استجواب رحمان النوضة: «ما هي الدِّينَامِيَّة القادرة على تقويم قوى اليسار؟».ء

 مَا هي الدِّينَامِيَّة القادرة على تَـقْوِيم قوى اليسار بالمغرب ؟

عند تحميل هذه الوثيقة، يُنصح استعمال صيغة ‘بِي دِي إفْ’، لأنها تحافظ على الشكل الأصلي للنّص، ولتحميل نصّ هذه الوثيقة، أَنْقُرْ فوق الرّابط التالي:       ء

Capture.Flèche.Télécharger.best

 

وثيقة ‘ما هي الدّينامية القادرة على تقويم قوى اليسار’ (رحمان النوضة)(صيغة 5).ء.pdf

اِسْتَجْوَب الموقعُ الإلكتروني ”حوار الريف“ رحمان النوضة حول المبادرة السياسية الجديدة :  ء
” مَا هي  الدِّيناميكية القادرة على تقويم قوى اليسار بالمغرب؟ ” 

تقديم المُستجوَب من طرف حوار الريف: عبد الرحمان النوضة، مهندس، وكاتب، وقيادي سابق في منظمة إلى الأمام، أحد رفاق المناضل الراحل ابراهام السرفاتي، معتقل سياسي سابق، اعتقل يوم 4 ماي  1974 في سياق موجة الاعتقالات التي شملت عددا كبيرا من مناضلي اليسار الجديد، اجتاز سنة ونصف في المعتقل السري المُسمّى «درب مولاي الشريف»، تعرض داخل هذا القبو لتعذيب شديد، أسوة بباقي المعتقلين السياسيين الذين مروا من هذا الجحيم.  وفي فبراير 1977 حوكم بالسجن المؤبد، رفقة أربعة مناضلين آخرين، وهم : إبراهام السرفاتي، عبد الله زعزاع، المشتري بالعباس، وعبد الفتاح الفاكهاني. وقد اجتاز وراء القضبان 18 سنة، تحت قبضة حكم الملك السحن الثاني، له عدة كتب سياسية بالعربية وبالفرنسية، فضلا عن مقالات منشورة في مجموعة من الجرائد بالمغرب. وعلى إثر إعلانهم لمبادرة سياسية رفقة مجموعة من المناضلين اليساريين من تجارب مختلفة، اغتنمنا هذه الفرصة قصد استيضاحه حول حيثيات هذه المبادرة. فتجاوب عبد الرحمان النوضة مع حوار الريف بكل أريحية، ودون أدنى تردد ، وله منّا جزيل الشكر والامتنان.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

أبو علي أمزيان من الموقع الإلكتروني “حوار الريف” : كنتم من المساهمين في مبادرة التأم حولها ثلة من المناضلين المنحدرين من تجربة اليسار الراديكالي، على تنوعه، وعقدتم خلال يوم الأحد 6 فبراير 2016 الماضي اجتماعا، وتداولتم فيه حول ما أسميتموه ب «إعادة تأسيس اليسار بشكل متعدد» ؟ لو تتفضّلوا بإعطاء بعض الخطوط العريضة لهذه المبادرة السياسية ؟

رحمان النوضة : أولاً، أنا لستُ مسئولا، ولا ممثّلا، وإنما أتكلّم باسمي الشخصي فقط، وما أطرحه لا يلزم أحدا، ولا يعبّر بالضرورة عن آراء المناضلين الذي أعمل معهم. وأعتذر لهم مسبقًا إن تحدثتُ دون استشارتهم. وَلَوْ توفّر الوقت، لحاولتُ التشاور مع رفاقي في ”الدّينامية“ للوصول إلى إجابة مشتركة. لكن جوابي السّريع هو ما يسمح به ضيق الوقت.

Foto.Dynamiq.Gauch.modifi(6fevr2016).jpg
صورة للمناضلين الذين حضروا اللقاء الأول.

ثانيا، التقى فعلاً خلال يوم السبت 6 فبراير 2016 بالدار البيضاء، مناضلون سياسيون، محسوبون على اليسار. بعضهم مُتحزّب، وبعضهم غير متحزب. ودُعي إلى اللقاء المناضلون الذين وقعوا على «بيان من أجل إعادة تأسيس اليسار المتعدد». ويمكن أن أبعث إليكم نصّ هذه الوثيقة لاحقًا، لكي يطّلع عليها قرّاء موقعكم الإلكتروني. ويمكن لمن يرغب في المشاركة في التوقيع على هذه الوثيقة أن يبعث اسمه إلى

العنوان المشار إليه في نهاية هذه الوثيقة.

ثالثًا، نحن لا زلنا في بداية النقاش. ولم نقرّر بعدُ أي شيء. رفاقي يفضّلون تسمية مبادرتنا أو حركتنا بعبارة «سيرورة من أجل إعادة تأسيس يسار متعدد». والمقصود من عبارة «إعادة التأسيس»، حسب تصوّري، ليس هو حلّ أحزاب اليسار الحالية وتعويضها بأخرى، وإنما المقصود هو خصوصا المراجعة النقدية للأسس التي بُنيّت عليها هذه الأحزاب، لفحصها، وتقويمها. وأنا شخصيا أحبّذ تسمية مبادرتنا بعبارة «الدينامية لتقويم وتثوير قوى اليسار». وأتمنّى أن يكون هدف هذه ”الدِّينامية“ هو نفسه لدى الجميع. أما إذا كان الهدف هو تـقويّة طرف على حساب الأطراف الأخرى، أو فرض حل بعض أحزاب اليسار، أو الضغط عليها لكي تتوحّد في حزب واحد، أو عزل أو إقصاء بعض الجماعات من المناضلين، فَإننا سنكون في هذه الحالة في حالة خلاف سياسي. أنا شخصيا ضدّ خلق حزب يساري جديد. كما أنني ضد إقصاء أي حزب يساري، أو أية مجموعة يسارية، من النضال الجماهيري المشترك. وهذه المبادرة السياسية الجديدة تجمع مناضلين متنوّعين، جاءوا من تجارب نضالية أو حزبية مختلفة، ويحملون آراء متفاوتة، ومقاربات متباينة، ومتكاملة. وهذا التفاوت في الآراء طبيعي وإيجابي. ولا تشكّل هذه الخلافات عائقا ضدّ النضال الجماهيري المشترك، خاصّة إذا كان المناضلون المعنيون يعرفون كيف يتعاملون معها، بمرونة، وجَدَلِيَّة. والميزة المشتركة فيما بين هؤلاء المناضلين هو أنهم لا يناهضون أية قوة من بين قوى اليسار، بل على العكس، يناصرون كلّ قوى اليسار، ويقدّرونها، ويغارون عليها، لكنهم غير راضين تمامًا عن كل ما يصيب حاليا قوى اليسار من ضعف، ونقصان، وارتباك، وتشتّت، وحلقية، وتنافر، وتفرقة، وتشرذم، وغياب المبادرات الناجعة، وغياب النضالات المشتركة فيما بين قوى اليسار.

رابعًا، يطمح هؤلاء المناضلون إلى خلق حركية، أو سيرورة، أو ديناميكية، من نوع جديد، على مستويات فكرية، وسياسية، ونضالية. وهؤلاء المناضلون يرفضون كل ما يهدف إلى إضعاف قوى اليسار، أو تشتيتها، أو تدميرها، أو مسخها، مَثَلًا عَبْرَ تحويلها إلى مجرد آلة انتخابية. بل يسعون إلى المساهمة المتواضعة في تقريب قوى اليسار فيما بينها، وتعزيز تشاورها، وتعاونها، وتكاملها، وتفاعلها البَيْنِي، بروح نضالية ثورية واضحة، ومن أجل رفع مستوى فعاليتها السياسية، نحو أفق خدمة الأهداف الاستراتيجية للشعب. ويعتبرون أن المناهج القديمة المعتادة، التي تستعملها قوى اليسار، سواء في تفكيرها، أم في أساليب عملها، تحتاج إلى مراجعة نقدية، بغية تقويمها، وتحسينها، وتحديثها، وتثويرها.

حوار الرّيف: عرفنا في الماضي دعوات أخرى تدعو هي أيضا إلى النضال المشترك فيما بين قوى اليسار. لكن، رغم حسن النوايا المتوفّرة في المساهمين في هذه التجارب النضالية، رأينا كثيرا من محاولات النضال المشترك تتعثّر، أو تفشل، أو تتشتّت، بسب الخلافات، أو الصراعات، أو المنافسات، أو المزايدات السياسية، التي تنشب فيما بين فرقاء هذا النضال المشترك. فلماذا ستنجحون أنتم فيما فشل فيه كثيرون قبلكم؟

رحمان النوضة: كلامك صحيح. كثير من محاولات تقريب قوى اليسار فشلت. ويمكن لمحاولتنا أن تفشل هي أيضًا. والمشكل الذي يتكرر إبّان خوض كلّ نضال جماعي مشترك، هو أننا نلاحظ أن بعض المناضلين، أو بعض المجموعات، الذين يشاركون في هذا النضال المشترك، لا يعملون لتحقيق الأهداف النضالية الثورية العامة المشتركة، المحدّدة بشكل مشترك، وإنما يعملون لخدمة أهادف أخرى خاصة بهم كأشخاص. وهذه الأهداف الخاصة قد تكون هي بناء زعامة شخصية، أو تقوية حزبهم الخاص بهم، على حساب قوى سياسية أخرى من اليسار. ويمكن أن يكون سبب الفشل هو العمل لبناء تنظيم خاص بهم، أو لاحتلال مواقع تنظيمية قوية في قيادة الحركة النضالية الجارية، أو لكي يستفيدوا هم وحدهم من نتائج النضال المشترك، أو لخدمة مسارهم الشخصي المهني، أو لتحسين حظوظ تسلّقهم الشخصي للمراتب الطبقية في الهيكلة المُجتمعية، إلى آخره. وفي مثل هذه المناسبات، يجب أن نتذكّر دائما، أنه في الوقت الذي ننظر فيه إلى بعض المناضلين، أو بعض الجماعات، على أنهم انتهازيين (يعملون لخدمة أغراض خاصة بهم)، قد ينظرون هم أيضا إلينا كانتهازيين. فلماذا لا نكون متواضعين؟ ولماذا نعتـقد دائما أننا وحدنا على حقّ؟ ولماذا لا نفترض، ولو خلال وقت قصير، أنه من الممكن أن يكون خصومنا، أو منتـقدونا، على حقّ أكثر منّا؟ ولماذا نمنح لأنفسنا حقّ احتكار الصواب، أو الحقيقة، أو الثورية؟ ولماذا لا نفترض أنه من الممكن أن يدافع خصومنا، أو منافسونا، على غايات مشروعة، وَبِنِيَّات حسنة؟ ولماذا لا نفترض مثلاً أننا كلنا على صواب، أو أننا كلنا على خطأ؟ وما العمل في حالة وجود مثل هذه الخلافات؟ هل نوقف النضال المشترك؟ هل ننسحب من النضال المشترك؟ هل ننسف هذا النضال المشترك؟ هل نشنّ صراعا سياسيا حادًّا ؟ هل نخوض حربا شعواء ضد كل من نظن أنهم انتهازيين؟ هل ندخل في تحالفات غير مبدئية لقطع الطريق على كل من يظهر لنا كانتهازي، أو يحاول استغلال النضال المشترك لخدمة أغراض خصوصية؟ أظن أن الحل الأقل ضررًا هو سلوك التواضع، والعمل بِالجَدَلِيَّة. ويحتوي هذا النهج على عدّة جوانب. أوّلاً، يلزم أن نعتبر مثل هذه المشاكل نوعا من التناقضات الموضوعية الداخلية، التي تظهر حتمًا داخل صفوف الشعب، وتظهر في كل مجتمع، وفي كل عمل جماعي. وثانيًّا، الأحسن هو أن نتعامل مع هذه التناقضات بمرونة، وبتأنّي، وليس بشكل سريع، أو سطحي، أو عنيف، أو عدائي، أو إقصائي. وثالثًا، يجب أن نحرص على مساعدة المخطئ لكي يصلح خطئه، وليس أن نعمل للقضاء على المخطئ بهدف التخلّص من الخطأ. [وقد سبق لي أن أوضحتُ ذلك في كتب سابقة]. ورابعًا، ينبغي أن نتذكّر أن هدفنا الأساسي كثوريين، هو أن نعمل من أجل تثوير المجتمع، وتثوير مكوّناته، وتثوير أفراده، بما فيه تثوير هؤلاء الأشخاص الذين يظهرون لنا كانتهازيين، أو كمنافسين، أو كخصوم. وليس هدفنا الأساسي هو القضاء على كلّ من يخالفنا في المعتقدات، أو في الأساليب، أو في السّلوكيات. وسلاحنا في مواجهة كل الانحرافات الممكنة هو الحوار الصريح، والنقد المباشر، ثمّ النقد الجماهيري، ثم اقتراح بدائل فكرية وعملية قد تكون مقنعة بوضوحها، وسدادها، وتلائمها مع واقع الشعب واحتياجاته. وبعدما تـقتنع الجماهير بصحة نقدنا للسلوكيات المنحرفة، وفي حالة إذا تعنّت المخطئون في أخطائهم، آنذاك يمكن اللجوء إلى إبعاد الانتهازيين المتعنّتين.

حوار الريف : تتكلّمون عن نقد وتقويم وتثوير قوى اليسار، لكن بعض أحزاب اليسار لن تـقبل منكم أن تنتـقدوها.

رحمان النوضة : ممكن. لكنني أرفض أن يعتبر أي حزب سياسي نفسه شأنًا داخليا خاصا. بل أعتبر كل حزب، وكل فاعل سياسي (سواءً كان يمينيا أم يساريا)، بأنه شأن عام أو عمومي. وعليه، فمن حقنا، بل من واجبنا، أن نشارك في محاورته، ومساءلته، ومحاسبته، ونقده، وتطويره.

حوار الريف : أعلنتم هذه المبادرة في ظرفية صعبة، تتسم بتراجع اليسار على المستوى الشعبي، والنخبوي، بعد تدجين جزء كبير منه، فيما تعيش التنظيمات اليسارية الأخرى، وخصوصا بعض الأطراف المنحدرة من تجربة اليسار الجديد، انشقاقات مستمرة، بسبب الإحباط المعنوي لعدد كبير من فئاتها. ولعل صورة اليسار في المغرب قريبة مما يمكن تسميتها بأزمة وجود. في ظل هذه الأوضاع، أي معنى، أو إضافة، تحمله مبادرتكم، في مواجهة هذه التحديات التي يعيشها اليسار المغربي ؟

رحمان النوضة : أوّلاً، التشخيص المقلق الذي بدأتَ في طرحه، خلال سؤالك السابق، حول أوضاع اليسار بالمغرب، يعني أنك وضعتَ رجلك الأولى داخل حركتنا التصحيحية. وحينما ستبدأ في المساهمة العملية في نقد وتثوير قوى اليسار، فإنك ستوكون قد وضعتَ رجلك الثانية داخل حركتنا التقويمية. فأنت تلتقي فكريا معنا دون أن تكون قد اجتمعتً معنا. وكل مناضل يشرع في تشخيص قلق لأزمة قوى اليسار، يصبح كأنه مشارك، أو منخرط، في مبادرتنا التقويمية.

ثانيًا، نحن لم ننتج معجزة جديدة، لأن ما نحسّ به نحن، تحسّ به أنت أيضا، ويشعر به غالبية مناضلي قوى اليسار، وربّما منذ وقت قد يعدّ بالشهور، أو بالسنوات، أو بالعقود، حسب حالة كل مناضل. ونسبة هامة من أعضاء، أو مسئولي، قوى اليسار، يعترفون صراحة، إمّا في العلن، وإما في السرّ، أن اليسار يوجد حقًّا في حالة ضعف، وأنه يعاني من مشاكل كثيرة ومعقّدة. لكن الجديد الذي جاءت به حركتنا التصحيحية، هو أننا قرّرنا بجرأة، الانتقال من إحساس فردي شبه ”لا واعي“ بأزمة اليسار، إلى الطّرح الجماعي، والسياسي، والعلني، والواضح، والعقلاني. ولا يكفي اليوم أن نعترف نظريا بوجود مشاكل لدى قوى اليسار، بل المطلوب هو الشروع فورًا، وعمليّا، في نقد، وتصحيح، وتقويم، وتثوير قوى اليسار.

ثالثًا، مظاهر أزمة قوى اليسار التي بدأتَ سابقا في سؤالك في طرح بعض عناصرها، هي بالضبط التي حثّتنا على إطلاق هذه المبادرة السياسية. لقد وصل تدهور أوضاع قوى اليسار إلى مستوى خطير يهدّد استمرارية وجود هذا اليسار، كما قلتَ أنتَ بنفسك. وفي مثل هذه الأوضاع المقلقة، يحسّ بعض المناضلين الثوريين في اليسار بضرورة الجرأة على التفكير، والجرأة على المبادرة، والجرأة على النقد، وعلى ممارسة التحذير، والتنبيه، والاقتراح، والتجميع، بهدف المشاركة المتواضعة في إخراج قوى اليسار من مسار الانحدار، وحملها إلى مسار التساؤل، والمراجعة النقدية، والإبداع، والتشاور، والتفاعل، والتعاون، والتكامل، والتلاقح، والنموّ، نحو أفق الفعالية، والسداد، والانتصار.

رابعًا، يجب ألّا نُغالط أنفسنا. فإقدامنا على محاولة تقويم قوى اليسار بالمغرب، لا يعني، ولا يضمن، أننا متفوِّقين على قوى اليسار، ولا يعني أننا سالمون من النَّقَائص الموجودة في قوى اليسار. بل يمكن أن يكون بعضنا، أو كلّنا، يحمل نفس الأخطاء، أو نفس النقائص، الموجودة في قوى اليسار، والتي ندّعي أننا سنساعد قوى اليسار على التَّعَافِي منها. والمستقبل هو الوحيد الذي سيبيّن إلى أيّ مدى نحن سالمون من عيوب قوى اليسار، أو إلى أي مدى نحن مصابون بنفس الأخطاء القائمة في قوى اليسار.

خامسًا، معظم مناضلي قوى اليسار، وبغض النظر عن الإطار الحزبي أو التنظيمي الذي يعملون حاليا داخله، هم صادقون، ونزيهون، وطموحون. وإذا ما اقترحنا عليهم مراجعة نقدية لمكوّنات اليسار، وإذا ما اقترحنا عليهم أساليب عمل جيدة، فمن الممكن أن يقبلوها، أو أن يستفيدوا منها، أو أن يطوّروها إلى أعمال نضالية من نوع جديد. كما أنه من الممكن أن يرفضوها لاعتبارات مختلفة. وقد تمكّنهم هذه الاقتراحات من إنجاز مهام نضالية مشجّعة.

سادسًا، قوى اليسار هي اليوم في حاجة ملحّة، وعاجلة، لإحداث نقلة نوعية في تصوّراتها، وفي أفكارها، وبرامجها، وأساليب نضالها، وأشكال تنظيمها، ومناهج عملها.

سابعًا، نحن لا ندّعي أننا أتينا بخط سياسي جديد وبديل. ولا نزعم أننا نتوفر على تصوّرات جديدة وَواضحة، ولا على حلول سياسية شاملة وكاملة، ولا على مشاريع بديلة جاهزة. على عكس ذلك، أعتقد أن الأفكار الجديدة التي نحتاج إليها، لن يخلقها أي شخص كان، ولا أي حزب منفرد، وإنما النضال الجماهيري المشترك، الذي يُساهم فيه أكبر قدر ممكن من بين قوى اليسار، هو وحده المؤهّل لتجديد أفكار وأساليب وممارسات قوى اليسار. والمهم لديّ هو أن ندفع مجمل مناضلي قوى اليسار إلى أن يساهموا، سواءً كمسئولين، أم كأعضاء قاعديين، في التشاور، والتفاعل، والتساؤل، والنقد، والبحث، والتعاون، والتكامل، والإبداع، بهدف إحداث النقلات النوعية المرجوة، على جميع الأصعدة، الفكرية، والتنظيمية، والعملية، والنضالية.

حوار الريف : ألا تخافون من أن تساهم هذه المبادرة في تشتيت المُشتّت، خصوصا أنها تتزامن مع مبادرات أخرى يقف وراءها عدد من الأطراف، جرفت معها حمولة سياسية لصراعات شاقة داخل حزب سياسي يساري، وهو الحزب الاشتراكي الموحد، الذي يشكو منذ مدة من اختراقات أطراف محسوبة على أحزاب التحكم، تسعى إلى تركيعه واحتواءه؟

رحمان النوضة: أوّلاً، كل أحزاب اليسار (في المغرب، وكذلك في كثير من بلدان العالم) تعيش حاليا مشاكل مُعيقة، ومُرْبِكَة، ومعقّدة، بما فيها ”حزب الاشتراكي الموحد“، و”حزب الطليعة“، و”حزب النهج“، و”حزب المؤتمر الاتحادي“. وحتى حزبي ”الاتحاد الاشتراكي“، و”حزب التقدم والاشتراكية“، ولو أنني لا أعتبرهما ضمن اليسار، يتخبّطان في مسار عسير، ويتطوّران من سيّء إلى أسوأ. وهذان الحزبان الأخيران لا يتجرّآن بعدُ حتّى على الاعتراف بالأزمة التي تهلكهما.

ثانيًّا، على خلاف بعض التخوّفات المشروعة، أقول بوضوح، أن مناضلي هذه المبادرة الجديدة، لمَّحُوا خلال اجتماعهم الأول، إلى أنهم مقتنعون أن عملية، أو سيرورة، تقويم وتثوير قوى اليسار الحالي بالمغرب، لن تُنجز عبر خلق حزب جديد. بل إن تقويم وتثوير قوى اليسار سيأتيان من خلال المساهمة الطوعية، والعملية، والجماعية، والمشتركة، لأكبر عدد ممكن من مناضلي قوى اليسار، في إحداث هذه النقلة النوعية، من داخل أحزابهم الخاصة.

ثالثًا، هدف ”الدّينامية“ ليس هو خلق حزب جديد، وليس هو تعويض قوى اليسار الحالية بأخرى تزعم أنها هي الأحسن. وإنما الهدف هو الانطلاق من قوى اليسار الحالية كما هي، والانطلاق كذلك من المناضلين اليساريين غير المتحزّبين كما هم حاليا، والعمل بهدف تقويم هذه القوى، وتثويرها، عبر النضال الجماهيري المشترك، وعبر حوار جِدَالِيّ، والتـفاعل الإيجابي، والبحوث الجماعية، والمراجعة النقدية، والنقد الذاتي، والإبداع على مستويات الفكر، والتنظيم، والنضال المشترك، إلى آخره. والغاية ليست هي خلق تنظيمات يسارية جديدة أو بديلة، وإنما الغاية هي تقويم وتثوير قوى اليسار الحالية، ليس فقط من خلال النقاشات أو المشاورات، وإنما من خلال خوض النضالات الجماهيرية المشتركة. وهذا النضال الجماهيري المشترك، الطويل الأمد، هو الذي سيوفِّر إمكانية تجميع قوى اليسار  في إطار تنسيق، أو تحالف، أو جبهة، أو فيدرالية. لا يهم الشكل، هل جبهة؟ هل فيديرالية؟ هل تحالف؟ هل تنسيق؟ المهم هو سِعَة النضال المشترك، وصلابته، واستمراريته. وما نريده هو تقوية قوى اليسار، وليس تدميرها. وكل مناضل يريد الانخراط في ”الدّينامية“ المذكورة، أو يريد فقط المساهمة من بعيد في مجهوداتها، لا نطلب منه التخلّي عن انتماءه الحزبي، ولا نطلب منه تغيير قناعاته السياسية. لأن جوهر ”الدّينامية“ ليس حزبا جديدا، وإنما هو نضال مشترك، ومجهود متواصل، يهدف إلى تقويم وتثوير مناهج قوى اليسار. وعلى عكس بعض التخوّفات، ندعو مجمل المناضلين إلى البقاء داخل قوى اليسار التي يتواجدون فيها، وإلى الصمود في نقد ومقاومة كل أشكال التخلّف، أو الرداءة، أو الانحراف السياسي. كما ندعو المناضلين إلى المساهمة الجريئة في تقويم وتثوير أحزابهم، بأساليب بنّاءة، وشفّافة، ومرنة، ونزيهة، ومتأنّـية، وديمقراطية. لأن الهدف ليس هو تخريب قوى اليسار، ولا هو السيطرة عليها، وإنما هو المساهمة المتواضعة في تطويرها، وتقويتها، وتحسين أدائها. مع العلم أن المناضل الثوري، هو الذي يبدأ دائما بتثوير نفسه، قبل أن يحاول تثوير غيره.

رابعًا، نحن (في المبادرة الجديدة) لا نزعم أننا أنبياء جدد، ولا ندّعي أننا نفهم المشاكل السياسية أحسن من باقي مناضلي قوى اليسار، ولا نرغب في أن نكون زعماء سياسيين جدد، ولا قادة سياسيين جدد. ولا نريد استبدال القادة الحاليين في أحزاب اليسار، ولا نريد منافستهم. هذه شؤون تهم مناضلي كل قوة يسارية على حدة. ونحن (في المبادرة) نعارض بوضوح خلق حزب يساري جديد، أو جمعية جديدة، أو حتى خلق مجموعة سياسية جديدة، أو خلق تيّار سياسي جديد. لأن خلق حزب جديد يمكن أن ينتج مشاكل إضافية، دون أن يقدر على فهم ومعالجة المشاكل القديمة. كما أننا لا نهدف إلى تغليب أي حزب يساري على آخر. ولا نريد حتى الضغط على قوى اليسار لكي تتوحد رغمًا عنها. ولا نقبل مناهضة أي حزب يساري. وإنما نطمح إلى تقوية مجمل قوى اليسار، عبر النضال المشترك، وتبادل النقد، والمساعدة، والتَّـقويم، والتَّـثوير.

خامسًا، ما نرغب فيه (عبر مبادرة ”الدّينامية“) هو تقريب المسافات الفكرية والسياسية فيما بين مختلف قوى اليسار. ونبتغي تشجيع مجمل قوى اليسار على الالتزام بمنهج التواضع، وعلى تحبيذ التشاور، وعلى تفضيل النضال المشترك. ونريد المساهمة المتواضعة في الرّفع من مستوى أداء مجمل قوى اليسار. ونطمح إلى تعميق التعاون، والتكامل، فيما بين مجمل قوى اليسار.

سادسًا، نحن (في المبادرة) نـثـق في كون الأفكار السياسية التي تكون ثورية، وسليمة، وملائمة للواقع الملموس، نثـق بأنها ستتحول بسهولة إلى قوة بشرية، أو سياسية، أو نضالية، أو مجتمعية. وطموحنا هو المشاركة في خلق ديناميكية فكرية، وسياسية، ونضالية، وأن تؤدّي هذه الديناميكية إلى تنمية حيوية لِقوى اليسار، وفعاليتها، وإبداعاتها، وإشعاعها، وتعاونها، وتكاملها، ونضالاتها المشتركة. ولا يمكن أن تنجح أية مبادرة سياسية طموحة مثل مبادرتنا، إلا إذا فهمتها غالبية مناضلي اليسار، وقبلت طوعيا المشاركة في تعميقها، وتحويلها إلى سلوكيات نضالية يومية ومتواصلة. زيادة على هذا، لا تنس أن ما قلتُه لك، هو رأيي الشخصي. وأنا على يقين أنك إذا استجوبتَ مناضلين آخرين من بين المشاركين في مبادرتنا الحالية، فإنهم سيقولون لك بالتأكيد، أفكارًا أخرى مهمة، واقتراحات إضافية غنية، ومُكمّلة. حيث أننا لا زلنا في بداية الطريق. ونحن مثل آلات موسيقية في أوركسترا. كلما تكلم أحد منا، إلاّ وسمعتَ صوتا أو نبرة مختلفة. لكننا نعزف سمفونية واحدة مركّبة. حسب ما أتصوّر.

حوار الريف: هذا كلام نظري عام، ومعقول، وجميل، ولن يعارضه أي مناضل عاقل، ولكنك لم توضح لي الإجراءات العملية التي ينوي مناضلو هذه المبادرة القيام بها لتحقيق طموحاتهم.

رحمان النوضة: حسب رأيي المتواضع، وإلى حدود هذه اللحظة، نحن بأنفسنا لا نعرف جيّدا ماذا ينبغي أن نفعل، وكيف نفعله، ومتى، ومع من ؟ لدينا طبعًا بعض التصوّرات الأولية، أو الجزئية. ونعترف بتواضع أن هذه التصوّرات الحالية لا زالت بِدَائِية، أو غير كافية. لأنها تستوجب بالضرورة مساهمة أكبر عدد ممكن من بين مناضلي قوى اليسار.

والمهم عند انطلاق ديناميّتنا، هو أننا واثقون من أن الشروع الجرّيء، والجماعي، وبدون تماطل، في تطبيق هذه الأفكار، هو الذي سوف يساعدنا أكثر فأكثر على توضيح ماذا نريد، وكيف ننجزه، ومع من، ومتى؟

ويحرص أعضاء ‘الدّينامية’ على التفاعل بشكل إيجابي مع كل قوى اليسار، دون تفضيل فصيل على آخر، ودون إقصاء أي طرف. فالنضال الجماهيري المشترك مفتوح لكل قوى اليسار، ولكل المناضلين. وكل قوة من بين قوى اليسار تقبل بالانفتاح تجاهنا، سوف نساعدها بكل طاقاتنا. وكلّما وُجدت قوة يسارية مقصّرة، أو مخطئة في إحدى مواقفها، أو في إحدى سلوكياتها، فإن الواجب سيجبرنا على نقدها بشكل صريح، بنّاء، علني، وباحترام. لكن الاحترام لا يعني المجاملة، أو المهادنة، أو المحاباة، أو السكوت عن النواقص. كما أن النقد لا يبرّر الاتهامات الذاتية، أو الإهانة، أو القساوة، أو الاحتقار، أو الإقصاء، أو بث الكراهية، أو العداوة.

ودورنا هو المساعدة، وليس التّحطيم. وسلاحنا الأساسي هو النقد العلني، الواضح، والدّقيق، والمعمّق، والجدّي، والرّزين. لأن الغاية هي تقويم وتثوير قوى اليسار، وليست هي ضربها، أو إضعافها، أو هجرها، أو تجاهلها، أو المشاركة في تصفيتها. وانتصار ”حركتنا“ أو ”ديناميتنا“، لا يتجلّى في احتلال مواقع تنظيمية قيادية، وإنما سيظهر في تطبيق قوى اليسار، في شموليتها، لمناهج ثورية، سليمة، وفعالة.

ولكي لا يبقى كلامي نظريا أو عامّا، أود أن ألحّ على أن أسلوبنا في العمل سيكون هو مشاركة مجمل مناضلي ”الدّينامية“ في أكثر ما يمكن من الأنشطة والنضالات التي تنظمها أية قوة من بين قوى اليسار. ضدًّا على الحلقية. وضدّ الحسابات الضيّقة. وبدون ميول نحو احتلال مواقع في ”القيادة“، أو ”الزعامة“، أو ”الطليعية“. ومن خلال هذه المشاركة، سيحرص أنصار “الدّينامية” على التذكير، وعلى الإلحاح، على دعوة كل مناضلي ومسئولي كل قوة من بين قوى اليسار إلى ما يلي:

1) ضرورة الالتزام بالتواضع، وبالتشاور، وبالتنسيق، وبشكل متواصل، فيما بين أكثر ما يمكن من قوى اليسار، بما فيها تلك التي نختلف معها في كثير من القضايا.

2) تفضيل القيام بأنشطة ونضالات مشتركة، فيما بين أكثر ما يمكن من قوى اليسار، بدلاً من خوض أنشطة أو نضالات بشكل منفرد (من طرف كل قوة يسارية معنية على حدة). لأن انخراط أكثر ما يمكن من الأطراف في النضال المشترك هو بالضبط الذي يوفّر إمكانات التَّـقارب، والتَّـفاعل، والتـفاهم، والتطوّر، والتوحّد، فيما بين قوى  اليسار.

3) الحرص في النضالات المشتركة على إعطاء الأسبقية للمصالح الثورية للشعب، وليس لمصالح هذا الحزب المعني أو ذاك، أو لصاح هذا التنظيم المحدّد أو غيره.

4) غايتنا المشتركة الأساسية هي إنجاح النضال المشترك، وليست هي استـفادة حزبنا الخاص، أو مصلحة تنظيمنا، أو تقوية تيّارنا السياسي. بل نفضّل إنجاح النضال المشترك، وَلَوْ كان الثمن اللازم لذلك هو تضحية حزبنا، أو خسارة تنظيمنا. لأن الشعوب لا تتـقدم، ولا تتعلّم، ولا تتوعّى، ولا تتـقوى، إلاّ عبر النضال المشترك.

5) نبذ الحلقية، أو العصبية الحزبية الضيّقة، أو الانغلاق على  النفس.

6) نقد الانحياز الذّاتي، أو التعصّب الحلقي، لصالح أية قوة من بين قوى اليسار، ومهما كانت. لأن الهدف الأساسي ليس هو حزبنا، وإنما هو ثورتنا المجتمعية المشتركة.

7) نقد الميول نحو الزعامة. لأن الزعامة تؤدي دائما إلى تقليص دور القواعد، أو إضعافها، أو خنقها، أو تهميشها. كما تؤدّي الزعامية إلى تبليد المناضلين القاعديّين. [أنظر في هذا المجال وثيقتي: “ضدّ الزعيم والزعامية”].

8) نقد الرغبة في الظفر بموقع الطليعة“. واستبدالها بتشجيع التواضع.  لأن الرغبة في احتكار موقع ”الطليعة“ غالبا ما تخفي الرغبة في السيطرة، أو التّحكّم، أو الهيمنة، أو الاستبداد.

9) تشجيع الإبداع بهدف إغناء الأفكار، وتطوير الأساليب النضالية، والأساليب التنظيمية، والإعلامية. وليس الاقتصار على أساليب قديمة، مكرّرة، أو جامدة، أو غير متلائمة مع مستجدّات الواقع.

10) التعامل مع التناقضات التي تظهر داخل كل حزب أو فصيل من اليسار بروح ديمقراطية، ومرنة، تحرص على معالجة التناقض، وليس على هزم العنصر المخالف، أو على إقصاء الطرف المناقض، أو محاولة فرض الرأي الواحد، أو ترسيم الإجماع القسري.

11) التعامل مع التناقضات التي يمكن أن تظهر فيما بين مختلف قوى اليسار بمنهج مرن، يصون الاستمرارية في الالتزام بالنضال المشترك، وخوض هذا النضال المشترك بكل الأشكال المتنوعة والممكنة.

قد تظهر هذه الأفكار ساذجة. لكن ميزة عَمَل الخَيْر هي أنه يظهر في غالب الأحيان ساذجًا، بينما العمل الشِرِّير أو الانتهازي يظهر أكثر واقعيةً. المهم، لا زلنا في بداية الحوار. ونحن في ”الدّينامية“ في حاجة إلى مساهمات مجمل مناضلي قوى اليسار.

حوار الريف: على مستوى شكل التنظيم الذي ستعمل به ”الدّينامية“، يظهر لي طرحكم غير واضح، أو يبدو كأنه يوجد نوع من التناقض في أطروحتكم. حيث تقولون أنكم تطمحون إلى تقويم وتثوير قوى اليسار، وفي نفس الوقت تقولون أنكم ترفضون خلق حزب جديد. فَبِأيّ شكل من أشكال التنظيم ستعملون إذن ؟

رحمان النوضة: فعلاً، قضية التنظيم تطرح علينا، في بداية مشوارنا، تناقضا جميلا ومحفّزًا. لأن أسلوب التنظيم الذي يمكن أن تعمل به ‘الدّينامية’ في المستقبل، قد يطرح عدة إشكالات أو تناقضات. منها مثلا ما يلي :

أ) إذا عملت ”الدّينامية“ مثلاً بأسلوب تنظيم كلاسيكي، توجد فيه هياكل تنظيمية، ومركزية، وقيّادة، وتراتبية، أو بتنظيم يحتوي على هيئات محلية، وهيئة وطنية قيادية، ومؤتمر، وقرارات مُصوّت عليها، فمن المحتمل أن يُوقِع هذا الأسلوب التنظيمي ‘الدّينامية’ في مسار تأسيس حزب كلاسيكي، وفي مشاكل مشابهة للمشاكل التي تعاني منها أحزاب اليسار. الشيء الذي يتنافى مع فلسفة ”الدّينامية“. حيث أننا نطمح إلى إشراك مجمل المناضلين الثوريين، بتعدد انتماءاتهم الحزبية، وبتفاوت آراءهم الفكرية أو السياسية. فليس بديهيا أن تكون الأشكال التنظيمية الكلاسيكية ملائمة لطبيعة ‘الدّينامية’. كما يُحتمل أن تستغل الأجهزة القمعية نقط ضعف هذا الصنف من التنظيم الكلاسيكي (وهي كثيرة ومعروفة) لكي تعرقل هذه ”الدينامية“، أو لكي تقضي عليها.

ب) إذا لم تعمل ‘الدّينامية’ بأي أسلوب تنظيمي محدّد، فمن المحتمل أن تتحوّل هذه ”الدينامية“ إلى حركة مبهمة، أو هلامية، أو غامضة، أو ملتبسة. لا تقدر على الاجتماع، ولا على التشاور، ولا على التنسيق، ولا على بلورة المواقف المشتركة، ولا على تفعيلها. ومن الممكن في هذه الحالة أن تفقد هذه ‘الدّينامية’ الفعالية. وفي هذه الحالة، سيكون من المتوقّع أن تعجز هذه ‘الدّينامية’ على تطبيق برنامجها. وقد تعجز حتى على الاستمرار في الوجود. لأن كل عمل جماعي لا يقدر على أن يكون قويّا، أو منتجا، أو فعّالا، إلاّ إذا عمل بأسلوب تنظيمي عقلاني، ومحكم، ومضبوط، وذا جودة من مستوى عالٍ. وهذا هو التناقض الذي نتمنى القدرة على معالجته في المستقبل.

ت) الحاجة إلى التنظيم، تطرح فورا الحاجة إلى الانضباط. فمن الجميل أن نتحاور، وأن نبلور قناعات مشتركة، لكن ما الفائدة من هذه القناعات المشتركة إذا لم نلتزم جميعا بتنفيذها؟ فهل الحل هو أن تطلب ”الدّينامية“ من أنصارها الانضباط؟ أليس الأفضل هو أن تمنحهم حرّية التصرّف، حسب الطاقات الشخصية لكل مناضل، وحسب الظروف القائمة؟ نحن ندرك طبعًا أن التاريخ يؤكّد أن كل جماعة لا تعمل بالانضباط تتحوّل حتمًا إلى شتات غير منسجم، ثم تموت. لكن، في نفس الوقت، تطمح ”الدّينامية“ إلى أن تكون نوعا جديدا من الحراك الساسي المجتمعي. لذلك نميل إلى محاولة ابتكار صنف جديد من التنظيم، يمزج بين قدر معيّن من الانضباط، وقدر محدّد من حرّية السلوك لكل المناضلين المناصرين ”للدّينامية“. ويمكن مثلاً المطالبة بالانضباط داخل النواة المُنشّطة ”للدّينامية“، والاكتفاء بانضباط مرن بالنسبة لمناصري ”الدّينامية“. خاصّةً وأن ”الدّينامية“ لا تلغي استمرارية الأحزاب أو التنظيمات اليسارية.

ث) في مقارنة ملموسة، وفي تجربتي ثورتي تونس ومصر في سنة 2011، لاحظنا أن حركات الشباب الثوري التي أشعلت الثورة وخاضتها، ونجحت في الإطاحة برأس النظام السياسي، كانت تتوفر على أفكار، لكنها تفتـقد إلى التنظيم. وبعدما أطاحت برأس النظام السياسي، جاءت لاحقا حركات إسلامية أصولية، منظّمة ومنضبطة، وَرَكِبَت على موجة الثورة، وسيطرت عليها، واستغلّتها للسيطرة على الدولة، ولفرض «أسلمة» المجتمع. لماذا ؟ لأن الحركات الإسلامية الأصولية كانت تتوفّر على تنظيم وَلَـوْ بدون أفكار. ولأن فكر الحركات الإسلامية يتلخص في كلمتين فقيرتين، وهما: الشريعة الإسلامية، والرأسمالية. أي فرض ”أسلمة” المجتمع، وترسيخ الرأسمالية المتوحشة التّابعة لمراكز الإمبريالية. ما هو درس هذه المقارنة؟ خلاصتها هي: أن تنظيم بدون فكر، يمكن أن يهزم فكرا بدون تنظيم، ولو كان هذا الفكر جدّ متقدّم ! نحن كجدليين ندرك طبعًا أن الفكر الثوري يقدر على هزم التنظيم، لكن فقط في الحالة التي تتوفّر فيها شروط مجتمعية استثنائية. بينما التنظيم يغلبُ الفكرَ  في معظم الحالات، وبسهولة كبيرة. مثلما أن الدّكتاتورية المنظمة تغلب دائما الديموقراطية الفوضوية. وعليه، فالأفضل هو أن يجمع الثوريون بين الفكر المتـقدّم والتنظيم الجيِّد.

ج) يوجد جانب آخر مهم. وهو أن قوى القمع السياسي حسّنت قُدراتها كمّا وكيفًا. وحصلت على أدوات وتجهيزات تمنحها فعالية أكبر بكثير مِمَّا كان لديها في الماضي. واستفادت هي أيضًا من تكنولوجيات الحاسوب، والهواتف المنقولة، والنظام العالمي لِتحديد المواقع الجغرافية “GPS”، وتسجيل المكالمات والمراسلات، والكامرات الرّقمية المَبْثُوثَة في الفضاءات العمومية، إلى آخره. وتستطيع قوى القمع اليوم أن تَشُلَّ في ظرف يوم واحد أي حزب منظّم بشكل كلاسيكي (يعني الحزب الذي يتوفّر على قيّادة مركزية، وهيكلة على الصعيد الوطني، وله إطارات إقليمية، وتنظيمات محلّية مضبوطة، وتنسيقات دورية، إلى آخره). وهذه التطوّرات في مجال القمع، تفرض على الثوريين أن يبتـكروا، وأن يستعملوا، أساليب تنظيمية من نوع جديد. وفي هذا الإطار، سيكون مفيدا استعمال شكل تنظيمي هلامي، وغير محدّد. لكن هذا موضوع آخر.

ما هو الحل إذن؟ لا ندري حاليا. لهذا السبب، لا زلنا نفكر في ابتكار أسلوب تنظيمي مرن، يجمع نسبيا بين هذه المتناقضات المذكورة أعلاه. ونحتاج إلى أسلوب تنظيمي، من صنف جديد، يكون قادرا على مقاومة القمع، ويكون ملائما لطبيعة ”الدينامية“، ولأهدافها. لأن ”الدّينامية“، وعلى خلاف حزب كلاسيكي، تطمح إلى أن تبقى مفتوحة على مناضلي مجمل قوى اليسار، بتعدد انتماءاتهم الحزبية، وباختلاف قناعاتهم الأيديولوجية.

حوار الريف: رغم أن الحوار معك مشوّق، لكن يلزم أن نختم الاستجواب بسؤال أخيرا. هل يمكن أن توضح لنا بعض الانتقادات السياسية التي توجهها لقوى اليسار؟

رحمان النوضة: النقد هو المدخل إلى التقويم والتثوير. لكن إذا دخلنا هنا في استعراض الانتقادات المفصّلة، الموجهة إلى قوى اليسار، فإن هذا المجال لن يكفينا. الموضوع طويل، وشاسع، ومتشعّب. ولمن يهمه هذا الموضوع، أحيله مثلا إلى مقال سبق لي أن نشرته تحت عنوان «نقد أحزاب اليسار». ويمكن تحميله من الموقع الإلكتروني التالي (https:LivresChauds.Wordpress.Com).

وفي الحقيقة، فإن عملية تقويم وتثوير قوى اليسار، هي أصعب مِمّا يمكن أن نتصوّر. وليست مضمونة النجاح. وكمثال حديث، أتذكّر هنا أن ما يـقرب من مئة مناضل كانوا أعضاء في ”الحزب الاشتراكي الموحد“ على سبيل المثال، حاولوا مقاومة بعض التوجّهات السياسية غير السليمة، على امتداد أكثر من عقد من الزمن. وكانوا يعارضون سياسة إبعاد الحزب عن النضالات الجماهيرية، وتحويله إلى مجرد آلة انتخابية. وتصارعوا بأساليب معيّنة، ضدّ تِيَّار سياسي سائد في الحزب. لكنهم في النهاية انسحبوا من حزبهم. ما هو الدرس من ذلك؟ من المؤسف، بل من المحيّر، أن نلاحظ أن مناضلين من كلا الطرفين، كلهم مخلصين، ونزيهين، لا يستطيعون معالجة التناقضات فيما بينهم، ولا يستطيعون خوض حوار حقيقي فيما بينهم. كأنهم لا يقدرون على الاستماع المتبادل، وعلى التفاعل المتبادل. وقد يكون السبب هو أن قيادة الحزب، أو التوجّه السائد فيه، لم يكن في مستوى معالجة هذه التناقضات. وقد يكون معنى ذلك الحدث أن أحسن حل لمعالجة الخلافات السياسية ليس بالضرورة هو الانسحاب من الحزب. الانسحاب سهل، لكنه لا يعالج المشاكل. وقد يكون الدرس هو أنه لا يكفي أن تدافع عن أطروحات سياسية صحيحة لكي تستطيع إقناع معارضك، أو خصمك، أو منافسك. وكأن المنطق الذي يستعمله مختلف الأشخاص ليس منطقا واحدا وموحّدا، بل هو مَنَاطِق (بصيغة الجمع). لكن هذا موضوع آخر.

وأتذكر مثالا آخر مُحيّرًا. حيث أن قادة ”فيديرالية أحزاب اليسار“ (التي تتكون من ”حزب الطليعة“، و”حزب المؤتمر الاتحادي“، و”حزب الاشتراكي الموحد“) قرّروا أن تكون المشاركة في هذه ”الفيديرالية“ مشروطة بتبني ثلاثة مواقف سياسية، وهي: «الملكية البرلمانية، ومغربية الصحراء، والمشاركة في الانتخابات». وهذه الشروط هي فكرة غريبة، ومحيّرة، بل مرفوضة. كأن واضعي هذه الشروط يريدون خصّيصًا تبرير إقصاء ”حزب النهج“ من النضال المشترك فيما بين قوى اليسار. لأن ”حزب النهج“ هو بالضبط الحزب الوحيد الذي يحمل آراء مختلفة نسبيا في تلك القضايا الثلاثة المذكورة. أنا أحترم، وأقدر، وأحبّ قادة أحزاب ”الفيديرالية“، لكن احترامي هذا لا يمنعني من أن أقول صراحةً أن هذا الشرط الذي فرضوه في العضوية في ”الفيديرالية“، يذكّرني بما يُسمّى بالطّلاق الثلاث. بل يقسّم اليسار، ويضعفه، ولا يفيد سوى النظام السياسي القائم. حيث لا يستفيد من إقصاء «حزب النهج» من النضال الجماهيري المشترك سوى النظام السياسي. ونلاحظ أن تلك الشروط الثلاثة المذكور سابقًا تتوفّر، ليس فقط في حزبي ”الاتحاد الاشتراكي“، و”التقدم والاشتراكية“، بل تتوفّر حتى  في كثير من الأحزاب اليمينية أو المحافظة. فلماذا يقبل نظريًّا قادة ”الفيديرالية“ العمل مع مثل هذه الأحزاب، ويرفضون العمل مع ”حزب النهج“؟ فإذا كان قادة ”الفيديرالية“ يعتبرون أن ”حزب النهج“ هو حزب مشكوك فيه، أو رجعي، أو غير يساري، أو خائن، أو مجرم، فليقدّموا لنا البراهين لكي نقتنع نحن أيضا. وإذا كان قادة ”الفيديرالية“ يحصرون قوى اليسار فقط في الأحزاب التي تتبنّى تلك الموافق الثلاثة المذكورة أعلاه، وجب عليهم أن يقولها لنا بشكل صريح. وهل يُعقل أن يضع قادة يساريون عراقيل مصطنعة ضدّ النضال المشترك فيما بين قوى اليسار؟ وهل النضال المشترك مشروط بالاتّفاق الفكري والسياسي على كل شيء؟ من المفهوم أن اعتزاز ”حزب النهج“ بكرامته يدفعه إلى تلافي طرح هذه القضية، أو نقاشها، أو نقدها، لكن واجبي الأخلاقي، كمناضل غير منتمي لأي حزب في الوقت الحالي، يفرض عليّ بأن أنتقدها علنيّا، لأنها لا تليق بأحزاب يسارية، ولا حتى بأحزاب ديمقراطية. قد تكون لكل حزب من أحزاب اليسار إيجابيات، أو أخطاء، أو نواقص، بما فيه ”حزب النهج“. وإذا كان هذا هو اعتقاد قادة ”الفيديرالية“، فليوضّحوا لنا ما هي الخلافات التي تفرقهم؟ ولماذا تفرقهم؟

أَذْكُر مثالا أخيرا (في مجال نقد أحزاب اليسار). هل يُعقل، أن يدوم في رئاسة حزب يساري مناضل (أو مناضلة) خلال أكثر من خمسة سنوات، في العصر الحديث الذي يتميّز بتسارعه؟ ألا توجد كفاءات أخرى ممكنة في كل واحد من هذه الاحزاب؟ وهل يعقل أن يكون المسؤولون الرئيسيون في حزب يساري غير متفرّغين للعمل النضالي والسياسي؟ هل يُعقل أن يحاول المسؤول الرئيسي في حزب يساري المزاوجةَ بين عمله المهني الشخصي ومسئولياته الحزبية؟ وهل هذه المزاوجة ممكنة (بالنسبة لمسؤول قيادي على الصعيد الوطني)؟ ألا تكون هذه المزاوجة على حساب جودة العمل السياسي لمجمل الحزب المعني؟

لتخفيف حدّة الجدّية، أختم حديثي معك بنكتة. التقت جماعة من المناضلين، وأرادوا خوض نضال مشترك حول “المساواة بين المرأة والرجل”. لكن جماعة منهم قالت: «لا نـقبل بأن يشارك معنا في النضال المشترك سوى من هو على وضوء»! فما العلاقة بين ”المساواة بين المرأة والرجل“ و”الوضوء“!؟ شكرا لموقع ”حوار الريف“.

(حاور رحمان النوضة أبو علي أمزيان من الموقع الإلكتروني “حوار الرّيف”، في 10فبراير 2016).

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

 [إضافة استثنائية: بعد مرور قرابة أربعة شهور على الاجتماع الأول التأسيسي لمحاولة خلق هذه “الدِّينامية”، حدثت خلافات بين النوضة والوافي، فافترقا. وقال النوضة: اكتشفتُ أنه لا يوجد بين بعض الفرقاء تناسق، لا  في الأفكار، ولا  في الأساليب، ولا  في النوايا. لا يمكنني أن أعمل مع أناس يقولون أشياء، ويمارسون أشياء أخرى مخالفة. إذا كانت الممارسة مخالفة للخطاب، فمعنى ذلك أننا نمارس السياسة بمفهومها البرجوازي، أي أننا نمارس اللّف، والدوران، والمغالطة، والخُدْعَة. كان الهدف الأساسي “للدِّينامية” هو مساعدة قوى اليسار، والعمل على تقاربها، وتفاهما، وتـقويمها، وتقويّتها، من خلال خوض أكثر ما يمكن من النضالات الجماهيرية المشتركة. بينما الطّرف الآخر مهووس بشيء واحد، هو بناء زعامته، وتقوية شهرته، وتوسيع تِيَّاره السياسي الخاص به. يعامل أنصاره كَأَتْبَاع، أو كَمُرِيدِين، أو كَرَعَايَا. أراد استعمال “الدِّينامية” لخدمة تِيَّاره السياسي الخاص به. هَمُّه الوحيد هو التحكّم الدائم  في تيّاره السياسي الخاص به، وتقوية موقعه التفاوضي. هذه الحسابات الحلقية الضَيِّـقة لا تهمّني. إذا كان واحد منّا لا يقبل شيئا إلا بشرط أن يكون هو الذي يقوده، أو يهيمن عليه، فالنتيجة الحتمية هي الخلاف، والانقسام، والانشطار، ثم الإفلاس. إذا كنّا سنمارس السياسية بعقلية برجوازية، بمعنى أن تأخذ أكثر مِمَّا تُعطي، سيصبح التعاون أو التكامل مَغْشُوشَيْن. وممارسة السياسة، من منظور ثوري، هي أن تُناضل، أي أن تعطي كل شيء، وأن لا تأخذ أي شيء. أمّا إذا أراد كلّ واحد منّا أن يأخذ أكثر مِمَّا يُعطي، فسنصبح، في الجوهر، مثلنا مثل الأحزاب الأخرى البرجوازية، نمارس السياسة بمنهاج الاستثمار الرأسمالي].

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

 

Advertisements

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.