لاَ تَخْلِطُوا بين الثّـقافة والفنون ! (عبد الرحمان النوضة).ء

لتنزيل وثيقة :

 لاَ تَـخْـلِـطُوا بين الثّـقـافـة والفُـنون !

لِتحميل هذه الوثيقة، إضغط على الرّابط التالي : ء

وثيقة ‘لا تخلطوا بين الثقافة والفنون !’ (عبد الرحمان النوضة)(صيغة 5).ء.pdf

Image.livres.produits.Europ.Statis.5

لا تخلطوا بين الثقافة والفنون ! ء

يلجأ العديد من الفاعلين السياسيين بالمغرب، خاصة الدولة، وكذلك مؤسسات تعمل في تناغم معها، إلى الخلط بين الثقافة والفنون. والمتضرّر الأكبر من هذه السياسة هي الثقافة والمثقّـفين أولاً، ثمّ الشعب ثانيا. وتوفّر لنا التحرّكات الأخيرة لِ جمعية جذور مناسبة لتحليل هذه المسألة. ء

فقد ظهرت حديثا بالمغرب جمعية تسمّي نفسها «جمعية جذور للثقافة والتنمية بالمغرب وإفريقيا» (Racines, association marocaine pour la culture et le développement au Maroc et en Afrique). وتقوم حاليا بعدة لقاءات. وتدّعي أشياء كثيرة. وتتصرّف هذه الجمعية وكأنها هي الممثّل الشرعي الوحيد للمثقفين بالمغرب !  ءوتتكلم كأنها حصلت على تفويض من طرف جمهور المثقفين بالمغرب ! وتزعم أنها تقوم ب «تشخيص و جرد وضعية الفنون والثقافة بالمغرب». وتقول جمعية جذورأنها تهدف إلى إصدار «توصيات»، وتريد توجيهها إلى الدولة، لكي تصبح هذه «التوصيات» هي «المخطّط الذي يوجّه سياسة الدولة في مجال الثقافة»هكذا، دفعةً واحدة ! كأن الأمر يتعلّق باستفتاء مزعوم للمثقفين بالمغرب حول السياسة الثقافية التي ينبغي أن تنهجها الدولة ! وتصوّر لنا «جمعية جذور» الدولة في المغرب كأنها ظلّت خلال عشرات السّنين تحبّ المثقفين، وتخدم الثقافة، ولا يخصّها سوى تلقّي «توصيات» صادرة عن المثقفين لكي تطبّـقها بترحاب، وصدق، وأمانة ! وهذا زور. والغريب في الأمر هو أن معظم المثقّفين الحقيقيين في المغرب ظلّوا مهمّـشين في هذه العملية التي تقوم بها «جمعية جذور».  بل يجهلون حتى وجودها. وتقول هذه الجمعية أنها ستـتوّج « لقاءاتها الجهوية بلقاء وطني» مقبل سيعقد خلال يوم الأربعاء المقبل 12 نونبر 2014، في المكتبة الوطنية بالرباط. وتسمّي هذا اللقاء «مناظرة وطنية حول الثقافة» («Les États Généraux de la Culture au Maroc»). هكذا، دفعةً واحدة ! وتستعمل عادةً جمعية جذور مصطلحات مُضخّمة، لكن هذه المصطلحات تبقى مفرغة من مضمونها الحقيقي. لذا غدى من الضروري توضيح عدة أمور سياسية وفكرية أساسية : ء

  1. يظهر أنه، وراء «جمعية جذور»، توجد جهات ذات نفوذ قوي، ومال، ومصالح خاصة.  فليس غريبا أن تكون جمعية جذورقد عقدت لقاءاتها على الخصوص في مدن سياحية (هي أكادير، والرباط، والحاجب)، وفي فنادق فخمة، وفي غيّاب المثقّفين الحقيقيين بالمغرب، المشهود لهم بإنتاجاتهم الثقافية. وتتحرّك جمعية جذورفي تنسيق مع وزارة الثقافة، ومع جهات أخرى نافذة، بعضها ظاهر، وبعضها الآخر خفيّ، لأنه يرتبط بفاعلين في هرم السلطة السياسية. وتقول جمعية جذور أنها تعمل في إطار «شراكة» (partenariat) مع شبكة واسعة وغريبة من المؤسّـسات المتنوّعة، وأبرزها ما يلي (وأجد نفسي مجبرا على عرضها بالفرنسية كما هي أصلاً) :

«Arterial Network (réseau culturel panafricain), le Ministère de la Culture, la Bibliothèque Nationale du Royaume du Maroc, la Fondation Doen, le Ministère norvégien des Affaires Etrangères, la Fondation Attijari Wafabank, la Fondation Banque Populaire, la BMCE Bank, l’Organisation Internationale de la Francophonie, la Fondation Ford, l’Institut Français au Maroc, Connexxions, la Royal Air Maroc, l’Office National Marocain du Tourisme, le British Council, l’Institut Goethe du Maroc, la Marocaine des Jeux et des Sports, Eunic Rabat, Africalia, l’Institut des Hautes Etudes de Management HEM, l’Institut Supérieur de l’Information et de la Communication ISIC, Cooper Pharma, Ain Soltane et Ebertec, la 4ème Conférence sur l’Economie Créative en Afrique, Mimeta (Centre for culture and development), l’Ambassade de Norvège au Maroc, la Fondation Heinrich Böll, le British Council, la Fondation René Seydoux, EUNIC Rabat, l’Ambassade de France, le Centre des Etudes Sociales Economiques et Managériales CESEM».

  1. ما هو هدف جمعية جذور؟ تجيب جمعية جذورفي بيانها (مثلا المتعلق بندوتها الصحفية المؤرّخة ب 4 نونبر 2014) أن : «الهدف من هاته الدراسات هو تبني وتطبيق خطّة عمل وطنية للثقافة، إعتمادا على المقترحات المستوحاة من جرد القطاع، و توصيات المهنيين، و الحرفيين، والجمهور، والمسؤولين المؤسساتيين» ! وكعادتها، تكاد كل عبارة في وثائق أو خطابات هذه الجمعيةأن تكون مجرّد إدّعاء، أو تلاعب، أو مغالطة، أو تحايل، أو كذب. وتزعم هذه الجمعيةأنها تريد أن تقدّم للسّلطة السياسية في البلاد «توصيات» تتضمّن «خطة عمل وطنية للثقافة». والاحتمال الأكبر، هو أن هذه «التوصيات» هي في الواقع من وحي السلطة السياسية القائمة في البلاد. والتلاعب الممكن، أو المغالطة، يتجلّيان في كون السلطة السياسية هي التي كلّفت جمعية جذوربأن تُقدّم رسميا، إلى هذه السلطة السياسية، هذه «التوصيات»، كأنها نابعة، وبشكل ديمقراطي، من القاعدة العريضة لجمهور المثقفين، والمهنيّين في مجالات الفنون. والغرض هو بالضبط إضفاء الشرعية على «السياسة الثقافية» التي تنهجها الدولة. والتي هي في جوهرها «سياسة ثقافية» محافظة، رجعية، رديئة، ومتخلّفة، ومعادية للثقافة التنويرية أو النّـقدية، ومناهِضة للمثـقّفين المستقلّين أو الحقيقيين. وميزة هذه «السياسة الثقافية» التي تريد جمعية جذورشرعنتها، هي أنها تتماشى، أو تتلاءم مع، الفساد والاستبداد السّائدين في البلاد. وخاصيتها هي أنها ترفض ما يساعد على نـشر الحسّ النقدي في جماهير الشعب. ء

  2. تزعم جمعية جذورفي كل مناسبة أن «توصياتها» هي الوحيدة الشرعية، لأنها «مستوحاة من جرد القطاع، ومن توصيات المهنيين، والحرفيين، والجمهور»! وتدّعي جمعية جذورأنها عملت خلال سنتين (!؟)، وتقول أنها اجتمعت مع، واستمعت إلى، كل المعنيين بالثقافة في المغرب، من مثقفين، ومفكرين، وفلاسفة، وأدباء، وكتّاب، وأساتذة جامعيين، وعلماء (في العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية)، وباحثين، وأكاديميين، وفنانين، ومبدعين، ومهنيين، وفاعلين ثقافيين، وجمعيات ثقافية وفنية، ومنظمات مهنية، وأصحاب المشاريع الثقافية، والطلاب، ومؤسسات، والجمهور(!؟). والسؤال الملحّ هو: هل قامت حقيقةً «جمعية جذور» بِ «جرد للقطاع» يتّصف بالمهنية والدّقة والصّدق ؟ هل شارك حقّا المثقفون بالمغرب في التّحرّكات المزعومة لهذه الجمعية ؟ وهل اجتمعت حقيقة جمعية جذورمع، واستمعت إلى، كلّ أو معظم، هؤلاء المعنيين بالثقافة في المغرب ؟ الجواب السّاطع هو لاَ ! والدليل على ذلك هو الآتي : أ) أننا لاَ نجد ولو مثقفا واحدا من بين كبار المثقفين المعروفين بالمغرب داخل هذه «الجمعية»، ولا حتى حاضرًا في أحد اجتمعاتها. ب) أن تلك الاجتماعات التي نظمتها جمعية جذور(في الرباط، وأكادير، والحاجب)، بقيت قليلة جدا، ومجهولة، ولم يحضرها إلاّ عدد قليل جدّا من الأفراد (ما بين 20 و80 شخصا). ت) لم تكن لتكل «الاجتماعات الجهوية أو القطاعية» المزعومة، لاَ وثائق مكتوبة، ولا ميثاق، ولا أرضيات، ولا قانون داخلي، ولا شروط للحصول على العضوية، ولا آلية محدّدة للحوار، ولا قواعد للتصويت أو لحسم الخلافات، ولا منهجية، ولا مقاييس، ولا محاضر رسمية، ولا خُلاصات أو مُقرّرات مُصوّت عليها، ولا بيانات مُوقّع عليها بتوقيعات شخصية. وإنما كانت تعمل «جمعية جذور» بشكل عشوائي، أو ارتجالي، أو في فوضى عقيمة. ث) لم تكن التدخّلات أثناء تلك «الاجتماعات» تدّون بشكل دقيق، لكي يمكن فحصها فيما بعد. ج) لم تكن الخلافات في الآراء تُعالج بمنهجية علمية، أو ديموقراطية. ح) نسبة هامة من الأفراد الذين حضروا تلك «الاجتماعات» لا ينتمون إلى الثقافة الرّزينة أو المكتوبة، وليسوا بالضرورة مثقفين، ولا منتجين للثقافة، وإنما هم مقاولون، أو رجال أعمال، أو موظفون، أو مهنيّون يشتغلون في تجارة أو ترويج منتوجات فنية (مثل الموسيقى، أو السينما، أو الرقص، أو المسرح، أو الصّورة، أو السمعي البصري، أو الصباغة، وما شاهها). وجزء هام من هؤلاء الأشخاص الحاضرين، جاءوا إلى هذه الاجتماعات فقط لأنهم سمعوا بأن«جمعية جذور» ستطلب من الدولة تقديم «مساعدات مالية»، إلى المهنيين العاملين في ميادين ترويج المنتوجات الفنية، وأن الدولة سوف تمنح فيما بعد هذا «الدعم المالي» إلى المهنيين المساندين لهذه الجمعية ! ء

  3. ويمكن لمن سيحضر لقاء «المناظرة الوطنية» المزعومة، التي ستعقدها «جمعية جذور» خلال يوم 12 نونبر المقبل، أن يجد نفسه وسط جمهور غريب، وغير متجانس، حيث تقول «جمعية جذور» هي نفسها : «ستجمع المناظرة الوطنية للثقافة المهنيين المغاربة، وحرفيي القطاع الثقافي، والمؤسـسات (وزارات : الثقافة، والسياحة، والشباب والرياضة، والصناعة التقليدية، والمالية، والتربية الوطنية، والتكوين المهني، والتعليم العالي…)، والجماعات المحلية، والفنانين، والفاعلين الثقافيين، والمقاولين العاملين في الثقافة، والمجتمع المدني، وأصحاب المشاريع الثقافية، والجمهور، و كذا وسائل الإعلام»! وخلال هذه «المناظرة الوطنية» المقبلة، ستعرض «جمعية جذور» على الحاضرين «توصيّات» جاهزة، مُعدّة سلفًا، وغير قابلة للنّقاش أو التّعديل، وذلك بدعوى أن «اجتماعات جهوية» مزعومة هي التي حضّرتها، ثم ستطلب «جمعية جذور» من الحاضرين أن يُصادقوا عليها بالتّصفيق الجماعي ! ثم سيختم الاجتماع بحفلة شاي ومشروبات وحلويات ! وفيما بعد، ستزعم «جمعية جذور» أن «توصياتها» هي شرعية، وديمقراطية، وحرفية، مئة في المئة ! (!؟). ء

  4. يظهر أن «جمعية جذور» تخلط بشكل مُتعمّد بين «الثقافة» و«الفنون» (تمامًا مثلما تفعل الدولة بالمغرب). بينما كل لغات العالم تميّز بين «الثقافة» و«الفنون»، وتميّز بين «المثقّف» و«الفنّان». وكل شيء تُشمّ فيه رائحة «الفنون»، تعتبره تلقائيًّا «جمعية جذور» شيئا «ثقافيا»! بينما في الواقع، كل فنّان، أو مغنّي، أو موسيقار، أو راقص، أو ممثّـل، أو رسّام، مهما كان بارعا، أو محبوبا، أو محترما، فإنه ليس بالضرورة مثقّـفا، ولا منتجا للثقافة. فمثلا الرّسامة المغربية المسمّاة ب «الشعيبية» هي فنانة عبقرية، ومحترمة، ومحبوبة، ومقتدرة، لكنها ليست مثقّفة. وهي منتجة للفن التشكيلي، لكنها ليست منتجة للثقافة. ومفكّرون أمثال عبد الله العروي، أو عابد الجابري، أو عزيز بلال، أو عبد الكبير الخطيبي، أو بول باسكون، ومن شابههم، هم مثقفون، ومنتجون للثقافة، ولو أنه لا يُعرف عنهم أنهم يملكون أية مهارة فنية. وحتّى إذا اعتبرنا أن «الفنون» توجد بجوار «الثقافة»، أو على هامشها، فإنها لا تُعتبر «ثقافة» خالصة. بينما يظهر من خلال أدبيات جمعية جذورأنها تضع تطابقا بين «الثقافة» و«الفنون» (تمامًا مثلما تفعل الدولة بالمغرب). وتخلط بين المثقفين المنتجين للثقافة من جهة، ومن جهة أخرى المهنيّين الذين يتّجرون في المنتوجات الفنية أو الثقافية. كما تضع جمعية جذورفي نفس السّلة المثقفين المنتجين للثقافة، وكذلك الفنّانين (في الموسيقى، والغناء، والرقص، والرّسم، والتمثيل، أو التّصميم، أو الطبخ، أو السمعي البصري، إلى آخره)، وكذلك المقاولين، ورجال الأعمال، والمهنيين، الذين يتّجرون في المنتوجات الفنية أو الثقافية. وتضيف إليهم جمعية جذورالجمعويين، والموظفين، والإداريين، والتنظيمات النقابية، أو المهنية، العاملة في، أو المرتبطة ب، مجالات تجارة المنتوجات الفنية أو الثقافية. وتضيف إليهم أيضا بعض النّشطين في مجالات السياحة، أو الصناعة التقليدية، أو المهرجانات الموسيقية، إلى آخره. وذلك كله بدعوى ترابط الثقافة بالفنون. فنحصل هكذا على خليط غير متجانس. ء

  5. هذا الخلط بين «الثقافة» و«الفنون» لدى «جمعية جذور»، يُذكّرنا بالسياسة الثقافية التي مارسها الملك المستبد الحسن الثاني، أو وزيراه القويين : عبد الحفيظ العلوي، وادريس البصري، بين سنوات 1970 و 1990. حيث كانوا يريدون تمييع الثقافة، فكانوا يخلطون بين الثقافة والفنون، وكانوا يختزلون الثقافة في بعض الفنون، مثل الفُروسية (التبُوريدة)، والفولكلور، والتقاليد العتيقة، ومهرجانات الموسيقى، والغنى، والرّقص، والمعارض، والاحتفالات، والولائم، وكرة القدم، والشبيبة والرياضة، والصناعة التقليدية، والسياحة، والأسواق الأسبوعية، والمَوَاسِم، والطّبخ، وأضرحة الأولياء الصّالحين، والزوايا، وما شابهها. وكانت نتيجة سياسة هذا الخلط (بين الثقافة والفنون) هي إبعاد الشعب عن الثقافة الحقيقية التنويرية، ثم إغراقه في الجهل والانحطاط، وذلك لتسهيل التلاعب بعقول المواطنين. ولا زلنا إلى حدّ الآن بالمغرب نحصد النتائج الكارثية لهذه السياسة. حيث نلاحظ تتابع أجيال شبه أمّية، أو شبه جاهلة، حتى في أوساط نسبة هامّة من الممدرسين، أو من المتخرّجين من الجامعات. وقد برز أيضا هذا الخلط بين الثقافة والفنون في سنة 2007، في التجربة الفاشلة التي تمّ فيها تعيين الممثّلة المحترمة في المسرح ثريا جبران كوزيرة للثقافة. (والمشكل هنا يكمن في سياسة التعيين، وليس في الشخص المُعيّن). وكانت الفكرة الكامنة خلف هذا التّعيين هي بالضبط الاعتقاد بأن كل فنان مُقتدر، هو آليا وبالضّرورة مثقف مُحنّـك. ء

  6. وفي الواقع، فإن مشاكل أو احتياجات المثقّـفين، المنتجين للثقافة، تختلف جذريا عن مشاكل، أو احتياجات الفنانين، والمهنيين، المشتغلين في مجال الإتّجار بالمنتوجات الفنية. والتمييز بينهما ضرورة منهجية. ء

  7. لنتساءل الآن : ما هي الثقافة ؟ الثقافة هي على الخصوص تحصيل، واستيعاب، وتطوير، أكبر قدر ممكن من التراث الفكري، أو المعرفي، المكتوب، الذي أنتجته مجمل البشرية على مرّ التاريخ، (سواء في بلادنا، أم في مجمل بقاع العالم). والمكوّن الأساسي للثقافة، بل نواتها الصلبة، هي الثقافة المكتوبة. وأهم مواد الثقافة هي : الفلسفة، والأدب، والتاريخ، والقانون، والعلوم الدّقيقة، والعلوم الإنسانية، وما شابهها. وكل ثقافة تنعدم فيها هذه المواد الأساسية يمكن أن تصبح عبثا، أو تفاهة عقيمة، ولا تؤدي سوى إلى استلاب الإنسان. ولبّ الثقافة هو الفكر العقلاني النقدي. وبدون هذا الفكر العقلاني النّقدي، تتحوّل الثقافة إلى انحراف، أو هذيان، أو استلاب. وكلمّا ضعف الفكر النّقدي، فإن الجهل يطغى بسرعة على كل شيء. والثقافة هي بطبيعتها متعدّدة، ومتنوّعة، ومنفتحة، ومتناقضة، ومتطوّرة. وإذا لم تكن الثقافة كذلك، فإنها تفقد صفة الثقافة. والوسيلة الرئيسية لتمرير الثقافة من الأجيال القديمة إلى الأجيال الحديثة، ليست هي الموسيقى أو الرقص أو الغنى أو السينما أو ما شابهها من فنون، وإنما هي خُصوصًا المدرسة، والجامعة، والكتب، والمكتبات العمومية. ء

  8. لنتساءل الآن : ما هي الفنون ؟ الفنون هي مجمل الأنشطة، الفردية أو الجماعية، (سواءً كانت فكرية، أو يدوية، أو تقنية، أو آلية، أو غيرها)، التي تُنتج فُرجة، أو مشهدًا، أو عرضًا، أو تُحفة، أو أي منتوج آخر (سواءً كان هذا المنتوج قارًّا أم عابرًا)؛ ويتميّز (هذا المنتوج الفني) بكونه يحمل قِيَـمًا، أو يُجسّد جماليةً، أو تراثًا، أو يُحدث مُتعةً داخل نفس مُتلقّيه؛ ويكون هذا المنتوج الفني مطلوبًا، أو مرغوبًا فيه، بسبب ما يثيره من متعة، أو جماليّة، أو معانيّ، أو أحاسيس. وعليه، فالفرق الجوهري بين الثقافة والفنون، هو أن الثقافة هي تحصيل أفكار أو معارف أو معطيات، من خلال دراسة التراث المكتوب، بينما الفنون هي الاستمتاع بإبداع، أو مشهد، أو فرجة، أو أحاسيس مُثارة. ورغم أن الثقافة والفنون يحملان معًا مشاعر إنسانية، ورغم أنهما يتأثّران بشكل مُتبادل، فإنه لا يحقّ الخلط بينهما. أما الأشخاص الذين يقتصر دورهم على الاستثمار المهني في التّـرويج التّجاري لمنتوجات فنّية أو ثقافية، بهدف جني الرّبح، فهم تُجّار مثل غيرهم، ومن الخطأ الفادح أن نعتبرهم مثقّـفين. فمثلا النّاشر، أو الموزّع، أو المكتبي، اللذين يتّجرون في ترويج الكتب، هم تجّار، وليسوا بالضرورة مثقّفين، ولا منتجين للثقافة. لأن منتج الثقافة هو الكاتب، وليس ناشر الكتاب، أو موزّعه، أو بائعه. وإذا اعتبرنا مثلا فيلما سينمائيا، فإننا سنجد فيه بالتّأكيد تعاون عدة حرف، وتلاقح عدة مهن فنّية، كما سنجد فيه بوادر ثقافية (مثل القصّة، الحوار، المعاملات، القيم، المشاعر، إلى آخره). ورغم ذلك يبقى الفيلم مجرد فيلم، ولا يتتحوّل إلى ثقافة. والدّليل على ذلك هو هذه التجربة (التي يمكن أن يُجرّبها كلّ من يشكّ فيها) : إذا عزلنا مثلا طفلا أو شابّا عن تأثير الثقافة الحقيقية، وإذا أخضعنا هذا الشاب لمشاهدة سلسلة متواصلة من الأفلام، خلال سنوات مُتَتاليات، فهذه المشاهدة المكثّفة للأفلام لن تحوّل هذا الشابّ إلى مثقّف. بل سيبقى شبه أمّي، أو شبه جاهل. ء

  9. كان على «جمعية جذور»، إن كانت تريد حقيقةً خدمة الثقافية، أن تطرح على الأقل على نفسها الأسئلة التالية، وأن تجيب عليها بصرحة كاملة : ما هي الثقافة ؟ من هم المثقفون ؟ كيف تطوّرت تاريخيا الثقافة بالمغرب ؟ من كان يقمع الثقافة والمثقّـفين ؟ من كان يمنع الجرائد، والمجلات، والكتب ؟ من كان يهدد المطابع ؟ من كان في الحدود يمنع الكتب والمنشورات من دخول المغرب ؟ من كان يضايق المثقّـفين، أو يحاصرهم، أو يمنعهم من الوصول إلى وسائل الإعلام العمومية ؟ ألم تكن الدولة هي أكبر عدوّ للثقافة وللمثقفين ؟ ألم تكن الأموال التي تدّعي الدولة إنفاقها على الثقافة موجهة فقط لصنف مُحافظ أو ردئ من «الثقافة» ؟ لماذا ينتهي كل مثقف تدعّمه الدولة إلى التّبعية، ثمّ التدجين، ثم العُُقم ؟ هل يُعقل في مجتمع متخلّف مثل مجتمعنا أن يكون المثقف محايدًا، أو مُحافظًا، أو بدون نقد ؟ هل يعقل، في إطار الفساد والاستبداد، أن تكون الثقافة غير مقاومة ؟ ما هي الثقافة القادرة على خدمة التنمية ؟ كيف يمكن تنمية الثقافة بالمغرب ؟ وهل الثقافة التي تكون خاضعة للنظام السياسي القائم تستطيع خدمة التنمية أو التقدّم ؟ وهل يمكن لمثقّف غير مستقل عن السلطة السياسية أن يكون مثقّفا موضوعيا أو ناقدا ؟ من يلزم أن يكون المستفيد الأول من الثقافة، هل النظام السياسي أم الشعب ؟ لماذا تصرّ دائما الدولة على إحكام سيطرتها المطلقة على التعليم، وعلى مجمل وسائل الاعلام ؟ لماذا تميل دائما الدولة بالمغرب إلى محاولة إلهاء الشعب وإبعاده عن الثقافة الحقيقية التنويرية ؟ هل يمكن حقيقة للنظام السياسي القائم بالمغرب أن ينمّي الثقافة التنويرية ؟ لماذا يصرّ النظام السياسي القائم بالمغرب على بناء مسجد في كل حيّ صغير، ويرفض أن يشيّد ولو مكتبة عمومية واحدة وجيّدة في كل مدينة (مثلما تفعل معظم دول أوروبا الغربية وأمريكا وآسيا) ؟ وهل الفساد والاستبداد موجود فقط في الحكّام السياسيين، وفي مراكز السلطة، أم أنه موجود أيضا في المهنيين الذين يتّجرون في ترويج المنتوجات الفنية والثقافية ؟ وهل يوجد الاستغلال المفرط أو اللاشرعي فقط في بعض المصانع أو المقاولات ؟ ألا يوجد أيضا هذا الاستغلال في المهن التي تُروّج المنتوجات الفنّية أو الثقافية ؟ ألا يتعرّض المنتجون الحقيقيون للثقافة إلى الاستغلال، والإهانة، والضياع ؟

  10. بعد ظاهرة ما سُمّي ب «الربيع الديمقراطي» الذي اندلع في بعض البلدان العربية أو المسلمة (منذ 2011 م)، إتّضح أن خصوم الثقافة التنويرية لا ينحصرون فقط في الدولة المحافظة، أو الفاسدة، أو المستبدة، ولكنه يكمن أيضا في الحركات والجماعات الإسلامية الأصولية أو المتعصّبة. لأن هذه الحركات الاسلامية تميل دائما إلى اعتبار كل ما يختلف عن «الشريعة الاسلامية»، أو عن «التقاليد الاسلامية»، بأنه ابتعاد عن الدّين، أو بِدعة، أو زندقة، أو كفرًا. وتتعامل معه كعدوّ للاسلام. ولا تجد هذه الحركات الاسلامية الأصولية الراحة إلاّ في إطار الإنغلاق على الذات، وفي جهل شامل ومقدّس. وتاريخ المغرب (سواء قبل أم بعد استقلال المغرب في سنة 1956) يشهد على ما عاناه المثقّـفون من مضايقات، وقمع، واضطهاد، على يد الدولة المستبدة، وكذلك على يد بعض الجماعات الإسلامية الأصولية المتعصّبة. وبعض المثقفين (أمثال المهدي بن بركة، وعمر بن جلون) اغتيلوا بالضبط لأنهم كانوا يهدفون، من بين ما كانوا يهدفون إليه، إلى تثقـيف الشعب وتنويره. وأمثالهم هم كثيرون في مصر، ولبنان، والسودان، وسوريا، والعراق، إلى آخرهفهل يمكن حقّا تنمية الثقاففة بدون نقد الدولة المحافظة، وبدون نقد الحركات الاسلامية الأصولية أو المتعصّبة ؟

  11. إذا كانت «جمعية جذور» تحبّ حقيقة الثقافة، وإذا أرادت «جمعية جذور» أن تبرهن لنا على حبّها هذا، عليها أن تناضل من أجل أكبر وأهم مطلب ثقافي حاليا بالمغرب، وهو المطالبة العاجلة برفع هيمنة الدولة على وسائل الإعلام العمومية (وأبرزها الإذاعات والتلفزات)، لكي تصبح مؤسّـسات مستقلة تماما عن السلطة السياسية، سياسيا وإداريا. لأن هذا المطلب هو القادر اليوم على المساهمة الفعالة في تنمية الثقافة بالمغرب. وبدون تحقيق هذا المطلب، يبقى من شبه المستحيل تنمية الثقافة التنويرية. ويلزم أيضا رفع جميع القيود القانونية الحالية على إنشاء الجرائد، والإذاعات، والقنوات التلفزيونية، والمواقع الإلكترونية، من طرف الخواص، لكي يصبح إنشاءها لا يحتاج إلى أي ترخيص إداري. وبدون استقلالية وسائل الإعلام عن الدولة، أو عن السلطة السياسية، سواء كانت هذه الوسائل عمومية أم خصوصية، فإن الدولة ستستمر في احتكار هذه الوسائل، وفي استعمالها كأدوات للدّعاية السياسية (propagande)، وللتّلاعب بعقول المواطنين، وتدجينهم، وتجهيلهم، وتبليدهم. ء

  12. تُذكّرنا «جمعية جذور» بجمعيات الجبال والوديان والأقاليم التي أُسّست في عهد الملك المستبد الحسن الثاني، وزيره في الداخلية ادريس البصري. وعلى خلاف الهدف المُعلن لِ «جمعية جذور»، أخشى أن تكون غايتها الخفيّة هي مساعدة السلطة السياسية على الهيمنة على الأنشطة الثقافة، أو استغلالها، أو تقييدها، أو تدجينها، أو مسخها، أو قتـلها، وليس تنميّـتها. خاصّة وأن الثقافة الحقيقية، النّقدية، أو العقلانية، أو النبيلة، لا تتلاءم مع الفساد والاستبداد، ولا ترضخ للتّجارة المُستلبة بمراكمة الرّبح. ء

  13. وإذا كان الهدف الرئيسي لِ «جمعية جذور» هو مطالبة الدولة بأن تقدّم سلسلة من المساعدات المالية إلى لُوبيّات (lobbies) من المهنيين المشتغلين في ميادين الإتّجار في منتوجات فنية، في إطار نوع من الزبونية السياسية، فإن عمل «جمعية جذور» سيكون في غير محلّه، أو غير نزيه، أو غير شريف. زيادة على ذلك، وفي إطار نظام اقتصادي بالمغرب يدّعي أنه ليبيرالي، أو رأسمالي، فإنه من غير المشروع، ومن غير العادل، أن تُعطي الدولة دعما ماليا إلى المهنيين العاملين في مجال الاتّجار بمنتوجات فنّية أو ثقافية. لأن مثل هذا الدعم المادي يعزّز اقتصاد الرّيع، ويستنزف الكادحين، ودافعي الضرائب من بين أفراد الشعب. وعلى كل جمعية أو نقابة مهنية تطلب مساعدات مادية من الدولة أن تتذكّر أن هذه المساعدات، لا تسقط من السماء، وإنما تأخذها الدولة بالضّرورة من مأجورين ضعاف على شكل ضرائب مباشرة أو غير مباشرة. ء

وفي الختام، لنتساءل : من يحقّ له أن يتكلّم باسم المثقّـفين في المغرب ؟ الجواب هو : لا أحد ! وكلّ من يزعم عكس ذلك، هو إما مخطئ، أومنتحل لِصِفَة بشكل غير قانوني. قَلاَ يحقّ لِ جمعية جذورأن تتكلّم لا باسم المثقفين، ولا باسم الفنانين، ولا باسم المهنيين الذين يروجون منتوجات فنية. ومن الخاطئ أن نصوّر الدولة بالمغرب كصديق، أو كمناصر للثقافة. بل الحقيقة هي أن الدولة ظلت، منذ عشرات السنين، تقمع المثقفين الناقدين، وتضايقهم، أو تهمشهم، أو تحتقرهم. وتحرمهم من الوصول إلى وسائل الاعلام العمومية. وكانت الدولة ولا زالت، هي أكبر خصم للثقافة، وللمثقّـفين، ولإنتاجاتهم الفكرية. ء

عبد الرحمان النوضة

(وحرّر بالدار البيضاء، في يوم الثلتاء 4 نونبر 2014).


! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s