف يتعامل معها سوى عبر تجاهلها، أو إقصائها.

ب) قد يقول البعض أن قيادات الأحزاب الثلاثة في «الفيديرالية» تريد حصر نضالها داخل مؤسّـسات البرلمان والجماعات المحلية، ولا تتحمل أن يضغط عليها ”حزب النهج“ لكي تنقل كذلك النضال إلى الشوارع، وإلى مواقع الإنتاج.

ت) قد يقول البعض الآخر أن قيادات الأحزاب الثلاثة تخاف من أن يؤدّي التعاون مع حزب ”النّهج“ إلى تـقوية أشخاص، أو أقلّيات، موجودة داخل هذه الأحزاب الثلاثة هي نفسها، ومشابهة في ”جذريتها“ لحزب ”النّهج“.

ث) قد يقول البعض الآخر أن «فيديرالية اليسار الديمقراطي» أُقِيمَت خصّيصًا للمشاركة في الانتخابات، بينما حزب ”النّهج“ يرفض هذه المشاركة في الانتخابات. (لكن هذا التـفسير لا يُقنع أحدًا، لأن «الفيديرالية» ليست إطارا فقط للتعاون في مجال الانتخابات، وإنما هي أيضا مجال لتنسيق شامل فيما بين أحزاب اليسار، خاصّةً بعد تجميد «تجمّع أحزاب اليسار بالمغرب»). والدّليل على ذلك هو أنه، لا يوجد أي تنسيق نضالي خارج «الفيديرالية»، فيما بين أي حزب من بين الأحزاب الثلاثة وحزب ”النهج“.

ج) قد يجيب البعض الآخر أن إقصاء حزب ”النّهج“ من «فيديرالية اليسار الديمقراطي» هو رسالة مُشفّرة (codifiée)، موجهة إلى النظام السياسي القائم، تُـثبت له حسن النّية لدى قيادات الأحزاب الثلاثة الأعضاء في «فيديرالية اليسار الديمقراطي». حيث أن المستـفيد الأول من إقصاء حزب جذري، مثل حزب ”النّهج“، أو الرّابح من إبقاء قوى اليسار مقسّمة، هو بالضبط النظام السياسي القائم.

وعندما انتـقدتُ المناضل المحترم عبد الرحمان بنعمر، الكاتب العام لحزب ”الطّليعة“ (والعضو في قيادة «الفيديرالية»)، حول هذه الشروط الثلاثة المُجحفة والغريبة، أثناء ندوة فكرية، أجاب عبد الرحمان بنعمر: «على عكس ظنونك، أو اتهاماتك، حزب ”النّهج“ هو الأقرب إلى حزب ”الطّليعة“، سواء على مستوى المبادئ، أم على مستوى التواجد في النضالات الميدانية»! طيّب ! لكن، ألا تتناقض قيادة حزب ”الطليعة“ مع نفسها، حينما تـقول أن حزب ”النّهج“ هو الأقرب إلى حزب ٍ”الطليعة“، وفي نفس الوقت، توافق قيادة حزب ”الطليعة“، داخل «الفيديرالية»، على إجازة أو تشريع ثلاثة شروط للعضوية، وُضعت خصّيصًا لإقصاء حزب ”النّهج“، الذي هو الأكثر قربًا من حزب ”الطليعة“ ؟ أليس من مصلحة حزب ”الطّليعة“ أن يتواجد معه داخل كلّ تنسيق يساري حزب ”النهج“ الذي هو الأقرب إليه؟ أم أن حزبي ”الطليعة“ و ”النّهج“ هما متـقاربين في ظاهر الأمور فقط، بينما هما متباينين في الجوهر؟ نتمنّى إجابات واضحة.

والمنطق الذي بُنِيَّت به «فيديرالية اليسار الديمقراطي»، هو منطق انتخابي صرف، أي منطق مراكمة أجهزة حزبية، بهدف بلوغ الفعالية في خوض انتخابات (برلمانية أو جهوية)، وانتزاع أكبر عدد ممكن من المقاعد التمثيلية. ولم تتّخذ قيادة «الفيديرالية» إجراءات واضحة وكافية لمنع الأعضاء الذين يحصلون على مقاعد تمثيلية (في البرلمان أو المجالس المحلية) من أن يتحوّلوا إلى جزء من نخب الدولة القائمة (مثلما حدث لحزبي ”التـقدّم والاشتراكية“ و ”الاتحاد الاشتراكي“). ومن منظور ثوري، وعلى خلاف ذلك المنطق الانتخابي، فإن المنطق المطلوب من قيادات أحزاب اليسار، هو منطق التنسيق، والتعاون، والتكامل، فيما بين كلّ قوى اليسار، كبيرها وصغيرها، بهدف ِخلق دينامية جماهيرية، ونضالية، وثقافية، وفنية، تهدف إلى تعبئة أكبر جزء ممكن من المواطنين، بهدف تهيئ وإنضاج شروط إسقاط نظام الاستبداد والفساد، وتعويضه بنظام وطني، وديمقراطي، وعادل، وثوري.

وما لا يفهمه الأشخاص القياديون الأعزاء في أحزاب اليسار الثلاثة، هو أن منطق إقصاء كل جماعة أو تيار لا يتّـفـق معنا في إحدى النـقط السياسية الجزئية، وإبعاده من النضال الجماهيري المشترك، هذا المنطق سَيُـبْقِـي جميع قوى اليسار مُشتّتة، وضعيفة، وعاجزة، وفاشلة. وما لا يفهمه الأشخاص القياديون الموقّرون في أحزاب اليسار الثلاثة، هو أنه يستحيل تغيير المجتمع، ويستحيل تغيير النظام السياسي القائم، ويستحيل دَمَقْرَطَة الدولة، إذا لم نُعَبّئْ كل الطّاقات، وكلّ القوى، وكل التيارات، وكل الجماعات، وكل الشخصيات، التي تتبنّى التقدّمية والديمقراطية، في إطار جيش جماهيري شعبي هائل، واحد وموحّد، لتحقيق أهداف واضحة وملموسة، وذلك رغم التفاوت في الآراء، وفي الخلافات، الموجودة فيما بين كل تلك القوى التقدّمية ! فندعو إخواننا المحترمين في قيادات أحزاب اليسار إلى الرجوع إلى قراءة نظريات فنون النضال الجماعي المشترك، وندعوهم إلى دراسة فنون معالجة التناقضات في صفوف الشعب، لكي يُساهموا في إخراجنا من الرّكود الذي لا تزال قوى اليسار غارقة فيه.

وعندما اختارت ”الفيديرالية“ الالتزام بِ «سقف الملكية البرلمانية»، فكأنها تُعيد إنتاج ما قام به حزب ”الاتحاد الاشتراكي“ منذ مؤتمره الاستثنائي في يناير 1975 م، حينما قرّرت قيادته التخلّي عن المقاومة الجذرية للنظام السياسي القائم، واختارت استراتيجية «التّطبيع» النهائي معه. فتحوّل تدريجيا هذا الحزب من حزب جذري، أو يساري، أو ثوري، إلى حزب معتدل، ثم ليبيرالي، ثم مسالم، ثم خاضع. والدّليل على ذلك هو الانشقاقات الجماعية، الوازنة، والمُتتالية، التي انسحبت من حزب ”الاتحاد الاشتراكي“، تعبيرا عن رفضها التّام لهذا التراجع الاستراتيجي. ومن أبرز التيارات أو التنظيمات التي انشقّت عن حزب ”الاتحاد الاشتراكي“ نذكر: ”حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي“، ثم تنظيم ”الوفاء للدّيمقراطية“، ثم ”حزب المؤتمر الاتحادي“. ثم انفصل ”الحزب الاشتراكي“، ثم ”الحزب العمالي“ (عن ”حزب المؤتمر الاتحادي“).

وبعدما أَجْبَرَ النظام السياسي حزب ”الاتحاد الاشتراكي“ على نـقل معارضته من الشارع إلى البرلمان، لجأ هذا النظام السياسي إلى تـقنين دقيق لكلّ أشغال البرلمان، ولكلّ المؤسّـسات الأخرى، لكي تبقى كلّها محصورة في حدود مبارزة كلامية شكلية، مهمّشة، ومنزوعة من أية سلطة أو فعالية. والنتيجة هي استحالة إصلاح النظام السياسي من داخل مؤسّـساته.

فالشروط الثلاثة لِلعضوية في «فيديرالية اليسار الديمقراطي» تعني أن قيادات الأحزاب الثلاثة (الاشتراكي الموحّد، والطليعة، والمؤتمر الاتحادي) اختارت استراتيجية عدم تجاوز حدود التجربة الماضية التي اتّبعها حِزْبَيْ ”الاتحاد الاشتراكي“ و ”التـقدّم والاشتراكية“، منذ سنة 1998 م. أي استراتيجية حصر نضالات الأحزاب الثلاثة في حدود المشاركة في الانتخابات التمثيلية، والالتزام بعدم تجاوز حدود العمل داخل مؤسّـسات النظام السياسي القائم، كما هو في الواقع، والابتعاد نهائيا عن تعبئة وتنظيم نضالات الجماهير الكادحة (مثلما حدث في 20 يونيو 1981 م، ثم في «حركة 20 فبراير» في سنة 2011).

وقد يقول قائل آخر لقادة ”الفيديرالية“: «إذا كان أفراد قيادة ”الفيديرالية“ مبهورين بحزب ”الاتحاد الاشتراكي“ إلى هذه الدرجة، وإذا كانوا مصرّين على تـقليد التجربة الانتخابية لحزب ”الاتحاد الاشتراكي“، فلا يوجد، في هذه الحالة، مبرّر لوجود «فيديرالية اليسار الديمقراطي»، ولا لأحزاب اليسار، بل الحلّ المنطقي سيكون هو الاكتـفاء بحزب ”الاتحاد الاشتراكي“ وحده، وتـقرير ذوبان أحزاب اليسار كلّها داخل حزب ”الاتحاد الاشتراكي“، وحصر النضال كلّه في حدود مجال التباري للوصول إلى مناصب وزارية في حكومة شكلية، وانتهى الأمر» !

والتأويل الأكثر احتمالا لِتلك الشروط الثلاثة للعضوية في «فيديرالية اليسار الديمقراطي»، هو أن التزامها بِ «سقف الملكية البرلمانية»، ليس مجرد موقف تكتيكي عابر، وإنما هو اختيار استراتيجي، دائم، ونهائي. ومعنى هذا التوجّه هو أن قيادة «فيديرالية اليسار الديمقراطي» تتناقض مع «حركة 20 فبراير»، سواءً كمنهج، أم كسلوك، أم كطموح ! لأن «حركة 20 فبراير» تعتمد على النضال الجماهيري المشترك، في الشوارع، وليس داخل البرلمان، وتهدف إلى تحقيق الحرّية، والديمقراطية، والعدالة، والكرامة، سواءً في إطار ملكية برلمانية، أم في إطار جمهورية برلمانية، ولو تطلّب ذلك تجاوز حدود الملكية البرلمانية، وتشييد جمهورية شعبية وديمقراطية. ومن المعروف أن شكل الدولة (هل هي ملكية، أم جمهورية؟)، ليس هو العنصر الوحيد الذي يضمن وجود الدّيمقراطية؛ وإنما توجد عناصر أخرى إضافية، معقّدة، ومترابطة، مثل مستوى النضج السياسي للشعب، ونوعية العلاقة، وميزان القوى، بين السّلطة السياسية والقوى السياسية الشعبية،

وفي عمقها، تطرح الشروط الثلاثة للعضوية في «فيديرالية اليسار الديمقراطي»، من جديد، المسألةَ القديمة (التي طُرحت على قوى اليسار بالمغرب، منذ بداية استـقلال البلاد من الاستعمار في سنوات 1959 م)؛ وهي التالية: ما هو هدف الحزب الوطني التـقدّمي الحداثي، هل هو الإصرار على تحديث ودمقرطة الدولة، ولو تطلّب ذلك «القطيعة» مع النظام السياسي القائم، إن هو رفض دَمَقْرَطَة الدولة، أم أن الحلّ هو «التّطبيع» النهائي معه، ولو تطلّب الأمر الاكتـفاء بديمقراطية شكلية ومغشوشة، والقبول بغياب دولة الحق والقانون ؟

وعلى ما يظهر، وإلى حدّ الآن، فإن الإقصاء التام لحزب ”النهج“ من «فيديرالية اليسار الديمقراطي» يُعبّر عن اختيار استراتيجية «التطبيع» النهائي مع النظام السياسي القائم. وإذا كان من حقّ قيادات الأحزاب الثلاثة في «الفيديرالية» أن تختار استراتيجية «التّطبيع» النهائي مع النظام، فواجبها هو، على الأقل، أن تُخبر قواعدها بذلك، وأن تُصارحها بهذا القرار، وأن تبرّره بحجج واضحة، ومقنعة.

وعلى خلاف المظاهر، لا يوجد انسجام تام بين الأحزاب الثلاثة المكوّنة لٍ «فيديرالية اليسار الديمقراطي». وكمثال، يظهر من خلال خطابات حزبي ”الاشتراكي الموحّد“ و ”المؤتمر الاتحادي“، أنهما لا يتبنّيان بشكل واضح الفكر الماركسي، ولا يسترشدان به، ولا يقولان أنهما يطمحان إلى بناء مجتمع اشتراكي، متحرّر من الطبقات. بينما حزب ”الطليعة“ (مثل حزب ”النهج“) يتبنّى الفكرَ الماركسي، ويعبّر عن طموحه في المستـقبل إلى تشييد مجتمع اشتراكي، متحرّر من الاستغلال الرأسمالي. وواجب النزاهة السياسية، يفرض على قيادة كل حزب، أن تُصارح مناضليها، حول قناعاتها، واختياراتها، في مجالات الفكر، والتكتيك، والاستراتيجية، بعيدًا عن أي غموض، أو إبهام.

وبعد لجوء قيادات الأحزاب الثلاثة في «فيديرالية اليسار الديمقراطي» إلى إقصاء حزب ”النّهج“، وبعد توجّهها نحو الاقتصار على لعبة ”المشاركة في الانتخابات وفي المؤسّـسات“، تُطرح الأسئلة التالية: هل قيادة حزب ”النهج“ واعية بخطورة النتائج المُحتملة للتوجّه الحالي لِ ”الفيديرالية“؟ هل يعي حزب ”النهج“ أن المشكل المطروح في ”الفيديرالية“ لا ينحصر في بعض قراراتها، وإنما المشكل يكمن في ضعف النضج السياسي لِمجمل قوى اليسار بالمغرب؟ هل يدرك حزب النهج أنه سيصبح اكثر فأكثر مستهدفا من طرف القمع؟ هل يأخذ حزب ”النّهج“ في الحسبان تـقوية الأجهزة القمعية، وتوجّه الدولة نحو تعميق صفتها البوليسية؟ هل يدرك حزب ”النّهج“ أنه سيغدو مخيّرا بين الخضوع أو التصفية؟ هل حزب ”النّهج“ يتهيّأ لمقاومة ما يُحتمل أن يتعرض له مستـقبلاً من قمع؟ هل اِنْتَبَهَ حزب ”النّهج“ إلى ضرورة مراجعة تصوّره للمقادير التي يمزج بها بين النضال في مواقع الإنتاج والنضال داخل المؤسّـسات، وبين الأساليب العلنية والسرّية؟ هل فَطِنَ حزب ”النّهج“ إلى أن ملجأه الأساسي هو التنظيمات الجماهيرية، والنضالات الجماهيرية، وتعميق الارتباط بكل المواطنين المتمسّكين بخيار النضال ضد الاستبداد والفساد، وذلك بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية؟

ومهما تكاثرت التأويلات الممكنة لإقصاء حزب ”النّهج“ من «فيديرالية اليسار»، فإن نتيجة هذا الإقصاء هي إعاقة إمكانية تنظيم نضالات مشتركة فيما بين مجمل قوى اليسار. وإبقاء قوى اليسار مقسّمة، يُضعف قوى اليسار، ولا يفيد سوى النظام السياسي القائم.

 23) ما هو نـقدُكَ للحركات الأمازيغية والنسائية؟

نـفترض أن الجمعيات المناضلة من أجل حقوق الجماهير الأمازيغية، والجمعيات المدافعة عن الحقوق الخاصة بالنساء، هي جزء عضوي من قوى اليسار، ومن قوى الثورة. لأن أفكارها، ومبادئها، وقيمها، مستمدة من روح الديمقراطية، ومن قيم اليسار، أو قريبة منها، أو مرتبطة بها. وأهدافها تتلاقى، أو تنسجم، أو تتكامل، مع أهداف قوى اليسار. وكلا هاتين الحركتان تناضلان، مثل قوى اليسار، من أجل تغيير المجتمع، في اتجاه إنجاز دولة الحقّ والقانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة المجتمعية. لكن بأساليب تختلف عن الأساليب الحزبية الكلاسيكية.

وتوجد داخل الحركات الأمازيغية والنسائية، مناضلات، ومناضلون، محترمون، نزيهون، مخلصون، يضحّون بالغالي والنفيس.

ونسبة هامّة من المناضلات والمناضلين الحاليين في الحركة الأمازيغية، وفي الحركة النسائية، كانوا في البداية (أي في سنوات 1970، أو 1980 م) يرتبطون بقوى اليسار، أو يناضلون داخلها. واستـفادوا من قِيَمِها، أو تأثّروا بأفكارها، أو بأساليب عملها.

والخطأ الأول الذي ارتكبته قوى اليسار (خلال سنوات 1980، أو 1990 م)، تُجاه الحركات الأمازيغية والنسائية، هو أنها لم تكن تـفهم جيّدًا الأفكار والطموحات التي طرحها، بشكل مُبْكِر، المناضلون المهتمّون بالقضية الأمازيغية، والمناضلات المهتمات بالقضية النسائية. لأن قيادات أحزاب اليسار لم تكن آنذاك تحسّ باستعجال حاجيات الجماهير الأمازيغية، وبإلحاح حاجيات الجماهير النسوية، إلى انتزاع حقوق ديموقراطية خاصّة بها.

والخطأ الثاني الذي ارتكبته قوى اليسار (تُجاه الحركات الأمازيغية والنسائية) هو أنه، حينما كان المناضلون الأوائل المهتمون بالقضايا الأمازيغية أو النسوية، يطرحون ضرورة النضال الفوري من أجل القضايا الأمازيغية أو النسوية، كان بعض المسؤولين في قوى اليسار يجيبونهم آنذاك بما يعني «أن تلك القضايا الخاصة هي بالضرورة متضمّنة في البرنامج العام للحزب»، أو بِ «ضرورة تأجيل طرح هذه القضايا إلى ما بعد انتصار الثورة»، أو بِ «ضرورة إرجاء هذه المطالب إلى ما بعد الوصول إلى السلطة السياسية، وتحقيق الديمقراطية».

وكانت بعض التيارات داخل قوى اليسار تعتبر كل حركة مُجتمعية مناضلة جديدة (مثل الحركات الأمازيغية، أو النسائية، أو البيئية، أو الثقافية، أو الفنّية)، مختلفة في شكلها أو في منهجها عن الحزب الثوري الكلاسيكي، تعتبرها «برجوازية صغيرة»، ثم تتهرّب من ضرورة دمجها في شبكة القوى الثورية الكلاسيكية، العاملة في مجال الصراع الطبقي.

والخطأ الثالث الذي ارتكبته قوى اليسار هو أنها لم تكن تدرك جيّدًا أن الأدوات التي يقاوم بها الشعب، والتي يناضل بواسطتها، بهدف انتزاع حقوقه، وبهدف إنضاج شروط تحرّره، لا تنحصر فقط تلك الأدوات الكلاسيكية التي هي الأحزاب، والنـقابات، وإنما تشمل أيضا مجموعة واسعة، ومتنوّعة، من الأدوات الأخرى، مثل الجمعيات، والحركات الجديدة، والغريبة، والمتنوّعة، التي يبتكرها، ويفعّلها، مناضلون مبدعون. ورغم تشتّت، وتنوّع، هذه الأدوات، يبقى واجب المناضلين الثوريين هو التعامل مع هذه الحركات كما هي، والحرص على أن تتعاون، وأن تتكامل، كل هذه الفعاليات، عبر منهج ”النضال الجماهيري المشترك والمتواصل“.

وبعض قيادات أحزاب قوى اليسار لم تكن تدري كيف تدمج، بشكل فوري، ومتواصل، بين الأهداف الحزبية النضالية الكلاسيكية، والأهداف الخصوصية للقضيتين الأمازيغية والنسوية. كما لم تكن أحزاب اليسار تـفهم جيّدًا أن طموحات الجماهير الأمازيغية، والجماهير النسوية، لا تتناقض مع المطالب النضالية والسياسية الكلاسيكية، بل على عكس ذلك، تُكمِّلها، وتدعّمها، وتـقوّيها. وهذا القصور، قد لا يزال اليوم قائما، لدى بعض قادة أحزاب اليسار.

وهذه الأخطاء التي ارتكبتها قوى اليسار، تجاه المناضلات والمناضلين الأوائل المهتمين بالقضايا النسائية والأمازيغية، جعلت هؤلاء المناضلين (الأمازيغيين أو النسائيين) يبتعدون عن أحزاب وتنظيمات اليسار، أو ينسحبون منها، منذ قرابة سنوات 1990 م. ولجأ هؤلاء المناضلات والمناضلين إلى تأسـيس جمعيات من نوع جديد. وبلوروا أفكارا، ومطالب، وشعارات، من صنف جديد. وكافحوا بأساليب نضالية مبدعة. وواجهوا صعوبات لم تكن معروفة من طرف أحزاب اليسار. وحصلوا على فعالية ثقافية، أو على إنتاجية سياسية، تستحقّ التقدير والاحترام. ومع مرور السّنين، استطاعوا ترويج أفكار حديثة. وأثّروا في الشعب، بل وحتّى في قوى اليسار هي نفسها. وفرضوا على النظام السياسي القائم تـقديم بعض التنازلات المهمة. وانتزعوا إصدار بعض النصوص القانونية التي تمنح بعض الحقوق الأوّلية إلى القضيتين الأمازيغية والنسائية.

لكن، ابتداءً من قرابة سنوات 2011 م، ظهر كأن الحركات الأمازيغية والنسوية وصلت إلى أقصى ما يمكن انتزاعه من مكاسب من النظام السياسي القائم. بل لاحظت أن النظام السياسي القائم يتراجع، من ظرف سياسي إلى آخر، وبسهولة كبيرة، عن بعض تلك الحقوق الأولية الممنوحة، رغم أن تلك الحقوق لا زالت بعيدة عن أن تكون مُفَعَّلَة، أو مرضية، أو كافية. وأصبح يظهر أكثر فأكثر أن تـفعيل هذه الحقوق الخاصّة، يحتاج إلى تعبئة عميقة، قويّة، وواسعة للجماهير، من صنف «حركة 20 فبراير» (التي اندلعت في سنة 2011).

والخطأ الأول الذي ارتكبته حركات الجمعيات الأمازيغية والنسوية، حينما لم تتجاوب معها أحزاب اليسار، هي أنها حكمت على أحزاب اليسار بكونها جامدة، أو محافظة، أو عـقيمة. وأنها لا تستطيع استيعاب، أو تبنّي، طموحات القضيتين الأمازيغية والنسوية. واستنتجت الحركات الأمازيغية والنسوية بشكل متسرّع أنه لا يصح التّعويل على قوى اليسار، ولا التعاون معها، ولا التكامل معها. وأن الحل الوحيد المقبول هو أن تناضل بوحدها، بشكل منفرد، بعيدًا عن قوى اليسار، أو ربّما حتّى ضدّها. واعتبرت الحركات الأمازيغية والنسائية موقفها هذا كأنه مُطلق، ونهائي.

وهذا الموقف يشكّل طبعًا خطأ استراتيجيا جسيما. لأن القبول بِتشتّت قوى اليسار، أو بِتَشرذمها، كقدر محتوم، يُكرّس السياسة المفضّلة لدى النظام السياسي القائم، والتي هي سياسة «فَرِّقْ تَسُدْ» ! بينما أحزاب اليسار، هي في الواقع، مثل مجمل القوى المجتمعية: يمكنها أن تُخطئ، ويمكنها أن تتخلّف، خلال فترة تاريخية معيّنة. وتبقى قوى اليسار خاضعة لتناقضات داخلية. ولكنها في نفس الوقت، مؤهّلة إلى أن تستـفيد من أخطائها، وقادرة على أن تـقوّم نفسها، وأن تصحّح سلوكها، وذلك حسب ظروف مجتمعية دقيقة. وهذا التّصحيح، أو التـقويم، غالبًا ما لا يكون تلقائيا، وإنما ناتجا عن إخفاقات، أو عن أبحاث، أو عن صراعات فكرية، أو سياسية.

وبعدما دخلت الحركة الأمازيغية في تحدّي قوى اليسار، بدأ بعض مناضلي الحركة الأمازيغية يعتـقدون أنهم يتوفّرون على «مشروع مُجتمعي متميّز، يعتمد على المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، وعلى مبادئ العلمانية، والحداثة، والديمقراطية». فهل الحركة الأمازيغية تتوفّر حقًّا على «مشروع مجتمعي خاص بها»؟ وهل هذا المشروع لا يتـقاطع في أية نـقطة من نـقطه مع المشروع المجتمعي لقوى اليسار؟ وهل تـقدر فعلاً الحركة الأمازيغية على تحقيق طموحاتها بشكل مستـقل عن كل القوى الأخرى التـقدّمية، والديمقراطية، والثورية، واليسارية، الموجودة في مجتمعنا؟ ألاَ يشكّل هذا الاعتـقاد غرورًا ضخما؟

وظنّ بعض مناضلي الحركة الأمازيغية أن طموح قوى اليسار نحو ”الاشتراكية“ لا يعنيها. واعتـقدت أنه بإمكان الحركة الأمازيغية أن تحقّق مجمل طموحاتها في إطار الرأسمالية التّبعية القائمة حاليا. فنطرح الإشكالية التالية: هل يمكن حقًّا تحرير الجماهير الأمازيغية من الإهمال، ومن الإهانة، ومن التهميش، ومن الاضطهاد، ومن الاستغلال، في إطار النظام السياسي الرأسمالي التبعي الحالي؟ أليست الطبيعة الرأسمالية التبعية للنظام السياسي القائم، هي التي ساهمت في إهمال، واضطهاد، واستغلال، الجماهير الأمازيغية ؟ الكتاب الحالي لا تتّسع لاستعراض عناصر الإجابة والإقناع حول هذا التساؤل. فنكتـفي بأن نتمنّى لِقادة الحركة الأمازيغية أن يتأمّلوا في مثل هذه الإشكالات أكثر من مرّة واحدة.

وبعدما نسج بعض مناضلي الحركة الأمازيغية علاقات معتبرة مع بعض الجمعيات والمؤسّـسات، ذات حجم دولي، أو ذات بُعد عالمي، اعتـقدوا أنهم سيقدرون هكذا على التعويض عن ضعفهم النسبي في داخل البلاد، بعلاقات مع هيئات خارجية أو أجنبية. وهذا حساب سياسي غير سليم.

وبعدما اكتشف، بتأخّر، بعض مناضلي الحركة الأمازيغية العداء المطلق الذي تُكِنّه الحركات الإسلامية الأصولية إلى مجمل طموحات الجماهير الأمازيغية، ظنّ هؤلاء المناضلين الأمازيغيين أنهم يستطيعون، أن يُواجهوا الحركات الإسلامية الأصولية، وأن يهزموها، هم بمفردهم. وهذا غرور ذاتي، ولا يُدرك ضخامة الصراع مع الحركات الدّينية الأصولية، ولا يستند على  تـفكير عقلاني، وجدّي. حيث لا يقدر على مصارعة الحركات الإسلامية الأصولية سوى تعاون، وتكامل، وتظافر، ونضال، مجمل القوى التـقدّمية، والإصلاحية، والديمقراطية، والثورية، واليسارية، الموجودة في المجتمع. ولا يُدرك معظم مناضلي الحركة الأمازيغية أنه، ما دام الشعب متخلّفا على المستويين الثقافي والسياسي، فإن القوى التي تستغلّ الدّين، ستكون، بالضرورة، هي الأقوى في الساحة.

والخطأ الثاني الذي ارتكبته الحركات الأمازيغية والنسائية، هو أنها لا تنتـقد بما فيه الكفاية بعض الميول المنحرفة الموجودة داخلها.

فالجمعيات الأمازيغية لا تنتـقد بما فيه الكفاية، كتابيا، وعلانيةً، بعض أعضائها المتطرّفين، الذين يحوّلون القضية الأمازيغية من قضية طبقية، أو سياسية، أو مُجتمعية، إلى قضية عرقية، أو إلى مسألة «إثنية (ethnique)»، أو طائفية، أو عنصرية. فَيُصَوّرون قضية الأمازيغية كأنها مسألة صراع وجودي تناحري بين الأمازيغ والعرب. ويعتـقد بعض مناضلي الحركة الأمازيغية المتطرّفين، أن تحصيل مطالب الجماهير الأمازيغية، لا يمكن أن يتحقّق، إلاّ عبر العداء المطلق للعرب، وعبر القطيعة التامة، والنهائية، مع كل ما هو عربي. واعتبروا أن القضية الأمازيغية، هي خارجة كلّيا، ونهائيا، عن الصراع السياسي، وعن الصراع الطبقي، وعن القضايا المجتمعية. وذهبوا مثلاً إلى حدّ اعتبار أن كل شكل من أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني كان، ولا يزال، دائما، على حساب مصالح القضية الأمازيغية. بل ذهب بعضهم إلى حدّ اعتبار كلّ مواطن (من المغرب الكبير) يتضامن مع الشعب الفلسطيني عدوّا للجماهير الأمازيغية. بل ذهب بعضهم إلى حدّ اعتبار التطبيع مع الكيان الصهيوني شيئًا طبيعيا ومشروعا. وهؤلاء الحركيين الأمازيغيين ”الطّائفيّين“، أو ”العنصريّين“، يتّهمون كل مناضل يأخذ بعين الاعتبار الترابطات المتعدّدة، والعلاقات المتناقضة، والطموحات المشتركة، الموجودة فيما بين مَا يسمّى بِ «الشعوب العربية»، أو «الشعوب النّاطقة بالعربية»، أو ”شعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط“، يتّهمونهم بِ «القَوْمَجِيّة» (نسبةْ إلى «القومية العربية»)، وبِ «الشُّوفِينِيّة» (chauvinisme)، وبِ «العُنصرية» (racisme)، أو يتّهمونهم بمعاداة حقوق الجماهير الأمازيغية! ومثل هذه السلوكيات المتطرّفة، تحوّل هكذا الخلافات السياسية (حول كيفية تدبير مطالب الجماهير الأمازيغية) إلى صراع طائفي، أو قتال عنصري تناحري. وفي إطار هذا التصوّر ”العِرْقِي“، أو ”الطّائفي“، للقضية الأمازيغية، لا ندري كيف سيتعامل هؤلاء المناضلين الأمازيغيين المتطرّفين، أو ”الطائفيّين“، مع المواطنين ”العروبيّين“ (أو غير ”العروبيّين“) الذين يخالفون مطالب الحركات الأمازيغية؟ هل سيقتلونهم؟ هل سيطردونهم من البلاد؟ وكيف سيتعاملون مع المواطنين ”العروبيّين“ الذين يوافقون على مطالب الحركة الأمازيغية، هل سيتركونهم وشأنهم، أم أنهم سيفرضون عليهم بأن يتحوّلوا إلى أمازيغيين رغم أنفهم؟ فنخشى مِمَّنْ يفكّر بمنهج ”إثني“ (ethnique)، أو طائفي، أن لا يرى  من حلّ لحسم هذا الصراع إلاّ بواسطة حرب أهلية مدمّرة. الشيء الذي يخيف كثيرا من المواطنين، ولا يشجّعهم على تـفهّم، أو تبنّي، عدالة مطالب الجماهير الأمازيغية.

وبعض مناضلي الحركة الأمازيغية لم يلاحظوا، ولم يفهموا، أنه عندما غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق في سنة 2003 م، وبعدما خرّبته، وقتلت رئيسه صدّام حسين، ثم أرادت تقسيم العراق، وإبقاءه في فوضى لا منتهية، ماذا فعلت أمريكا ؟ خلقت أمريكا مؤسّـسة عليا لتسيير العراق، مكوّنة من ممثلّين للطوائف الثلاثة الموجودة في العراق (وهي الشّيعة، والأكراد، والسنّة). فأصبح العراق (مثل لبنان الطائفي) غارقًا في شبه حرب أهلية دائمة، وفي انحطاط متواصل. والعمل بالطوائف يؤدّي دائما وأبدًا إلى الانحطاط، وإلى الحرب الأهلية الـلامتناهية.

ومن بين الحجج على خطأ تحويل القضية الأمازيغية إلى مسألة إثنية (ethnique)، أو طائفية (communautariste)، أو عنصرية (raciste)، هي أن الطبقة السّائدة بالمغرب (التي تمارس اضطهاد الأمازيغ) تتكوّن من عائلات وشخصيات أمازيغية، وعربية (أو عروبية)، وأندلسية (أو فاسية)، وصحراوية، إلى آخره. مثلما أن جماهير الشعب المضطهَد (بفتح الهاء)، أو المستغَل (بفتح الغاء)، تتكون، هي كذلك، من أمازيغ، وعرب، وأندلسيين، وصحراويين، إلى آخره. وفي الأحزاب المحافظة أو الرجعية، نجد أعضاء أمازيغ، وعرب، وأندلسيين، وصحراويين، إلى آخره؛ كما نجد نفس الفئات داخل الأحزاب اليسارية. وعليه، فالقضية الأمازيغية لا تكمن في التناقض بين طائفة الأمازيغ وطائفة العرب. وإنما المسألة تكمن في التناقض بين سائدين ومسودين، وبين مُسْتَغِلِّين ومُسْتَغَلِّين. وبين مُضْطَهِدِين ومُضْطَهَدِين. وذلك بغضّ النظر عن كونهم، أمازيغ، أو عرب، أو غير ذلك. وقد سبق لي أو أوضحتُ في كتاب سابق([5])، أن سكان شمال إفريقيا (بما فيهم الموريتانيون، والمغاربة، والجزائريون، والتونسيون والليبيون) امتزجوا فيما بينهم إلى درجة أنه لا أحد يستطيع اليوم أن يحدّد بدقة من هم الأشخاص الأمازيغيون، ومن هم الأشخاص العرب، إلى غير ذلك.

وبعض السيّدات في الجمعيات النسائية تـقدّم القضية النسائية كأنها صراع كلّ النساء، ضدّ كل الرجال. كأن المسألة هي تناقض عدائي بين الإناث والذكور. بينما المشكل هو اضطهاد النساء، أو استغلالهن، أو احتـقارهن، نتيجة لنظام سياسي محدّد، ولمنظومة أيديولوجية دينية، وفكرية، وثقافية، وقانونية، وسياسية، واقتصادية.

والمطلوب من الجمعيات النسائية هو أن تذكّر، بما فيه الكفاية، أن أصدقاء، وحلفاء، الحركات النسائية، هم الرجال التـقدّميون، الملتزمون قولاً وفلاً بمبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان. وأن تشرح أن النساء المحافظات، التي تساند اضطهاد النساء، ولو من منطلق ديني، هُنّ حلفاء لأعداء تحرر المرأة.

والخطأ الثّالث الذي ارتكبته الحركات الأمازيغية والنسائية هو أنها استنتجت من نجاحاتها الأولية (المحصّلة فيما بين سنوات 1995 و 2011 م)، أنها تستطيع أن تنتـزع مجمل مطالبها، وطموحاتها، عبر الاستمرار في نفس الأساليب التنظيمية والنضالية التي خاضتها في بداية حياتها. واعتـقدت هذه الحركات أن أساليب الضغط (lobbying)، والمرافعة القانونية الجيّدة، ومجادلة الموظفين المسؤولين في أجهزة الدولة، خلال اللقاءات أو الاجتماعات المغلقة (التي تعقدها معها)،  كافية لتحقيق مجمل أهدافها. وإذا وُجِد هذا الاعتـقاد فسيكون وهما كبيرا. لماذا ؟ للأسباب التالية :

أولاً، لأن كل إضافة نوعية، أو تغيير، أو تعديل، في القانون القائم، لا يصبح ممكنا، إلاّ حينما يغدو تعبيرًا، أو تتويجًا، لحدوث تغيير محدّد في المجتمع. فلا يمكن للدولة أن تصدر قانونا من نوعية جديدة محدّدة، إلاّ إذا حدث تحوّل معيّن في موازين القوى الثقافية، والسياسية القائمة في المجتمع. ولا يمكن للمُشرّع أن يضع قانونا من صنف جديد إلاّ إذا كان هذا القانون تتويجًا لصراعات طويلة، ولتغييرات عميقة، حدثت في  المنظومتين الثقافية والسياسية. ويلزم في كل قانون نوعي جديد أن ينسجم مع ميزان القوى (السياسي والثقافي) الجديد القائم في المجتمع. بمعنى أن إصدار الدولة لقانون من نوع محدّد، لا يحدث نتيجة لمرافعة قانونية جيّدة، ولا نتيجة لاجتماعات ضاغطة على أطر عليا في الدولة، وإنما تحدثه تعبئة، وتظاهر، واحتجاجات، جيوش هائلة من جماهير الشعب المعنية، خلال أسابيع، أو شهور، أو سنوات، متوالية.

وثانيًّا، لأنه يستحيل تحقيق طموحات الجمعيات الأمازيغية والنسائية إذا لم يحدث إنجاز هذه الطموحات عبر سيرورة تغيير عميق وشامل في المجتمع، وفي الثقافة السّائدة، وفي النظام السياسي القائم.

وثالثًا، لأن تلك الطموحات هي جزء لا يمكن فصله عن الأهداف العامة لقوى اليسار، والمتجلية في دولة الحق والقانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتحرّر من الاستبداد، ومن الفساد، ومن التبعية للمراكز الإمبريالية، ومن الاستغلال الرأسمالي المتوحش.

ورابعًا، لأنه يستحيل تحقيق تلك الطموحات بدون تـقارب، وتعاون، وتكامل، مجمل القوى التـقدّمية، والديمقراطية، واليسارية، والثورية، الموجودة داخل المجتمع.

والخطأ الرابع الذي ارتكبته الحركات الأمازيغية والنسائية هو أنها، منذ قرابة سنوات  1990 إلى الآن في سنة 2016 م، حصرت نضالها في مجال نخبوي، فوقي، أو مغلق، أو ضيّق. وركّزت مجمل مجهوداتها ونضالاتها في مجال الضغط على الدولة لدفعها إلى سَنّ قوانين تخدم حقوق النساء، أو تخدم القضية الأمازيغية. وحصرت مجمل نضالاتها، في ميدان النضال من أجل المطالبة بإصدار قوانين حقوقية من نوعية محدّدة. وهذا النضال في الميدان التشريعي أو القانوني، له أهميته، وله مبرّراته، لكنه يبقى بعيدا عن أن يكون كافيا، أو فعّالاً. لماذا ؟ لأن الحركات الأمازيغية والنسائية أهملت نسبيا شيئين جوهريين، وهما التّاليين:

أ) إهمال التعبئة النضالية الواسعة للجماهير المعنية بهذه الحقوق الخاصة (وهي الجماهير الأمازيغية بالنسبة للحركات الأمازيغية، والجماهير النسوية بالنسبة للحركات النسوية). ورغم أننا ندرك، مسبقًا، أنه يصعب بلوغ تعبئة هذه الجماهير العريضة، فإننا، في نفس الوقت، متيقّنين من أن هذه التعبئة الواسعة لهذه الجماهير المعنية، تبقى ضرورة، ولا مَحِيدَ عنها.

ب) إهمال ضرورة إنتاج، وتنمية، وترويج، أنشطة فكرية وثقافية، وفنّية، تكون نوعية، وتدعّم، أو تتجاوب مع، المطالب الحقوقية التي تناضل من أجلها هذه الحركات (الأمازيغية والنسائية). ورغم أننا نعي أن إنتاج هذه الأنشطة الثقافية تتطلّب ابتكار أساليب نضالية وثقافية من صنف جديد (لا توجد حاليا), وتتطلّب أطرًا كثيرة ومبدعة (لا تتوفّر راهِنًا)، ويحتاج تمويلها إلى إمكانات مادية هامّة، فإننا مقتنعون، في نفس الوقت، من أنه لا مَفَرَّ من التغلّب على هذه الصعوبات، ولا بُدّ من إيجاد حلول جماعية لها، ولا بُدّ من خلق هذه الدّينامية المجتمعية، مهما كلّفنا ذلك من مجهودات نضالية.

والخطأ الخامس الذي ارتكبته الحركات الأمازيغية والنسائية، هو أنها كانت مهووسة بتوسيع أعداد أعضائها، وحاولت تسريع نموّها، إلى درجة أنها كانت تـقبل ضمن صفوفها، وأحيانا ضمن مسؤوليها، عضوية شخصيات مشكوك في جودتها، أو في نزاهتها، أو في مدى التزامها بالمبادئ النضالية. والنتيجة هي أن بعض هذه الجمعيات أصبحت اليوم تعاني من سلبيات هذه الشخصيات. فغدت هذه الجمعيات كأنها مُخْتَرَقَة من طرف عناصر غير مناسبة، أو غير كفئة، أو مُعرقلة. وبعض هذه العناصر تظهر انتهازية، أو ”مَخْزَنِيّة“، أو وصولية، أو انتـفاعية، أو مُخبرّة. وبعض هذه العناصر تتربّص فرص استـقطابها من طرف النظام السياسي القائم (المَخْزَن)، مقابل امتيازات معهودة ومعروفة. وأمام هذا الواقع، يكون مطروحا على الحركات الأمازيغية، والنسائية، أن ترجع إلى مهمّة تنـقية صفوفها من العناصر التي تضرّ أكثر مِمّا تنفع.

والخطأ السّادس الذي ارتكبته الحركات النسائية هو أنها تلافت تناول العناصر الدّينية في مجال اضطهاد المرأة. ومعظم مناضلات الحركة النسائية تُدْرِكْن جيّدًا أن بعض مظاهر اضطهاد المرأة تستند على مبرّرات أيديولوجية إسلامية موجودة في الفهم الحالي السّائد للدّين الإسلامي (مثل تعدّد الزوجات، تزويج الفتيات القاصرات، قِوَامَة الرّجال على النساء، الوصاية على المرأة، العنف ضد النساء، غياب المساواة بين الإناث والذكور، بما فيه الإرث، إلى آخره). لكن هؤلاء المناضلات، في الحركة النسائية، تحسّ بثـقل هيمنة الأيديولوجية الدّينية على المجتمع، وتدرك صعوبة خوض أي صراع فكري، أو ثقافي، أو سياسي، ضدّ الحركات الإسلامية السلفية أو الأصولية. بل تخشى لجوء هذه الحركات الإسلامية إلى استعمال فهم معيّن للدّين لتعبئة الجماهير المتأثّرة بالسلفية، أو بالأصولية، أو لتكفير الجمعيات النسائية، أو لشنّ هجوم عدواني، أو إرهابي، على الحركات النسائية. فتميل الحركات النسائية إلى تجاهل العناصر الدّينية الموجودة في الفهم السّائد الحالي للدّين التي تبرر بعض سلوكيات اضطهاد المرأة.

لكن، يطرح السؤال التالي: هل يمكن حقّا تحقيق مطالب الحركة النسائية في مجتمع مثل المجتمع المغربي، دون نـقد الفهم السّائد الحالي للدّين الإسلامي؟ هل صعوبة خوض هذا الصراع الثقافي، والفكري، والسياسي، ضدّ العناصر الأيديولوجية الدّينية التي تبرر اضطهاد النساء، هل هذه الصعوبة تبرّر التخلّي كلّيا عن هذا الصراع، أم أنها، على خلاف ذلك، تَحُثُّ على ابتكار أساليب جديدة، وملائمة، في مجالات النـقاش، والنـقد، والتّرافع، لخوض هذا الصراع الفكري؟

والمطلوب اليوم من الجمعيات الأمازيغية أو النسائية، ليس هو حلّ هذه الجمعيات، ولا هو عودة مناضليها إلى عضوية إجبارية داخل أحزاب اليسار، ولا هو الخضوع لتوجيهات أحزاب اليسار. هذا تصوّر مرفوض، ومتجاوز. وإنما المطلوب من الحركات الأمازيغية، والنسائية، وكذلك من مجمل الحركات الأخرى التـقدمية، هو على الخصوص ما يلي :

أ)- أن تدرك (الحركات الأمازيغية والنسائية) ترابط مصيرها بمصير مجمل القوى المجتمعية المناضلة، والتـقدّمية، والثورية، والتوّاقة للديمقراطية، بما فيها قوى اليسار؛

ب)- أن تعلم (الحركات الأمازيغية والنسائية) أن تحقيق المطالب (النضالية) لا يمكن أن يحصل إلاّ عبر تعاون، وتكامل، كل القوى المجتمعية المعنية بهذه المطالب. فإما أن يكون النضال مشتركًا فيما بين كلّ القوى المجتمعية المعنية بهذا النضال، وإمّا أن هذا النضال سيظل ضعيفًا، وعاجزا، وفاشلاً. نحن ندرك، مسبقًا، أن تنظيم التنسيق، والنضال المشترك، فيما بين قوى متعدّدة ومتنوعة، هو صعب جدّا. ولكننا ندرك، في نفس الوقت، أن مسألة تعلّم وإتـقان فن النضال المشترك، هي قضية وجود، أو مسألة «أن نكون، أو ألَّا نكون». وقد سبق لي أن أوضحت، في وثائق أخرى، أن أكبر نـقط الضعف، في العمل الثقافي، والسياسي، لدى المسلمين والعرب، هو أن كفاءتهم متوسّطة في ميدان أعمالهم الفردية، لكن كفاءتهم رديئة، بل متخلّفة، في مجال تدبير أعمالهم ونضالاتهم الجماعية. فلاَ مفرّ من تقويم هذا النـقص.

ت)- أن تدرك (الحركات الأمازيغية والنسائية) أن مجمل قوى المعسكر التـقدّمي، أو الديمقراطي، أو اليساري (بما فيها قوى اليسار، والحركات الأمازيغية، والحركات النسائية، والحركات المجتمعية الأخرى المناضلة)، أن الخصال الضرورية، التي يلزم أن تتوفّر فيها، هي التالية: التّواضع السياسي (وليس الغرور)، الإصغاء المتبادل (وليس تجاهل الفاعلين المخالفين)، الاحترام المتبادل (وليس التعالي أو العجرفة)، التـقارب (وليس التباعد، أو الانزواء)، التعاون (وليس التهرّب من تـبادل المساعدات)، التكامل فيما بين أكثر ما يمكن من الفاعلين التـقدّميين (وليس الاكتـفاء بالنفس).

ث)- أن تعمل الجمعيات الأمازيغية على تجويد التنسيق فيما بينها؛ وأن تحرص كذلك الجمعيات النسائية على تعميق النضال المشترك فيما بينها. مع ضرورة الحرص، في نفس الوقت، على الاحتياط من بعض الجمعيات التي تظهر مثل كَرَاكِز تُحرّكها عناصر وفيّة للنظام السياسي. والاعتناء بصيانة الاستـقلال المالي، والفكري، والتنظيمي، لهذه الجمعيات الأمازيغية، والنسائية، تُجاه كل القوى، سواءً كانت داخلية أم خارجية.

والمطلوب كذلك من أحزاب اليسار، هو أن تعترف، بشكل علني ونهائي، بهذه الجمعيات الأمازيغية، والنسائية، وغيرها من الحركات المجتمعية المناضلة، كرافد من بين روافد مقاومة الشعب، وكأداة من بين الأدوات المجتمعية التي يقرّر بها الشعب مصيره، عبر سلسلة تاريخية، ولا منتهية، من النضالات المتنوّعة، والمتواصلة. كما يُطلب من قوى اليسار، أن تلتزم نهائيا، باحترام خصوصية، واستـقلالية، هذه الحركات الأمازيغية، والنسائية، وغيرها. مع العلم أن الاحترام المتبادل، لا يعني، ولا يبرّر، التخلّي عن تبادل النـقد الجيّد، أو السقوط في مجاملة منافقة.  فقوى اليسار تحتاج إلى تعاونها مع مجمل هذه الحركات، كما أن هذه الحركات تحتاج إلى تعاونها، وإلى تكاملها، مع قوى اليسار.

 24) ما هو نوع النّـقد الذي تحتاجه قوى اليسار؟

عندما نريد ممارسة النَّـقْد (سواءً كان هذا النـقد فيما بين مناضلي اليسار، أم فيما بين قوى اليسار)، يجب أن نميّز بين شيئين مختلفين: هناك من جهة أولى، نَـقْد الآراء، أو الأطروحات، أو السلوكيات، أو البرامج، أو أساليب العمل. وهناك من جهة ثانية، نـقد الشّخص، أو الهيئة، أو الحزب، الذي يحمل تلك الأفكار، أو يمارس تلك الأساليب، أو السلوكيات. والنّـقد المقبول، أو المفيد، هو الذي يركّز على نـقد الأفكار، أو التصوّرات، أو أساليب العمل، ويحرص، في نفس الوقت، على تلافي الهجوم على الشخص المُنْتَـقَد، أو على صفاته، أو أخلاقه. ولا يحقّ للنّاقد أن يشتم الشّخص المُنْنَـقَد، ولا أن يستعمل ضدّه عبارات تتضمّن الاحتـقار، أو الإهانة، أو التّجريح، أو الكراهية، أو العدوانية. والمُفترض في كلّ الأشخاص المساهمين في النضال، بما فيهم الأشخاص الذين نودّ نـقدهم، أنهم يستحقّون منّا جميعًا كلّ التـقدير والاحترام. فَلاَ يُقبل من النّاقِد أن يُمارس نوع النـقد الذي يخلق حزازات، أو عداوات.

ومن زاوية المنطق، أو الأخلاق، لا يحقّ للنّاقد أن يستغلّ وجود عيب محدّد في صفات الشخص المُنْتَـقَد، وأن يُقدّم هذا العيب كحجّة على خطأ آراء، أو أطروحات، ذلك الشخص. لأن العيوب التي قد توجد في صفات شخص معيّن لا تُثبت بالضرورة خطأ آرائه، أو أفكاره.

ومن بين معضلاتنا السياسية في المغرب (بل في مجمل العالم الإسلامي) أن مختلف قوى اليسار تتجاهل بعضها بعضًا، ولو كانت تتشابه في طموحاتها السياسية، ولو أنها تلتـقي أحيانًا في ميدان النضالات الجماهيرية. ويقول كلّ طرف من بين قوى اليسار أنه يختلف في الآراء السياسية مع قوى اليسار الأخرى، وأنه يحمل انتـقادات دقيقة للأطراف الأخرى في اليسار. لكن قوى اليسار لا تكتب هذه الانتـقادات، ولا تنشرها، ولا تُعرّف بها، بشكل مسؤول ودقيق. ولا تعمل قوى اليسار من أجل إزالة خلافاتها الفكرية أو السياسية، بواسطة الحوار، وتبادل النقد المكتوب. ولا ترضى مكوّنات اليسار بأن تتحاور مع مكوّنات اليسار الأخرى التي تنافسها، أو تخالفها. كما تتجاهل قوى اليسار الجمعيات المناضلة (المتخصّصة مثلاً في حقوق الإنسان، أو حقوق النساء، أو الأمازيغية، إلى آخره). وبالمقابل، تتجاهل هذه الجمعيات قوى اليسار. هكذا كان ”حزب الاستـقلال“ (المحافظ) يتجاهل ”حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية“. وكان ”حزب الاتحاد الاشتراكي“ يتجاهل كل الأحزاب والتيارات المتعدّدة التي انشقّت عنه. وكان ”حزب الطليعة“ يتجاهل تنظيمات مثل «23 مارس»، و«إلى الأمام»، و«الوفاء للديمقراطية». وكانت أحزاب «فيديرالية اليسار الديمقراطي» الثلاثة تتجاهل «حزب النهج»، إلى آخره. ويمكن تأويل هذا التجاهل المتبادل فيما بين قوى اليسار بميول نحو الهيمنة، أو السّلطوية.

ومن النادر جدّا أن تتبادل قوى اليسار بالمغرب نـقدا معمّقا، ومكتوبا، وعلنيا. فقوى اليسار بالمغرب تُبالغ في تـقدير خلافاتها، وتبرّر الحزازات القائمة فيما بينها بوجود خلافات سياسية، أو عقائدية هامّة، فيما بينها. لكنها لا توضّح لنا، بشكل كتابي ومعمّق، ما هي هذه الخلافات، ولماذا تعتـقد أنها هي وحدها على صواب. وقد ظلّت قوى اليسار تـقتصر على النـقد الشفوي، وغير المنهجي، خلال جلسات داخلية، أو مغلقة، أو خصوصية.

فلا مفرّ لِقوى اليسار بالمغرب من الحوار الصريح، ومن تبادل النـقد المكتوب، والبنّاء، فيما بينها. وهذا النـقد الفكري أو السياسي المكتوب هو، ليس فقط حق مشروع، وإنما هو أيضًا واجب نضالي. بل يشكّل ضرورة ملحّة في الفترة التاريخية الحالية. وبدون ممارسة النـقد المُتَبَادَل، المكتوب، والرّزين، يصعب حصول تـفاهم فيما بين قوى اليسار، أو تـقاربها، أو تكاملها.

وعند ممارسة النـقد، يلزم النّاقِد أن يستحضر بما فيه الكفاية ضرورة الكِيَاسَة في التعابير، أو اللّباقة في إصدار الأحكام، أو الحَذَر في اختيار التّصنيفات السياسية، وذلك بالضّبط بهدف تلافي إثارة الحساسيات، أو الذاتيات، أو الأحقاد. وكذلك بهدف صيانة إمكانية النضال المشترك في المستـقبل. خاصة وأن مجتمعنا لا يألف النـقد([1]). وأفراد شعبنا لا يتحمّلونه. وحتى مناضلي قوى اليسار لم يتعوّدوا بعد على تحمّل النـقد العلني المكتوب.

وعندما نلجأ إلى كتابة نـقد سياسي موجّه إلى مناضلين، أو إلى قوى سياسية، نعيش التناقض التالي: من جهة أولى، نودّ التعبير عن آرائنا وتـقييماتنا، بشكل صريح، أو صارم، وبدون مراوغة، ولا غموض. ومن جهة ثانية، نحتاج إلى تلطيف عبارات انتـقاداتنا، أو تعليلها، لكي لا تكون جارحة. وفي أحيان كثيرة، نحتار، حيث لا ندري هل يجب أن ننتـقد بصراحة، وصرامة، أم أن الأحسن هو أن نسكت، في انتظار مناسبة أخرى ملائمة. لأنه في حالة كون التعابير المستعملة في النـقد جارحة، فإن المَنْـقُود سيرفض النـقدَ الموجّه إليه، بل سيحسّ به كهجوم عدواني عليه. وكل نـقد يهدف إلى القضاء على الشخص المَنْـقُود، سيصبح نـقدا مرفوضا، وفاشلا. ولكي يكون النـقد سليما، ومقبولا، وناجحا، يلزمه أن يوضّح أنه يهدف إلى مساعدة الشخص المَنْـقُود على الوعي بنقائصه، وعلى تصحيح أخطاءه، وعلى تحسين كفاءاته. فلا ينجح سوى النّـقد الذي تكون خلفيته هي الاحترام، والتقدير، والرغبة في التعايش السّلمي، وفي التعاون، والتكامل.

وإذا كانت الانتـقادات المعبّر عنها غير مُعَلّـلة  بحجج كافية، أو موضوعية، فقد تضرّ أكثر مِمّا تـفيد. وإذا كان من حقّ النّاقد أن ينتـقد كما يريد، فمن واجبه أن لا يطرح إلاّ الانتـقادات التي يستطيع تـقديم الحُجج الموضوعية والكافية عليها. ومن الجانب الآخر، يجب على الشخص المنْـقُود أن يتحلّى هو أيضًا بروح رياضية، وبالتواضع، وأن يقبل نـقاش النـقد الموجّه إليه، ولو كان شكل هذا النـقد مخالفا نسبيا لأعراف النـقد السّليم. لأن الغاية هي استمرارية التواصل، والتأثير، والتأثّر، والتعاون، والتكامل، فيما بين كل المناضلين الثوريين.

وحتّى إذا أحسّ الشخص المَنْـقُود بالانتـقادات الموجّهة إليه كأنها تهجّمات تحتوي على تجريح، أو إهانة، أو احتـقار، أو تخوين، فالأحسن دائما هو التحلّي بالتّحكّم في النفس، والتّأنّي، وتلافي ردود الأفعال السريعة، أو الذّاتية، أو المبالغ فيها. والتحكّم في النفس هو واجب مطلق، ولو أننا ندرك مسبقًا أن هذا التحكّم في الذات صعب جدًّا. والمُرْتَجَى من كلاَ الطّرفين، من النّاقِد ومن المنـقود، هو أن يناقشا بموضوعية الأطروحات المُختلف حولها، دون الانحراف نحو تعويض نـقد الأطروحات، أو السلوكيات، بشتم الأشخاص الحاملين لهذه الأطروحات. ودون التهجّم على بعضهما بعضًا. ويلزمهما معًا أن يثبتا، بالحجج الموضوعية، خطأ انتـقادات الطرف الآخر، إن كانت خاطئة.

والملاحظ أن تـقاليد النـقد التي تربّى عليها جيل مناضلي الحركات الماركسية اللينينية، أو الأحزاب الشيوعية، أو اليسارية، أو ”اسطالينية (stalinien)”، بين سنوات 1950 و 1980 م، كانت في غالبية الحالات تتّسم بالمبالغة، أو بالانفعالات الذاتية، أو بإصدار الأحكام الجاهزة، أو بالقساوة، أو بالاتّهامات السّاحقة، أو بالتصنيفات المطلقة، وأحيانا بالتحقير، أو التخوين. وكان هؤلاء المناضلين (أو لا زالوا) لا يعرفون كيف يتعاملون مع التناقضات الثانوية في صفوف الشعب. وكانوا يـقلّدون الصّراعات السياسية الكبرى، التي جرت داخل الحزبين الشيوعيّين، في كل من الاتحاد السوفياتي (URSS)، والصّين الشعبية. فكانوا يوزّعون بسهولة كبيرة اتهامات «الانحراف»، أو «التراجع»، أو «الردّة»، أو «اليمينية»، أو «الرجعية»، ضدّ رفاقهم في النضال، الذين يخالفوننا في بعض الآراء الجزئية. وبين سنوات 1970 و 1980 م، ساهمتُ شخصيا بحماس شبابيّ في مثل هذه الأساليب. لكنني تعلّمتُ من تجاربي أن هذه الأساليب القاسية في النـقد، تسيئ أكثر ممّا تنـفع. فأقلعتُ عنها.

وحينما نريد نـقد مناضل محدّد، أو مجموعة من المناضلين، ورغم ما قد يكون صدر عنهم من هفوات، في فترة أو أخرى (مثلما يمكن أن تصدر هفوات عنّا نحن أيضا)، يُستحسن أن نتذكّر أن هؤلاء الأشخاص هم كلهم مناضلون، معروفون بصدقهم، أو بنزاهتهم، أو أنهم لا زالوا صامدين في قناعاتهم، أو في مساهماتهم الثورية. والقناعات الفكرية، والممارسات النضالية، التي تتوفّر لدى كل هؤلاء المناضلين، هي أكبر بكثير من تلك التي تـفرّقهم. وفي حالة إذا ما تسبّب تبادل النـقد الجارح في خصومات، لا يحقّ لنا أن نترك هؤلاء المناضلين، الذين تبادلوا نـقدا قاسيا، يغرقون في سوء التـفاهم، أو في أحقاد مفتعلة، وناتجة عن أساليب في النـقد تنـقصها المهارة (maladresse).

وبعض المناضلين لا يرضون عن أوضاع، أو عن سلوك، بعض قوى اليسار بالمغرب. ورغم ذلك، يلزم مجمل المناضلين أن يستمرّوا في تـقدير كل قوى اليسار، واحترامها. لأنها كلها ضرورية لإنجاح النضال الجماهيري المشترك. ومن واجب كل المناضلين أن يساهموا في تـقريب قوى اليسار، وتعاونها، وتكاملها، وتوحيدها، وانخراطها في مجمل النضالات الجماهيرية المشتركة. ورغم ضرورة، أو إلحاحية، تبادل النـقد المكتوب، والرّزين، فيما بين مجمل قوى اليسار، ينبغي على مجمل المناضلين، وخاصّة منهم النّاقدين، أن يحرصوا على أن يظل هذا النـقد المتبادل ملتزما بالجدّية، وبالموضوعية، والحياد، والدّقة، والنزاهة، والاحترام المتبادل. لأن هدف النـقد الثوري هو مساعدة الشخص المَنْـقُود على تحسين أداءه، وليست غاية النـقد هي هزم الشخص المَنْـقود، أو القضاء عليه!

وماذا نفعل في حالة حدوث خلافات فيما بين قوى اليسار؟ هل نتجاهل هذه الخلافات؟ هل ننكرها؟ هل نتجاهل حتى مختلف مكوّنات اليسار التي تُخالفنا في بعض القناعات؟ هل نردّ على تعنّت بعض المخالفين بِتَـعَـنّـت أكبر؟ هل الخوف من تعقيدات النضال المشترك يُبرّر التركيز على ذاتنا، وتجاهل كل من اختلف عنّا؟ ألاَ تستوجب الحكمة التخلّص من نرجسيتنا، ومن العصبية الحزبية الضّيقة، والقبول المتواضع بالحوار، وبالاختلاف، وبالتعدّد، والاحتكام إلى جمهور المناضلين النزيهين؟ ألاَ يُستحسن أن تنظّم قوى اليسار، في المستـقبل القريب، لقاءات، وحوارات، فيما بين مسؤولين، وأطر، ومناضلين، من مختلف هذه القوى، لخوض جدالات صريحة، ورزينة، حول مجمل إشكالات النضال الثوري بالمغرب؟ وهل يُعقل أن نستغني عن تبادل النـقد السياسي البنّاء؟ وهل توجد وسيلة أخرى غير تبادل النـقد الرّزين لتحقيق التـفاهم، والتـقارب، والتأثير والتأثّر، فيما بين قوى اليسار؟ وما هي أهداف النـقد ؟ أليست الأهداف النبيلة للحوار، وللنـقاش، وللنـقد، وللصراع السياسي، هي بالضّبط تدبير الخلافات، وتـقريب المواقف، وتـفادي الانفراد بالقرار، وتلافي السيطرة، وفرز الآراء الأكثر تـقدّما وصوابا؟

فَنَوْع النـقد المطلوب فيما بين قوى اليسار، هو أن يكون جدّيا، ومعمّقا، ومعلّلاً، وموضوعيا، ومحايدا، ومقنعا، وملتزما بالاحترام المتبادل، ومراعيا للحساسيات، وللذّاتيات، وحريصا على صيانة حظوظ خوض نضالات جماهيرية مشتركة، في الحاضر، والمستـقبل. فلا يجوز لأي نـقد متبادل بين قوى اليسار أن ينساق نحو التسرّع، أو الاستخفاف، أو العصبية الحزبية الضيّقة، أو الاحتـقار، أو الكراهية، أو تصفية الحسابات الذاتية. فإما أن يكون النـقد السياسي معمّقا، ومُعَلّـلاً، وإما أنه يبقى مجرد تصنيفات اعتباطية، تسيء أكثر مِمّا تـفيد. وغاية النـقد، ليست هي عزل الشّخص المَنْـقُود، أو هزمه، أو تحطيم سمعته، وإنما هدف النـقد هو إحداث التـفاهم مع الشخص المَنْـقُود، ومساعدته على تـقويم نفسه، والتـقرّب منه، والتكامل معه، وتحسين كفاءاته، وتجويد فعاليته، وخوض النضال المشترك معه.

 25) هل الحل هو الانسحاب من هذه الأحزاب، أم خلق أخرى بديلة؟

  • كَلاّ ! ليس الحلّ هو خلق أحزاب بديلة. على عكس ذلك، يجب عَلَى مناضلي أحزاب اليسار أن يُدركوا أن الحلّ (لمعالجة نـقط ضعف أحزاب اليسار) لا يكمن في الانسحاب منها، أو في تأسيس أحزاب جديدة، أو بديلة. هذا المنهج طُبّق مرارًا وتكرارا، بين سنوات 1960 وسنوات 1990 م. لكن هذا المنهج بقي في غالب الحالات عقيما. لأنه يخلق مشاكل جديدة، دون القدرة على فهم، أو حلّ، المشاكل القديمة. يجب أن ندرك أن أحزاب اليسار (الحالية الموجودة بالمغرب) تتوفّر على قوى بشرية معتبرة نسبيا، وتشتمل على مؤهّلات نضالية كافية لخلق سيرورة كفاحية متصاعدة، ومتنامية، وناجحة. لكن ضعف أحزاب اليسار ينتج عن النـقص الحاصل في المعارف التي يحملها مناضلو هذا اليسار. وينتج أيضا عن القصور في المناهج المستعملة، وعن عدم ملائمة الأساليب النضالية المُتّبعة. كثيرون من مناضلي أحزاب اليسار يحتاجون إلى تكوين معمّق، ومتعدّد الاختصاصات. ما ينـقص غالبية مناضلي أحزاب اليسار هو رفع مستوى الكفاءات، وتنمية الدّقة في الأفكار، وفي التصوّرات، والمرونة في المناهج، والإبداع في الأساليب، والانضباط في التطبيق، والاحترافية في الاشتغال. المعضلة المشتركة اليوم لدى عموم العرب والمسلمين، وليس فقط لدى أحزاب اليسار، هي أنهم لا يعرفون كيف يعملون بشكل جماعي. ولا يدرسون فنّ معالجة التناقضات (الداخلية أو الخارجية). وعندما يحاولون خوض عمل أو نضال مشترك، على مدى زمني متوسّط أو طويل، فإنهم لا يعرفون كيف يعالجون التناقضات الموجودة فيما بينهم. وبالتّالي، فالحلّ السّليم (لمعالجة ضعف أحزاب اليسار) هو الانخراط في هذه الأحزاب، أو الصّمود داخلها، والعمل من أجل إصلاحها، وتثويرها من الدّاخل. المنهج السليم (لمعالجة ضعف أحزاب اليسار) يتطلّب التّـعاون والتّـكامل، وليس التنافر، والتّحدي، فيما بين مناضلي هذه الأحزاب. يلزم استبدال التنافس على الزعامات، أو على المناصب، أو على الألقاب، بخصال التّواضع، والتعاون، والتكامل، والتضامن. والطريقة المطلوبة هي التـقييم، والتـقويم، والتّثوير. ولا يكمن الحلّ في الاستـقالة، أو الانشقاق، أو المزايدة، أو التحدّي. والهدف ليس هو إقصاء المُخالفين، أو معاداة المعارضين، أو هزم المنافسين. وإنما الغاية هي التّـعاون، والتّـكامل، بهدف مساعدة البشر، لكي يتطوّروا في الاتجاه الثّوري السّليم.

 26) ما هي المهام المطروحة على أحزاب اليسار؟

  • أذكّر أن قوى اليسار الثوري بالمغرب تتكوّن من الأحزاب الأربعة المشار إليها في البداية، وتتكوّن أيضا من جماعات وتيارات أخرى صغيرة نسبيا، لكنها موجودة، ولها تأثير ملحوظ في السّاحة. والمهام التي يجب على قوى اليسار أن تنجزها هي كثيرة ومتجدّدة. وأقترح فيما يلي لائحة للمهام التي هي مستـعجلة اليوم. وهي التالية:

1 – ضرورة انخراط مجمل أحزاب اليسار في تـقييم صادق لتجاربها، وفي إعداد نـقد ذاتي على النـقص الحاصل في أعمالها النضالية خلال السّنوات الماضية.

2 – العمل من أجل التّـعجيل بتوحيد مجمل قوى اليسار الثّوري، من خلال النّضال المُشترك، وذلك في إطار فدرالية، أو حزب واحد، أو جبهة عريضة، أو تنسيق حيوي.

3 – ضرورة التزام كل قوى اليسار بقاعدة «النّضال المُشترك». ومعنى هذه ’’القاعدة‘‘ هو أن كل حزب من اليسار يريد القيام بنشاط ما، أو بنضال ما، يتوجّب عليه، قبل الخوض في هذا النشاط أو النضال، أن ينسّق مع كل قوى اليسار الرّاغبة في هذا التنسيق، لكي يُنجز هذا النشاط أو النّضال بشكل مُشترك، مع أكبر عدد ممكن من بين قوى اليسار.

4 – ضرورة التزام كل المناضلين بأسلوب «التـقارب، والتـعاون، والتكامل، والتضامن» فيما بين كل قوى اليسار الثوري.

5 – خلق «مدرسة مُشتركة فيما بين قوى اليسار»، يكون هدفها هو التّكوين المشترك لمناضلي وأطر قوى اليسار، مثلا على شكل «جامعة مُتواصلة». ويلقي فيها أطر أحزاب اليسار عورضا، أو محاضرات تكوينية، لفائدة مجمل مناضلي اليسار الراغبين في ذلك.

6 – ضرورة نـقد وتجاوز «المنطق الحزبي الضّيق» من طرف مناضلي مجمل قوى اليسار. والإقرار أن ما هو في مصلحة الشعب هو أولى مِمّا هو في مصلحة الحزب.

7 – في كل حزب من بين أحزاب اليسار، يجب أن يلتزم (على الأقل) قرابة 3 أو 4 من بين كبار مسؤوليه بالتـفرّغ للعمل الحزبي والنضالي.

8 – تسريع التّناوب على قيادات أحزاب اليسار، عبر حصر المدّة الزمنية لتحمّل المسؤوليات الحزبية (وكذلك لعقد المؤتمرات الحزبية) في 2 سنوات، وليس في 4 أو 5 سنوات.

9 – إلغاء العمل بأسلوب «التّيارات» (المعمول به مثلا داخل ’’الحزب الاشتراكي الموحّد‘‘)، لأنه يُقوّي الحلقية، ويؤجّج «العصبية» السياسية الضيّقة.

10 – إنخراط مجمل قوى اليسار الثوري في إعداد مشروع دستور ديمقراطي للبلاد، يكون مُشتركًا لمجمل اليسار، والنّضال فيما بعد من أجل التّـعريف به داخل الشعب، وجمع التوقيعات المؤيدة له.

11 – ضرورة مساهمة مجمل مناضلي قوى اليسار في عملية خلق فكر سياسي من نوع جديد، يكون ديمقراطيا وثوريا، ويستجيب لمستجدات المرحلة التاريخية الرّاهنة. وتـعميق تصوّرات قوى اليسار لمنظومة المجتمع الديمقراطي والحداثي الذي يناضل من أجل تحقيقه.

12 – ضرورة انخراط مجمل قوى اليسار في بلورة تصوّر مشترك لكيفية التـعامل مع مختلف الأحزاب والجماعات «الإسلامية».

13 – الحذر من تسرّب العناصر البوليسية داخل إطارات اليسار، وإفشال تأثيرها التخريبي، والتصدّي لها بشكل جماعي موحّد.

14- ونظرا للإقصاء الكُلّي والمزمن لقوى اليسار، ولمثـقّفيها، وفنّانيها، ومناضليها، من التّلفزات والإذاعات العمومية، يصبح من حقّ أحزاب اليسار، ومناضليها، ومناصريها، أن يساهموا في خلق قناة تَلْفَزِية مُشتركة (وليس إذاعة أو جريدة مشتركة مثلما يبتغي البعض). ويُستحسن أن تكون هذه التّلفزة المشتركة على شكل ’’شركة جماعية مشتركة‘‘، أو ’’مجهولة الهويّة‘‘ (société anonyme). وبيع أَسْهُمِها لدى عموم المناضلين والمتعاطفين. ويُستحسن أن يكون مقرّ هذه القناة التّلفزية في بلد أجنبي يضمن حرّية التعبير (لضمان استمراريتها، وإفلاتها من القمع، أو المنع، أو التخريب). ومعلوم أن وسائل الاتصال الحديثة (عبر الأنترنيت) تسمح بأن تعمل هذه القناة التلفزية وكأنها موجودة داخل البلاد. ومن المعلوم أيضا أن التكنولوجيات الحديثة خفّضت أثمنة التجهيزات التـقنية اللاّزمة في هذه التّلفزة المشتركة.

 27) تنتـقد الأحزاب، وهل تنتـقد نـفسك أيضا؟

  • طبعًا ! أنتـقد نـفسي في كل صباح، وفي كل مساء. (يضحك). أخطائي، أو نـقط ضعفي الشخصية، هي أكبر، وأكثر، من نـقط ضعف أحزاب اليسار. أنا أُقدّر، وأحترم المناضلين الذين يتحمّلون عناء العمل من داخل أحزاب اليسار. وأنا لا أتـعالى على أحزاب اليسار، بل أعتبر نـفسي جزءا عضويا ومتواضعا فيها. ورغم أنني لستُ حاليا عضوا في أي حزب، فإنني أشعر كمناضل بتحمّل جزء من مسؤولية التدهور الذي أصاب قوى اليسار بالمغرب. ولو لم أكن أشعر شخصيا بهذه المسؤولية لما فكرتُ طويلاً في موضوع نـقد أحزاب اليسار. بل أعتبر أنني ساهمتُ شخصيا في بعض الأخطاء التي انتـقدتها في كلامي السابق. فأتحمّل جزءًا من مسؤوليتها. وهذا النـقد الحالي الذي أوجّهه إلى قوى اليسار هو في نفس الوقت نـقد ذاتي لي شخصيا. إنه بمثابة نـقذ ذاتي شخصي، أو نـقد ذاتي جماعي (على الأقل بالنسبة للمناضلين الذي يوافقون إلى حد ما على هذه الانتـقادات). النـقد هو قضية فلسفية. النـقد هو مثل الهواء أو ”الأُوكْسِيجِين” الذي نَحْيَى يَوْمِيّا به. وبدون النـقد الجيّد والمسؤول، لا يمكن أن نتـقدّم. وإذا لم ينـفع النـقد، فإنه لا يَضُرّ. وبدون تـعاوني وتكاملي مع المناضلين الآخرين، فسيكون وجودي بلا قيمة، وبلا فعالية.

وكون شخصية النّاقد (أنا مثلا، أو أي ناقد آخر) ناقصة، أو مُخْطئة، لاَ يبرر الرّفض المُسْبق للانتـقادات التي يطرحها هذا النّاقد. لأن صَوَاب أو إفادة نـقد مُحدّد، ليس مشروطا بكون شخصية النّاقد أو ممارسته نَمُوذَجِيّتَين. يمكن أن أكون كشخص ضعيفا، أو مُخْطِئا، أو منحرفا، لكن ضعفي الشخصي المُفترض، لا ينـفي إمكانية أن تكون انتـقاداتي، جزئيا أو كلّيا، صائبة، أو مُفيدة.

وفي حضارتنا العربية الإسلامية، نواجه دائما النـقد بالرفض. لأننا نميل إلى الإحساس بالنـقد كأنّه إهانة خطيرة. ونعتبره هجوما عدوانيا علينا. ولا نتحمّل عادة النـقد إلاّ إذا كان موجّها ضد غيرنا. أما إذا كان النـقد موجها لشخصنا، أو لحلفائنا، فإننا نلفظه، أو نستهجنه. وقد يوجد تـفسير لهذه الحساسية المفرطة ضد النـقد في كون حضارتنا الإسلامية تـخاف إلى حَدّ كبير من نـقد الدّين. بينما في الحقيقة، النـقد هو مُساعدة ثَمينة. وبدون ذهن نـقدي، سَنبقى سطحيّـين في حياتنا. وعلى العُمُوم، لا ننتـقد أعدائنا، وإنما ننتـقد أحبابنا، وأصدقائنا، ورفاقنا، وشُركائنا، ومنافسينا. وحينما ننتـقدهم، فهذا يعني أننا نريد منهم أن يَتَحسّنوا. بل مضمون النـقد الجيّد هو الذي يشرح للشّخص المنتـقد (بفتح القاف) ما يلزمه أن يفعل لكي يصبح أكثر إتـقانًا.

لا أنتمي حاليا لأي حزب. لأنني لا أريد أن يُؤوَّل انتمائي إلى حزب يساري معيّن على أنه نفور، أو عداء، تُجاه الأحزاب اليسارية الأخرى. لكنني أساند صراحةً، وعلنيةً، كل الأحزاب التـقدّمية والثّورية. وأحترم مناضليها، وأُقَدّر تضحياتها. وإذا توحّدت أحزاب اليسار في حزب واحد، أو تعاونت بشكل جدّي، آنذاك يمكن أن أنخرط في هذا الحزب المُوحّد. وَإِلّا، فإنني أفضل حاليا عدم الانخراط في أي حزب. (يضحك).

 28) ومن أين تأتيك هذه الانتـقادات؟

  • لا أعرف تـقريبا أي شيء عن الحياة الداخلية لأي حزب. لكن الأهم هو ملاحظة ممارسة هذه الأحزاب، من خارجها، وفي الميدان. فلا يحتاج الناقد إلى مُخبرين مُنْدَسّين داخل هذه الأحزاب. من يريد أن تكون هذه الأحزاب أكثر فعالية، يمكن أن يصبح مؤهلا لملاحظة نـقط ضعفها.

ورغم أنني أتكلّم عن أحزاب اليسار، فإنني لاَ أتناسى، ولا أنكر، أن ما أعرفه عن هذه الأحزاب، هو جزئي، أو ناقص، أو غير مرض، أو غير محايد. وبالتّالي فإنني أبذل ما في وسعي لكي أبقى متواضعا في تـقييمي لأحزاب اليسار. وأظل واعيا بكون الأحكام التي أصدرها عن هذه الأحزاب تبقى هي أيضا جزئية، ومعرّضة لاحتمال المبالغة أو الخطأ. ولا يسعني سوى أن أعمل بهذه المعرفة الجزئية (لأحزاب اليسار)، مع ضرورة الحرص على تلافي كلّ استخفاف، أو تهوّر، في منهج التحليل، أو في استنتاج الأحكام.

 29) ولماذا لم تنخرط في أحد أحزاب اليسار، لتفعيل انتقاداتك ؟

عدة أسباب تمنعني، إلى حدّ الآن، من الانخراط في أحد أحزاب اليسار:

1) من المؤسف أن تكون بعض الأحزاب الحالية غير مبنية على أساس مبادئ، بقدر ما هي مبنية في الواقع الملموس على أساس علاقات شخصية خاصة، أو على صداقات، أو على ولاء لقياديين محدّدين، أو على الوفاء لأفراد النّواة الصلبة في الحزب. وعندما تحدث نـقاشات، أو خلافات، أو صراعات فكرية، أو نظرية، أو سياسية، فإن معظم المناضلين يحتكمون إلى ولاءاتهم، أو إلى علاقاتهم الشخصية، وذلك أكثر ممّا يحتكمون إلى مبادئ دقيقة ومحايدة.

2) على خلاف نسبة هامة من المناضلين، هدفي الأساسي ليس هو الدفاع عن حزب محدّد، وإنما هو النضال، إلى جانب كل المناضلين، من أجل إنضاج شروط الثورة المجتمعية وإنجاحها. ومرجعيتي أنا، ليست هي الحزب، أو خطّه السياسي، أو قادته، أو زعماءه، ولا هي نظرية معيّنة، وإنما مرجعيتي هي العقل، وتجارب الواقع العنيد. فلا استطيع أن أتـفاهم مع كل الذين يحتكمون إلى مراجع أخرى غير العقل.

3) لو انخرطتُ في أحد أحزاب اليسار، فإنني سأتأثّر بسلبيات الالتزام الحزبي، دون الاستـفادة من إيجابياته. ومن خلال تجاربي، أعرف أنني كنتُ، وسأبقى، دائما أقليّة الأقلية، وبدون أيّ تأثير ملموس على مواقف، أو قرارات الحزب.

4) إذا أصبحتُ عضوًا في حزب محدّد، فإن مجمل الناس سوف يُلصقون على جبهتي يافطة فيها اسم ذلك الحزب. فإذا طرحتُ اقتراحا، أو انتقدتُ فكرا سياسيا، أو انتقدت سلوكا حزبيا، فسيقول هؤلاء الناس أن كلامي مشكوك فيه، أو مرفوض، لأنني متحيّز لحزبي، وأنني لا أخدم سوى المصالح الضيّقة لحزبي. ولتوسيع حظوظ اهتمام عامّة المناضلين بما قد أطرحه من اقتراحات، أو من انتقادات، أفضّل أن أكون على نفس المسافة من مجمل الأحزاب المناضلة.

 30) هل من خاتمة؟

  • أوّلاً، أعتذر مسبقًا، لكلّ المناضلين، ولكلّ الأحزاب التقدّمية، إن استعملتُ في نـقدي السابق، والصريح، بعض العبارات القاسية. لكن هدفي، وبكل صدق، ليس هو التجريح، وإنما هو الإفادة. ثانيًّا، الانتـقادات التي عبّرتُ عنها سابقا هي أمثلة فقط من بين الانتـقادات الموجّهة إلى أحزاب اليسار بالمغرب. ويُوجد مناضلون آخرون، يُوَجّهون انتـقادات أخرى، إلى أحزاب اليسار. ويتكلمون عن نـقط ضعف أخرى فيها.

ولا تزول الأخطاء، أو النـقائص، من تلقاء نفسها. فإذا لم نُصحّحها، فإنها ستستمرّ في إنتاج الأضرار، أو الانحرافات.

ويستوجب المنطق السليم، إن وُجِد ولو نـقد واحد صحيح من بين هذه الانتـقادات المذكورة سابقا، ألا يهدأ بال المناضلين المعنيين بهذا النـقد، حتّى يُصَحّحُوا هذا الخطأ، أو النـقص، بشكل منهجي، كامل، أو جذري. فهل هذا هو ما يفعله مجمل مناضلي أحزاب اليسار بالمغرب؟

عبد الرحمان النوضة.

(حُرّر في الدار البيضاء، ونُشرت صيغته الأولى على الأنترنيت، على مدوّنة الكاتب، في 11 يونيو 2012، وخضع فيما بعد لتحسينات متوالية).

–––  ❊ –––––– ❊ –––

[1]   أبرز الأحزاب الخاضعة: حزب الاستـقلال، حزب الأصالة والمعاصرة، حزب التجمّع الوطني للأحرار، حزب الحركة الشعبية، حزب التـقدم والاشتراكية، حزب العدالة والتنمية (إسلامي)، إلى آخره.

[2]   في يناير 2016، حينما ”انتخب” إلياس العماري ككاتب عام ”لحزب الأصالة والمعاصرة”، كمرشّح وحيد، وبالتصفيق، وبالإجماع، بعث الديوان الملكي رسالة إلى إلياس العماري يشهد فيها بخصاله الحميدة. وبعد استـقبال إلياس العماري من طرف الملك، صرّح إلياس للصحافة أنه تلقى من الملك «توجيهات نيّرة»!

[3]    في مجال المالية، وحسب تـقرير لِ «المجلس الأعلى للحسابات»، لخّصته جريدة “المساء” (العدد 2552، تاريخ 12.12.2014)، بلغت نفقات الأحزاب (الخاضعة، أو المخزنية) قرابة 192 مليون درهم، من مجموع الدّعم العمومي الذي استـفادت منه الأحزاب لتمويل حملاتها الانتخابية خلال سنتي 2009 و2011 م. (وهذا الدّعم المالي يُجسّد دعما حاسما للأحزاب اليمينية على حساب الأحزاب اليسارية). وقد خصّصت الأحزاب (الملكية اليمينية) من تلك الأموال 135 مليون درهم للتّدبير، و27 مليون درهم للمؤتمرات. وحصلت خمسة أحزاب فقط على 86 في المئة من الدّعم العمومي (منها قرابة 34 % “لحزب العدالة والتنمية”، و 17 % “لحزب التجمّع الوطني للأحرار”، و 16 % “لِحزب الأصالة والمعاصرة”، و 12 % “لِحزب الاتحاد الاشتراكي”). ولم ترجع ستّة أحزاب بعض مبالغ الدّعم العمومي التي لم تنفقها، أو لم تـقدّم وثائق تبرّر إنفاقها.

[4]   مثلا بصدد إعلان تأسيس ”فيديرالية اليسار الديموقراطي بالمغرب“، في الرباط، في 24 مارس 2014، فيما بين الأحزاب الثلاثة: ”حزب الطليعة“،”حزب المؤتمر“، و”حزب الاشتراكي المُوحّد“.

[5]   بعد مرور مدّة هامّة على نشر هذا النصّ، أعلنت أحزاب اليسار الثلاثة (حزب الطّليعة الديمقراطي الاشتراكي، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، والحزب الاشتراكي الموحّد) في 23 مارس آذار 2014، عن تأسيس ‘‘فدرالية اليسار المغربي‘‘. وصرّحت أن هذا الإطار يتجاوز التنسيق، ويقترب من الاتحاد، مع احتـفاظ كلّ حزب بقوانينه وأنظمته وهياكله الخاصة.

[6]   أنظر وثيقة ”ضدّ الزعيم والزعامية”، لعبد الرحمان النوضة، في كتابه: ”كيف؟ (في فنون النضال السياسي الثوري)”، وهو موجود على مدوّنة الكاتب (http://LivresChauds.Wordpress.Com).

[7]   أنظر: فصل ”الصمود، الصمود”، في كتاب: ”كيف؟ (في فنون النضال السياسي الثوري)”، صيغة 1982، للكاتب عبد الرحمان النوضة.

[8]   أنظر كتاب ”كيف نسقط الاستبداد“، لعبد الرحمان النوضة، على مدوّنته: http://LivresChauds.Wordpress.Com.

[9]   أنظر وثيقتي : 1) ”لا تخلطوا بين الثقافة والفنون”، 2) ”إما ثقافة كونية، وإما الانحطاط”، للكاتب عبد الرحمان النوضة، على مدوّنته: (http://LivresChauds.Wordpress.Com).

[10]   أنظر مثلا فَصْلَ ’’ضدّ الزعيم، وضدّ الزّعاميّة‘‘، في كتاب عبد الرحمان النوضة: ’’كيف ؟ (في فنون النضال السياسي)‘‘، على الموقع الإلكتروني: (http://LivresChauds.Wordpress.Com).

[11]   في شهر يونيو 2015، أي ثلاثة سنوات بعد نشر هذا النص على الأنترنيت، حدثت فعلاً (مثلما توقعه هذا النص في يونيو 2012) انسحابات جماعية (لقرابة 150 عضو ومسؤول) من ”الحزب الاشتراكي الموحد“. وكان المنسحبون من بين أكثر مناضلي هذا الحزب نشاطا وحيويةً. وكان سبب هذه الانسحابات هو تعذّر، أو استحالة، معالجة خلافات سياسية عميقة، وقديمة، حول الخط السياسي المطبّق، وحول مناهج العمل الحزبي.

[12]   أنظر وثيقة ”دستور المغرب لسنة 2011، هل هو ديمقراطي أم استبدادي؟”، عبد الرحمان النوضة.

[13]   في يوم الجمعة 3 يوليوز 2015، وأثناء ندوة ”ندوة صحافية لقيادة فيديرالية اليسار الديموقراطي بالمغرب”، تحت عنوان: ”سنواصل النضال بالشارع مع دعمه بالنضال من داخل المؤسّـسات”، في ”نادي أسرة التعليم” بمدينة طنجة، أعلنت قيادة هذه ”الفيديرالية” عن الشروط الثلاثة للعضوية في ”الفيديرالية”. وحضر في منصّة هذه الندوة كلّ من: نبيلة منيب الكاتبة العامة لحزب الاشتراكي الموحّد، وعبد الرحمان بنعمر الكاتب العام لحزب الطليعة، وعبد السلام العزيز الكاتب العام لحزب المؤتمر الاتحادي. أدار نـقاشها عبد الله الزايدي.

[14]   Abderrahman Nouda, Le Politique, in http://LivresChauds.Wordpress.Com

[15]   أنظر فصل: La critique, dans le livre : ‘Le politique’, de Abderrahman Nouda, p.13 à p.22, in : http://LivresChauds.Wordpress.Com/.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

5 thoughts on “كتاب : «نقد أحزاب اليسار بالمغرب». ء

  1. norhanekayane

    Non je n’ai pas utilisé de logiciel pour la traduction. Je l’ai faite entièrement seule mais j’ai eu recours parfois à google traduction pour certains mots difficiles. Et oui j’ai rencontré dans votre article arabe des mots que je ne connaissais même pas!! Parfois je ne savais pas comment traduire certains passages. C’est pourquoi j’attends impatiemment votre correction pour l’intégrer à la traduction originale.
    En vous remerciant pour les livres que vous mettez à disposition de tous sur votre blog.
    Et vous souhaitant un grand succès d’audience.
    A bientôt

    أعجبني

    رد
  2. LivresChauds.wordpress.com مؤلف التدوينة

    : ”تعليق أديب عبد السلام حول مقال ”نقد أحزاب اليسار بالمغرب
    تحية للرفيق عبد الرحمان نوضة
    في الواقع أعجبت بالمحاولة النقدية لأحزاب اليسار في المغرب التي تقدمت بها، وحاولت أن أوزعها على أوسع نطاق وانتظر ان يتفاعل المتلقين معه بالنقاش والنقد والأطروحات المضادة، فنحن نعيش مرحلة انحطاط الفكر منذ أكثر من أربعة عقود وأن الانتهازية هي سيدة الواقع الحالي وكما يمكن وصف هذه الوضعية ب”المحطة المنحطة المسدودة المنافذ” على حد تعبير فؤاد النمري. فلا أحد يحاول أن يجهد نفسه لتفسير الظرفية التاريخية التي نمر بها فبالأحرى تغييرها، كما أن المتقفين تحولوا إلى أشباه مثقفين يقتصرون على تفاصيل صغرى تبتعد عن فهم وتفسير النسق الذي تسير فيه. أما الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية بجميع مشاربها الفكرية وتوجهاتها المعلنة فأصبحت اطارات تهيمن عليها بيروقراطيات بورحوازيات صغرى تغذي الوهم لدى كوادرها ولدى الطبقة العاملة بأن مستقبل أفضل ينتظرها بالانخراط في نضالاتها الانتخابوية والبرلمانية وبأنها ستعمل على تحسين أجورها و”سير تضيم” تلك هي الصورة العامة للمشهد السياسي والنقابوي الذي تعيشه الطبقة الشعبية منذ عقد السبعينات، أي أنه مشهد مفعول به وليس فاعلا
    إن الانطلاق من هذه الصورة المتشائمة للوضع الحزبي والنقابي في بلادنا وربطه بالمرحلة التاريخية التي يعيشها العالم والمتسمة بالاحتضار الطويل لنمط الانتاج الرأسمالي والذي يقف وراء التفكك الحاصل ووراء الحروب منذ سنة 1914 تاريخ بداية هذا الاحتضار بعدما وصل أقصى ما يصله من رواج وصعود، وحيث أصبح العالم ينتقل من أزمة عنيفة نحو اشعال فتيل حرب مدمرة ليبدأ عقبها مرحلة اعادة البناء ثم أزمة فحرب فاعادة البناء وهكذا دواليك. فالانطلاق من هذا الواقع والذي يتهرب المثقفون عن رصده وتتهرب الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية عن وصفه واتخاذ مواقف سياسية واضحة بشأنه من أجل دفع الصراع الطبقي نحو نقطة التغيير الجدرية، رغم أن هذا الواقع واضح وملموس فلا يمكن ايجاد وصف أدق من نعث مواقف هذه الاحزاب والنقابات بالنفعية أو الانتفاعية ان لم نقل الانتهازية وتحريف وعي الطبقة العاملة وخدمة مصالح البرجوازية المهيمنة في ظل نظام يحتضر لن ينتج سوى الفقر والبطالة والاستغلال والقمع والتفاوت الطبقي الصارخ. فهناك شبه توافق بين مختلف هذه المكونات على تبادل الأدوار لتخدير الطبقة العاملة وتغذية استمرار نفس النظام الاستبدادي الاستغلالي القمعي
    أكتفي بطرح هذه العموميات وتحية مجددة للرفيق عبد الرحمان

    أعجبني

    رد
  3. محمد المغربي

    جيد أنك أشرت، رفيقي المحترم، أن هذا من باب العموميات، ولكن، هلا طرحت وضعية المنتظم الدولي وما فيه من توازنات؟ هلا أخذنا في عين الاعتبار، عند تحليلنا للأوضاع، مخرجات ما يروج له الآن، بأنه ربيع عربي، وأن ما نتج عنه هو سيطرة تيار سياسي ديني، لا أعتقد أنه سائر في اتجاه تغيير جذري تقدمي، بل المنتظر هو العكس تماما. دعنا أيضا من هذه الملاحظات البسيطة، ولنشمر عن أيدينا للبحث في عمق الأسباب التي جعلت خطاب وتصرفات تيار الإسلام السياسي مقنعة للجماهير، رغم عداء هذا التيار المطلق في العمق لهته الجماهير، وأعني هنا بالضبط بالجماهير من يفترض أنهم مواطنون لدولة مؤسسات، لا فقط رعايا يقسمون حسب المقاماتت (رعاع، خاصة، خاصة الخاصة، أصحاب الحل والعقد، جواري، غلمان…إلح). هناك شيء ما لم ينتبه له اليسار في تحليلاته، أو لم يعثر عليه رغم غنى وعمق بعض ،التحليلات التي عجت بها الساحة العربية عموما والساحة المغربية على وجه الخصوص، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. أحيل هنا رفاقي إلى الملاحظة البالغة الأهمية التي لاحظها أستاذنا المحترم عبد الله العروي في باكورة إنتاجه الفكري منذ الستينيات، عندما أشار إلى أن ما حدث في الاتحاد السفياتي عند نشأته كان ماركسية موضوعية تطلبتها ضرورات القفز بخطى عظمى نحوالتطور التكنولوجي/العلمي والاجتماعي لمجتمع إقطاعي، وأنها ستنتهي بانتهاء مسبباتها وهذا ما حدث بالضبط حين أرسل هذا الاتحاد أول إنسان إلى الفضاء مؤشرا على التطور الهائل الذي حدث في أقل من 40 سنة حينذاك. وبالفعل انهار الاتحاد بتلاشي مسبباته أي ضرورة اللحاق بالغرب عن طريق ما سمي حينها بدكتاتورية البروليتاريا التي كانت في الواقع دكتاتورية نخبة متنورة فهمت بدقة وضعية بلدها ووسائل تطويرها. هناك تجربة أخرى ومسار آخر ذهبت فيه الصين، ونجحت فيه لحد الآن (دولة واحدة/نظامين). الآن وجب علينا التعاطي مع التجارب ومع ثقافتنا بمناهج أخرى لأننا نعرف تماما أن الديمقراطية في بلداننا تؤدي لسيطرة الإسلام السياسي. هذه ملاحظتي وعلى هذا أشتغل وأدعو الإخوة والرفاق للنقاش في وجهة النظر هته وإغنائها من خلال مدونة رفيقنا السي عبد الرحمان التي يبدو أنها لم تكتشف بعد.ء

    أعجبني

    رد
    1. LivresChauds.wordpress.com مؤلف التدوينة

      من عبد الرحمان النوضة :
      شكرا لك يا محمد المغربي على تعليقك القيم. واسمح لي أن أختلف معك حول بعض النقط. يظهر أنك تشك في ”الربيع العربي”، وتعتقد أنه ”لا يسير في اتجاه تغيير جذري تقدمي، بل المنتظر هو العكس تماما”. ما هي الخلاصة إذن ؟ هل نوقف ”الربيع العربي” ؟ هل نوقف ”حركة 20 فبراير” ؟ هل نُحاربهما بدعوى أن النتيجة ستكون حتما سلبية ؟ أستطيع أن أجزم أن الأوضاع الجديدة في تونس، ومصر، واليمن، وليبيا، هي أحسن بكثير من الأوضاع السابقة لهذه الثورات. ليس لأنها مثالية، أو مُرضية على جميع المُستويات، ولكن لأنها تفتح إمكانيات جديدة وإيجابية لتغيير الأنظمة السياسية في هذه المجتمعات. من الأكيد أن هذه التغييرات الحالية خلقت مشاكل جديدة وصعبة، لكن هذه المشاكل الجديدة هي أحسن من الاستبداد والركود السابق. المهم ليس هو النتيجة الأولية للتغيير الحاصل، ولكن المهم هو انطلاق الحركة، هو الخروج من الركود، هو خلق ديناميكية من نوع جديد، أو دخول مستوى نوعي أعلى من السابق. ولو أن هذا التغيير سيخلق لنا مشاكل من نوع جديد. من الأكيد أن التيارات الإسلامية، في المرحلة الحالية، هي المستفيد الأكبر من هذه الحركة. لكن هذا الوضع لا يمكن أن يدوم طويلا. سوف يتعلم الشعب بسرعة، خلال 5 أو 10 أو 15 سنة المقبلة أن ”الأحزاب الإسلامية” ليست مُؤهّلة لتحقيق الديمقراطية أو التنمية الاقتصادية. وهذا ليس زمان طويل في حياة الشعوب. استفادة ”الاحزاب الاسلامية” أو سيطرتها على الساحة السياسية هي ظاهرة مؤقتة، عابرة، لأنها مشحونة بتناقضات من نوع جديد. الأمور هي كلها نسبية، وتاريخية، ومؤقتة. المهم هو الحركة المُتواصلة نحو التقدم، عبر النقد، والنضال، وبدون تردد.ء

      أعجبني

      رد

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s