وثيقة «أيّة علاقة بين الدّين والقانون»؟ (أو نقد القانون الجنائي).ء

 أيّـة علاقـة بين الدّيـن والقـانون ؟ 

«أيّة علاقة بين الدّين والدولة»؟ (أو نقد القانون الجنائي بالمغرب)، للكاتب عبد الرحمان النوضة (الصّيغة 8). ء

image.justice.symbol

يمكن تنزيل هذه الوثيقة من هنا (أُوصِي بتنزيل الصّيغة الحديثة رقم 8 على شكل «بِي دِي إِفْ»، لأنه يحافظ على الشّكل الأصلي للنّص):

Captur.très.courte.flèche.rouge وثيقة ‘أية علاقة بين الدّين والقانون؟ (أو نقد القانون الجنائي)’ (عبد الرحمان النوضة) (صيغة 8).ء.pdf

كما يمكن قراءة الوثيقة هنا دون تنزيلها: 

 أيّة علاقة بين الدّين والقانون ؟ 

 (أو نقد القانون الجنائي بالمغرب)(صيغة4).

عبد الرحمان النوضة

فهرس المقال:

1) بأيّة فلسفة جنائية نكتب القانون الجنائي؟

2) بأي منهج نُقيّم مشروع القانون الجنائي؟

3) أَلاَ تتعارض عقوبة الإعدام مع حقوق الانسان؟

4) هل يجوز للقانون الجنائي أن يفرض تديّنًا معيّنا ؟

5) هل يُعقل تجريم «الإساءة إلى الله أو الأنبياء»؟

6) هل يُعقل تجريم «زعزعة عقيدة مسلم»؟

7) هل يجوز تجريم العلاقات الجنسية المُتراضية؟

8) هل ينصف القانون الجنائي حقوق المرأة؟

9) هل يجوز تجريم الرغبة في تغيير النظام السياسي؟

10) هل خطورة الجيش تبيح الغلوّ في تجريم كل من يتكلّم عنه؟

11) لماذا الغلوّ في المنع المؤقّت أو النهائي للنّشاط المهني؟

12) هل القانون الجنائي محايد أم متحيّز ؟

13) هل يجوز نقد أداء القُضاة؟

14) ملاحظات جزئية أو معزولة

15) خــلاصـات جـزئـيـة

    في بداية شهر أبريل 2015، نشرت وزارة العدل بالمغرب ”مسودّة مشروع القانون الجنائي”، على موقعها الألكتروني. وتتكوّن هذه ”المسودة” من قرابة 600 مادّة، مكتوبة على 288 صفحة من الحجم الكبير. وطلبت الوزارة من الفاعلين المهتمين أن يبلّغوها ملاحظاتهم أو اقتراحاتهم. وهذه الدعوة لتفاعل تشاركي هي مبادرة إيجابية، وتستحقّ التشجيع والتـقدير والتنويه.
وقبل الدخول في صلب الموضوع، يلزم التذكير ببعض المعطيات التي تساعد على فهم الطريقة التي تفاعل بها المجتمع مع ”مسودة مشروع القانون الجنائي”.
ويكتسي مشروع القانون الجنائي أهمية سياسية كبيرة. وبعد إقرار هذا القانون الجنائي، ستعمل به المحاكم خلال عدّة عقود متوالية. ولا تمكن إعادة مناقشته أو مراجعته بسهولة بعد بضعة سنوات وجيزة. (فالقانون الجنائي القديم يعود إلى سنة 1962). وهذا القانون الجنائي الجديد (بالإضافة إلى المسطرة الجنائية) هو الذي سيحدّد القواعد والآليات التي سيُعاقب بها، ليس فقط المجرمون العاديون، بل أيضا المناضلون، والمعارضون السياسيون، والنقابيون، والمحتجّون، والمتظاهرون، والمفكّرون، والكتّاب، والنقّاد، والفنّانون، والصحافيون، والناشرون على مواقع الأنترنيت، والمتجوّلون عبر شبكة الأنترنيت الذين يعلّقون على ما يقرأون، والعاملون في الاقتصاد، والمسئولون في أجهزة الدولة، إلى آخره.
وخلال شهري أبريل وماي 2015، نظّمت جمعيات وهيئات من ”المجتمع المدني“ أكثر من عشرة ندوات للتشاور حول مشروع القانون الجنائي. لكن الأحزاب التـقدمية، بما فيها أحزاب اليسار ومناضليها، لم يشاركوا في هذه الندوات بالقدر المطلوب أو الممكن. وغياب أحزاب اليمين من هذه الندوات يؤكّد أنها لا تهتم سوى بما يعود عليها بنفع مادي مباشر وسريع. بينما غياب أحزاب اليسار يذكّر بالأزمة المركّبة التي تعيش فيها هذه الأحزاب. والتفاعل السّريع لبعض الجمعيات مع مشروع القانون الجنائي يُؤكّد ظاهرة سياسية جديدة، وهي أن الجمعيات غدت أكثر حيوية، وفعالية، من الأحزاب التقليدية.
ونظّمت وزارة العدل ندوة كبيرة حول هذا المشروع، بمدينة الرباط(1)، بهدف الاستماع لملاحظات القضاة، والمحامين، وغيرهم. وحضر هذه الندوة ما يتراوح بين 300 و 400 شخص (معظمهم من المحترفين في مجال القانون). وخلال هذه الندوة، فرضت وزارة العدل بأن تفتتح هذه الندوة بتلاوة آيات من القرآن، دون أن ندرك ما مبرّر تلاوة القرآن خلال ندوة حول القانون الجنائي. وق هَيْمن السيد وزير العدل على الحوار. واحتكر السيد الوزير ومساعده الكلمة خلال قرابة نصف مجمل وقت الندوة. وظلّ الوزير، في نفس الوقت، طرفًا وحكمًا في الصراع الدّائر حول هذه ”المسودة”.
وبيّن هذا النقاش وجود صراع حادّ بين تيّارين رئيسيين. التيار الأول هو توجّه محافظ وسائد، يأخذ مفاهيمه، أو اختياراته، من تـقاليد مجتمعية، أو من مراجع دينية (إسلامية أصولية)، أو من اعتبارات ”مخزنية” (نسبةً إلى ”المَخْزَن“، وهو النظام السياسي المحافظ القائم في المغرب). ويتميّز هذا التيار المحافظ بمقاوِمته للحداثة، أو بمعارضته للدّمقرطة، أو بمناهضته للعقلانية. ويهدف هذا التيار المحافظ إلى صيانة، أو إعادة إنتاج، التـقاليد، أو المعتـقدات، أو المكتسبات القديمة. وفي ندوة وزارة العدل، ناصرت أغلبية القضاة والمحامين الحاضرين هذا التوجّه المحافظ. وكان وزير العدل (الذي ينتمي إلى حزب إسلامي أصولي هو ”حزب العدالة والتنمية”) يتحدث كأنه الناطق الرسمي باسم هذا التوجه المحافظ.
والتيار الثاني هو توجّه تـقدّمي. ويتميّز بالدفاع عن قيّم الحداثة، ويناضل من أجل تفعيل ثقافة حقوق الانسان، ويطمح إلى ملاءمة القوانين الوطنية مع المواثيق الحقوقية الدولية. كما يهدف هذا التيار التـقدمي إلى تحرير عقل المواطن، أو تثـقيفه، أو تغيير التـقاليد، أو المعتـقدات، التي تكبّل فكر المواطن، أو تعوق حرّياته، أو تكبت طموحاته.
وقال وزير العدل أن «هذا المشروع دُرس من طرف خبراء هم من كبار المتخصّصين في مجال القانون والقضاء». وأن «هذه ”المسودة” خضعت لحوارات متعدّدة وموسّعة». لكن أغلبية الأشخاص الذين ساهموا في إعداد، أو تطوير، هذه ”المسودة”، هم في الحقيقة مأجورون لدى الدولة، أو محافظون، أو موالون للنظام السياسي القائم، أو متعاطفون مع تيار ”الاسلام السياسي الأصولي” السّائد، سواءً داخل الحكومة، أم داخل المجتمع. وفي حالة عرض هذا المشروع للقانون الجنائي على البرلمان، فإن الاحتمال الأكبر هو أن يوافق البرلمان على هذا المشروع. لأن أغلبية هذا البرلمان هي أيضا محافظة، ومناصرة لتيار الاسلام السياسي الأصولي.
ومن بين الهيئات التي نظّمت ندوات حول ”مسودّة مشروع القانون الجنائي”، نجد مثلاً :
– ”الجمعية المغربية لحقوق الانسان” (خمسة ندوات)(2)؛
– ”ربيع الكرامة”، أو تحالف ”الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء”، و”الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب” (ثلاثة ندوات)(3)؛
– ”الإتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان” (ندوة)(4):
– ”المركز المغربي لحقوق الانسان” (نودة)(5)؛
– ”الهيئة المغربية لحقوق الانسان” (ندوة)(6)؛
– ”المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف” (ندوة)؛
– و”محكمة الإستئناف بمدينة الرباط” (ندوة)، و”محكمة الإستئناف بالدار البيضاء” (ندوة)(7)؛
– و”المجلس الاستشاري لحقوق الانسان” (ندوة داخلية مغلقة)(8)؛
وأهم المدن التي نُظّمت فيها هذه الندوات هي الرباط، والدار البيضاء، والحسيمة، وطنجة، وتمارة.
واتفق عدد هام من الجمعيات المناصرة لحقوق الانسان على نشر عريضة مطروحة للتوقيع، بهدف معارضة ”مسودة مشروع القانون الجنائي”، والمطالبة بِ «مراجعتها بشكل جذري، … بناءً على مقاربة تشاركية، واعتمادًا على مرجعية تستند إلى المواثيق الدولية لحقوق الانسان».
كما نظّمت كلّ واحدة من القناتين التلفزيتين العموميتين ”2M”(9)، و ”Medi1”، برنامجا حول هذه ”المسودة”. لكن الشخصيات المدعوّة لهذين البرنامجين، كانت، وكالعادة، إمّا من اليمين السياسي، أو من الوسط، ولم تكن تُعبّر بتوازن عن كل التّيارات السياسية المتواجدة في المجمتمع، وخاصة منها التّيارات التـقدمية أو اليسارية.
وأبرزُ الأساتذة الذين كانوا سبّاقين إلى التعبير عن انتـقادات معمّقة ومفيدة على هذه ”المسودة” (حسب علمي) هم على الخصوص: القاضي محمد الهيني، والنقيب عبد الرحيم الجامعي، والنقيب عبد الرحمن بنعمرو، والمحامي سعيد بنحماني، والمحامية خديجة الروكاني، والمحامي محمد طيّب عمر. كما عبّر أشخاص آخرون كثيرون عن انتـقادات جذيرة بالاهتمام حول ”مسودة القانون الجنائي”. وقد استفدتُ شخصيا من تحاليل وانتـقادات مجمل هؤلاء الأساتذة. وأضفتُ إلى انتـقاداتهم على الخصوص ملاحظات تخصّ العلاقة بين الدّين والقانون.
ولتفادي أي سوء تفاهم، أنبّه القارئ إلى أن مضمون مقالي الحالي يعبّر عن آرائي الشخصية فقط، ولا يُعبّر بالضرورة عن آراء أي شخص غيري. والحوار المستعمل في هذا المقال هو مجرّد أسلوب أدبي، من ابتكاري، وليس بالضرورة حوارًا واقعيا. وأتحمّل وحدي مسئولية كل ما ورد في هذا المقال. وهذا النص الحالي يحتوي فقط على جزء ضئيل من الانتـقادات التي تستوجبها ”مسودة القانون الجنائي”. لأن هذه ”المسودة” تتضمن إشكالات عديدة جدا. ونقد هذه ”المسودة” لا يمكن أن يستوعبه مقال واحد، بل يتطلّب كتابا ضخما، أو حتى عدّة كتب. لأن التعليق على كل مادة مكتوبة في خمسة سطور قد يحتاج إلى صفحة، أو عدة صفحات لتوضيح عيوب تلك المادة. بينما تحتوي هذه ”المسودة” على أزيد من 600 مادة.

      1) بأيّة فلسفة جنائية نكتب القانون الجنائي؟
أولى الانتـقادات التي وجّهها التـقدّميون إلى ”مسودة مشروع القانون الجنائي” هي أنها «تفتـقد إلى مقدّمة، أو ديباجة، توضح الفلسفة القانونية، أو الجنائية، التي تنبني على أساسها».
وأجابت وزارة العدل أن «”المسودة” لا تحمل عادةً ديباجة». وأضافت وزارة العدل أنه «حينما ستتحوّل هذه ”المسودة” إلى ”مشروع” مقدّم للبرلمان، فإن الوزارة ستضع لها ديباجة».
وردّ التـقدّميون المنتـقدون: «هذا التّبرير غير معقول، لأن الديباجة ليست مثل ”طربوش”، يمكن أن نضعه، متى شئنا، فوق رأس القانون الجنائي، سواءً خلال بداية تحريره، أم بعد الانتهاء من كتابة جميع بنود هذا القانون. حيث يفرض المنطق أن نبدأ بتحديد الاختيارات العامّة الكبرى، قبل أن ندخل في التفاصيل الصغيرة. والعنصر الأهم في نقاش ”مسودة القانون الجنائي”، ليس هو فقط الكلام التـقني عن كل بند منفرد، أو عن كل مادة معزولة من ”المسودة”، وإنما هو نقاش التوجه العام لمشروع القانون. أي أننا نريد أن نعرف بوضوح ما هي الفلسفة القانونية، أو الجنائية، التي اختارتها وزارة العدل، والتي تحدّد الاختيارات التفصيلية في مختلف بنود مجمل ”المسودة”».
وتساءل التـقدميون: «هل الفلسفة الجنائية المنتـقاة من طرف وزارة العدل تريد حقًّا الالتزام بحقوق الانسان، أم أنها تضعها في مرتبة ثانوية بعد اختيارات أخرى، مثل إعطاء الأولوية لِ ”الدّفاع عن أمن النظام السياسي القائم“، أو ”الدفاع عن هيمنة الدّين الاسلامي“ على المجتمع»؟
واعتبر عدد من النقّاد التـقدّميون أن «العيب الرئيسي في ”مسودة” وزارة العدل هو أنها مهووسة بتحديد الجرائم، والعقوبات، وتوسيعها، وتشديدها، وإضافة أخرى جديدة إليها. بينما كان ينبغي على مُعِدّي مشروع القانون الجنائي (والمسطرة الجنائية) أن يعطوا أهمية أكبر لصيانة الحرّيات، وللدّفاع عنها. لأنه لا يجوز تجريم أفعال عادية، أو أفعال تدخل ضمن الحريات العامة. ولأن الأصل في وظيفة القانون هو حماية الحرّيات، وليس التوسّع في تحديد الجرائم، أو التّكثير منها».

2) بأي منهج نُقيّم مشروع القانون الجنائي؟
دافع بعض المحافظين عن هذه ”المسودّة” قائلين: «كل من يحلّل هذه المسودة بموضوعية، سيجد فيها كثيرًا من الإيجابيات. حيث جاءت بكثير من الاجتهادات الجديدة، مثل العقوبات البديلة، والعمل لأجل المنفعة العامة، وفرض تدابير علاجية أو تأهيلية، وعلاج الإدمان، وتجريم الغش في الامتحانات، ومنع المشاركة في الصفقات العمومية، وجرائم الحرب، وجرائم الإبادة، والجرائم ضد الانسانية، والرشوة، واستغلال النفوذ، والإثراء غير المشروع، وغيرها كثير. وهذه المكاسب الكثيرة تبرّر ضرورة الاعتزاز بهذه المسودة ومساندتها».
وردّ عليهم التـقدّميون: «تجرّنا وزارة العدل إلى تركيز النقاش على ”المستجدّات“ الواردة في هذه ”المسودة”. وهذا منهج مرفوض، لأنه يهدف إلى إخفاء قضايا أخرى. وإذا احتوت مسودة مشروع القانون الجنائي على إيجابيات جديدة، فهذا أمر ضروري، وطبيعي. وهذه الإيجابيات هي نتيجة لعمل جماعي، ولتراكم اجتهادات أشخاص كثيرين (منذ أيام وزراء سابقين في وزارة العدل، مثل الوزير محمد بوزوبع، والوزير محمد الطيب الناصري، إلى آخره). وإذا لم تحتوي هذه المسودة على أيّة إيجابية، فإنها ستصبح غير جديرة بالنقاش. لكن منهج تحليل مسودة القانون الجنائي، بِمنطق فحص التّوازن بين الإيجابيات والسلبيات، هو منهج غير مقبول، وغير سليم. لأنه يمكن أن يوجد قانون جنائي تكون 99 في المئة من بنوده إيجابية، لكن البنود الأخرى، أي 1 في المئة الباقية، يمكن أن تُلغي معظم الحريات الأساسية، فيصبح هذا القانون الجنائي خطيرا على المجتمع، ومرفوضا بشكل كلّي. لذلك نحن نهتم بالسلبيات بنفس القدر الذي نعتني بالإيجابيات. لأن سلبية واحدة يمكن أن تـقضي على كل الإيجابيات».
وأضاف التـقدّميون: «في أي تـقييم للقانون، يلزم أن نعتمد على مقاييس واضحة، أبرزها إحقاق العدل، والتلاءم مع اتّفاقيات الأمم المتّحدة المتعلّقة بحقوق الانسان. وعمادها ”الشّرعية الدولية لحقوق الإنسان“. وتتكوّن من ”الإعلان العالمي لحقوق الإنسان“ (1948)، و”العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية“، و”العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية“ (1966)، والبروتكولين الملحقين بها».

      3) أَلاَ تتعارض عقوبة الإعدام مع حقوق الانسان؟

      وأجمع الأساتذة المحامون، والنقاباء التـقدميّون، على المطالبة بألغاء عقوبة الإدام من ”مسودة مشروع القانون الجنائي”. بينما أُطُر وزارة العدل، وكذلك غالبية القضاة، والمحامين، الذين يتميّزون بتوجّههم المحافظ، دافعوا على ضرورة الإبقاء عليها. 

      ومهما كانت الحجج المقدّمة من طرف الفريق المحافظ، أم من طرف الفريق التـقدّمي، فإن التّـفاهم، أو الإقناع، بين هذين الطرفين، يكاد يكون مستحيلا. لأن كل طرف له مرجعيّاته الفلسفية، أو قناعاته السياسية، أو معتـقداته الدّينية، أو مكتسباته الثقافية. 

      وقال المحافظون: «عقوبة الإعدام ضرورية. والمجرمون الذين يقترفون جرائم القتل العمد، مع سبق الإصرار والترصّد، لا نَقبل بِأن يكون جزاءهم أقلّ من االإعدام. ولا تردعهم سوى هذه العقوبة». 

      وأجاب التـقدّميون: «تتعارض عقوبة الإعدام مع دستور المغرب لسنة 2011 (في مادّته رقم 20)، وتلغي الحق في الحياة، وتتناقض مع المواثيق الدولية المتعلّقة بحقوق الانسان التي وقّعها المغرب. ولا يحق لأية مؤسّسة، بما فيها الدولة، أو القضاء، أن تـقرر إعدام أي إنسان. وحتى المجرم المتّهم بالقتل العمد، يمكن أن نعتبره ضحيّةَ ظروف مجتمعية مؤثّرة، أو قاهرة. كما يمكن أن نعتبره مريضا في عقله، أو مُعوّقًا في نفسيّته. وواجب الدولة، والمجتمع، هو أن يحاولا معالجة هذا المجرم المريض، لا أن يقرّرا إعدامه بدون اكتراث. أي أن الحلّ هو معالجة المجرم المريض، وليس قتل المجرم المريض، بهدف التخلّص من مرضه. وأحسن طريقة لكي نعلّم المجرمين الرّحمة، هو أن نكون، نحن بأنفسنا، رحيمين تجاههم، رغم ما اقترفوه من جرائم بشعة». 

      وأضاف التـقدّميون: «إذا ما حافظت الدولة على عقوبة الإعدام، فقد يعني هذا الاختيار أن الدولة تريد الإبقاء على هذه العقوبة كسلاح احتياطي تستعمله عند الحاجة، على الخصوص، ضدّ المعارضين السياسيين المتّهمين ب ”المسّ بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي”. حيث يمكن أن تكون خلفيات الحكم بعقوبة الإعدام خلفيات سياسية محضة». 

      وردّ المحافظون: «لقد قلّص مشروع القانون الجنائي الحالي عدد الجرائم التي تكون عقوبتها هي الإعدام. زيادة على ذلك، بقي تطبيق هذه العقوبة، في غالبية الحالات، معلّقًا. وهذا انتـقال تدريجي نحو إلغاء هذه العقوبة. فلا تطلبوا منّا أكثر من هذا التدرّج». 

      وأجاب التـقدميون: «دام تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام بالمغرب أكثر من عشرين سنة. وهذا التدرّج كاف لكي ينتـقل المغرب حاليا إلى إلغاء عقوبة الإعدام. وبعض المحكوم عليهم بالإعدام ينتظرون أن تنفّـذ عليهم هذه العقوبة في كل حين. ويعانون نفسيا في زنازنهم. ويتوقّعون تنفيذ الإعدام في حقّهم عند سماع كل صوت غير معتاد داخل حي السجن الذي يتواجدون فيه. ويفضلون أن تحسم الدولة في حالتهم، بدلاً من أن تمدّد معاناتهم. ولا يعقل أن تستمر الدولة طويلا في هذا الموقف المتردّد. فإن كانت الدولة مقتنعة حقيقةً بأن عقوبة الإعدام ليست عادلة، أو غير إنسانية، فيجب عليها أن تحذفها فورا، ونهائيا، من القانون الجنائي». 

      وأضاف بعض التـقدّميين: «والغريب في تاريخ المغرب، منذ استـقلاله في سنة 1956 إلى الآن، مرورًا ب ”سنوات الرّصاص“ في عهد الملك المستبد الحسن الثاني، هو أن المئات من المعارضين السياسيين الثوريين الذين حُكم عليهم بالإعدام، وكانوا موجودين بين أيدي الدولة، كلّهم أُعْدِمُوا. وهم كثيرون. بينما معظم المعارضين السياسيين الثوريين الذين حُوكموا بالإعدام، والذين كانوا في حالة فرار إلى خارج المغرب، صدر في حقّهم، بعد مرور عدّة سنوات، عفو ملكي، ثم تـقلّدوا فيما بعد عدّة مسئوليات رفيعة. وساهموا في تـقدّم الشعب المغربي. وأكثرهم شهرةً هو عبد الرحمان اليوسفي، الذي اختاره الملك الحسن الثاني كرئيس لأول حكومة، في إطار ما سُمّي بِ ”التناوب التوافقي على السلطة“، الذي حدث بين القصر الملكي والمعارضة السياسية، في سنة 1998. بمعنى أن الأشخاص الذين نُفّذ فيهم حكم الإعدام، شكّلوا خسارة جسيمة بالنسبة للشعب المغربي. بينما الأشخاص الذين لم يُنفذ فيهم حكم الإعدام، شكّلوا كلّهم، فيما بعد، إثراءًا هائلا للشعب المغربي. فهل يُعقل، بعد هذه التجربة المريرة، الاستمرار في التردّد حول إلغاء عقوبة الاعدام»؟


4) هل يجوز للقانون الجنائي أن يفرض تديّنًا معيّنا ؟
داخل ”مسودة مشروع القانون الجنائي”، المُعدّة من طرف وزارة العدل، برز حماس جديد مُفرط، يُريد الدّفاع عن الدّين الإسلامي. ويطغى على هذا الحماس ميولٌ واضح نحو تيّار الإسلام السياسي الأصولي أو السّلفي. وينتج هذا الميول عن وجود حزب إسلامي أصولي (هو ”حزب العدالة والتنمية“) في موقع الأغلبية داخل الحكومة الحالية. حيث وردت في هذه ”المسودّة” عدّة بنود تُجرّم أفعالا لم تكن من قبل مُجرّمة، أو تزيد في حجم عقوبات جرائم قديمة كان منصوص عليها في القانون الجنائي السّابق (الموضوع في سنة 1962).
وقال التـقدّميون: «مثلاً، المادة 222، تُعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين (!)، وبغرامة يمكن أن تصل إلى 20 ألف درهم(!)، كلّ من قام بِ: ”الإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي(!)“. وتجذر الملاحظة إلى أن هذه المادة لم تـقل ”دون عذر طبّي“، وإنما قالت عمدًا: ”دون عذر شرعي“، وذلك نسبة إلى ”الشّريعة الإسلامية“! كأن المرجع ليس هو القانون الوضعي، وإنما هو ”الشّريعة الإسلامية“. وهذا خطير. ومن منظار الدولة المدنية، فإن الأكل خلال رمضان، لا يشكّل جريمة، ولا يضرّ بأي مواطن. وتجريمه يتعارض مع حقوق الإنسان، ومع حرّية العقيدة. بل يتناقض حتى مع المادة 220 من نفس ”المسودة” القانونية الحالية، التي تجرّم كلّ ”مَن استعمل العنف، أو التهديد، لإكراه شخص أو أكثر على مباشرة عبادة مَا“. فهل هذه المادة 220 صادقة، أم أنها أُدْرِجت داخل نصّ القانون فقط لدرّ الرماد في العيون»؟
فأجاب المحافظون: «ليست الدولة في المغرب دولة مدنية، وإنما هي دولة إسلامية، بموجب نص دستور سنة 2011. و”حرّية العقيدة“ لا توجد في قوانين المغرب. ورغم أن لجنة السيد عبد اللطيف المانوني، التي كَلّفها الملك في سنة 2011 بإعداد مشروع الدستور، أوردت داخله عبارة ”حرية العقيدة“، فإن الأحزاب الإسلامية رفضت بشكل مطلق ”حرّية العقيدة“. فاستجاب القصر الملكي لطلب الإسلاميين. فخرج نصّ الدستور الذي عُرض على الاستفتاء (في سنة 2011) فارغا من عبارة ”حرية العقيدة“. وعليه، فالأكل خلال رمضان، في مكان عمومي، هو جريمة، لأنه يسيء إلى مشاعر المسلمين الصّائمين».
وردّ التـقدميون: «حتّى إذا وردت في دستور سنة 2011 عبارة: ”دين الدولة هو الاسلام”، فإن هذه العبارة تبقى حَمقاء، وبلا معنى، ومنافية للعقل. لأنه لا يُعقل، ولا يُقبل، أن تتـقـيّد الدولة بأيّ دين. فالوضع المعقول هو أن تكون الدولة مدنية، ومُحايدة، وفي خدمة كل مكوّنات الشعب، وبدون أيّ تحيّز أو تمييز (سواءً على المستوى الدّيني، أم العرقي، أم اللغوي، أم الجنسي، أم الجهوي، إلى آخره). أما إذا أرادت الدولة أن تكون دينية، ومسخّرة لخدمة دين معيّن، فإنها ستحوّل المجتمع إلى نوع من ”الكنيسة البَابَوية“، أو ”دِير رُهْبَانِي“، أو ”زَاوِيّة صوفية“. وستؤدّي حتما إلى الاستبداد، وإلى الانحطاط، وربّما إلى حرب أهلية، مثلما أثبتت التجارب في كلّ من لُبنان، والسّودان، والصّومال، وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، وأفغانستان، وباكستان، إلى آخره. ومن المستحيل التوفيق بين الدّين والدولة. لأن منطق الدولة يتعارض مع منطق الدّين. وأساس الدولة هو العقل، بينما أساس الدّين هو الإيمان المطلق، والخضوع التّام لنصوص دينية مقدّسة، جامدة، وغير قابلة لا للنّقد، ولا للتّطوير».
وأجاب المحافظون: «لما هذا التصعيد؟ قضية تجريم الأكل خلال نهار رمضان هي قضية بسيطة وثانوية. ولا تحدث إلاّ نادرًا. وتستهدف فقط بعض الأشخاص المتهوّرين الذين يريدون عمدًا استفزاز المسلمين».
وردّ التـقدّميون: «قضية تجريم الأكل في رمضان هي قضية مباديء. والتهاون في هذه المباديء يمكن أن يحطّم مجمل أسس الديمقراطية. فأنتم تريدون تجريم الأكل خلال يوم رمضان، بدعوى أنه ”يسيء إلى مشاعر المسلمين الصّائمين“. ومفهوم ”الإساءة إلى مشاعر المسلمين“، هو مفهوم غامض، ومُلتبس، وغير مُبرهن عليه. ولا يُعقل، ولا يُقبل، أن يعمل القانون الجنائي بمثل هذه المفاهيم الغامضة. لأن ”الإساءة إلى المشاعر“ ليست جريمة ملموسة تستوجب عقابًا قانونيا. ولأن ”الإساءة إلى المشاعر“ هي مجرّد إحساس ذاتي، وغير قابل للإثبات. و”الإساءة إلى المشاعر“ ليست فعلا مادّيا، ملموسا، وقابلا للملاحظة، وللقِـيّاس. وواجب القانون هو أن يحمي حرّية المواطن الذي لا يرغب في أن يصوم أثناء رمضان. ولا يجوز أن تُجبر الدولةُ المواطن على ذلك الصّيام الدّيني. خاصة وأن تناول الأكل من طرف بعض المواطنين خلال رمضان، ولو في أماكن عمومية، لا يضرّ نهائيا بالمواطنين الصّائمين، ولا يشكّل اعتداءً عليهم، ولا على حرّياتهم. وإذا رأى مواطنٌ صائمٌ مواطنًا آخر يأكل خلال رمضان، وأحس المواطنُ الصّائمُ بمشاعر مُزعجة، أو مُستَـفِـزّة، فذاك الإحساس هو من مسئولية المواطن الصّائم، ولا يتحمّل المواطن غير الصّائم أية مسئولية في تولّد ذلك الإحساس. ويُفترض في كلّ مواطن أن يتحكّم في غرائزه. وحتّى إذا مَا وُجِد شعور لدى مواطن صائم يتجلّى في الإحساس باستفزاز مزعج، فإن هذا الشّعور لا يبرّر لجوء الدولة إلى إجبار باقي المواطنين على أن يصوموا ضدّ إرادتهم. فكأن بعض المواطنين الصّائمين يستنجدون بالدولة، ويقولون لها: «أنقذينا يا دولة! قناعاتنا هشّة! ومشاعرنا متذبذبة! وغرائزنا هي أقوى منّا! نرجوك يا دولة أن تُجبري كل الناس الموجودين في محيطنا على الصّوم مثلنا، خلال رمضان، لكي نُحسّ بطمأنينة مريحة»! فَليس من حق الدولة، لاَ أن تناصر المواطنين المتديّنين، ولاَ أن تناصر المواطنين غير المتديّنين. بل يجب على الدولة أن تلتزم بالحياد، وأن تضمن حرّية العقيدة، وحرّية العبادة، وحرّية عدم العبادة. خاصّة وأن بعض المتديّنين المتعصّبين يريدون عمدًا استغلال هذا ”الإحساس (المزعوم) بمشاعر مزعجة“ بهدف فرض التّديّن، وإجبار كل المواطنين على القيام بعبادات، وطقوس دينية، وذلك بقوّة القانون، وتحت التهديد بعقوبة السجن! وهذا السّلوك يشكّل انحرافًا نحو ممارسة ”الإكراه في الدّين“. وإذا ما تواطأت الدولة مع هذه الرغبات الدّينية المتعصّبة، فإنها ستصبح ظالمة، ومُخِلّة بالعدل. لأن الدولة ستغدو في هذه الحالة شريكة في محاولة فرض التديّن بالإكراه، وتحت التهديد بعقوبة السجن. ولأن مهمّة القانون الجنائي، ليست هي الدّفاع عن أي دين معيّن، وإنما هي الفصل العادل في التّظلّمات والنّزاعات التي تحدث فيما بين المواطنين أو المؤسسات داخل المجتمع».
وعقّب المحافظون: «تجريم الإفطار في رمضان كان موجودا في القانون الجنائي القديم، قبل استـقلال المغرب عن الاستعمار الفرنسي في سنة 1956. فلماذا هذا المبالغة في النقاش»؟
فأجاب التـقدّميون: «أن يكون تجريم الإفطار في رمضان قديما، أو جديدا، أو معمولاً به في بعض البلدان، لا يشكّل حجّة، ولا يأتي ببرهان جديد في الجدال الحالي».
وأضاف المحافظون: «الأغلبية الساحقة من المواطنين مسلمة، ومتديّنة، ومتعبّدة. ومن واجب الدولة أن تفرض احترام إرادة ومشاعر هذه الأغلبية المسلمة. ولا يحق للأقلية أن تفرض نمط حياتها الحداثي أو الغربي على أغلبية السكان المسلمة والمتديّنة».
وردّ التـقدميون: «نحن نحترم كل الأديان، ونحترم كل المتديّنين، مثلما نحترم من هم غير متديّنين. لكن حماية الدولة للأغلبية المسلمة من سكان البلاد، لا تعني، ولا تبرّر، فرض التديّن على الجزء الباقي من السكان. وإذا كان المحافظون يعتـقدون أن دور الدولة هو أن تفرض دين أغلبية السّكان على الأقلية منهم، أو أن تفرض تديّنًا محدّدا على كل المواطنين، فيلزمهم أن يقولوا ذلك بصراحة كاملة. على عكس ذلك، نؤمن، نحن التـقدّميون، أن مهمّة الدولة هي أن تحمي الأقليات، بنفس القدر الذي تحمي به الأغلبيات. أي أن تلتزم الدولة بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون. بمعنى أن ”حق العبادة“، يلزم أن يقابله بالضرورة ”الحق في عدم العبادة“. وإلاّ، فإن غياب ”حرّية عدم العبادة“ سيعني ”إجبارية العبادة“! وَوَاجب الدولة هو أن تكون عادلة، ومُحايدة، أي غير منحازة لأي دين، ولا لأية أيديولوجية فكرية، ولا لأي حزب سياسي، ولا لأية فئة مجتمعية، ولو كانت هذه الفئة هي الأغلبية الساحقة من المواطنين».
وأضاف المحافظون: «لكن واجب الدولة هو حماية دين الدولة».
وردّ التـقدّميون: «مهمة القانون الجنائي هي حماية حريات المواطنين، وليست هي الدّفاع عن الدّين، أو حمايته. وليس من مهام الدولة أن تحشر نفسها في قضايا الدّيانات، أو المذاهب الدّينية، أو أن تحاول معالجة ما قد يوجد فيها من ضعف. ولا يحق للقانون الجنائي، أن يفرض أي تديّن محدّد، ولو عبر طرق غير مباشرة. وعدم تَديّن أي مواطن معيّن، لا يشكّل جريمة».
وعقّب المحافظون: «هذا تأويل مبالغ فيه. وتجريم الأكل في نهار رمضان هو إجراء عادي وبسيط، ولا يستحق كل هذا الاهتمام».
وقال التـقدّميون: «إذا كانت حقيقةً جريمة ”الإفطار في رمضان“ ثانوية، ولا تستحق الاهتمام، فيجب حذفها من القانون الجنائي. لكن إذا قبلنا بتجريم الأكل في رمضان، بدعوى أن هذا الأكل ”يستفز مشاعر بعض المواطنين المسلمين“، فيجب، في هذه الحالة، وبنفس المنطق، أن نُجرّم أيضا سلوكيات أخرى كثيرة جدًّا، منها مثلاً تجريم تواجد النساء في الأماكن العمومية خلال رمضان، وتجريم المواطنين الذين لا يؤمنون، أو الذين لا يعبدون، أو الذين لا يصلّون، أو الذين لا يذهبون إلى المسجد خلال يوم الجمعة، أو الذين لا يقومون بفريضة الحجّ. وبنفس المنطق، يجب أيضًا أن نجرّم الأشخاص الذين لا يقبلون المشاركة في قراءة ”الفاتحة” خلال التجمّعات، أو الذين يُعارضون مكبّرات الصّوت المزعجة الموضوعة فوق صوامع المساجد، أو الذين يعارضون الايقاف المُفاجئ لبرامج التلفزات العمومية عند حلول وقت آذان كلّ صلاة من الصلوات الخمس اليومية. كما يجب أيضا، وبنفس المنطق، أن نُجرّم كلّ الذين يرفضون المشاركة في التـقاليد أو الطقوس الدّينية الشائعة داخل المجتمع. وبنفس المنطق، يجب أيضا أن نمنع النساء من لباس ”السّرْوَال” (بنطلون)، ومن كشف أو تعرية شعرهنّ. كما يجب أن نجرّم كل لباس نسائي يوحي بِمُمَيّزات شكل جسم المرأة(1). وبنفس المنطق، يجب أيضا أن نجرّم كلّ الريّاضات، والألعاب، والأنشطة، التي تكون فيها المرأة بِلِبَاس قصير أو خفيف (مثل ألعاب القوى، والتنس، والسباحة، إلى آخره). وستكون النّتيجة هي فرض مُوضَة «اتْشَادُرْ»، أو «البُرْكَة»، أو ٍ«اللّباس السّعودي»، أو «اللّباس الأفغاني»، على كلّ النساء، إلى آخره. وذلك كلّه بدعوى أن عدم الخضوع لهذه الطّقوس أو التـقاليد، هو أيضًا، ”يستفزّ مشاعر المسلمين“! وهذه النزعة (الإسلامية الأصولية، أو السّلفية، المتشدّدة)، يمكن أن تذهب بنا بعيدًا، ولا يوجد حَدّ لطموحاتها. وستـؤدّي بنا أيضًا هذه النزعة إلى تَـكْفِير كل من يخالف المعتـقدات أو التـقاليد الإسلامية. وستـقودنا أيضا إلى إقامة ”محاكم تفتيش الضمائر“، ثم إلى الاستبداد. وستؤدّي بنا في النهاية إلى الانحطاط المُجتمعي. وقد تؤدّي بنا أيضا إلى حرب أهلية، مثلما حدث في كلّ من سوريا، والعراق، واليمن، ومصر، وليبيا، والسودان، والصّومال، ولبنان، وأفغانستان، وباكستان، إلى آخره. لأن نفس الأسباب، وفي ظروف مجتمعية مماثلة، تُؤدّي إلى نفس النتائج».
وقال المحافظون: «نقدكم هذا يحمل موقفا سلبيا مُسبقا من الحركات الاسلامية. فلماذا هذا التحامل»؟
وأجاب التـقدّميون: «بدلاً من أن يُناصر هذا القانون الجنائي التيارات الإسلامية الأصولية، كان ينبغي عليه، على عكس ذلك، أن يحمي عموم المواطنين من غلوّ، أو تعصّب، أو تشدّد، هذه التيارات الإسلامية الأصولية، التي تتوالد، وتتكاثر، وتتنوّع، وتستعمل الإكراه، أو التهديد، أو الترهيب، وتريد ممارسة التّكفير. وبعد أسلمة التعليم، تريد الآن فرض أسلمة الدولة، وتريد قهر كل من يعارض أسلمة المجتمع، وتريد اضطهاد كل من يخالفها في المعتـقدات، أو في الآراء، أو في القناعات، أو في السّلوكِيّات».
وسأل المحافظون: «وما هو عيب ”أسلمة الدولة“؟ ولماذا تعارضون ”أسلمة المجتمع“؟ أليس الشعب مسلمًا»؟
وردّ التـقدّميون: «الميزة المشتركة لمجمل التيارات الإسلامية الأصولية، أو المتعصّبة، أو المتشدّدة، بما فيها تنظيم ”الإخوان المسلمين“، و”تنظيم القاعدة“، و”دَاعِشْ (الدولة الإسلامية في العراق والشام)“، و”حزب الله“، و”أنصار الله“، إلى آخره، هي أنهم يظنّون أن الإله منحهم الشرعية لكي يفرضوا أسلمة الدولة والمجمتع، وبالقوة. ويعتـقدون أن الحل الوحيد لمعالجة كل مشاكل المجتمع هو هذه الأسلمة القسرية. بينما هذه الأسلمة الإجبارية تؤدّي دائما إلى الحرب الأهلية. والغريب هو أن مجمل معتنـقي ديّانات الشرق الأوسط (بما فيها اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، يُحسّون ذائما أن دينهم مهدّد بالانهيار، ويميلون دائما إلى فرض التوسّع، والسيطرة، والهيمنة. فإذا كان هدف المسلم هو أن يعبد بحرّية، فله ذلك. كما أن من لا يريد أن يعبد، يستحق هو أيضا حرّية عدم العبادة. لكن إذا كان هدف المسلم هو أن يجبر كل من يوجد في محيطه المجتمعي على أن يصبح مسلما ومتعبّدًا مثله، فليعلم هذا المسلم أن شعوب العالم كله ستتحالف حتمًا لمواجهته. لأن شعوب العالم لن تـقبل أبدًا بأن يتطاول أحد على حرّياتها. ومصير النظام النّازي في ألمانية يشكل عبرة لكل من يحلم بفرض نزواته على شعوب العالم. وحتى جمهورية إيران الاسلامية، إذا تمادت في أطماعها التوسّعية أو الهيمنية، ولو باسم الدين، فإنها ستنتهي حتمًا إلى الخراب والزوال»!


      5) هل يُعقل تجريم «الإساءة إلى الله أو الأنبياء»؟
المادة 219 من ”مسودة مشروع القانون الجنائي”، تعاقب بالحبس من 1 إلى 5 سنوات(!)، وبغرامة يمكن أن تصل إلى 000 200 درهم(!)، وبالمنع من ممارسة النشاط المهني(!)، كل من قام بِ : «ازدراء الأديان، أو السبّ، أو القذف، أو الإستهزاء، أو الإساءة إلى الله، أو الأنبياء، أو الرّسل». سواءً كانت تلك الأفعال بِ «الخُطب، أو الصّياح، أو المكتوبات، أو المطبوعات، أو الوسائل السمعية البصرية، أو الوسائل الإلكترونية، أو بالرّسم، أو الكاريكاتور، أو التصوير، أو الغناء، أو التمثيل، أو الإيماء، أو أي وسيلة أخرى»!
وقال بعض التقدّميين: «هدف الدولة من خلال عقوبة ”المنع من ممارسة النشاط المهني“ هي تسهيل الإجهاز على حرية الصحافة، أو الإعلام، أو حرية التعبير. كأن المشرّع يهيّئ هنا التربّص بحرية الإعلام الإلكتروني. فهذا القانون بعيد عن مضامين ”توصيات هيئة الانصاف والمصالحة“ (الرسمية)».
وأضاف بعض التقدّميين: «نعرف من خلال التجربة أن الضحايا المحتملين لهذه المادة 219 الاستبدادية هم: الكتّاب، والمفكّرون، والمثقفون، والفلاسفة، والعلماء، والصحافيون، والناشرون، والفنّانون، والرسّامون، والمصوّرون، والمدوّنون، والمغنّيون، والممثّلون، ومن شابههم».
ولمّا سُئل السيد وزير العدل عن سبب وجود هذه البنود الغريبة في مشروع القانون الجنائي، أجاب (بِمَا معناه): ”بعد إقدام الصحيفة الفرنسية السّاخرة ”شارلي هبدو” (Charlie Hebdo) على نشر رسوم كاريكاتورية، تُسيء إلى الإسلام، وبعد هجوم شخصين إسلاميين على مقر هذه الصحيفة، أثناء اجتماع هيئة تحريرها، (وبعد إقدام المهاجمين الإسلاميين على قتل 17 صحفيا أو رسّاما بالرّصاص، في 7 يناير 2015)، طلبنا من السلطات الفرنسية بأن تُجرّم نشر رسوم أو كاريكاتور تسيء إلى الأديان. فلاحظنا أنّ، لاَ فرنسا، ولاَ المغرب، يتوفّران على قانون يُجرّم الرّسوم أو الكاريكاتور“.
فعقّب بعض التـقدّميين: «توضيح السيد وزير العدل يعني أن أصل كتابة هذه البنود الجنائية هو ردّة فعل ذاتية، أو مزاجية، على أحداث استثنائية، وقعت في بلد أجنبي(فرنسا)، وليس في داخل المغرب. والأكثر غرابةً هو أن وزارة العدل أرادت الاستفادة من أحداث نشر صحيفة ”شارلي هيبدو” لكاريكاتور سلمي في فرنسا، لكنها تجاهلت، أو رفضت، الاستفادةَ من أحداث هي أكثر كاريثية. وأبرزها الحروب الأهلية، الجارية حاليا، ومنذ قرابة 4 سنوات، في بلدان مسلمة، مثل مصر، وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، والسّودان، والصومال، ولبنان، وأفغانستان، وباكستان، إلى آخره… ومعنى ”الحرب الأهلية“ هو وجود صراعات عنيفة، تُستعمل فيها كل الأسلحة المتاحة، بين فئات مجتمعية عريضة. ورغم أن هذه الحروب الأهلية هي ناتجة، على الخصوص، عن أفعال تيّارات إسلامية أصولية، أو سلفية، أو تكفيرية، أو متعصّبة، أو متشدّدة. فلماذا تفاعلت وزارة العدل مع رسوم كاريكاتورية سِلًمِية، منشورة في فرنسا، ومُتّهمة بكونها تزدري الأديان، بينما تلافت وزارة العدل، في نفس الوقت، التّفاعل مع نكبات حروب أهلية مُشتعلة حاليًا داخل قرابة 10 بلدان مسلمة، رغم أن هذه الحروب تُنتِج الخراب الشّامل، ومئات الآلاف من القتلى، وملايين من الجرحى والنازحين!؟ كأن السيد الوزير يعتبر أن ازدراء الأديان المزعوم هو أولى وأخطر من الحرب الأهلية المُلتهبة حليًّا في قرابة 10 بلد مسلم! ألا يكفي كل هذا الدّمار الشامل لإدراك خطورة الفكر السياسي الاسلامي الأصولي المتعصّب على المجتمع؟ ألاَ يكفي هذا الخراب لإدراك الضّرورة المستعجلة لِحماية المواطنين والمجتمع من التيارات الإسلامية الأصولية، أو المتشدّدة، أو التكفيرية؟ كنّا ننتظر من وزارة العدل أن تُجرّم التّكفير، والجهاد الإرهابي، والهجرة إلى بلدان أجنبية للقتال إلى جانب حركات دينية مسلّحة، وتجريم تحطيم الآثار أو التماثيل التاريخية. وكنّا ننتظر من الدولة أن تحمي المجتمعَ من ”الإكراه على التديّن“، ومن محاولات ”أسلمة الدولة“، ومن أخطار التّيارات الإسلامية المتعصّبة، أو التّكفيرية. وبدلاً من ذلك، نلاحظ باستغراب، أن وزارة العدل أقحمت مشروعَ القانون الجنائي بِبُنود جديدة، تفرض على المواطنين، وعلى المجتمع، الخضوع لنزوات هذه التيارات الإسلامية الأصولية المتعصّبة، عبر تجريم آراء، أو معتـقدات، أو سلوكيات، مثل: ”الإفطار في رمضان“ (المادّة 222)، أو ”زعزعة عقيدة مسلم“ (المادة 220-1)،أو ”ازدراء الأديان“ (المادة 219)، أو ”سبّ الإله“، أو ”الاستهزاء بالإله“، أو ”الإساءة إلى الله، أو الأنبياء، أو الرسل“ (المادة 219)، أو ”تمزيق أو تدنيس أحد الكتب السماوية، أو أي مِمّا يُستخدم في عبادة مَا“ (المادة 223)، أو ”تعطيل إحدى العبادات، أو الحفلات الدّينية، أو الإخلال بهدوئها ووقارها“ (المادة 221)، أو ”الشذوذ الجنسي“ (المادة 489)، أو ”الاتصال الجنسي غير الشرعي بين رجل وامرأة“ ولو كان بالتّراض (المادة 490)! وهذا السلوك لوزارة العدل هو بعيد عن أن يكون حكيما».
وقال المحافظون: «قد تكون استفادتنا من الحروب الأهلية الجارية في بعض البلدان المسلمة لم تنضج بعدُ، ولكن الأحداث المستجدة تفرض مواجهة تصاعد الأفعال التي تزدري الأديان، وخاصة الدين الاسلامي».
وأجاب بعض التـقدّميين: «البنود الجديدة في مشروع القانون الجنائي التي تُجرّم ”ازدراء الأديان“، سَتَفتح جِدالات حامية، وقضايا فلسفية مثيرة. خاصّة وأن تُهَمَ، أو مفاهيمَ، ”ازدراء الأديان”، أو ”الإساءة إلى الله، أو الأنبياء، أو الرّسل”، هي مصطلحات غامضة، مبهمة، وغير محدّدة عمليّا. وتهدف إلى قمع آراء، وليس إلى معاقبة أفعال جُرمية حقيقية. وتفتح هذه البنود المجال للشّطط في استعمال السّلط القضائية أو السياسية. وتُعطي هذه البُنود سلاحا جديدا للدولة، أو للتّيارات الاسلامية الأصولية، لكي تحارب به كل مواطن يخالفها في الرّأي. حيث ستـتّهمه، ليس بحمل رأي مخالف، وإنما سَتـتّهمه زورًا بِ ”الإساءة“ إلى الإسلام. كما تعطيها هذه البنود وسيلة قانونية لقمع كلّ من يحاول التحرّر من التـقاليد أو الطقوس الدّينية السائدة داخل المجتمع. وبهذه البنود، يمكن للدولة، أو للتيارات الاسلامية المتعصّبة، أن تضطهد كلّ مواطن لا يخضع للدّين بالقدر الذي تريده هذه التيارات الإسلامية الأصولية المتشدّدة. وتنحاز هذه القوانين إلى مفهوم أصولي متعصّب لِ ”الشريعة الإسلامية”. وتتدخّل هذه القوانين في العلاقة الحميمية بين الفرد والإله. وتتعارض هذه القوانين مع حرية العقيدة الشخصية. وتحدّ من حرّيات المواطنين. ولا تنسجم مع المواثيق الحقوقية الدولية. وغاية هذه البنود المذكورة هي فرض أسلمة الدولة، وأسلمة المجتمع، بقوة القانون».
وأجاب المحافظون: «لن نقبل السّماح بنشر رسوم كاريكاتورية تسيء إلى الأديان أو الأنبياء، سواءً داخل المغرب، أم في أي بلد آخر من العالم. هذه مقدّساتنا، ولن نتساهل مع من يزدريها».
وردّ التـقدميون: « أوّلا، عقلية التّهديد والوعيد، تتنافى مع روح القانون. والمطلوب من كل المواطنين هو الإحتكام إلى قوّة المنطق، وليس إلى منطق القوّة. ثانيا، في البلدان الغربية الديمقراطية، يدخل فنّ الكاريكاتور ضمن حرّية التفكير، وحرّية التعبير، وحرّية الإبداع الفنّي. ولن تـقبل أبدًا شعوب هذه البلدان (في كلّ من أوروبّا، وأمريكا، وآسيا، وأستراليا، وأفريقيا) بأن تُقيّد هذه الحرّية، أو أن تمنعها. ثالثًا، مفهوم ”الإساءة” إلى الأديان أو الأنبياء هو مفهوم غامض، ومبهم، وغير مُثبت. وهذه ”الإساءة” المزعومة لا تتجسّد في أي شيء واضح، ملحوظ، ملموس، محدّد، وقابل للقيّاس الموضوعي. رابعًا، لا يُعقل أن نعمل في القانون الجنائي بجرائم مبهمة، أو بمفاهيم غامضة، أو خاضعة للمزاج الذّاتي. خامسًا، الحقيقة هي أن الحركات الإسلامية المتعصّبة لا تعادي فقط الرسوم والكاريكاتور، وإنما تعادي كل الفنون الجميلة، بما فيها الغناء، والموسيقى، والرقص، والنحث، والسينيما. وتُعادي أيضًا الأدب، والفلسفة، والثقافة، والعلوم الدقيقة. وتريد تحويل المجتمع إلى صحراء قاحلة وخالية من كلّ تعبير فنّي أو إنساني. وهذا العداء للفنون وللثقافة، لا يوجد فقط في الإسلام، وإنما يوجد، ولو بدرجات متفاوتة، في مجمل ديانات الشرق الأوسط، بما فيها اليهودية، والمسيحية. سادسًا، وعلى عكس ما يُردّده كثير من الأشخاص، وبعض وسائل الاعلام العربية، لا يمكن لأي رسم، أو كاريكاتور، أو خَربشة، يرسمها طفل هنا، أو رسّام هناك، أن تسيء إلى الدّين، أو إلى الإله، أو إلى الأنبياء. وتبقى الرّسوم، أو الكاريكاتور، مجرد خربشات على الورق، ويستحيل على هذه الرّسوم أن تسيء إلى الأديان، أو إلى الإله، أو إلى الأنبياء. لأن هذه المقدّسات الدّينية هي محمولة في قلوب المؤمنين، وتبقى بعيدة عن متناول تلك الرّسوم، أو الخربشات، ومستـقلّة عنها، ومترفّعة عنها».
وأجاب المحافظون: «هذه البنود في القانون الجنائي هي امتداد طبيعي لدستور سنة 2011 الذي يقول أن دين الدولة هو الاسلام. والغالبية العظمى من الشعب تريد إقامة مثل هذه القوانين. وتريد تطبيق الشريعة الاسلامية. وما على الأقلية القليلة المعارضة إلاّ أن تنضبط للأغلبية السّاحقة».
وردّ التـقدميون: «أولاً، يمكن لأغلبية اليوم أن تصبح أقلية غدًا. وفي هذه الحالة، سيكون من العبث أن تغيّر الحكومة، كلّما أتت الانتخابات بأغلبية حكومية جديدة، القانونَ الجنائي لكي يتماشى مع رأيها حول ”الشّريعة الإسلامية“؟ ثانيًا، هذا التجريم المذكور سابقًا، يتناقض مع المواثيق الدولية التي صادق المغرب عليها. الشيء الذي يطرح تساءلات حول مدى جدّية الدولة المغربية، ومصداقيتها، والتزامها بما تُوقّع عليه. ثالثًا، قضايا الإيمان الدّيني، أو العبادة، أو التديّن، أو الموقف الفكري، أو الرأي الفلسفي، أو الرّؤية الأيديولوجية، سواءً تجاه الإسلام، أم تجاه أي دين آخر من بين الأديان، تدخل كلّها ضمن الحرّيات الشخصية، ولا نـقبل إخضاعها للقانون الجنائي. كما نرفض إخضاعها لمنطق الأغلبية والأقلية. وما دام أي فكر، أو عقيدة، أو رأي، مجرّد فكر، دون تحوّله إلى فعل هجومي يعتدي على سلامة شخص آخر، فإن التّعبير عن هذا الفكر يبقى مشروعا، ومباحا، حتّى ولو كان هذا الفكر مُلحدًا، أو كافرًا، أو عنصريّا، أو رِجْعيّا، أو ثوريّا. رابعًا، لا يحق للمشرّع، ولا للقانون، أن يكون متحيّزًا لصالح تيّار إيديولوجي ضدّ آخر، ولو تعلّق الأمر بتيّار إسلامي أصولي يريد تطبيق ”الشريعة الاسلامية”».
فأجاب المحافظون: «يجب تفعيل دستور سنة 2011 الذي يقول بأن دين الدولة هو الاسلام. ومن واجبنا التشبّت بهويتنا الاسلامية. ويوجد إجماع لدى الشعب المغربي كله على ضرورة العمل بِ ”الشريعة الاسلامية“. ونحن غير مجبرين على الأخذ بالرأي المخالف لأقلية قليلة تُعد بِبضعة أفراد فقط! و”الشريعة الاسلامية“ هي من ثوابتنا المقدسة. وهذه خطوط حمراء، ولا نسمح لأحد بأن يتخطّاها. وعليه، فمن واجب الدولة أن تدافع عن الدين الاسلامي، وأن تحميّه بقوّة القانون».
وعقّب بعض التـقدميين: «هل توجد ولو جملة واحدة، في الكتب المقدّسة، مثل التّوراة، أو التّلمود، أو الإنجيل، أو الزّبور، أو القرآن، يطلب فيها الإله من الدولة أن تحميه؟ وإذا لم يحم الإله دينه، هو بنفسه، فهل تستطيع أية جماعة، أو مؤسّسة بشرية، أن تحمي هذا الدّين، نيابةً عن الإله؟ وإذا كان الإله يحتاج حقيقةً إلى حماية الدولة، ألاَ يعني وجود هذه الحماية أن هذا الإله ضعيف؟ وإذا كان هذا الإله ضعيفا، ألاَ يعني هذا الضعف أن هذا الإله ليس هو الإله الحقيقي؟ وما الفائدة من فرض تديّن معيّن بقوّة القانون؟ وما الفائدة من عبادة مفروضة بالقوّة؟ وهل يُعقل أن يقبل الإله بأن يُفرض دينه بالقوّة، بدلاً من استعمال الإقناع السلمي المُطلق الحرّية؟ ما معنى هذه التساءلات؟ معناها أن دخول الحكومة الحالية في محاولة أسلمة الدولة، أو أسلمة المجتمع، بواسطة قوّة القانون، ستؤدّي حتمًا إلى انحرافات خطيرة، وقد تؤدّي إلى حرب أهلية، مثلما حدث في أفغانستان، وباكستان، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، ومصر، والسودان، والصّومال، وليبيا، إلى آخره. لأن نفس الأسباب، تؤدّي إلى نفس النتائج. فهل يُعقل أن تبقى التّيارات الإسلامية الأصولية أو المتعصّبة عاجزة على الاستفادة من هذه الحروب الأهلية المشتعلة في قرابة عشرة بلد مسلم؟ والحل الوحيد لتلافي خطر تطوّر المجتمع نحو حرب أهلية، هو ”الفصل بين الدّين والدّولة“. وينتج كذلك عن مبدأ ”فصل الدّين عن الدولة“ تدابير أخرى، منها الفصل بين الدّين والسياسة، والفصل بين الدّين والقانون، والفصل بين الدّين والفنون، وسنّ حرّية العقيدة، وحرّية العبادة، وحرّية عدم العبادة. لماذا؟ لأنه يستحيل التوفيق بين الدّين والعقل. ولأن الدولة، والسياسة، والقانون، يخضعون كلّهم للعقل، وللتّشاور المجتمعي، في ترابط بتطوّر المجتمع. بينما الدّين يخضع فقط لإيمان مطلق، ولنصوص ومعتـقدات دينية مقدّسة، ثابتة، جامدة، ومطلقة. بالإضافة إلى أن أية قراءة لهذه النّصوص المقدسة تبقى شخصية، أو ذاتية، أو بعيدة عن الموضوعية».


      6) هل يُعقل تجريم «زعزعة عقيدة مسلم»؟
في ”مسودة” القانون الجنائي، تُعاقب المادة 220-1 بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين، وبغرامة قد تصل إلى 20.000،00 درهم، كلّ من قام ب: ٍ«زعزع عقيدة مُسلم، أو تحويله إلى ديانة أخرى»! وتُجرّم أيضًا المادة 221 كل من «عطّل عمدا أو مباشرة إحدى العبادات»!
وقال بعض التـقدميين: «حول ”زعزعة عقيدة مسلم“، لنتصوّر مثلاً حدوث حوار فكري، أو فلسفي، حول موضوع خلق الكائنت الحيّة. ومن المعلوم أن مجمل الدّيانات، بما فيها اليهودية والمسيحية والإسلام والسيخية، إلى آخره، تعتـقد أن الإله خلق الكائنات الحية، دفعةً واحدة، في أشكالها، وبِمُمَيّزاتها، التي نراها اليوم. بينما نظرية ”تطوّر الأجناس“ (Théorie de l’évolution)، التي أسّـسها العالم ”شارل داروين“ (Charles Darwin)(1)، توضّح أن مجمل المخلوقات الحيّة، تنحدر من أسلاف مشتركة. وطرح ”شارل داروين“ أن هذه الأنماط أو الأجناس تنتج عن عملية وصفها بِ ”الانتـقاء الطبيعي“ (sélection naturelle). وطرح ”شارل داروين“ أن صراع الكائنات الحيّة من أجل البقاء في الحياة، له تأثير مشابه للإختيار الذي يقوم به الانسان لانتـقاء أحسن الحيوانات الأليفة أو المُدجّنة، لكي تتوالد وتكاثر. وتنبني نظرية ”شارل داروين“ على جمع وترتيب المعلومات عن الأجناس، وعلى عِلم الآثار القديمة (archéologie)، وعلم المتحجّرات (paléontologie)، وعلى عِلم الأحياء (biologie)، إلى آخره. وتُبيّن أن الكائنات الحيّة الحالية لَمْ تُخلَق دفعة واحدة (مثلما تـقول الأديان)، أي أنها لم تكن دائما موجودة على الشّكل الذي هي عليه الآن، وإنما تنحدر من حيوانات أخرى، والتي تنحدر هي أيضًا، في آخر المطاف، من حيوان أصلي مشترك. وكل جنس (من الكائنات الحيّة) كان يتطوّر عبر الزّمان، خلال ملايين السّنين. وكلّما توفّرت ظروف خاصّة، مُؤثّرة في الجينات الوراثية، يمكن أن يتحوّل جنس مُعيّن، حيث يَتَـفـرّع إلى جنسين متميّزين أو أكثر. فيصبح كل جنس يتوفر على أشكال، أو صفات، تميّزه عن مجمل الأجناس الأخرى السابقة. ولنفترض الآن، حدوث حوارات فكرية أو فلسفية، من هذا الصّنف، داخل أقسام المدارس، أو الجامعات، أو في المقاهي، أو في مقصورات القطارات، أو في غرف الحمامات العمومية. ولنفترض أن أنصار نظرية ”شارل داروين“ قدّموا براهين علمية قوية، وأقنعوا مواطنين كثيرين بهذه النظرية. ولنفترض أن هذا الحوار الفكري، أو الإقناع النظري، أدّى إلى ”زعزعة عقيدة أو إيمان“ بعض المواطنين المسلمين. ولنفترض أن بعض المواطنين، المقتنعين بالتّـفسير الدّيني لخلق الكائنات الحيّة، إشتكوا إلى الدولة (أو إلى القضاء)، ضدّ مناصرين لنظرية ”شارل داروين“، واتّهموهم بجرائم: ”زعزعة عقيدة مسلمين“ (المادة220-1)، أو ”الإساءة إلى مشاعر المسلمين“، أو ”ازدراء الدّين الإسلامي“، أو ”الاستهزاء، أو الإساءة إلى الله، أو الأنبياء، أو الرّسل“ (المادة 219)! ماذا يجب على الدولة، أو القضاء، أن يفعلا في هذه الحالة؟ هل يُعقل أن يُجرّم القانون الجنائي المواطنين الذين يشرحون نظرية ”شارل داروين“؟ وفي هذه الحالة، ولكي نكون منطقيين مع أنفسنا، لماذا لا نجرّم تعليم أو نشر كل العلوم الدقيقة (sciences exactes)، باعتبارها تختلف جذريا، هي أيضًا، في منطقها، وفي تعاليمها، مع المعتـقدات الدّينية؟ وهل يُعقل أن نحكم على هؤلاء المواطنين (المروّجين لنظريات العلوم الدقيقة) بحبس يتراوح بين سنة واحدة و 5 سنوات، وبغرامة مالية تتراوح بين 20.000،00 درهم وَ 200.000،00 درهم؟ وحتّى إذا افترضنا أن ”عقيدة“ أو ”إيمان“ بعض المواطنين المسلمين أصبحت ”متزعزعة“ نتيجة لقوة هذه النظريات، هل سببُ هذه ”الزعزعة“ يرجع إلى ما سمعوه من أفكار (علمية أو فلسفية) في محيطهم المجتمعي، أم يرجع إلى هشاشة محدّدة في إيمانهم، أو يرجع إلى ضعف مَا هو موجود في ذلك الدّين المعني»؟
وردّ المحافظون: «ولماذا لاَ؟ يجب فعلاً تجريم ومعاقبة كل ما يؤدّي إلى زعزعة عقـيدة المسلمين! واجب الدولة هو حماية الدّين وصيانته بجميع الوسائل»!
فقال التـقدّميون: «في هذه الحالة، قولوا لنا ما هو هدف التّيار السياسي الإسلامي الذي صاغ ”مسودة مشروع القانون الجنائي”، هل هدفه هو صيّانة ”عقيدة المسلمين“ عبر منع تنوير الشعب؟ أو عبر تجريم تثـقيف الشعب؟ هل يجوز حقّا للدولة أن تحفظ عقيدة المسلمين، عبر منع حرّية التفكير، وحرّية التعبير، وعبر فرض الجهل، أو تـقديسه؟ هل يحقّ للدولة أن تترك الشعب في جهل مقدّس؟ وما هو هدف القانون الجنائي؟ هل هدف القانون الجنائي هو صيانة ”عقيدة المسلمين“، أو منع ”زعزعتها“؟ هل دور القانون الجنائي هو فرض ”أسلمة الدولة والمجتمع“، بقوّة القانون؟ لاَ، هذا توجّه مُتحيّز، وغير سليم. لأن دور القانون الجنائي هو فقط الفصل في النّزاعات أو التظلّمات التي تحدث بين المواطنين والمؤسّـسات، ومعاقبة السّلوكيات التي تتسبّب لمواطنين محدّدين في أضرار ملحوظة، وملموسة، وقابلة للقياس؟ أمّا الدّين، أو العقيدة، أو العبادة، أو عدم العبادة، فلا يحق لاَ للدولة، ولاَ للقانون، أن يتدخّلا فيها. لأنها تدخل ضمن الحريات الشخصية».
وقال بعض أطر وزارة العدل: «إنكم تبالغون في أحكامكم. بل هناك سوء تفاهم بيننا. لأن المادة 220-1 التي تُجرّم ”زعزع عقيدة مُسلم، أو تحويله إلى ديانة أخرى“، تستهدف فقط البعثات الأجنبية المُبشرة، التي تأتي إلى المغرب لنشر المسيحية، وتستغلّ فقر بعض المواطنين، وتـقدم لهم مساعدات مادّية متنوّعة، بهدف إغرائهم، أو جذبهم إلى المسيحية».
وردّ عليهم بعض التـقدميين: «إذا كان هذا هو قصدكم، فاكتبوه بوضوح في هذه المادة. لكن واجبنا نحن، هو أن نقرأ مشروع القانون الجنائي كما هو مكتوب، وليس كما تؤوّلونه أنتم. لأن القضاة سيحكمون في المستـقبل بما هو مكتوب حرفيّا في القانون، وليس بما هو مُضمر أو مُفترض فيه»!
وأضاف بعض التـقدمينن: «يمكن لكل مواطن أن يختار بحرية ما هو نوع القانون الجنائي الذي يتمناه، هل قانون خاضع للدّين، أم قانون منفصل عن الدّين. لكن علي هذا المواطن أن يتحمل مُسبقًا مسئولية اختياراته السياسية أو المجتمعية. حيث لا يُعذر أحدٌ بجهله للتاريخ. وحيث أن التجارب التاريخية، لمجمل شعوب العالم، أثبتت أن إخضاع القانون للدّين، يؤدّي حتما إلى الحرب الأهلية، ثم إلى الانحطاط، ثم إلى الخراب. وهذا بالضبط هو ما يحدث حاليا في كلّ من أفغانستان، وباكستان، وسوريا، والعراق، ومصر، واليمن، والصومال، والسودان، وليبيا، ولبنان، إلى آخره. وبلدان مسلمة أخرى هي مرشّحة لمصير مشابه، ومنها مثلاً المغرب، والجزائر، وموريطانيا، والسعودية، والإمارات، إلى آخره. لماذا؟ لأن القانون يستوجب العقل، بينما الدّين يُلغي العقل. ولأن الحل الوحيد المعقول، هو الفصل بين الدين والدولة، وتبعًا لذلك، الفصل بين الدّين والقانون».
وقال بعض المحافظين: «مسألة الفصل بين الدين والدولة تؤدي بنا إلى تغيير النظام السياسي القائم. وهذا التغيير ممنوع كلّيًا، وذلك بالضبط بقوة عدّة مواد من القانون الجنائي».
وردّ بعض التـقدميين: «غاية المجتمع، وغاية الدولة، هي الانسان؛ أمّا النظام السياسي القائم، فهو وسيلة، وليس غاية في حدّ ذاتها. فلا يجوز تجريم طموح الانسان إلى تغيير النظام السياسي القائم»!


7) هل يجوز تجريم العلاقات الجنسية المُتراضية؟
تُعرّف المادة 490 «جريمة الفساد» بكونها هي: «كل اتصال (؟) جنسي (؟) غير شرعي (؟) بين رجل وامرأة، لا تربط بينهما علاقة زوجية». وتُعاقب عليها بحبس قد يصل إلى 3 أشهر، وغرامة 20 ألف درهم.
وقال بعض التـقدّميين: «هذا التعريف ”لجريمة الفساد“ خاطئ تمامًا. ولا يمكن أن يقبل به أي عقل سليم. فكأن كاتب هذه المادة تستبدّ داخل دماغه وَسَاوِس الجنس المُستلب. حيث لا يُدرك أن عبارة ”اتصال جنسي“، لا تعني بالضرورة ”النّكاح“، وإنما قد تعني اتّصالاً، أو تواصلاً، بين جنسين، عبر مجرّد تـقارب، أو كلام، أو مجاورة، أو مرافقة، أو مذاكرة، أو تعارف، أو مداعبة، أو تواصل، أو مصاحبة، أو صداقة. فهل واضعوا هذا القانون يريدون أن يعتـقل البوليس كل شابّ أو رجل وُجِدَ رفقة امرأة ليست زوجته، وأن يحكم عليه القاضي بِ 3 أشهر حبسًا وغرامة 20 ألف درهم؟ ماذا يريد واضعوا هذه المادة؟ هل يريدون أن لا يحدث في المجتمع كلّه أي اتصال بين الإناث والذكور؟ هل واضعوا هذا القانون ضلّوا إلى درجة أنهم يريدون تـقسيم المجتمع إلى إناث وذكور، بواسطة جدار عازل غير مرئي، يهدف إلى فرض فصل جنسي مطلق بين النساء والرجال؟ هل يريدون معاقبة كل مواطن يتخطّى هذا الجدار العازل غير المرئي؟ ألاَ يعرفون أن مجمل البلدان التي تتشدّد في منع العلاقات الجنسية (الخارجة عن الزواج)، ومن أشهرها مثلاً السعودية، أو الإمارات، تكون فيها النتيجة الحتمية هي سفر جزء هام من مواطنيها الأثرياء إلى البلدان الغربية، التي يجدون فيها الحرّية الجنسية، والملاهي الليلية، وأحياء الدعارة، فينفقون فيها الملايير من الدولارات؟ وهل مصلحة الشعب تكمن في تحقيق الاندماج بين الإناث والذكور، أم أنها تكمن في فرض الفصل المطلق بينهما؟ هل مصلحة المواطنين تكمن في تحقيق التّعاون والتكامل بين الجنسين، أم في التمييز الإقصائي ضدّ الإناث؟ ألا يؤدّي هذا الفصل الجنسي إلى الحكم على الإناث بالبقاء داخل بيوتهنّ، وتحويل هذه البيوت إلى سجون خاصّة بالنساء؟ ألا يشكّل هذا الفصل بين الإناث والذكور تمييزًا عنيفًا ضدّ النساء؟ وهل يجوز للقانون الجنائي أن يتدخّل في هذه الاعتبارات»؟
وردّ بعض المحافظين: «أنتم تريدون تعميم الاختلاط بين الذكور والإناث في المجتمع كلّه. وهذا الاختلاط يؤدي حتمًا إلى الإباحية الجنسية. والإباحية الجنسية لا تنتج سوى الفساد، والزّنى، والفحشاء، والرّذيلة»!
وقال بعض التـقدّميين: «يجب على واضعي هذه المادة 490 أن يعرفوا، أن مجمل الدول المتـقدّمة في العالم، تعتبر أن كل علاقة بين رجل وامرأة رَاشِدَيْنِ، إذا كانت سِلمية، وبالتّراضي، وإذا لم تكن تعني قاصرًا، ولا معوّقًا، وإذا لم يشتكِ منها أي طرف ثالث (مثلما يحدث في حالة الخيانة الزوجية المُشتكى منها)، فإن هذه العلاقة لا تُعتبر جريمةً، ولو تخلّلتها علاقة جنسية! وكل من يدعو إلى عكس ذلك، فهو في حاجة إلى مراجعة أفكاره. لأن هذا الغلوّ في الأخلاق، بِوَاعِز ديني أصولي متعصّب، يصبح هو نفسه جريمة حقيقية، لأنه يعتدي على الحريات الشخصية للمواطنين. حيث يريد منع المواطنين من التواصل فيما بينهم».
ووأضاف بعض التـقدميين: «هذه المادة 490 تُجرّم كل اتصال يحدث بين رجل وامرأة خارج علاقة الزواج. بينما الجريمة، في منطق القانون، لاَ تعتبر أصلاً جريمة، إلاّ إذا كانت تتجسّد في اعتداء مُنتج لضرر ملموس، وملحوظ، ومُشْتَكَى منه. بينما كل علاقة تفاعل مجتمعي بين مواطنين (سواءً كانا من جنسين مختلفين، أم من نفس الجنس)، أو كل تواصل مبني على أساس التفاهم، والقبول، والتّراضي، دون إحداث ضرر لأحد، لا يحق للدولة أن تتدخّل في هذه العلاقة، فبالأحرى أن تجرّمها. وبشكل عامّ، لا يحقّ للدولة أن تتدخّل في العلاقات الجنسية القائمة بين المواطنين، إلاّ في الحالات التي يوجد فيها اعتداء، أو عنف، أو إكراه، أو مخادعة، أو الاتّجار في البشر، أو استعبادهم. وحتّى المادة 491 هي نفسها تنصّ على أن الخيانة الزوجية لا تُعتبر جريمةً ”إلاّ إذا اشتكت منها الزوجة أو الزوج“. أي أنه إذا لم يوجد شرط الشّكاية ضدّ الخيانة الزّوجية، فإنها لا تعتبر جريمة»!
وقال بعض التقدّميين: «تُريد الحكومة ”الاسلامية” الحالية تجريم العلاقات الجنسية التي تحدث خارج الزواج. فتظهر هذه الحكومة كأنها مُتحلّية بالأخلاق الحميدة, وبالعِفّة، والطّهارة. بينما نحن الذين نرفض تجريم العلاقات الجنسية المُتراضية، نظهر كأننا إباحيّون، أو مُدنّسون، أو فاسقون، أو فاجرون. لكن التعمّق في تحليل واقع المجتمع قد يفضح عكس ذلك. فبدلاً من أن تنهج الحكومة الحالية استراتيجية تنموية تراهن على جودة التعليم، وعلى تكوين الأطر الكُفأة، وعلى الصّناعات المُصَنِّعَة، نرى هذه الحكومة تُركّز على سياحة الأفواج الغفيرة. وقد وفّرت الحكومة رساميل هائلة لتشييد أو تسهيل بنيات تحتية سياحية قادرة على استيعاب أكثر من عشرة ملايين سائح في السنة، ومن جميع الأصناف. وتطمح الحكومة إلى بلوغ 15 أو 20 مليون سائح في أفق سنة 2020. وتزعم الحكومة أن هذه السياحة تأتي بالملايير من العملات الصعبة. وبعد تطبيق هذه الاستراتيجية السياحية منذ أزيد من 20 سنة، نلاحظ أنها لم تحقّق التنمية الاقتصادية المنشودة، ولم تزل الفقر، ولم تقض على البطالة. وإنما جاءت بعدة مشاكل من نوع جديد. ومنها بالضبط تنمية صناعة الخدمات الجنسية، والدّعارة، والشذوذ الجنسي، وشبكات المخدّرات المتنوعة. حيث نكتشف أن مناطق المغرب التي تتميّز بضخامة السياحة فيها، مثل مناطق مدن ”أگادير”، ومراكش، وفاس، وطنجة، والدار البيضاء، هي بالضبط المناطق التي تكثر فيها أعداد المصابين بداء ”فقدان المناعة المكتسب” (السّيدا)، وأعداد الشبّان والشابّات المتعاطين للدّعارة، أو الشذوذ الجنسي. ورغم حسن النّوايا، لا تقدر أية حكومة في العالم على فصل أنشطة السياحة عن أنشطة الجنس. لأن تعايش السياحة، والبطالة، والفقر، ينتج بالضروة تجارة الجنس. وكلّما التقى سيّاح أجانب ميسورون، مع سكان محلّيين فقراء أو عاطلين، فإن ظواهر مبادلة الجنس بالمال تصبح حتميّة. خاصّة حينما تكون نسبة الشّبان والشابات في بنية السّكان هي الغالبة. ومجمل الشغوفين بالجنس، أو بالشذوذ الجنسي، الموجودين في أوروبّا، يعرفون أن المغرب هو من بين جَنّات الجنس في العالم. ولو أن المغرب هو أقلّ مرتبةً من بعد طايلاندا، والفليبين، والبرازيل، وبلدان أخرى. وكل سياحة عرمرمة إلاّ وتخفي داخلها سياحة جنسية. ثم تخلق سياحة الجنس تقاليد جنسية جديدة داخل البلد المضيف. وقد تـتواصل مظاهر هذه التقاليد الجنسية خلال زمن طويل. ومهما كان القانون زجريا أو قمعيا، فإنه لا يقدر على محو هذه التقاليد الجنسية بسرعة».
وتجرّم المادة 489 «من ارتكب فعلا من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه»! وتبقى هذه المادة غامضة؛ لأنها لم تُحدّد ما هي «أفعال الشذوذ الجنسي»، هل هي اللّمسات، أم العناق، أم القبلات، أم المعاشرة، أم المُساكنة، أم اللّواط، أم الجِماع، أم النّكاح، أم هي أيّ كان من بين هذه الأفعال؟ وتُعاقب هذه المادة 489 «أفعال الشذوذ الجنسي» بحبس يتراوح بين 6 أشهر و 3 سنوات(!)، وبغرامة قد تصل إلى 20 ألف درهم(!).
وقال بعض التـقدّميين: «هذه المادة 489 هي مقلقة، بل مرفوضة ! لأنها تتناقض مع المنطق السّليم. ولأن معظم الدول المتـقدمة في العالم لاَ تُجرّم الشذوذ الجنسي، ولاَ تعاقب عليه، ما دام بالتّراضي، ولا يشمل قاصرًا. وتجريم ”الشذوذ الجنسي“ هو غلوّ في الأخلاق، وينتج عن طغيان أيديولوجية دينية أصولية ومتشدّدة».
وأضاف بعض التـقدميين: «يُريد كاتبو هذه المادة 489 منع المصابين بالشذوذ الجنسي من ممارسة الجنس؟ طيّب ! لكن ما هو البديل الجنسي الذي يُقدّمونه إلى المصابين بالشذوذ الجنسي؟ لاَ شيء ! أليس الشذوذ الجنسي في كثير من الحالات فطري، أو طبيعي، أو غريزي، أو ناتج عن خصوصية جِينِيّة أوِ وراثية (DNA,RNA)؟ وما عَسَى أن يفعل الشخص المصاب بالشذوذ الجنسي؟ هل في مقدوره حقّا أن يمتنع كلّيا عن ممارسة الشذوذ الجنسي مع مثيله؟ أليس هذا نكران لحقائق معروفة، موضوعية، وقاهرة»؟
وأجاب بعض المحافظين: «هذه الاعتبارات سخيفة، وهذه التفسيرات مرفوضة مطلقًا. والمهم لدينا، هو فقط تجريم كل علاقة جنسية تحدث خارج الزواج. وكل القضايا الأخرى لا تهمنا»!
وأضاف بعض التـقدميين: «كاتبوا هذه المادة 489 هم مصابون بِغلوّ في الأخلاق بواعز ديني أصولي متعصّب. ولا يفهمون أن غلوّهم هذا هو الذي يحثّهم على محاولة فرض الفصل المطلق بين الإناث والذكور (طبقا للمادة 490). ولا يدركون أن هذا الفصل الأحمق بين الإناث والذكور هو بالضبط الذي ينتج شتّى أنواع الانحرافات الجنسية، ومنها مظاهر الشذوذ الجنسي. وبعد ذلك يريدون تجريم الشذوذ الجنسي. إنهم كمن يبيع القِردَ، ثم يضحك على من اشتراه. ومحدودية ثقافة كاتبي هذه المواد تجعلهم لا يفهمون أنه، بقدر ما يكون أي شعب متشدّدا في كَبْت الجنس، وفي منع العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج، بقدر ما تنتشر داخل هذا الشعب الكثير من أنواع الانحرافات الجنسية (مثل الأستمناء باليد، والشذوذ الجنسي، والمِثْلِيّة الجنسية، والوَلَع بالعلاقات الجنسية مع الأطفال، والاغتصاب، والعلاقات الجنسية مع المستخدمين أو المأجورين، والعلاقات الجنسية مع الحياوانات، والجرائم العنيفة المقرونة بِهَوَس لا يُقاوم نحو الجنس، إلى آخره). وإذا كانت البلدان المسلمة هي التي تكثر فيها الانحرافات الجنسية، أكثر من باقي بلدان العالم، ولو أن هذه الانحرافات تبقى عموما مستورة، فسبب ذلك يرجع بالضبط إلى كَبْت الجنس، ومنع الاختلاط بين الذكور والإناث، وتجريم العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج. وسياسة كَبْت الجنس هته، تُنتج مواطنين مأزومين، أو مُعقَّدين، أو عنيفين، أو مصابين بأمراض نفسية، أو بالكآبة، أو بالاستيلاب، أو غير مؤهّلين للشعور بالرّضَى عن النفس، أو غير قادرين على الانشراح، أو عاجزين على التّـحكّم في غرائزهم، أو غير لائقين للإبداع. وفي بعض الحالات، الأشخاص الذين يخضعون إلى الكَبْت المطلق للجنس، خلال سنين طويلة، يصبحون ذوي ميولات غريبة. منها مثلاً أنهم لا يستطيعون ممارسة الجنس إلاّ عبر العنف، أو العدوانية، أو الصّراخ، أو إحداث الألم للشّريك، أو ”السّادية” (sadisme)، أي المُتعة بتعذيب الغير، أو ”المَاسُوشِية” (masochisme)، أي التّلَذّذ بتعذيب النّفس، أو الخلط بينهما (sadomasochisme). ويمكن أحيانًا لِبعض السّلوكيات، مثل التحرّش الجنسي العنيف، أو الإرهاب الدّيني، أن تكون ناتجة عن سنوات طويلة من الحرمان من العلاقات الجنسية العادية. وبعبارة أخرى، فإن الحرمان المطلق من العلاقات الجنسية (الخارجة عن الزواج) تُحَوّل البشر إلى وحوش مريضة وغريبة. وبالتّالي، فالحل السليم، ليس هو المنع، أو التشدّد، وإنما الحلّ هو التعامل مع العلاقات الجنسية (الخارجة عن الزواج) بعقلانية، ومرونة، وتسامح، وتفهّم، وتواضع. وفي نفس الوقت، يجب الحرص على تعميم التربية الجنسية، وتسهيل الحصول على وسائل منع الحمل للجميع».
وقال بعض المحافظين: «الاباحية الجنسية مرفوضة، لأنها تتنافى مع قيمنا الدّينية، ومع ثوابتنا المقدّسة. ولأنها تهدّد قواعد أمننا الرّوحي والعقائدي. ومن واجب الدولة أن تمنع، بواسطة القانون الجنائي، كل ما من شأنه الإساءة إلى أخلاق أو مشاعر المسلمين».
وأجاب بعض التـقدميين: «يمكن أن نتفهّم هذا الخوف المبالغ فيه من العلاقات الجنسية (الخارجة عن الزواج) خلال القرون الماضية، التي كانت تنعدم أثناءها التربية الجنسية، ولا تتوفّر فيها وسائل منع الحمل. أمّا اليوم، فإن الانسانية تتوفّر على وسائل وقائية رخيصة وسهلة لمنع الحمل، ولمعالجة الأمراض التي يُحتمل أن تنتج عن العلاقات الجنسية. ووجود هذه الوسائل، سَيُغيّر بالضرورة تعامل مجمل الانسانية مع العلاقات الجنسية (بما فيها الخارجة عن الزواج). وهذا التطوّر التاريخي سيحدث حتما في كلّ بلدان العالم. ويستحيل على أية مؤسّـسة بشرية أو دينية أن تمنع حدوث هذا التطوّر. ونلاحظ اليوم أن الإسلاميين المتشدّدين يريدون منع العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج (المادة 490)، ومنع الدعارة أو البغاء (المادة 498)، ومنع الشذوذ الجنسي (المادة 489). طيّب ! أيْوَا، ومِن بَعْد؟ ماذا سيفعل كل المواطنين العُزّاب خلال السنوات الطويلة لعُزوبتهم؟ لا يبقى لهم سوى الاستمناء باليد ! هل هذا هو ما يريده الإسلاميون المتشدّدون لكل المواطنين العُزّاب؟ ولماذا لم يُجَرّم هؤلاء المتشدّدون حتّى الاستمناء باليد؟ هل فقط لأنهم نَسَوْا تجريمه؟ وفي الحقيقة، لو كان بمستطاعنا أن نطبّق فعليًّا، وبنزاهة، كل هذه المواد 489، و 490، و 498، فإن معظم المواطنين البالغين سَيَطُولهم الحبس، في فترة أو أخرى من حياتهم. وإذا قبلنا بهذا المنع المطلق للعلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج، ولكي نكون منطقيين مع أنفسنا، فسيكون من الأحسن، في هذه الحالة، أن نقلّد العادات المعمول بها في بعض بلدان غرب إفريقيا: أي أن نَخْتِن الفتيات الصغيرات، وحتّى أن نقطع خصيات الأطفال، وهكذا سيرتاح المجتمع كله من العلاقات الجنسية. ولكن المجتمع سيغدُو، في هذه الحالة، بَاهِتًا، عَبُوسا، ثم سيفنى في استيّاء يأس. هل هذا هو ما يريده المتشدّدون تجاه العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج»!؟
وأضاف بعض التـقدميين: «السّر الذي يُفسّر التشدّد تجاه العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج، يرجع إلى كون مجمل التيارات الدّينية الأصولية المتشدّدة (سواءً في اليهودية، أم المسيحية، أم الاسلام)، يرون في المرأة أصل مجمل الخَطايَا، وينظرون إلى الجنس كفساد، أو نجاسة، أو انحطاط، أو دناءة. ويُبالغون في الخوف من كل علاقة جنسية. ويظنون أن السّبيل الوحيد للخلاص من هذا الجنس القذر، يمرّ عبر تعبئة الأخلاق، أو الإرادة، أو العَفَاف، أو الإمساك، أو الزُّهْد، أو الامتناع، أو الطّهارة. وهذا التصوّر ينمّ عن جهل طبيعة الانسان. وفي الحقيقة، الجنس هو شيء طبيعي، عادي، سليم، وملازم للإنسان. قد يستطيع العقل التحكّم في الجنس جزئيا، أو مؤقّتًا، لكنه عاجز على التحكّم فيه بشكل مطلق، أو دائم، إلى درجة الامتناع عنه كلّيا. لأن الجنس هو في أساسه، ليس قضية أخلاق أو إرادة، وإنما هو قضية أعضاء عضوية، وخلايا حيّة، وجينات (genes) وراثية مؤثّرة، وتحوّلات أَنْزِيمِيّة (enzymes)، وتفاعلات هُرْمُونية (hormones)، وتطوّرات بيولوجية. وفي إطار هذه الكمياء العُضوية المُعقّدة، يحدث تفاعل متبادل بين هذه المواد والدّماغ، دون أن يستطيع العقل الواعي التدخّل في هذه الصيرورة الكيماوية، ولا أن يتحكّم فيها، فبالأحرى أن يقدر على إلغاء وظائفها، طبقًا لنزوات أخلاقية أو دينية مثالية. لهذا يستحيل تحويل المجتمع إلى نوع من الكنيسة، أو المعبد، المملوء بِرُهْبان، أو كَهَنَة، أو قَسَاوِسة، أو فُقهاء، متميّزين بالزّهد، والعَفاف، والإمساك، والطّهارة المطلقة. والتاريخ أثبت أن هذا الطموح مستحيل. وفي مجتمعنا الحالي، مثلاً الشّاب الذي يصل البلوغَ في سنّ العاشرة، ولا يقدر على الزواج إلاّ في قرابة سنّ 30 سنة، هل يُعقل أن نمنع عليه، خلال قرابة 20 سنة، كل علاقة جنسية خارجة عن الزواج، وأن نمنع عليه الدّعارة، وأن نمنع عليه الشذوذ الجنسي، وأن نمنع عليه الاستمناء باليد؟ هذا أمر مستحيل! ولا يطرحه إلاّ جاهل! فما هو الحلّ إذن؟ مجمل التيارات الدّينية الأصولية لا تتوفّر على أي حلّ، ولا تـقدر على اقتراح أي حلّ (1). وتكتفي بمحاولة تطبيق أيديولوجية مثالية، مستحيلة، ومُسْتَلَبَة، قد تُخفي نفاقًا مكبوتًا»!
وقال تـقدميون آخرون: «مجمل التّيارات الدّينية الأصولية تُجرّم العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج، لأنها لا تـقدر على أن تفهم، أن كل مجتمعات العالم، لا تستطيع الاستغناء عن علاقات جنسية من صنف آخر. وهؤلاء المتعصّبون، لا يحرمون أنفسهم فقط من تلك العلاقات الجنسية من صنف آخر، ولكنهم يريدون، زيّادة على ذلك، منع كل المواطنين الآخرين من اللّجوء إلى تلك العلاقات الجنسية من صنف آخر. وهذا الميول المتطرّف نحو فرض أخلاق متعصّبة، مثالية، ومستحيلة، يشكّل تطاولاً على حقوق الغير وحرّياته. ولا يدرك المتديّنون المتشدّدون أنهم إذا كانوا يقبلون، هم شخصيا، هذا التعفّـف الجنسي، الذي قد يختفي وراءه نفاق معروف، فإن فئات مجتمعية واسعة ترفض هذا النّفاق، أو الاستلاب، وتفضّل الشفافية، والحرّية، والمسئولية، والإشفاق، والتعاطف».  

8) هل يجوز تجريم شرب الخمر؟

تتناول الموادُّ 286-1 إلى 286-3 «السّكرَ العلني». وتعاقب المادة 286-1 بالحبس من شهر واحد إلى 3 أسهر، وغرامة من ألفين إلى عشرة آلاف درهم، «كل شخص ضُبط في حالة سكر علني بيّن، في الأزقّة، أو الطّرق، أو في أماكن عمومية أخرى، وتسبّب في إحداث الضّوضاء، أو الفوضى، أو مضايقة العموم».

وقال بعض التـقدّميين: «تبقى هذه المادة 286-1 مُقلقة، بل مرفوضة في شكلها الحالي. أوّلاً، لأن غموضها يفتح المجال للشّطط في استعمال السلطة. وثانيًّا، لأنها تظهر كأنها تُجرّم ”السّكر العلني“، بينما مضمونها يُجرّم ”إحداث الفوضى“، أو ”مضايقة العموم“. وثالثًا، لأنها تنبني على مفاهيم غامضة، مثل مفهوم ”الفوضى“، أو ”مضايقة العموم“. ورابعًا، كان على هذه المادّة، بدلاً من استعمال عبارة ”وتسبّب في إحداث …“، كان عليها أن تقول: ”… إذا تسبّب في إحداث ضرر بالغير، أو تسبّب في عرقلة السّير على الطّرقات، أو ترهيب المارّة، أو الاعتداء على راحتهم“».

وأضاف بعض التقدّميين: «نعرف أن شرب الخمر يهلك أجسام القاصرين. ونقبل منع بيع الكحول إلى القاصرين البالغين أقل من 21 سنة. ونقبل منع سياقة السيارات أو الآلات تحت تأثير شرب الكحول. (والنسبة القانونية المعمول بها في بعض بلدان أوروبا هي: 0،5 غرام من الكحول في اللّتر من الدّم، أو 0،25 ميلّيغرام من الكحول في اللّتر من الهواء الخارج من الرّئتين). ونعرف أن شرب الكحول يتسبّب في نقصان التحكّم في النفس، أو يتسبّب في الإدمان، أو في اضطراب وظائف بعض أعضاء الجسم (مثل الدّماغ، أو العين، أو الأذن، إلى آخره). ونعرف أن وجود الكحول في الدّم يُحدث مثلاً: نقصًا في الرّؤية، أو بُطءًا في ردّ الفعل، أو سوء تقدير المسافات، أو المبالغة في تقدير الإمكانات الشخصية، إلى آخره. ورغم ذلك، نؤكّد أنه لا يحقّ للقانون الجنائي أن يعاقب على شرب الخمر، ولا على السّكر العلني. لأن شرب هذه المشروبات الكحولية يدخل ضمن الحريات الشّخصية، ولا يشكّل شُربها جريمةً. وما يحقّ للقانون أن يُجرّمه هو إحداث ضرر للغير، مثل عرقلة السّير، أو تخريب ممتلكات الغير، أو ترهيب المارّة، أو الاعتداء على راحة السّكان، سواءً كان فاعل هذه المخالفات في حالة سُكر، أم في حالة صَحْو. وكل شخص يشرب الخمر، دون أن يُحدث أيّ أذى للغير، لا يحقّ لنا أن نعتبره مُذنبا، أو مجرما، ولو بلغ درجة السّكر العلني. وبعبارة أخرى، القانون العادل، لا يُجرّم شرب الخمر، أو السّكر، وإنما يُجرّم التسبّب في إحداث أضرار للغير. لأن أصل الجريمة ليس هو مخالفة الدّين، أو الأخلاق، أو العادات، وإنما هو التسبّب في إحداث أضرار للغير».

وأضاف بعض التقدّميين: «إذا أراد القانون تجريم شرب الخمر، فإن هذا القانون يتحوّل إلى دِين أو أخلاق متشدّدة. ولو أننا نعرف أن الدّيانات لا تمنع شرب الخمر، وإنّما تكرهه، أو تنبذ الافراط فيه».


9) هل ينصف القانون الجنائي حقوق المرأة؟
تُجرّم المادة 479 الزّوج الذي «يترك عمدا، … ودون موجب قاهر، زوجه، مخلاّ بواجباته الزوجية… لأكثر من 4 أشهر». وتعتبر الجمعيات النسائية أن هذه المدة كبيرة جدا، ومجحفة في حق الزوجة، حيث لا تستطيع الزوجة أن تصبر بلا نفقة خلال 4 شهور.
وتـقول المادة 418: «يتوفّر عذر مخفّض للعقوبة، في جرائم القتل أو الجرح، أو الضرب، إذا ارتكبها أحد الزوجين ضد الزّوج الآخر وشريكه، عند مفاجأتهما متلبّسين بجريمة الخيانة الزوجية». وتضيف المادة 420: «يتوفّر عذر مخفّض للعقوبة في جرائم الجرح، أو الضرب، دون نيّة القتل، حتى ولو نتج عنها موت، إذا ارتكبها أحد أفراد الأسرة على أشخاص فاجأهم بمنزله وهم في حالة اتصال جنسي غير مشروع». كما أن المادة 421 تمنح هي أيضا عذرا مُخفّضا للعقوبة لمرتكب الضّرب والجرح، في حالة التلبّس باغتصاب، أو بمحاولة هتك عرض.
وقال بعض التـقدّميين: «بصدد المادة 418، أوّلاً، هذه المادة تشجّع الزوج على قتل زوجته في حالة اتّهامها بالخيانة الزوجية، حيث تضمن هذه المادة ظروفَ التّخفيف للزّوج القاتل! وهذا تمييز ظالم ومرفوض ضدّ المرأة. ورغم أن المادة تـقول ”إذا ارتكبها أحد الزوجين“، فإن المقصود الأعم هو قتل الزوج لزوجته. ثانيًّا، تشجّع هذه المادة الزوج على أخذ حقّه بيده، بالضرب، أو الجرح، أو القتل، بدلاً من اللّجوء الهاديء إلى القضاء، والقبول بأحكامه. ثالثًا، هذه المادة تُساير وتشجّع التـقاليد العتيقة السيّئة المنتشرة داخل بعض الشعوب، خاصة في المشرق، ومنها عادة ”جريمة الشّرف“، وذلك بدلاً من مقاومة تلك العادات، أو مناهضتها. رابعًا، هذه المواد 418 و 420، و 421، هي هدية مجانية للزوج الهائج، أو الوحشي، أو القاتل، وليس لها أي مبرّر معقول. خامسًا، تزكي هذه المواد الاعتـقاد الشعبي السائد الذي يعتبر أن العلاقات الجنسية الخارجة عن إطار الزواج هي ”خطيرة جدا“ إلى درجة أنها تبيح القتل. وهذه التّزكية مرفوضة».
وأضاف هؤلاء التـقدّميين: «الغريب هو أن المادة السابقة تتبعها فورًا المادة 419، التي تـقول: ”يتوفر عذر مخفّض للعقوبة في جناية الخِصَاء، إذا ارتُكبت فورًا نتيجة اغتصاب أو هتك عرض بالقوة“. ويقول القاموس: ”الخِصَاء هو نزع الخِصْيَتين. والخُصية هي البيضة من أعضاء التناسل، وهما خصيتان“. فلماذا يدخل القانون في هذه الاعتبارات الحمقاء (في المادة 419، والمادة 412)؟ ولماذا شرط ”إذا ارتُكبت فورًا“؟ وهل حقّا جريمة الخِصاء ترتكب في كل أسبوع؟ وما هو مبرّر منح ”عذر التخفيض“ لمرتكب هذه الجريمة؟ وما علاقة هتك العرض بالخِصاء؟ وهل سنضع مادة ضدّ قطع الخصيتين، ومادة ضدّ قطع الأنف، ومادة ضدّ قطع الأذن، إلى آخره؟ لماذا لا نكتفي بتجريم كل من شوّه جسم شخص، أو تسبّب في قطع أيّ طرف منه؟ فالمادة 419 وما شابهها، هي موادّ حمقاء، ويجب حذفها».
وتشتكي الجمعيات النسائية من كثير من المظالم التي تعاني منها الزوجات أو النساء. وتحتجّ على خضوع القانون الجنائي لِطُغيان رؤية ذكورية ناقصة لحقوق النساء وحرّياتهم. وتتذمّر من ضعف حماية النساء من العنف، وتمكين الزوج العنيف من الافلات من العقاب، وغياب تجريم العنف الاقتصادي، أو النفسي، والتهاون أو التماطل في معاقبة الامساك عن الواجبات الزوجية، أو عن دفع نفقة الزوجة (المواد من 479 إلى 481)، ومنح ظروف التخفيف لجرائم الشرف، والتعامل مع الجرائم المُرتكبة ضد النساء بخلفيات أيديولوجية دينية محافظة، وتناول مظالم النساء برؤية أخلاقية وليس برؤية عقلانية، وتجاهل الاغتصاب الزوجي، وتجريم الإجهاض (ولو كان منعه ساحقا بالنسبة للفتاة العازبة، أو المرأة)، واستعمال أداء اليمين الدّيني كوسيلة للإثبات، إلى آخره. وتوجد بعض التناقضات بين القانون الجنائي (المواد 479 و 480) ومدوّنة الأسرة (المادة 180). وكثير من هذه البنود القانونية، حتّى ولو كانت إيجابية، لا يمكن أن تكون فعّالة إذا لم يتم تدقيق التفاصيل الإجرائية لتنفيذها. ومعظم هذه المظالم، لا تمكن معالجتها بالقانون فقط، وإنما تقتضي أيضا تصحيح عادات، أو معتـقدات، مرتبطة بفهم سائد وخاطئ للدّين. وعليه، فإن تقويم المظالم التي تُعاني منها النساء يقتضي أيضًا، وفي نفس الوقت، تصحيح تعامل الشعب مع الدّين(1).
وقال بعض التقدّميين: «تحرّر المرأة ليس مشكلا قانونيا فحسب، وإنما هو أيضا مسألة ثقافية، ودينة، وسياسية، ومجتمعية. والسّر الذي يشرح أصل التمييز السلبي ضدّ النساء، يعود إلى أن مُجمل الدّيانات التي ظهرت في الشرق الأوسط (بما فيها اليهودية، والمسيحية، والاسلام)، تعتبر المرأة أقل قيمةً (أو أقلّ إنسانية) من الرّجل(2)، أو تضطهد المرأة، أو تنظر إليها كمصدر لأخطار شتّى، أو تكره العلاقات الجنسية، أو تحرّمها، أو تكبتها. وإعادة الاعتبار للأنثى يتطلّب تقويم وعقلنة تعامل الشعب مع الدّين».
وأضاف بعض التقدّميين: «ما دامت نسبة هامة من الشعب تحتكم إلى مراجع دينية، مقدّسة، أو مطلقة، فإن المظالم التي تعاني منها المرأة ستبقى موجودة. والصراحة هي أن التمييز غير العادل ضد المرأة يرجع سببه إلى الرّؤية الدونية للمرأة القائمة في مجمل الديانات التي نشأت في الشرق الأوسط. بمعنى أن تحرير المرأة ممّا تعانيه من اضطهاد يستوجب الفصل بين الدّين والقانون، والفصل بين الدين والدولة».
((لم يكتمل بعدُ التحليل في هذا الجزء من المقال، ويجب الرجوع إليه في صيغة لاحقة)). 


10) هل يجوز تجريم الرغبة في تغيير النظام السياسي؟
تُجرّم المادّة 169 الفعل الذي «يكون الغرض منه القضاء على النظام الملكي، أو إقامة نظام آخر مكانه». وتُعاقب عليه بالسجن المؤبّد. وتضيف المادة 170 أن هذا الفعل يتحقّق «بمجرد وجود محاولة معاقب عليها». وتـقول أن العقوبة «تُطبق بدون تمييز على جميع الأفراد الذين انخرطوا فيها (أي المحاولة)». لكن هذه المواد لم توضّح المعنى الملموس لمفهوم ”الانخراط“ أو تجلّياته. الشيء الذي يسمح بالشّطط. وتضيف المادة 174: أن هذا الفعل (المنصوص عليه في المادة 169) يُعاقب عليه بالحبس من 5 إلى 10 سنوات «إذا لم يتبعه القيام بعمل أو البدء فيه».
فيقول بعض التـقدّميين: «لماذا لا يحقّ للشعب أن يغيّر النظام السياسي القائم؟ هل النظام السياسي القائم مقدّس؟ وهل يحق للمواطنين أن ينتـقدوا النظام السياسي القائم، أم أن هذا النقد يُعتبر بداية ”لِجريمة“ محاولة القضاء على هذا النظام؟ وهل يحقّ لأفراد الشعب أن يفكّروا في تطوير النظام السياسي القائم، أو إصلاحه،أو ترشيده، أو تغييره، لكي يستجيب لتطوّرات المجتمع، ولحاجيات الشعب؟ وحينما يشارك الشعب في انتخاب هيئات تمثيلية، أو تشريعية، أو تنفيذية، أو حينما يصوّت على مشروع دستور، ألاَ تُعبّر هذه المشاركة عن طموح هذا الشعب إلى تغيير، أو تطوير، النظام السياسي القائم في البلاد؟ وهل يلزم أن يكون النظام السياسي في خدمة الشعب، وخاضعا لإرادته، أم أن الشعب هو الذي ينبغي أن يكون خاضعا للنظام السياسي، ومسخّرًا لخدمته؟ وهل غاية النظام السياسي هي خدمة الشعب، أم أن هذا النظام السياسي هو غاية في حدّ ذاتها؟ وحتّى إذا كان هذا النظام جيّدًا في وقت مَا، هل هذا النظام السياسي يبقى دائمًا وأبدًا سليما، وحكيما، وعادلا، وبناءًا، ومشروعا؟ ألاَ تُوضّح كثير من التجاريب التاريخية عبر العالم أنه يمكن أن يتطوّر، أو أن ينحرف، أيّ نظام سياسي، أو أن يصبح عتيقًا، أو متجاوزًا، أو استبداديا، أو فاسدا، أو مستلبًا، فيتحوّل إلى وحش يضطهد الشعب؟ وفي حالة إذا مَا أصبح النظام فاسدا، ألاَ يحقّ للشعب أن يحاول تغيير هذا النظام؟ والشعب الذي يكون محرومًا من حقوقه في مجالات نقد وتغيير النظام السياسي، أليس هذا الشعب فاقدًا لحرّياته، ولاستـقلاله، ولسيادته؟ وإذا كان مبرّر حرمان الشعب من هذا الحق هو الجهل أو التخلّف، فلماذا يعوق، أو يرفض، هذا النظام، كل ما يمكن أن يُساعد هذا الشعب على التخلّص من الجهل أو التخلّف؟ وهل يكفي لنظام سياسي أن يكتب في القانون ”ممنوع تغيير النظام السياسي“ لكي يصبح هذا المنع مشروعًا؟ ولماذا في بلدان أوروبّا، وأمريكا، وآسيا، وأستراليا، تتمتّع في كلّ يوم شعوب هذه البلدان بحرّيات نقد أنظمتها السياسية، وبحرية نقد رؤسائها، أو ملوكها، أو حكوماتها، أو وزرائها، بينما تُحرم شعوب البلدان المسلمة وحدها من هذه الحرّيات؟ وهل مثلاً شعوب تونس، أو مصر، أو اليمن، أو ليبيا، أو سوريا، التي حاولت تغيير النظام السياسي الفاسد، بين سنوات 2011 و 2013، ولو أنها لم تنجح بعدُ، هل هذه الشعوب هي شعوب ”مجرمة”، أم أنها، على عكس ذلك، شعوب متـقدّمة، ومحقّة في طموحها»؟
وردّ بعض المحافظين: «السّماح بالعمل من أجل تغيير النظام السياسي القائم يؤدّي إلى الفوضى، أو التمرّد، أو العصيان المدني. والغلوّ في الحرّيات ينمّي الطموحات الانتهازية أو الأنانية. وانهيار الدولة يفتح الباب على المجهول. وكل شعب لا يحظى إلاّ بالنظام السياسي الذي يستحق. وما يحتاجه الشعب حاليا، ليس هو المغامرات السياسية، وإنما هو تـقوية الأمن والاستـقرار».
وأجاب بعض التـقدميين: «الاستـقرار بشكل مطلق غير معقول، كما أن التغيير بشكل مطلق مرفوض. وعلى خلاف ما يقوله المحافظون، فإن السبب الذي يُحدث غياب الاستـقرار، ليس هو التوسّع في الحرّيات، وإنما هو عدم احترام الدولة لمبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان. وبعض الفترات التاريخية تتطلب التركيز على الاستـقرار، وبعض الفترات التاريخية الأخرى تستوجب التركير على التّقويم أو التغيير. فإذا كان مثلاً النظام السياسي استبداديا، أو فاسدًا، فإن الطموح إلى تغييره يصبح محبّذا ومشروعا. والمواطنون الذين يطمحون إلى تغيير النظام السياسي القائم ليسوا بالضرورة مجرمين، أو مغامرين، أو عنيفين. ولا يحملون بالضرورة عداءً ضد أعضاء الأسر الحاكمة. وتغيير النظام السياسي الذي يكون بالانقلاب، أو بالغشّ، أو بالتّآمر، أو بالعنف، هو فعلاً غير مشروع. لكن تغيير النظام السياسي الذي ينتج عن تحرّك شعبي واضح، مثلما حدث في تونس، أو مصر، أو اليمن، بين سنتي 2011 و 2012، هو تغيير مشروع، ولو تخلّلته بعض الصدامات المؤسفة. لأن أصل المشروعية والسيادة هو الشعب، وليس النظام السياسي».
وقال بعض المحافظين: «دور الدولة هو وضع القوانين التي تضمن الاستتـقرار، وحماية ثوابت الأمّة ومقدّساتها. ومن واجب كل المواطنين أن يحترموا الخطوط الحمراء الشرعية. ألم تـقل الآية: ”يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم“؟ وأولي الأمر هم الحاكمون»!
وقال بعض التـقدّميين: «بقدر ما أن تَدَخّلُ الدولة في الدّين هو مرفوض، بقدر ما أن تدخّلُ الدّين في الدولة هو غير مؤهّل. وفي ”مسودة مشروع القانون الجنائي” الحالية، يُوجد ميل واضح إلى إعطاء الدولة وسائل قانونية متعدّدة، تمكّنها من تحييد، أو تهميش، الأشخاص الذين ينتـقدون، أو يعارضون، أو يقاومون، النظام السياسي القائم. والغريب في مجالات ”المس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي“ (المواد من 201 إلى 207)، أو ”الخيانة“، أو ”المؤامرة“ (المادة 201)، أو ”العصابة الثائرة“ (المواد من 203 إلى 204)، أو ”التجمع الثوري“ (المادة 205)، هو أن هذا القانون يستعمل عمدا عبارات غامضة أو مبهمة، إلى درجة أنه يمكن بسهولة تلفيق هذه التّهم إلى أي ناشط، أو مناضل، أو معارض، أو حركي، أو نقابي، أو جمعوي. وكل متمرّس في القانون، أو كل خبير بما يجري عادةً في المحاكمات السياسية، ويقرأ بنود هذا القانون، سَيُحسّ كأنها أفخاخ معدّة عمدا لاصطياد المعارضين، والمناضلين، والثائرين، والثوريين، بهدف إقبارهم في السجون».
وقال بعض التقدميين: «كمثال من بين عدّة حالات، تُعاقب المادة 201 بالسجن المؤبد ”من ارتكب اعتداء الغرض منه إثارة حرب أهلية…“. ونلاحظ هنا أن هذه المادة لا تعاقب ”من أشعل حربا أهلية“ فعلية، واضحة وملموسة، عبر تكوين وتسليح فريق ضد آخر، وسقوط قتلى وجرحى، وإنما تعاقب ”من ارتكب (مجرّد) اعتداء“، إذا أمكن تأويل هذا ”الاعتداء“ على أنه يمكن أن يهدف في المستقبل إلى ”إثارة حرب أهلية“. والفرق بين الصيغتين شاسع، ويسمح بالظّلم، أو بالشّطط. حيث لا يُعاقب هذا القانون الجريمة المرتكبة في الماضي، وإنما يُعاقب الجريمة المحتملة في المستـقبل. وهذا الغلوّ في استباق الجرائم مرفوض وخطير»!
وأضاف بعض التقدّميين: «تُعاقب المادة 203 بالسجن الؤبد ”من تولّى تسيير عصابة ثائرة، أو تأليفها، أو أمر بتأليفها، أو قام بتنظيمها، أو أمر بتنظيمها، … أو بعث لها بإمدادات من المؤن، أو قدّم مساعدة بأي وسيلة أخرى إلى مسيّري العصابة أو قُوادها“. وترك هذا القانون مفهوم ”عصابة ثائرة»“ غامضا، ومبهما، إلى درجة أنه يمكن تلفيق هذه التهمة إلى أية جماعة من المضربين، أو المتظاهرين، أو المحتجّين، أو المعتصمين. فيصبح الشّطط سهلا. بل المادة 205 تُعاقب بِ 15 سنة سجنا كل من ”قُبض عليهم في مكان التجمّع الثوري“! فهل المقصود هو منع أي مواطن من أن يكون ”ثوريًا“، أو ”ثائرًا“!؟ وما معنى ”التجمّع الثوري“؟ وما معنى أن تكون ”ثوريًا“، أو ”ثائرًا“؟ القانون لم يجب، ولم يوضّح. وفي حالة غياب الوضوح، يصبح الشطط سهلا»!
وقال بعض التقدّميين: «تُعاقب المادة 206 بِالحبس من سنة واحدة إلى 10 سنوات، وغرامة يمكن أن تصل إلى مئة ألف درهم، ”من تسلّم … من أجانب … بأية صورة من الصور، هبات، أو هدايا، أو قروضا … لتسيير، أو تمويل، نشاط، أو دعاية، من شأنها … زعزعة ولاء المواطن للدولة المغربية“. والغريب هنا، هو أن الجُرم الرئيسي المستهدف في هذه المادة، ليس هو تسلّم أموال من أجانب، وإنما هو ”زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية“! ونلاحظ أوّلاً، أن القانون لم يوضّح معنى هذا ”الولاء“ المقصود، ولا ما هو مضمونه، ولا أين يوجد، ولا كيف نلمسه، ولا كيف نقيسه، ولا كيف نُـثْـبِـته بدقّة؛ وثانيّا، لم يوضّح لنا هذا القانون ما معنى ”الزعزعة“، ولا ما هي تجليّاتها، ولا كيف نتأكّد من حدوث هذه ”الزعزعة“ في الولاء؛ وثالثًا، لم يُقنعنا هذا القانون بأن ”زعزعة ولاء المواطنين تجاه الدولة“ هي حقّا جريمة تستوجب العقاب».
وأضاف بعض التقدميين: «كمثال على ”زعزعة ولاء مواطن تجاه الدولة“، لنتصوّر شخصين يتحدثان في مقهى. ولنفترض أن الشخص الأول منهما يعتـقد أن النظام السياسي القائم بالمغرب هو نظام جميل، ديموقراطي، ومحبوب. وبعد قرابة وقت معيّن من الحوار، وتبادل الحجج، أقنع الشخص الثانيُّ الأولَ بأن هذا النظام هو نظام استبدادي، أو فاسد، وتستوجب مصلحة الشعب إصلاحه، أو تغييره، أو تطويره. فتلاشى، أو زال، أو تبدّد، ”ولاء“ الشخص الأول تجاه الدولة. ماذا نفعل في هذه الحالة؟ هل نرمي الشخص الثاني في السجن خلال 10 سنوات؟ هذا السلوك سيكون، ليس فقط ظالما، أو استبداديا، وإنما أحمقًا»!
وزاد بعض التقدميين: «كمثال ثان على ”زعزعة ولاء مواطن تجاه الدولة“، لنتصوّر عاطلين مُزمنين. الأول منهما يعتـقد أن البطالة هي ظاهرة اقتصادية طبيعية، أو قدر محتوم، ويستحيل التخلّص منه. وبعد نقاش طويل، أقنع العاطل الثانيُّ العاطلَ الأولَ أن البطالة هي ناتجة عن سياسة حكومية مقصودة، ومُرادة، وهدفها هو تخفيض أجور اليد العاملة، وتنشيط الاستثمارات الداخلية، أو جلب الاستثمارات الأجنبية. فكانت نتيجة هذا الحوار هي زوال ”ولاء“ العاطل الأول تجاه الدولة. حيث أصبح العاطل الأول يحمل مواقف سياسية مناهضا للحكومة، أو للدولة. فماذا نفعل في هذه الحالة؟ هل نحكم بِ 10 سنوات على العاطل الثاني»؟
وأضاف هؤلاء التقدميين: «يتّضح من هذه الأمثلة أن تجريم ”زعزعة ولاء مواطن تجاه الدولة“ يهدف، في العمق، إلى إلغاء حرّية التفكير، وحرّية التعبير. والنتبجة العملية هي تجريم نقد الدولة أو سياساتها. ويمكن أيضا أن تُستعمل هذه المادة لمنع نشر المعلومات التي تفضح سوء تدبير السلطة السياسية. وهذا هو الاستبداد بعينه. كأن غاية الدولة هي أن لا يعرف الشعب شيئًا عن الخروقات أو الجرائم التي تُرتكَب في مجالات تسيير الدولة. زيادةً على أن ”ولاء المواطن تجاه الدولة“ الذي ”يتزعزع“ بسهولة، هو أصلاً ”ولاء“ هشّ، ومبني على أساس دعايات مُغَلِّطة، أو كاذبة، أو مُخادعة. كأن الدولة تـقول لنا: ”لقد سوّقتُ صورةً جميلة عن الدولة لدى الرأي العام الداخلي والخارجي، وكلّ من خدش هذه الصورة، سأعاقبه بالسجن“! أي أن المشكل، لا يكمن في ”زعزعة الولاء“، وإنما يكمن في كون هذا ”الولاء“ مبنيًّا على دعاية مخادعة».


11) هل خطورة الجيش تبيح الغلوّ في تجريم كل من يتكلّم عنه؟
وطبقا للمادة 181، يعتبر خائنا، ويعاقب بالاعدام، كل من قام بِ: «زعزعة إخلالص (؟) القوات المسلحة الملكية»!
وقال بعض التقدميين: «نظرا لغموض مفهوم «زعزعة الإخلاص» في المادة 181، يمكن بسهولة مثلاً تجريم كل من انتقد الاغتناء الغريب لبعض المسئولين في الجيش، أو من انتقد ضلوع بعض أفراد الجيش في تهريب السّلع في الجنوب، أو من انتقد سياسة بعث تجريدات عسكرية مغربية إلى بلدان أجنبية، مثلاً قي الخليج العربي، أو في افريقيا، إلى آخره. والنتجة هي إلغاء حرية التعبير، وحرية النقد».
وتبعًا للمادة 181، يعتبر خائنا، ويعاقب بالاعدام، كل من «تمكن بأية وسيلة كانت من الحصول على سرّ (؟) من أسرار الدفاع الوطني بقصد تسليمه إلى سلطة أجنبية أو إلى عملائها»!
وقال بعض التقدّميين: «نلاحظ في هذه المادة 181 أنه يكفي ”الحصول على سرّ من أسرار الدفاع الوطني“، ولو لم يحدث بعد فعل تسليم هذا السرّ إلى سلطة أجنبية، حيث يمكن أن تُنسب خطأً، أو زورًا، إلى المتّهم، ”نيّة“ تسليمه، فيما بعد، إلى سلطة أجنبية. فيكون العقاب، ليس على جريمة مرتكبة في الماضي، وإنما على جريمة محتملة في المستـقبل».
وعلى التساؤل: ما معنى «سرّ من أسرار الدفاع الوطني»، تجيب المادة 187: ”أسرار الدفاع الوطني“ هي: «المعلومات العسكرية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الصناعية التي توجب طبيعتها أن لا يطّلع عليها إلاّ الأشخاص المكلفون بالمحافظة عليها». ثم تُجرّم هذه المادة إفشاء هذه ”الأسرار“.
وعلّق بعض التقدّميين: «لا ندري كيف يمكن لمواطن عادي أن يعرف أن ”طبيعة هذه المعلومات تُوجب أن لا يطّلع عليها إلاّ المكلفون“. كأن هذا التعريف يقول لنا: أسرار الدفاع الوطني هي المعلومات التي تظهر على أنها أسرار الدفاع الوطني! فلا يُعرّف هذا التعريف أي شيئ ! وهذا هو ما يُوصف في اللّغة بالحشو، والتكرار، بلا فائدة (tautologie). زيادة على ذلك، نلاحظ باستغراب أن أن هذه المادة 187 لا تحصر ”أسرار الدفاع الوطني“ في المعلومات ”العسكرية“، وإنما توسّعها إلى معلومات ”اقتصادية أو صناعية“. وهذه مبالغة، وشطط بعيد عن الحقّ».
وحسب المادة 182، يعتبر خائنا، ويعاقب بالسجن المؤبد، كل من «ساهم عمدا في مشروع لأضعاف معنوية (؟) الجيش أو الأمة»! وطبقا للمادة 183، يعاقب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات، كل من «ساهم في مشروع لإضعاف معنوية (؟) الجيش»! وغموض عبارة «إضعاف المعنوية»، يُسهّل تلفيق هذه التهمة إلى النقّاد أو المعارضين السياسيين الذين يتكلّمون عن الجيش! الشيء الذي يُقوّض حرية التعبير، أو حرية النقد.
وتبعًا للمادة 182، يعتبر خائنا، ويعاقب بالسجن المؤبد، كل من «باشر اتصالات (أي نوع من الاتصالات؟) مع سلطة أجنبية أو مع عملائها (ما معنى العميل؟)، وذلك بقصد مساعدتها في خططها (ما معنى الخطّة؟) ضد المغرب (ما المقصود بالمغرب؟)»! والغموض الذي يلفّ هذه المادة قد يبيح تحويل كل اتصال بريء بإحدى مؤسّسات دولة أجنبية، بهدف قضاء أغراض عادية، إلى ”خيانة” يعاقب عليها بالسجن المؤبّد.


12) لماذا الغلوّ في المنع المؤقّت أو النهائي للنّشاط المهني؟
في المادة 48-2، تمنح الدولة لنفسها إمكانية منع أي معارض سياسي من ممارسة نشاطه المهني، خلال 5 سنوات في حالة جُنحة، أو خلال 10 سنوات في حالة جِناية. وهذا يكفي لقتل ذلك المعارض مهنيًا. خاصةً إذا تعلّق الأمر بِ معارض صحافي، أو كاتب، أو فنان، أو رسّام، أو كاريكاتوري، أو مغنّي، أو مسرحي، أو نقابي، أو حزبي، أو جَمْعَوِي، أو ناشط على شبكة الأنترنيت، إلى آخره.
وتُبيح هذه المادة 48-2 الحكمَ بِ: «المنع النهائي أو المؤقت من ممارسة نشاط مهني أو اجتماعي، إذا ثبت أن للجريمة المرتكبة علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمزاولة هذا النشاط، وأن ثمة خطر في استمرار ممارسته». ويتجلّى هنا المنهج ”الاستتباقي“ للدولة في كونها تُعاقب على جرائم لم تحدث بعدُ في الحاضر، وإنما يُحتمل أن تحدث مستـقبلاً ٍ!
وتضيف المادة 48-3: «حلّ الشخص الاعتباري هو منعه من مواصلة نشاطه، ولو تحت اسم آخر، وبإشراف مديرين، أو مسيّرين، أو متصرّفين آخرين». وتربط المادة 48-4 «المنع من ممارسة النشاط» المهني بِ «إغلاق المؤسسة» المعنية، و«حجب الموقع الإلكتروني».
ونجد إمكانية عقوبة «المنع النهائي أو المؤقت من ممارسة نشاط مهني أو اجتماعي» في العشرات من مواد القانون الجنائي.
وعلّق بعض التقدّميين: «نُلاحظ أن الصيغة الفضفاضة التي كُتبت بها هذه المادة 48-2 المذكورة أعلاه، تعطي عن قصد للدولة إمكانية تطبيق هذه المادة في حالات لا تُعدّ ولا تُحصى. وبمثل هذا التَّـفَـنّـن القانوني في برمجة القمع، تستطيع الدولة أن تـقضي على كل ناقد أو معارض يُزعجها، مثلما فعلت في الماضي القريب مع صحافيين ناقدين، أو جريئين، خاصةً في ميدان صحافة الاستـقصاء، التي تفضح المخالفات، أو الجرائم، التي تحدث في بعض مؤسّـسات الدولة. ومن بين هؤلاء الصحفيين الذين ”قُتلوا مهنيًّا“، نذكر مثلاً: أبوبكر الجامعي، أو أحمد بنشمسي، أو علي المرابط، أو علي أنوزلا، إلى آخره. ويمكن أن نُسمّي هذا النهج القانوني بالاستبداد النّاعم. لأنه يُعطي للدولة إمكانية لممارسة ”التعسّف في استعمال السّلطة“ بطريقة قانونية. ورغم هذا التحايل، يبقى هذا القمع تحاملاً، ومناقضا لروح العدل، ومنافيا لحقوق الانسان».
وقال تقدّميون آخرون: «كمثال آخر، يتذكر المواطنون صور ”الفيديو (vidéo)” التي أُذِيعت على شبكة الأنترنيت، خلال السنوات الماضية، والتي أثارت استهجان جمهور الأنترنيت (من طرف قرابة 10 مليون شخص). حيث تُظهر تلك الفيديوهات المنشورة موظفين (مأجورين لدى الدولة) وهم يقبضون الرّشوة، أو يمارسون الضغط للحصول عليها. فجاءت لاحقًا هذه المادة 448-1، ثم المادة 448-2، وكأنها تريد تلافي مثل ذلك الحرج. حيث تجرّم ”كل من قام عمدًا، وبأي وسيلة، بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بالتـقاط أو تسجيل أو بثّ أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص، أو سرّي، دون موافقة أصحابها“. وأضافت: ”يُعاقب بنفس العقوبة، من قام عمدا، وبأي وسيلة، بتـثبيت، أو تسجيل، أو بثّ، أو توزيع، صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص، دون موافقته“. وعقوبتها تتراوح من 6 أشهر إلى 3 سنوات. وهذا التجريم يمكن أن يردع كل من يفكّر في إمكانية التـقاط صور ”فيديو“ لموظفين آخرين لدى الدولة يتورّطون في أفعال فساد، مثل الرشوة، أو الابتزاز، إلى آخره».


13) هل القانون الجنائي محايد أم متحيّز ؟
يقول المحافظون: «القوانين عندنا في المغرب (سواءً كانت جنائية، أم غير ذلك) هي نصوص وضعية (positiviste)، وموضوعية (objectif)، ومُحايدة (neutre)، وعادلة (juste). أي أنها غير متحيّزة لأية فئة مجتمعية، ولا لأي فكر سياسي، ولا لأي دين محدّد».
ويردّ عليهم التـقدّميون: «هيهات! في الواقع، كل المعطيات تدلّ على أن الصراع السياسي، أو الصراع الطبقي، يخترق كل شيء في المجتمع، بما فيه المؤسـسات، والقانون، والقضاء. حيث أن القانون هو تعبير مكثّف، في كلّ فترة تاريخية معيّنة، عن ميزان القوى السياسي القائم بين مختلف الطبقات أو الفئات، التي تتواجد، وتتصارع، داخل المجتمع. وقد يكون هذا الاختراق، حسب الظروف، خفيًّا، أو بارزًا، أو سافرًا، أو عنيفًا. فواضعوا ”القانون“ هم أفراد من الطبقات السائدة، أو من خُدّامها. وهذا ”القانون الجنائي“ الحالي يخدم أولا وقبل كل شيء مصالح الطبقات السائدة. والمواطنون الذين تُنـفّذ عليهم عقوبات القانون الجنائي هم في معظم الحالات من الطبقات المسودة. ومهما كانت بنود القانون الجنائي قاسية، فإن هذه البنود لا تضرّ الأفراد المنتمين إلى الطبقات الحاكمة، أو السائدة. لأن ترابط وتشابك مصالح هذه الفئات المُجتمعية، يمنح أفرادها امتيازات كثيرة، وغير مرئيًّة، وأبرزها هو امتياز القدرة على الإفلات من المتابعة القضائية، ومن العقاب القانوني».
وقال آخرون: «من المحتمل أنه، لو كلّفنا مثلاً لجنة مكوّنة في غالبيتها من أشخاص محافظين، بأن يُعِدّوا لنا مشروع قانون جنائي، فإن هذه اللجنة ستنتج نصّا محافظا. وإذا كانت هذه اللجنة مكوّنة في غالبيتها من أشخاص تـقدّميين، أو ديمقراطيين، فإن هذه اللجنة ستنتج لنا نصّا تـقدّميا أو ديمقراطيا. وهذه الظاهرة هي من بين العناصر التي تفسّر اختلاف القوانين في بلدان العالم، مرورًا من دولة إلى أخرى، ومن نظام سياسي إلى آخر. وعليه، لا يقدر القانون على أن يكون، لا موضوعيا، ولا محايدا».


14) هل يجوز نقد أداء القُضاة؟
يَسوقنا منطقيًّا نقد ”مسودة مشروع القانون الجنائي” إلى توسيع مجالات تساؤلاتنا، وإلى التمعّن في دور فئة القضاة، وإلى طرح مسألة مناهجهم في تطبيق القانون القائم.
ورغم ما نكنّه مسبقًا لهيئة القضاة من تـقدير، واحترام، تتلاحق في ذّهننا تساءلات من النوع التالي: إذا افترضنا أن نصّ ”القانون الجنائي”، أو ”المسطرة الجنائية”، جيّد، هل هذه الجودة في النصّ ستكون كافية؟ ألاَ يجب، في نفس الوقت، أن يكون القضاة متحلّين بالحرّية، والنزاهة، والعدل، والاستـقلالية؟ ألا يستوجب نقد ”مشروع القانون الجنائي” توسيع النقد، في نفس الوقت، إلى أداء هيئة القضاة؟
هل كلّ القضاة متساوون في درجات مهنيّتهم، أو خبرتهم، أو جرأتهم، أو نزاهتهم؟ وإذا لم يكن القضاة متساوين في استـقامتهم، ألاَ يعني هذا التّفاوت أن بعضهم، على الأقل، يستحق النقد، أو المراقبة، أو التـقويم، من خلال مؤسّـسات أو هيئات سليمة؟ ألاَ يُفترض في مؤسّـسة مراقبة القضاة أن تكون هي أيضًا مستـقلّة ونزيهة؟ ألاَ يُثبت الواقع الحالي المأزوم للقضاء بالمغرب أن المراقبة التي يمارسها ”المجلس الأعلى للقضاء” على القضاة ليست مُرضية، أو سليمة، أو كافية؟
هل كل الأحكام الصّادرة عن القضاة هي كلّها متساوية في جودتها؟ وهل كل الأحكام التي يصدرها القضاة هي حقّا عادلة؟ وهل المواطنون راضون عنها؟ وهل المناهج التي يشتغل بها القضاة هي كلّها سليمة؟ ولماذا لا يجوز للمواطنين، أو لمحاميهم، أن يناقشوا، أو أن يشتكوا، أو أن ينتـقدوا، أداء القضاة، أو أحكامهم؟ وإذا كان مثل هذا النقد مكروها، أو ممنوعا، ألاَ يعني هذا المنع إضفاء نوع من القداسة على القضاة؟ ولماذا نبيح نقد مجمل المهن المتواجدة داخل المجتمع، ولا نسمح بنقد أداء القضاة؟ وما دام القضاة بشرًا مثل غيرهم، ألاَ تؤدّي بهم طبيعتهم البشرية، من فترة إلى أخرى، إلى اقتراف بعض الأخطاء، أو الإنحرافات، أو المخالفات؟ وما دام القضاة خطّائين مثل غيرهم من البشر، أليس السبيل لتـقويمهم هو إخضاعهم، مثل غيرهم، للمراقبة، وللنّـقد، وللمحاسبة، وإن اقتضى الأمر، للمتابعة، أو للتّأديب؟
ويمكن أيضًا أن نتساءل: ما هو العدل؟ ومن هو القاضي؟ أليس القاضي حَكَمًا بين طرفين متنازعين؟ وما هو أساس العدل؟ هل هو القانون، أم وزارة العدل، أم الدولة، أم أن أساس العدل هو خُصوصًا ضمير القاضي، الذي يُفترض فيه أن يكون عادلاً، ومستـقلا، ونزيها؟ وما قيمة أي قاض يفقد ضميره، أو نزاهته، أو استقلاليته، أو جُرأته؟ ومتى، وكيف، يمكن للقاضي أن يكتسب هذا الضمير النّزيه؟ ومن هي العناصر، أو القوى، التي يمكن أن تُفسد ضمير القاضي؟ وكيف نقلّص، أو كيف نبطل، مفعول القوى المُفسدة لضمير القاضي؟ وإذا مَا فسد ضمير قاض، كيف نساعده على إصلاح ضميره؟ وإذا كان القاضي مُتمسّكًا بنزاهة ضميره، هل تـقدر أية قوّة في المجتمع على إفساد أحكامه؟ وإذا لم يكن القاضي مستـقلاّ، على المستويات المادية، والفكرية، والدّينية، والسياسية، عن كلّ القوى المتواجدة داخل المجتمع، بما فيها السلطة السّياسية، هل يستطيع هذا القاضي مقاومة تأثيرات هذه القوى؟ وهل القاضي الذي يفـقد استـقلاليته، أو ضميره، أو نزاهته، هل يقدر على إصدار أحكام عادلة؟ ألاَ يغدو العدل في مثل هذه الحالة عسيرًا، أو مفقودًا، أو مستحيلاً؟
وما هي مهمّة القاضي؟ هل هي التّطبيق الآلي للقانون القائم، أم أنها تحقيق العدالة؟ وما العمل إذا وجد القاضي نفسه أمام بنود قانون غير عقلانية، أو غير عادلة؟ هل يطبقها بشكل آلي؟ هل يسمح لنفسه بتحكيم ضميره الانساني بدلاً من تطبيق قوانين متجاوزة أو جائرة؟
والمشكل الأساسي، في مجمل البلدان غير الديمقراطية، هو أن الدولة (أو السلطة السياسية، أو النظام السياسي) تستغلّ كون القاضي مأجورًا، (حيث يتوصّل بأجرة شهرية من خزينة الدولة، أي من مداخيل الضرائب)، لكي تُحوّل هذا القاضي إلى أجير عادي، أو خاضع، أو مُسخّر، أو مدجّن. فتجرّد السلطةُ السياسية القاضيَ من استـقلاليته، أو تُؤثّر في ضميره، أو تُسخّره لخدمة هذه السلطة السياسية. وفي حالة حدوث تدجين القاضي، يصبح هذا التّطويع، بالضبط، من بين العلامات المُميّزة للاستبداد السياسي.
ومشكل العدل في كثير من البلدان غير الديمقراطية، هو أن الدولة لا تـقدر على أن تتصرّف كمؤسّـسة مُحايدة (neutre) في الصّراعات السياسية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو الطبقية. وإنّما تتصرّف الدولة كمؤسّـسة منحازة لصالح بعض العائلات القوية، أو بعض الفئات المجتمعية السّائدة.
ويُفترض عادةً في القضاة، باعتبارهم مكلّفين بإحقاق العدل بين الناس، (بما فيه الفصل في النّزاعات القائمة بين المواطن والدولة)، يُفترض فيهم أن يكونوا جزءا من الضمير الحيّ للمجتمع، مثل الفلاسفة، أو المفكرين، أو النقّاد، أو العلماء. لكن في تاريخ المغرب، وخصّيصًا خلال عهد الملك المستبد الحسن الثاني، كانت السلطة السياسية تهيمن بشكل مطلق على كل المجتمع، وكذلك على القضاة. وكانت السلطة السياسية تُخضع القضاة، مثل عموم المواطنين، لعملية ”تهيئة الذّهن“ (formatage de l’esprit). فقد دجّنت السلطة السياسية مجمل مكوّنات المجتمع، وفرضت حتّى على القضاة أن يقتصر عملهم على تطبيق آلي للقانون، دون الإحتكام لضميرهم. ولا تُمارس الدولة عملية ”تدجين الأذهان“، أو ”كَبْتِها“، فقط على القضاة، بل تُطبّقها كذلك على مجمل المهن الأخرى. الشيء الذي لم يَحُل دون وجود قضاة استثنائيين، جرّئين، نزيهين، ومعتبرين. وكمثال على ذلك، فقد حدث عدّة مرّات، أن تجرّأ بعض القضاة، في عهد الملك المستبد الحسن الثاني، على إصدار أحكام مخالفة لما كان يريده هذا الملك، في محاكمات ذات بعد سياسي. وهذه الجرأة تشرّف هيئة القضاة قاطبةً.
وكانت السلطات السياسية العليا في المغرب، تتعامل مع القضاة كمجرّد موظفين، مأجورين، خاضعين، ومسخّرين. كأنّ الدولة كانت تـقول للقضاة: «مهمّتكم يا قضاة هي أن تُطَبِّقوا القانون الذي نعطيه إليكم، وكل الأشياء الأخرى لاَ تدخل ضمن اختصاصاتكم»! خاصة إذا كانت القضية المعروضة على المحكمة تحمل بعدًا سياسيا، أو تهمّ معارضين سياسيين للنظام القائم. أمّا حينما تكون القضية المعروضة على المحكمة تعني شخصيات لها ارتباطات مع أقوى الفاعلين الاقتصاديين أو السياسيين في البلاد، يخشى بعض المواطنين أن يغدو المطلوب من القضاة، ليس هو التطبيق الحرفي للقانون، وإنما هو تطبيق التعليمات الشفوية، أو التدخّلات، أو التلميحات. وحتّى إذا لم يتوصّل القضاة بتلميحات معيّنة من السلطات العليا، أو من القوى النّافذة في البلاد، فإنهم يُدركون مسبقًا ما الذي تنتظره منهم تلك السّلطات.
وغدى مألوفًا أن تفرض السلطة السياسية على القضاة «واجب التحفّظ»، كما لو كان القضاة سفراء أو قَناصِل مقيمين لدى دول مناوءة. وتعطي السلطة السياسية مفهومًا غامضا ومتّسعا لِ «واجب التحفّظ». حيث حوّلت السلطة السياسية «واجب التحفّظ» إلى حيلة لحرمان القضاة من حرّية التعبير. وحوّلت «واجب التحفّظ» إلى ضرورة خضوع القضاة إلى هذه السلطة السياسية ونزواتها. وأصبح معتادًا ألاّ يشارك القضاة، كمواطنين، فيما يجري داخل المجتمع من نقاشات حول القضايا الاقتصادية، أو التنموية، أو الاستارايجية، أو السياسية، أو الفكرية، أو الدّينية، أو المجتمعية.
وأدّت أبويّة السلطة السياسية تجاه القضاة إلى الإلغاء الضّمني لحقّهم في حرّية التفكير، أو في حرّية التعبير، أو في حرّية التنظيم، أو حتى في حرّية الاختلاط مع المواطنين العاديّين. وغدى من المسلّم به أن القاضي الجيّد هو الذي يعيش منعزلا عن المواطنين العاديين، ولا يدخل معهم في علاقات تلقائية أو طبيعية. ولا يشارك معهم في أنشطتهم الرياضية، أو الثقافية، أو الفكرية، أو السياسية. فهل هذا التوجّه سليم؟ أليس القاضي مثل أي مهني آخر في المجتمع؟ أليس القاضي، قبل كلّ شيء، إنسان، ومواطن؟ أليس من حقّ القاضي أن يتمتّـع بحقوق المواطنة كاملة؟ قد يقول قائل أن بلدان أخرى عديدة تعمل بمثل هذه الأساليب الموجودة داخل المغرب. لكن هل العمل بهذه الأساليب في بلدان أخرى عبر العالم يشكّل حجّة كافية لتـقليدها، دون فحصها، أو إخضاعها للعقل النقدي؟
وأحسن مثال معبّر عن عتاب بعض المواطنين للقضاة، هو أن أستحضر هنا بعض الأحداث المأخوذة من تجربتي الشخصية. وهي بمثابة شهادة حيّة ومباشرة. فحينما كنتُ مهندسًا شابّا، خلال سنوات 1970، وبسبب انتمائي للمعارضة السياسية، أصبحتُ متابعًا، ثمّ تعرضتُ للإختطاف، أي للإختفاء القسري، وخضعتُ لتعذيب هو أعنف وأقسى من تعذيب المسيح، خلال سنة ونصف، داخل مركز الاعتـقال السّري المُسمّى ”درب مولاي الشريف” بالدار البيضاء. وكانت الدولة تعتبر هذا الإختفاء القسري مجرد «اعتـقال احتياطي». وكان البوليس يستعملون التعذيب كوسيلة عاديّة وشرعية لِ «التحقيق» مع المتّهمين. وكان البوليس يعنون بِ «التحقيق»، ليس البحث عن الحجج الملموسة في أمكان الأحداث، وإنما يعنون به التفتيش داخل دماغ المتّهم بواسطة التعذيب. وكان البوليس يعتبرون هذا التعذيب كَ «عقاب شرعي»، ولو أنه يحدث قبل لحظة النّطق بحكم المحكمة. ورغم أن مجمل مسئولي الدولة كانوا ينفون رسميا، وقطعيا، وجود معتقلين سياسيين، وجود التعذيب في المغرب، فإنهم كانوا يعتبرون، داخل عمق أنفسهم، أن التعذيب هو «عقاب شرعي» ضدّ كُل متّهم أو مجرم، وخاصّة إذا كان هذا المجرم متّهما بمعارضة النظام السياسي القائم.
وقد أوصلني الجلّادون مرارًا وتكرَارًا إلى حافة الموت. وكانوا ينقلونني إلى قسم سرّي في مشفى ابن سينا بالرباط لتلافي موتي، ولاسترجاع بعض القوة، ثم يعيدوني إلى التعذيب في المعتـقل السّري. ولم أعرف التهم الموجّهة إليّ، ولم أحاكم، إلاّ بعد مرور قرابة ثلاثة سنوات على بداية اعتـقالي (أي اختطافي). (مثلما يحدث لمعتـقلي ”غوانتانامو”). وكنتُ متّهما بالمسّ بأمن الدولة، والإعداد لحرب أهلية. ومنذ بداية اعتـقالي، وحتى خلال السنتين الأوليين لِتواجدي في السجن الرسمي، وُضعتُ في عزلة انفرادية مطلقة ومتواصلة. ودامت هذه العزلة قرابة ثلاثة سنوات ونصف. وأثناء المحاكمة، كان القاضي يصدّق كل ما ورد في محاضر الشرطة، ويتعامل معها كحقيقة مطلقة. وكان القاضي يرفض بشكل مطلق كل طلب يعبّر عنه المتّهم أو محاميه، لكي لا يؤدّي هذا الطلب إلى التّشكيك في نزاهة محاضر الشرطة القضائية.
وكمثال على عدم التزام البوليس باحترام القانون، كان هؤلاء البوليس لا يقومون بإجراءات ”المسطرة الجنائية“ الضرورية في مجال ”الاعتـقال الاحتياطي“. (فلم يكونوا مثلا يحصولون على توقيع فعلي من طرف وكيل الملك، يُبيح تجديد، أو تمديد، مدّة ”الإعتـقال الاحتياطي“، إلاّ في نهاية هذا ”الاعتـقال الاحتياطي“، أي قُبيل نقل المتّهمين من مركز الاعتـقال السّري إلى السجن الرّسمي. وكان وكيل الملك لا يكلّف نفسه أبدا عناء زيارة المتهمين، ولا التأكّد من اعتقالهم في مكان قانوني، كما لا يتأكّد من عدم تعريضهم للتعذيب). ثم حُكم عليّ بالسجن المؤبّد النافذ، دون أن يستمع إليّ القاضي، ودون أن يسمح إليّ بالدّفاع عن نفسي. وكان ذنبي هو المشاركة في الطّموح إلى تغيير النظام السياسي الفاسد الذي فرضه الملك المستبد الحسن الثاني. وقضيتُ قرابة 18 سنة في السجن. ثم أُفرج عنّي بعفو ملكي شامل. كأن هذه المحنة التي عشتُها كانت مجرد نُـكتة سوداء، أو عبثًا، أو خطأ تـقنيا محضا. وعاش عشرات الآلاف من المواطنين الآخرين مصيرًا يشبه مصيري إلى هذا الحدّ أو ذاك.
وعليه، إذا كانت القوانين الرسمية للدولة موضوعة فقط للتّجميل، أو للمُغالطة، وإذا كانت القوانين المعمول بها هي شئ مخالف، أو مناقض لما هو معمول به، فهذه المفارقة، لا تُثير لدى كثير من المسئولين في الدولة، أي حرج واضح، ولاَ أية أزمة أخلاقية.
وهكذا، وفي عهد الملك المستبد الحسن الثاني، رأيتُ، في العديد من محاكمات المعارضين السياسيين، كيف كان القضاة يطبّقون قوانين من صنفٍ «كل ما من شأنه المسّ بأمن الدولة». ورأيتُ كيف كان معظم القضاة يتعاملون مع محاضر البوليس السياسي (أي ”الفرقة الوطنية للشرطة القضائية”) كأوامر مقدّسة، أو كتعليمات، أو كتوجيهات مُلزمة. حيث كان القضاة لا يهتمّون بفحص الحجج الملموسة، وإنما كانوا يشعرون كأنهم مجبرين قانونيا على مسايرة تـقارير البوليس، أو الخضوع لها، أو التـقيّد بها، رغم كلّ ما كان يتخلّل هذه التـقارير من هفوات، أو مبالغات، أو تحاملات، أو مغالطات، أو خروقات. ورأيتُ كيف كان أفراد الأجهزة الأمنية السّرية يُرهبون كل المؤسّـسات، بما فيها جهاز القضاء. وبهذا الصّدد، أتذكر مثلاً، أثناء نقلي من مركز الاعتقال السّري إلى السّجن الرسمي، أن جلادي المعتـقل السّري «درب مولاي الشريف» دخلوا معي إلى مكتب وكيل الملك، وأمام هذا الأخير، كانوا يشتمونني، ويهدّدوني بإرجاعي إلى التعذيب، إذا لم أوقّع على المحضر الذي يريدون إجباري على توقيعه. وذلك دون أدنى اعتراض، أو احتجاج، من طرف وكيل الملك. وكانت مثل هذه الهيمنة المطلقة للأجهزة القمعية تُعتبر آنذاك عادية، بل مبرّرة قانونيا.
لكن بعد ظهور ”منتدى الحقيقة والانصاف” (كهيئة لضحايا القمع) في قرابة سنة 1992، وبعد تكوين الدولة لِ ”هيئة الانصاف والمصالحة” (وهي هيئة رسمية)، ثم تكوين ”المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان”، إنتهت الدولة، في آخر المطاف، إلى الاعتراف بأن الحالات التي أُرتـكبت فيها الدولة بالمغرب انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان، بين سنوات 1960 و1990، سواءً أثناء الاعتـقال الاحتياطي، أم التحقيق، أم المحاكمة، أم تنفيذ العقوبة، كانت شائعة، ويفوق عدد ضحاياها قرابة 000 30 شخص. وهي في معظمها مُوثّـقة الآن بالشّواهد والوثائق لدى ”المجلس الوطني لحقوق الانسان” (وهو هيئة رسمية).
وتحوّلت عملية «العدالة الانتـقالية» المزعومة في المغرب إلى مغالطة كبرى. حيث لم يتم لاَ إبراز «الحقيقة»، ولاَ تحقيق «الانصاف». فتحوّلت «المصالحة» إلى مخادعة. وقد سُمح للضحايا بالتعبير عن شكاواهم، لكن كل الجلادين، أو المعذّبين، وكذلك مرؤوسيهم، رفضوا كشف هويّاتهم، ورفضوا الخضوع إلى أية مساءلة. ولم يخضع أي واحد منهم لاَ للمحاسبة، ولاَ للمتابعة. وذلك ربّما خوفًا من أن تُؤدّي محاسبتهم إلى اتهام مجمل السلطات العليا في البلاد. وحتى «توصيّات هيئة الانصاف والمصالحة»، ورغم نقائصها، فإنها بقيت حبرًا على ورق. وإلى حدّ الآن، تدلّ مجمل المؤشّرات على أن النظام السياسي لا يتوفّر على إرادة حقيقية لاتّخاذ الإجراءات اللازمة لكي لا تتكرّر تلك الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان. وقد ساهمت «هيئة الانصاف والمصالحة»، وكذلك «المجلس الاستشاري لحقوق الانسان» في هذه المغالطة. سواءً بوعي، أم بدون وعي. وفُسّرت الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان التي ارتكبت بكونها مجرد «استعمال مبالغ فيه للأجهزة القمعية»، أو «استعمال غير متكافئ للقمع». كأنها مجرّد أخطاء تـقنية، أو جزئية، أو عابرة. بينما الحقيقة هي أن تلك الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان ظلّت، على امتداد قرابة 30 سنة، سياسة عامّة، واسعة النطاق، إرادية، واعية، منظمة، متواصلة، وممنهجة. وكانت الدولة تخصّص لها ميزانيات ووسائل لوجستية ضخمة. ويمكن لنفس الأسباب، أن تعيد في المستـقبل، إنتاج نفس الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ولم يكن المتواطئون في هذه الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان هم فقط أفراد ”الشرطة القضائية”، أو الأجهزة القمعية المتنوّعة، أو وزارة الداخلية، بل أيضا النيّابة العامة، ووكلاء الملك، وكذلك القضاة، وإدارة السجون، ووزارة العدل، و«وزارة حقوق الانسان»، والبرلمان، والحكومة، و”مديرية مراقبة التراب الوطني”، و”المديرية العامة للدّراسات والوثائق”، و”المخابرات العامة”، والاعلام العمومي، والصحافة المناصرة للدولة، والأحزاب الموالية للنظام السياسي القائم، إلى آخره! كلّهم كانوا يعرفون ما يجري، وكلّهم لزموا الصمت. بل بعضهم شارك في نفيها بحماس كبير. ورغم جسامة كل تلك الخروقات، وإلى حدّ الآن، لم يُقدّم بعدُ، ولو ضمير حي واحد، من بين تلك الهيئات المذكورة سابقا، نقدًا ذاتيا، ولو رمزيا. ولم تـقدّم الدولة بعدُ إلى الشعب ضمانات قانونية، جدّية، ملموسة، فعّالة، وكافية، لكي لاَ تتكرّر مثل هذه الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان. فإلى متى سيـستمرّ شعب المغرب في مثل هذه العقليات، والسلوكيات، والخروقات؟
أتمنى أن يتحوّل كلّ قاض إلى ضمير مجتمعي متميّز بحرّيته، وباستـقلاليته الفكرية، والاخلاقية، والقيمية، عن السلطة التنفيذية، وعن مجمل مؤسّسات الدولة، والقوى الأخرى المتواجدة داخل المجتمع. وأرجُو أن يسترجع القضاة حقهم في حريات المواطنة. وآمُلُ أن يتجرّأ القضاة على رفض حصر دورهم في تطبيق آلي لقوانين تُثير أكثر من جدل. وأتمنى أن يتجرّأ القضاة على قول كلمة «لاَ!» ضدّ كل ظلم، ولو كان الفاعل الذي اقترف هذا الظلم هو السلطة السياسية، أو الدولة. وأنتظر ألاّ تبقى ”استـقلالية السلطة القضائية”، المنصوص عليها في الدستور، مجرد كلام سطحي موضوع لتجميل النظام السياسي القائم(1). وأتمنى أن يجد القضاة، فُرادا وجماعات، الصّيغ العملية الملائمة، التي تُمكّنهم من التعبير الحرّ عن آرائهم حول مضامين القوانين، وفعاليتها، وملائمتها، وعدالتها(2). وحتى إذا كان القضاة مجبرين على تطبيق القوانين كما هي (في انتظار تعديلها)، وحتى إذا كان القضاة مجرّد سلطة قضائية (وليس سلطة تشريعية)، أتمنى أن يتجرّأ القضاة، في نفس الوقت، كمواطنين متمتّعين بكامل حرّيات المواطنة، على شجب كل قانون يتنافى مع روح العدل، أو مع حقوق الانسان، كما هي متعارف عليها عالميا.


15) ملاحظات جزئية أو معزولة
((لم يكتمل بعدُ البحث في هذا الجزء من المقال، ويمكن تطويره في صيغة لاحقة)).
– في مجال تجريم ومعاقبة الإثراء غير المشروع :
بقيت ”مسودة مشروع القانون الجنائي” دون المستوى المطلوب في مجال معاقبة الإثراء غير المشروع. فمثلاً المادة 529 التي تعاقب «من وُجدت في ملكيته أموال لا تتناسب مع حالته الاجتماعية أو المهنية»، تشترط (في إصدار العقوبة) أن يكون هذا المتهم قد حُكم عليه «منذ مدة تـقلّ عن عشر سنوات …بالاختلاس أو الغدر أو الرشوة أو استغلال النفوذ…». كأن هذه المادة تُصرّ على العفو عن الجناية أو الجنحة الأولى. والمادة 531 لا تحكم بمصادرة الأموال إلاّ إذا «لم يستطع المحكوم عليه أن يثبت حصوله عليها من مصدر مشروع». بينما كان ينبغي أن يُكتب في هذه المادة: «تُصادر كل الأموال المعنية إذا أثبتَ التحقيقُ أن هذه الأموال مُحصّل عليها من مصدر غير مشروع»! وتُعفي المادة 534، وبدون حقّ، «السارق إذ كان المال المسروق مملوكا لأحد فروعه»!
وفي المادة 574-2، التي تحدّد الجرائم، وفي سطرها: «6- الرشوة والغدر واستغلال النفوذ واختلاس الأموال العامة والخاصة»، يجب تعويض حرف «و»، بكلمة «أو».
– في مجال خرق حقوق الانسان :
– المادة 124 تقول: «لا جناية، ولا جنحة، ولا مخالفة، في الحالات الآتية: 1) إذا كان الفعل قد أوجبه القانون، أو أمرت به السلطة المختصّة؛ 2) إذا اضطر الفاعل ماديا إلى ارتكاب الجريمة، أو كان في حالة استحال عليه معها، استحالة مادية، اجتنابها، وذلك لسبب خارجي لم يستطع مقاومته». يجب حذف هذه المادة لأنها تلغي القانون، وتلغي العدل، وتُبيح، بل تبرّر الإفلات من المساءلة، ومن العقاب، لمجمل الأفراد والقوات الأمنية، سواءً أثناء التحقيق، أم التعذيب، أم خلال قمع المظاهرات، أو غيرها من العمليات الأمنية.
– وفي المادة 537 المتعلّقة بِ «انتزاع توقيع … بواسطة القوة أو الإكراه»، أو بواسطة خيانة الأمانة (في المادة 553، والمادة 554)، ينبغي الإشارة إلى أن هذه المواد تنطبق أيضا على قوى أمن الدولة، وعلى موظفي الشرطة القضائية، ومن شابههم، الذين ينتزعون توقيعًا على محضر بواسطة الإكراه، أو التعذيب، أو عبر التهديد به.
– وفي المادة 590 المتعلّقة بِ : «ارتكاب أعمال عنف إو إيذاء»، يجب الإشارة إلى أن هذه المادة تنطبق أيضًا على قوى الأمن، وعلى أفراد الشرطة القضائية، ومن شابههم.
– اقتراح إضافة تجريمات أخرى :
– بمناسبة مراجعة القانون الجنائي، يُستحسن تجريم فعل القيام بتبادل اقتصادي، أو المشاركة في إنجازه، مع الكيان الاسرائيلي الصهيوني، (سواءً كان هذا التبادل الاقتصادي استيرادا أم تصديرا، وسواءً كان مباشرا أم غير مباشر)، إذا لم يحصل هذا التبادل الاقتصاجي على رخصة خصّيصة، مسبقة، ومكتوبة، من طرف الحكومة، تُجيز كلّ تبادل اقتصادي بعينه.
– اقتراح تجريم تشغيل ”المِجْهَار”، أي مُكبّرات الصوت (Haut-parleurs)، التي تُضخّم الصوت، في الأماكن الآهلة بالسكان، سواءً خلال الأعراس، أم الحفلات، أم على صوامع المساجد، أو فوق سيارات الإشهار، إذا كانت هذه المكبّرات للصّوت تضرّ بحاسّة سمع المواطنين، أو تزعج السكان، أو إذا اشتكى منها السكان وطالبوا بتخفيض قوّتها دون أن يُلبّي صاحبُ مكبّر الصّوت طلبَهم. ويمكن مثلاً أن نُحدّد تكبير الصوت المضرّ بالسكان بكونه هو كل صوت يُحدث أكثر من 40 دِيسِيبَلْ (ِDéciBel) أو (dB)، على بُعد 100 متر من نقطة وجود مكبّر الصّوت. (للمقارنة: ثقّابة الصخور، التي تعمل بالهواء المضغوط، تحدث في عين المكان 90 ديسيبل، وطريق سيّار تمرّ منه سيارات عديدة يُحدث قربه 70 ديسيبل).
– وفي المادة 593، المتعلّقة بالنظام والأمن العام، وفي النقطة التي تـقول «8- مرتكبو الضجيج أو الضوضاء أو التجمع المهين أو الليلي الذي يقلق راحة السكان»، يجب الإشارة إلى أن هذه المادة، أو النقطة، تنطبق أيضا على مكبّرات الصوت المستعملة في الأعراس، وفي الحفلات، أو فوق صوامع المساجد، أو فوق سيارات الإشهار.
– تجريم تحايل شركات الهاتف المحمول :
تبالغ الشركات التي تبيع خدمات الاتصالات بالهاتف المحمول في التحايل والكذب على المواطنين، في غفلة تامّة من الحكومة. وتربح ملايير الدراهم بواسطة هذا التحايل. حيث تبعث رسائل مكتوبة عبر الهاتف المحمول إلى زبنائها، وتخبرهم في هذه الرسائل مثلاً أنهم إذا قاموا بتعبئة 50 درهم مثلا، فإنهم سيحصلون على 250 درهم. لكن بعد مرور مدة يوم، أو يومين، أو ثلاثة، حسب الحالات،على تلك التّعبئة، يصبح فجأة رصيد الزبون هو فقط 50 درهم، أو حتى صفر درهم. حيث لا تخبر، أو لا توضّح، الشركة للزبناء أن هذا العرض لا يصلح سوى خلال 24 ساعة، أو خلال يوم واحد، أو يومين، حسب الحالات. وهذه الممارسة تتنافى مطلقًا مع روح القانون، وتخرق الدستور. حيث أن بيع بضاعة معيّنة لا يُعقل أن يكون مشروطا. والمشتري له حق التمتّع باستهلاك كل البضاعة التي اشتراها. ولا يحقّ للشركة التي باعت البضاعة أن تستغلّ كون البضاعة تبقى مكتوبة في لوائحها لكي تتلاعب بهذه البضاعة، أو تنقص منها، أو تسترجعها، جزئيا أو كلّيا.
– المادة 528 تعاقب من عثر على «كنز» دون إخبار السلطة المختصّة. وكان الأحسن هو أن تتحدث المادة عن «من عثر على آثار أو أشياء ذات قيمة أركيولوجية أو تاريخية»!

      16) خــلاصـات جـزئـيـة 

      تناولتُ ”مسودة مشروع القانون الجنائي” من زوايا محدودة فقط. وبالتّالي، فهذا النقد ”للمسودة” لم يكتمل بعدُ. واضطُرِتُ إلى نشر الصيغة الأولى لهذا النقد، رغم عدم اكتمالها، بسبب ضغط الآجال المفروضة من طرف وزارة العدل، التي تجمع الملاحظات والانتـقادات، وتـقول أنها تريد التفاعل معها. على الأقل لكي لا تـقول الوزارة أنه: «لو توصّلنا بهذه الملاحظات داخل الآجال المحدّدة لعملنا بها»! ومن المحتمل أن أنشر فيما بعد صيغة أخرى أكثر اكتمالا. وفي ما يلي بعض الخلاصات الجزئية : 

      1- في تناغم مع التطورات التي حصلت في منظومة العدالة أو القضاء في الولايات المتحدة الأمريكية، (بعد الحدث الإرهابي الذي وقع في 11 شتنبر 2001)، وقد انتشرت هذه التطوّرات جزئيا إلى أوروبا، نلاحظ أن ”مسودة القانون الجنائي” بالمغرب تتّجه، هي أيضا، نحو شنّ ”حرب وقائية أو استباقية“، ضد كل من تعتبرهم الدولة مناوئين، أو خصومًا، أو أعداء محتملين لها(1). حيث نلاحظ توسّعا غير مبرر في مفهوم الجريمة، وفي توصيفها، وفي تحديد مسئوليات المتّهمين. ونلاحظ تجريم تصرّفات متزايدة كانت من قبل تُعتبر عادية. كما نلاحظ تشدّدا في العقوبات. ويعتمد مشروع القانون الحالي على ”افتراض وجود نيّة إجرامية“ مُسبقة، دون أن يحدد هذا القانون تجلّياتها، أو كيفية إثباتها، أو قيّاسها. كأن الدولة، في مواجهتها للجريمة أو للتّطرّف الإرهابي، تـقبل بأن تكون هي أيضا متطرّفة في مناهجها. وكون الدولة مهووسة بحفظ الأمن والاستـقرار، يدفعها إلى الإفراط أو التشدّد في ”الوقاية“. وتتحوّل العقوبة (الحبسية) من عقاب قضائي على فعل إجرامي وقع في الماضي، إلى عقاب على احتمال ارتكاب جرائم ممكنة في المستـقبل. مثلما في حالة معتـقلي ”غوانتانامو”، الذين يختطفون، ويعتـقلون، ويعذّبون، خلال سنوات، قبل إثبات جرائمهم. وهكذا، باسم الدفاع عن المواطن، تنحرف الدولة نحو اضطهاد المواطن. 

      2- خلال عهد الملك المستبد الحسن الثاني، أي إبّأن ”سنوات الرّصاص“، وبشهادة «هيئة الانصاف والمصالحة» (الرسمية)، كان النظام السياسي القائم بالمغرب يقمع بشكل فجّ، دون اكثرات بالقانون، عبر ممارسة انتهاكات جسيمة ومفضوحة لحقوق الانسان. فتعرّض هذا النظام لانتـقادات هيئات حقوقية عالمية. فاستفادت الدولة من هذا الدرس، وأنتجت اليوم هذه ”المسودة” لمشروع القانون الجنائي، وسجّلت فيه ترسانة ضخمة من البنود التي تمكّن النظام السياسي من أن يكبت الكثير من الحرّيات، ومن أن يقمع، بشكل قانوني هذه المرّة، كل من يخالفه، أو يضايقه، أو يزعجه، أو ينتـقده، أو يعارضه، أو يرغب في تغييره. كما أن هذا المشروع للقانون الجنائي يمكّن الحركات الاسلامية المتعصّبة من قمع كل من يخالفها في الآراء، أو في المعتـقدات، أو الأدواق، وذلك بقوة القانون القائم. والفرق بين الماضي والحاضر، هو أن القمع كان يمارس بشكل مناف للقانون، والآن سيمارس طبقا لقانون مكتوب وقائم. لكن هذه اللعبة لن تخدع إلاّ من يقبل بأن يكون مخدوعا. 

      3- في ”مسودة القانون الجنائي” (لسنة 2015)، جاءت حكومة عبد الإله بنكيران (ذاة الأغلبية الإسلامية) بشيئين بارزين: أوّلاً، مضاعفة وتشديد جرائم المس بأمن النظام السياسي الملكي القائم؛ وثانيًا محاولة فرض ”أسلمة” المجتمع والدولة، عبر تجريم سلوكيات تعتبرها تيارات الإسلام السياسي الأصولي بأنها مسيئة لمشاعر المسلمين. وقد تعبّر هاتين السّمتين عن نشوء تحالف سياسي من صنف جديد بين القصر الملكي من جهة، ومن جهة أخرى أمراء حركات الاسلام السياسي الأصولي. وينبني هذا التوافق أو التحالف على المعادلة التّالية: تـقوّية أمن واستـقرار النظام السياسي الملكي، مقابل تـقوية أسلمة الدولة والمجتمع.

عبد الرحمان النوضة (انتهى تحريره في 18 يونيو 2015، بالدار البيضاء). 

الهاوامش: 

(1) خلال يوم الإثنين 20 أبريل 2015. 

(2) في مدينة الرباط، النّدوة الأولى خلال يوم الاربعاء 15 أبريل، والثانية خلال الثلثاء 28 أبريل، والثالثة في الحسيمة في خلال يوم الأحد 12 أبريل 2015.

(3) النّدوة الأولى في الدار البيضاء خلال يوم الجمعة 17 أبريل 2015، والثانية في الرباط خلال يوم الثلثاء 28 أبريل 2015 بالرباط، والثالثة في الرباط خلام يوم الجمعة 8 ماي 2015. 

(4) ندوة خلال يوم 24 أبريل 2015. 

(5) ندوة في مدينة تمارة خلال يوم السبت 9 ماي 2015. 

(6) ندوة في الرباط، خلال يوم5 ماي 2015. 

(7) ندوة خلال يوم الأربعاء 13 ماي 2015. 

(8) ندوة خلال يوم الاثنين 15 يونيو 2015. 

(9) ندوة خلال يوم الجمعة 15 أبريل 2015. 

(10) سبق لبرلمانـيّي حزب العدالة والتنمية الاسلامي أن احتجّوا بصخب، وطالبوا بطرد صحافية مصوّرة من داخل قاعة البرلمان، وذلك بدعوى أن لباسها يسيء إلى مشاعرهم كمسلمين. 

(11) Charles Darwin, De l’origine des espèces , publié en 1859. 

(12) سبق للكاتب أن أقترح حلاّ لمعالجة مسألة العلاقات الجنسية، الناتجة عن التفاوت الكبير بين سنّ البلوغ المبكر، وسنّ الزواج المتأخّر. أنظر كتابه:

Abderrahman Nouda, L’Ethique politique, Chapitre: La sexualité, p.160. Ce livre peut être téléchargé à partir du site : http://LivresChauds.Wordpress.Com. 

(13) أنظر كتاب عبد الرحمان النوضة بعنوان: ”نقد الشعب والأصولية واليسار والدولة”. 

(14) الآية «الرجال قوّامون على النساء» (النساء، 34). 

(15) أنظر مقال عبد الرحمان النوضة: ”تحليل دستور المغرب لسنة 2011، هل هو ديمقراطي أم استبدادي؟”، ويمكن تنزيل هذا المقال من الموقع الإلكتروني: (http://LivresChauds.Wordpress.Com). 

(16) بعد الانتهاء من كتابة هذا المقال، جاء في أخبار نهاية شهر ماي 2015 الإعلان عن تأسيس: ”جمعية حقوق وعدالة” ، مكوّنة من قضاة ومحامين، وتهدف إلى «رصد المحاكم ونشر الأحكام». كما أُسّـس ”الإئتلاف المغربي للجمعيات المهنية القضائية”، ويهدف إلى «تحقيق استـقلال كامل للسلطة القضائية، … ومناهضة التضييق على الحرّيات واستهداف القضاة». ويضم هذا الإئتلاف كلاّ من ”الجمعية المغربية للنساء القاضيات” ، و ”نادي قضاة المغرب” ، و ”الودادية الحسنية للقضاة”. 

(17) أنظر مقال:

Mireille Delmas-Marty, ”La démocratie dans les bras de Big Brother”, publié dans le journal ”Le Monde”, du samedi 6 juin 2015.

One thought on “وثيقة «أيّة علاقة بين الدّين والقانون»؟ (أو نقد القانون الجنائي).ء

  1. Hamid Chohroure

    Commentaire de M. Hamid Chohroure:
    Merci encore une fois pour cet article. Je te félicite pour la clarté de ton exposé. Voilà quelques-unes des idées que n’a inspiré la lecture de votre article :
    Le Pénal, forme archaïque du droit, est en quelque sorte un legs et une continuation des époques révolues. Comme le montre E. Durkheim dans « Division du travail », le pénal étant la seule forme de droit dans les sociétés « non civilisées », il perd de plus en plus d’importance au fur et à mesure que la société évolue, passant de ce qu’il appelle la « solidarité mécanique » où l’unité des individus découle de leur ressemblance, à l’identique même, et donc basée sur l’unanimité (إجماع), à la « solidarité organique » où l’union est basé sur la différence, la division du travail et le consensus social. C’est ce que confirme J.J. Rousseau qui, plus catégorique, considère que « les lois criminelles […] dans le fond, sont moins une espèce particulière de lois que la sanction de toutes les autres » (Du contrat social).
    Ceci étant dit, il ne serait pas étonnant qu’un « esprit » qui a cessé de fonctionner depuis au moins dix siècles (voir « al bayane al kadiri : البيان القادري), il ne lui reste que le pénal comme terrain de manœuvre. Et au lieu d’assister à une sécularisation du droit, c’est à un processus inverse et rétrograde que nous risquons d’avoir l’honneur. Ceci tant que les intérêts matériels des vrais dominants ne sont pas touchés. Car comme le dit Marx ; « La Haute Église d’Angleterre, par exemple, pardonnera plus facilement qu’on s’en prenne au 38 des 39 articles de la Foi qu’à un seul 39e de ses revenus en argent. » (K. Marx, Le Capital.)
    Preuve éclatante : En matière civile, l’actuel « gouvernement gouverné » n’avait même pas à créer de nouvelles lois pour montrer sont excès de zèle islamiste : Citons les articles « désuets » mais figurant encore dans le Dahir des Obligations et Contrats qui déclarent nulle la stipulation d’intérêts entre musulmans :
    Article 870 : « Entre musulmans, la stipulation d’intérêts est nulle et rend nul le contrat, soit qu’elle soit expresse, soit qu’elle prenne la forme d’un présent ou autre avantage fait au prêteur ou à toute autre personne interposée. »
    Certains arguent que les banques étant des personnes morales dénuées de religion, les contrats d’intérêt sont conformes à cet article ; l’une des parties n’étant pas musulmane.
    Le paradoxe est que ceux qui soutiennent que les personnes morales n’ont pas de religion, oublie ceci en scandant que l’Etat est musulman ; bien que personne morale ?!! 
    Mais si l’on admet que les banques n’ont pas de religion, cela ne fait pas sortir « nos amis » du pétrin. L’intérêt étant formellement prohibé par l’Islam, toute banque comptant plus d’un actionnaire dans son tour de table est « nulle de plein droit » en vertu de l’Article 986 du même Code :
      « Article 986 : Est nulle de plein droit, entre musulmans, toute société ayant pour objet des choses prohibées par la loi religieuse, et, entre toutes personnes, celle ayant pour objet des choses qui ne sont pas dans le commerce.»
    Ce gouvernement peut-il rendre effectif ce Code considéré par certains d’inspiration musulmane, bien qu’institué par le « colonialisme infidèle » ?
    En fait, il faut avouer que ceci est beaucoup plus dangereux que de s’attaquer aux amoureux.
    L’actuel gouvernant ne cesse d’emprunter à intérêt. Il admet implicitement que le monde a changé. Ce qu’il n’accepte pas de faire ailleurs.

    أعجبني

    رد

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s