وثيقة «نَقْد النُّخَب» (عبد الرحمان النوضة). ء

 ”نَـقْـد النّـخَـب” 

لتنزيل وثيقة ”نقد النّخب” (صيغة 6)، (في شكل «بِي دِي إِفْ»)، للكاتب عبد الرحمان النوضة، أنقر فوق الرّابط التّالي : ء

Captur.très.courte.flèche.rouge وثيقة ”نَقْد النُّخَب” (عبد الرحمان النوضة) (صيغة 6).ء.pdf

وننصحكم بتنزيل وقراءة هذه الوثيقة في صيغة «بِي دِي إِفْ»، لأنها هي الوحيدة التي تُحافظ على الشكل الأصلي الجميل لكتابة هذه الوثيقة.  ء

Capture.Titre(نقد النخب)

  فهرس الوثيقة (صيغة 6) : ء

1) إشكالية مفهوم ”النّخبة“

2) تعريف النخبة

3) أنواع النّخب..

4) الآليات أو المؤسسات المعتادة في إنتاج النخب..

5) الآليات أو المؤسـسات غير المعتادة في إنتاج النخب..

6) مشكل النّـخب الجاهلة

7) كيف نمنع النّـخب الانتهازية من نهب ثروات الشعب؟

8) ما الجديد في تجارب إنتاج النخب بالمغرب..

9) كيف تتعامل الدولة مع النّخب المناصرة

10) ميزات العقل الذي تعمل به النّخب في المغرب..

11) كيف تشتغل النخب بالمغرب..

12) هل تؤثر النخب في تطور الصراع السياسي.

13) استشراف مستقبل النخب..

(ملاحظة : في بداية شهر أكتوبر 2015، طلبت الهيئة المشرفة على مجلة ”الربيع”، من عبد الرحمان النوضة، أن يشارك بمقال حول ”النخب”، في العدد المزدوج للمجلة رقم 2-3. فبعث لها الوثيقة الحالية تحت عنوان ”نقد النّخب”. وننشرها هنا في صيغتها الكاملة) (صيغة 6).  ء

  • 1) إشكالية مفهوم ”النّخبة“

عِندما ابتكر علماء المجتمع (sociologues)([1]) الليّبيراليون، (في أوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية، خلال نهاية القرن 19 م)، مفهومَ «النّخبة»، كأداة نظرية لتحليل المجتمع، كان هدفهم هو تفادي استعمال مفاهيم «طبقات» المجتمع (classes sociales)، و«الفئات الطبقية» (fractions de classes sociales)، التي تستعملها النظرية الماركسية في تحليل المجتمع. وكانوا يريدون تلافي ما يرتبط بهذه المفاهيم من رؤية نقدية، أو ثورية للمجتمع.

ويُعرّف علماء المجتمع اللّيبيراليّون (مثل شَارْلْ وُرَايْتْ مِيلْ Charles Wright-Mills)”النّخبةَ“ بكونها «مجموع الأشخاص الذين يتّخذون كل القرارات الهامّة التي يمكن اتّخاذها… ويحتلّون مناصب المسئوليات العُليا في أهمّ مؤسّـسات المجتمع… ويقدرون على تحقيق إرادتهم، ولو عارضها آخرون»([2]). ويعتبر هؤلاء العلماء أن الميادين الرئيسية لِ ”السّلطة“ هي: السياسة، والاقتصاد، والعسكر. فيتكلّمون عن ”نخبة سياسية“، و”نخبة اقتصادية“، و”نخبة عسكرية“.     

وحينما نفحص تعريف علماء المجتمع اللّيبيراليين ”للنّخب“، نلاحظ أنهم لا ينوُون تعريف مجرد ”فئات مُجتمعية“، وإنما يقصدون تحديد ”الطّبقة الحاكمة“، أو الطبقة السّائدة في المجتمع. وعيوب هذا التّعريف ”للنّخب“ هي التالية:

أ) يستعملون لفظة ”النّخبة“ بدلاً من مصطلح ”الطبقة الحاكمة“، أو ”الطبقة السّائدة“.

ب) في تحاليلهم للمجتمع، يتحاشون الكلامَ عن الطبقات النقيضة للنّخب، أي ”النّخب المَسُودة“، (أو ”الطبقات المََسُودَة“).

ت) يفسّرون سيّادة النّخب، ليس بِ العلاقة بِمِـلكية وسائل الإنتاج، وإنما بالتّواجد في مناصب المسئوليات العليا في أجهزة الدولة، وفي المقاولات، التي تتخذ القرارات الكبرى.

ث) يطمسون مسألتي ملكية وسائل الإنتاج، والاستغلال الاقتصادي الرّأسمالي.

ج) يُصوّرون لنا المجتمع كأنه لا يحتوي على طبقات، وإنّما يتكوّن فقط من ”النّخب“، ومن جمهور مبهم، محكوم، أو مسود. ويتناسون أن ”النّخب“ هي نفسها صنف من ”الطبقات“.    

وهذه العيوب السابقة تنتج عن كون علماء المجتمع اللّيبيراليين يريدون أن يثبتوا لنا أن المجتمع لا يحتوي على طبقات، ولا على استغلال  رأسمالي، ولا على صراع طبقي. 

وفي الحقيقة، يمكن أن يغني مفهوم «النُّخب» النظرية الماركسية، لكنه لا يقدر على تجاوزها. لأن فكر علماء المجتمع اللّيبيراليين بقي شحيحًا بالمقارنة مع عمق وسعة فكر كارل ماركس حول المجتمع. ولا يستطيع مفهوم «النخب» أن يُعفينا من استعمال مفاهيم «طبقات» المجتمع. لماذا ؟

أوّلاًً، لأن «النخب» ليست طبقات مجتمعية، وإنما هي فئات مجتمعية مُلْحَقة بمختلف الطبقات، وعلى الخصوص بالطبقات السائدة.

ثانيًا، لأن ”النّخب“ لا تتطابق بالضرورة مع الطبقة الحاكمة، أو السّائدة، أو المالكة لوسائل الإنتاج. بل أفراد ”النخب“ هم إما جزء من أفراد الطبقة السائدة، وإما أنهم فئة من الأشخاص المجنّدين لِخدمة هذه الطبقة السّائدة، مقابل جاه، أو مداخيل، أو امتيازات.

ثالثًا، لأن النخب هي حلقات تقوم بأدوار وَسِيطَة في التراتبية الطبقية الموجودة في المجتمع.

رابعًا، لأن مفهوم «النخب» بقي أكثر غموضا، وأقل دقّة، وأقل إنتاجية، بالمقارنة مع مفهوم «طبقات المجتمع».

خامسًا، لأنه، رغم أن ”النخب“ هي فئات عُلوية، أو سامية، أو أرستوقراطية، فإنها تبقى على العموم مَسُودة، ولا تشارك بالضرورة في ممارسة السيادة السياسية، أو في اقتسام السلطة السياسية، أو ممارستها.

سادسًا، لأنه لا يكفي عادةً لشخص محدّد أن يوجد في أحد مناصب المسئولية الخاصّة بِ ”النخبة“، لكي يحظى آلِـيّا بمكانة بارزة، أو بتأثير قوي. فالعناصر التي تُعطي لأفراد النخبة أهميّتهم في تراتبية المجتمع، ليست هي فقط تواجدهم في مواقع المسئوليات العليا داخل ”النّخبة“، وإنما هي أيضا عناصر أخرى، مثل ملكيّاتهم، أو ثروتهم، أو نسبهم، أو علاقاتهم، أو تمتّعهم بشخصية قوية، أو مُقرّرة، أو مؤثّرة، أو مهيمنة، أو متألّقة، أو عالمة، أو مبدعة.

  • 2) تعريف النخبة

يُذكّرنا مفهوم ”النخبة“ بالتمييز بين «العامّة» و«الخاصّة» لدى مفكّرين عرب (مثل ابن خلدون، أو محمد ابن أحمد ابن رشد([3])). ويفترض مفهوم ”النّخبة“ وجود تراتبية معيّنة في المجتمع. ويحيل مفهوم ”النخبة“ إلى صفة التفوّق، أو السّمو، أو الأفضلية، أو الخبرة، أو الامتياز. 

فَمَا هي النّخبة؟ نعرّف النخبة بكونها فئة مجتمعية، تتكون من أقلية من الأشخاص، تتميّز عن عامّة الشعب بكونها من عََِلِيّة القوم، فتظهر سائدة، أو تتميّز بكونها تكتسب الثروة، أو المعرفة، أو تساهم في تدبير، أو تمثيل، أو تنفيذ، جزء من السلطة (سواءً كانت سياسية، أم اقتصادية، أم عسكرية، أم دينية، أم ثقافية، أم إعلامية). وتحظى النخبة بجاه، أو باعتبار، أو بنفوذ، أو بتأثير، أو بامتيازات. وقد تتوفّر على صفات فطرية، أو مكتسبة، أو موروثة عبر النّسب.

ويمكن، حسب الحالات، التّمييز بين «نخب مناصرة» للطبقة السّائدة، و«نخب ناقدة أو معارضة» لهذه الطبقة السائدة.

وتقوم ”النّخب“ بدور فعّال في مجال تنظيم المُجتمع، وتوجيه أنشطته (الاقتصادية، والإدارية، والمعمارية، والثقافية، والدّينية، والفنية، إلى آخره).

وإذا أردتََ أن تعرف درجة تقدّم ”النّخب“ في بلد محدّد، إيّاك أن تنخدع بمظاهر المؤسّـسات، أو بخطابات النّخب حول نفسها. بل عليك أن تنظر إلى درجة تقدم جماهير الشعب المُستغَلّة، أو المهمّشة في هذا البلد. فإذا كانت نسبة هامّة من جماهير هذا الشعب تعيش في الجهل، أو في البطالة، أو التخلّف، أو إذا كانت نسبة كبيرة من جماهير الشعب تميل إلى تبنّي مواقف رجعية، فاعلم أن غالبية ”النّخب“ في هذا البلد هي نفسها أنانية، أو ضعيفة، أو غير ناضجة، أو رديئة، أو غير واعية بواجباتها المجتمعية.

وتوجد مؤشّرات أخرى يمكن أن تعطي صورة عن درجة تـقدّم (أو تخلّف) ”النّخب“ في بلد محدّد. منها مثلاً مؤشّر الحجم النّسبي «للاقتصاد غير المُهيكل» (أي الاقتصاد الذي لا يخضع للقانون القائم). ومنها أيضا مؤشّر حجم الأنشطة الاقتصادية التي تمارس الغشّ في مجال أداء الضرائب. ومنها أيضا مؤشّر حجم موظفي الدولة الذين لا ينتجون خدمات حقيقية، ولا فائض قيمة، ورغم ذلك يتقاضون أجورًا أو امتيازات سخيّة.

  • 3) نواع النّخب

وفي كل صنف من بين الأنشطة القائمة في المجتمع، يمكن أن نتكلّم عن وجود نوع محدّد من ”النخبة“. مثلاً: نخبة سياسة (في الأحزاب، أو النقابات، أو الجمعيات)؛ نخبة تمثيلية (في البرلمان، أو المجالس المحلّية)؛ نخبة في الوظائف العليا للدولة أو في أجهزتها أو في إداراتها؛ نخبة في الأجهزة القمعية؛ نخبة في الأجهزة المسلحة أو العسكرية؛ نخبة في القضاء؛ نخبة في التدبير أو التِكْنُوقْرَاطِ (مثلا في المقاولات العمومية، والشركات الخصوصية)؛ نخبة في المهن الليبيرالية؛ نخبة في البنوك والمال؛ نخبة في مالكي المقاولات؛ نخبة في ملاّكي الأراضي الكبار؛ نخبة في الصناعة أو التجارة أو الخدمات؛ نخبة في وسائل الإعلام؛ نخبة في مختلف التخصّصات أو العلوم؛ نخبة في علوم الاقتصاد؛ نخبة في الثقافة؛ نخبة في الفنون؛ نخبة في الدّين (الفقهاء)؛ إلى آخره.

وفي غالبية الحالات، لا نقدر على الفصل بين مختلف أنواع النخب، لأن هذه الأصناف تتداخل، وتتكامل، وتترابط فيما بينها، عبر علاقات معقّدة. وتُشرف عائلات الطبقات السّائدة، أو المالكة لوسائل الإنتاج، على النّخب، عبر شبكات متلامسة من الأجهزة أو الوظائف. وقد يتطوّر أحيانًا بعض أفراد نخبة محدّدة من صنف إلى آخر.

والغريب هو أن النظام السياسي بالمغرب يجتذب معظم نخب الأعيان، والتقنيين، أو التكنوقراط. لكنه لا يهتم، أو لا يستهوي، النّخب المثقفة التي تكون ذات مستوى ثقافي عال. وتميل نسبة قليلة من المثقفين والمفكّرين الكبار إلى صيانة استقلالها، أو إلى تفضيل الابتعاد عن الوظائف الرسمية البارزة، ولو كان ثمن هذه الاستقلالية هو الزهد في معيشتهم. ويفضّل هؤلاء المفكّرين الكبار الابتعاد عن مواقع النفوذ لكي لا يورّطوا أنفسهم في سياسات غير مبدئية، أو غير أخلاقية.

وحتى إذا جلب أو قرّب النظام السياسي بعض المفكّرين الهامّين، فإنه يستمر في الاحتياط من كلّ الذين سبق لهم أن اعتنقوا الفكر التقدمي، أو الثوري، أو التحرّري. ويفترض في النخبة الحاملة للمعرفة، أو للعلوم، أو للثقافة، أن يدفعها تفكيرها الموضوعي لاحقًا نحو النقد، أو استنكار المظالم المجتمعية، أو المطالبة بإصلاحات جذرية.

فإما أن تكون النخب المثـقّـفة ضمن صفوف الفئات النّاقدة أو المعارضة، وإما أن تنسلخ عن تراثها الفكري الأصلي، الذي يُفترض فيه أن يكون في جوهره تراثا نقديا.

  • 4) الآليات أو المؤسسات المعتادة في إنتاج النخب

يتجسّد إنتاج ”النّخب“ في ترقية مواطنين عاديين، أو مسودين، إلى مرتبة مجتمعية متميّزة بسموّها. وغالبا ما تكون هذه المرتبة مبحوثًا عنها من طرف عامّة المواطنين، أو مرغوبًا فيها، وذلك لما فيها من امتيازات (مادية أو سياسية، مرئية أو غير مرئية).

وفي المغرب، لا تنتج الأحزاب السياسية بالضرورة ”النّخب“. لكنها قد تمهّد الطريق، أو قد توفّر بعض الحظوظ، لبعض مسئوليها، لكي يلجوا فئات ”النّخب“. لكن الفاعل الحاسم، في آخر المطاف، الذي يمنح، أو لا يمنح، موقعا داخل النخبة، لأي فاعل حزبي، هو السلطة السياسية المركزية، وليس الأحزاب.      

والآليات المعتادة في إنتاج النخب هي عموما: المدرسة، والجامعة (على الخصوص الجامعات الأمريكية والفرنسية)، والنّسب العائلي، والزّواج، والخبرة، والتكنوقراط، والأحزاب، والانتخابات المحلية أو الوطنية، والترقية عبر بعض إدارات الدولة (وزارة الداخلية، الأجهزة المخابراتية، أو الخاصة)، إلى آخره.

والجديد من زاوية التعليم والتّكوين في مجال إنتاج النّخب، هو أن شواهد الجامعات المغربية فقدت الجزء الأكبر من قيمتها المجتمعية (التي كانت لها في الماضي)، ولم تعد ذلك «المفتاح» أو «التّذكرة» التي كانت في الماضي تضمن الالتحاق بفئات ”النخب“. بل لم تعد تلك الشواهد كافية اليوم حتى لِضامن العثور على شغل متواضع أو مُرض.

وإلى حدود قرابة سنوات 1990 م، كانت الشواهد التي يحصل عليها الشبّان المغاربة من الجامعات الفرنسية، والمدارس الفرنسية لتكوين المهندسين، كافية نسبيا لولوج ”النّخب“ في المغرب. لكن منذ هذه السنوات المذكورة سابقا، ومع تزايد عدد الأغنياء الكبار في المغرب، تحوّلت الأفضلية من شواهد جامعات فرنسا (France) إلى شواهد جامعات الولايات المتّحدة الأمريكية (USA)، وذلك على الخصوص في تخصّصات الاقتصاد، والمالية، والتأمين، والبنك، وتدبير المقاولات.

وتتسابق مجمل العائلات (التي تتوفّر على قدرة على الأداء المالي) إلى إدخال أبنائها إلى المدارس الخُصوصية التي تضمن جودة التعليم، أو تضمن الحصول على الشهادة في نهاية الدراسة. ونسبة هامّة من العائلات المغربية، المنتمية للطبقات المتوسطة، والطّامحة إلى إيصال أبنائها إلى مواقع داخل فئات ”النّخب“،  غدت تقلّد عائلات الطبقة السّائدة. فَتُحاول هي أيضا القيام بما هو مستحيل، لبعث أبنائها إلى جامعات الولايات المتّحدة الأمريكية (USA)، ولتمويل التكاليف الباهظة لدراسة أبنائهما هناك. لكن نسبة هامّة من هؤلاء الأبناء، لا يعودون للاستقرار في بلادهم المغرب بعد نهاية دراستهم. فَـيُغَـدّون هكذا سَيْلَ الأشخاص المَوْهُوبين الذين يهاجرون بشكل نهائي إلى خارج المغرب.

  • 5) الآليات أو المؤسـسات غير المعتادة في إنتاج النخب

توجد في المغرب آليات أخرى، غير معتادة، في إنتاج النخب. وأبرزها : القرب العائلي، والتزاوج بين العائلات، واللُّوبِيَّات المؤثّرة (lobbying) (ويمكن أن تكون اقتصادية، أو سياسية، أو نقابية، أو جمعوية، أو دينية، إلى آخره)، والقرابة من الأمراء، أو من الوزراء، أو القرب من الملك، أو الاستفادة من الصداقة الشخصية مع الملك([1])، أو مع المقرّبين من الملك. وقد تحوّل بعض أصدقاء الملك، أو أصدقاء أصدقاء الملك، إلى فاعلين سياسيين ذوي تأثير على الدولة، أو على البلاد.

وتخضع النّخب أحيانا إلى مزاج الحاكمين. وقد يتعرّض المسار المهني أو السياسي لبعض أفراد النّخب إلى تصاعد، أو تسارع، أو فرملة، أو انكسار. ولا يسمح عادة للنخب بأن ترشّح أفرادا آخرين لكي يخلفونها في مناصبها (أي التوريث).

والآلية الأخرى غير المُعتادة في إنتاج النخب هي تعيينات أو تزكيات من طرف الملك، على رأس مؤسسات إدارية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو تابعة للدولة. وذلك بناءً على اقتراحات من بعض المسئولين، أو من بعض المؤسّـسات. ولا أحد يقدر على توقّع مثل هذه التعيينات من طرف الملك.

 

  • 6) مشكل النّـخب الجاهلة

الفئة التي تستفيد أكثر من غيرها من الانتخابات (سواءً كانت محلّية أم برلمانية)، بهدف اقتحام مواقع النخب، واستغلال مناصب المسئوليات، هي فئة «الأعيان». وهؤلاء «الأعيان» هم عموما أغنياء محليون، أو فاعلون اقتصاديون. ويتميّزون عادة بأنانية قوية، وبشخصية وقحة (cynique)، وبانتهازية شرسة، وبسلوكيات ينعدم فيها الضّمير المؤنّب. ويتخصّص «الأعيان» في تقنيات نسج خيوط شبكة من العلاقات أو الصّداقات الشخصية. كما يتخصّصون في تقنيات الفوز في الانتخابات. ويشترون أعدادًا كبيرة من أصوات النّاخبين، بواسطة المال، أو بواسطة الوعود المُخادعة. ولا ينشغلون بتمثيل السكان أو بخدمتهم، وإنما يهتمون فقط بالبحث عن فُرص الاغتناء الشخصي السريع. ويستـغلّون كل المناسبات لتوسيع نفوذهم، وللزيادة السريعة في ثرواتهم الشخصية، وذلك عبر استثمار مسئولياتهم، أو عبر استغلال مواقعهم التمثيلية، وعبر استعمال وسائل غير مشروعة، كاستغلال النفوذ، والارتشاء، ونهب المال العام. وينتقلون بسهولة كبيرة بين مختلف «الأحزاب المَخْزَنِيَّة» (وهي الأحزاب الموالية إلى ”المَخْزَن“، أي للنظام السياسي القائم)، وذلك حسب الامتيازات أو «التّـزْكِـيات الانتخابية» التي يمنحها لهم هذا الحزب أو ذاك. وهؤلاء ”الأعيان“ هم عموما أمّيون، أو شبه جاهلين، أو بدون شواهد جامعية، أو بدون ثـقافة واسعة، أو كونية. لذلك هم ”مُسْتَلَبُون“(aliénés) بالمال.

وهؤلاء ”الأعيان“ يتميّزون بسهولة نجاحهم في الانتخابات (البرلمانية أو المحلية). ورغم أنهم يحفظون ”الخطابات“ السياسية لغيرهم لكي يُقلّدونها مثل البَبّغَاوَات، فإنهم لا يتوفّرون في غالبية الحالات، لا على قيم، ولا على مبادئ، ولا على أفكار سياسية، ولا على برامج تنموية، ولا على تصوّرات مُجتمعية. فمن المتوقّع إذن أن لا تعني «السياسة» بالنسبة لهم سوى فنّ الخداع، والكيد، والغشّ، والاغتناء الشخصي السريع، ولو بشكل مخالف للعدل والقانون. وفي حالة انفضاح انتهازيتهم، فإنهم لا يعبؤون بقضايا مثل ”الشرف“، أو ”السّمعة“، أو ”الضّمير“. 

وفي سنوات 2015 م، برزت (أكثر ممّا كان في الماضي) ظاهرة جديدة في الساحة السّياسية بالمغرب. (وتوجد ظواهر مماثلة لها في بلدان عربية أو إسلامية أخرى). وتتجلّى هذه الظاهرة في الوصول إلى قيادات أحزاب أو نقابات مُهمّة، من طرف شخصيات تفتقر إلى ثقافة واسعة، أو جدّية([2]). حيث لا يعقل أن يكون على رأس حزب سياسي، أو نقابة، أو جمعية، أو مؤسّسة، شخص يريد المشاركة في تدبير الدولة والمجتمع، بينما هو لم يدرس أبدًا لا السياسة، ولا علم المجتمع (sociologie)، ولا القانون، ولا التاريخ، ولا الاقتصاد، ولا الفلسفة، ولا العلوم الدقيقة، ولا العلاقات الدولية، ولا المحاسبة (comptabilité). وكانت هذه النماذج من الشخصيات الجاهلة (التي ترتقي إلى مراتب المسئولية) تتراشق علنيّةً فيما بينها بتهجّمات لفظية متخلّفة، وذلك بشكل مُتَدنّي عن مستوى أي حوار فكري، أو سياسي، أو نقدي، أو برنامجي. واندهش كثير من الملاحظين من المستوى السياسي التّافه لتصريحات هذا الصّنف من الشخصيات. خاصّة وأن هذه الأحزاب أو النقابات تتوفّر على شخصيات أخرى تتميّز بثـقافة أوسع، أو بخبرات أعمق.

 ولا تحدث ظاهرة صعود أشخاص جاهلين إلى مناصب المسئولية إلاّ في المجتمعات التي تكون فيها غالبية المواطنين هي نفسها جاهلة. ونجد في هذه المجتمعات مواطنين يقولون بعفوية: «أنا لم أدرس لا في المدرسة، ولا في الجامعة، لكنني أعرف كلّ شيء»! والمنهج السّليم هو أن تكون الشخصيات الأكثر علمًا وثقافةً هي التي تـُنتخب إلى قيادة الأحزاب أو النقابات أو المؤسّسات، وليس تلك الشخصيات التي ليس لها من تفوّق سوى في الوقاحة، أو في الشّراسة، أو في المناورة، أو في النّفاق. وهذه الظاهرة تستحقّ الانتباه، لأنه من الممكن أن تحدث، وأن تتكرّر، وأن تنتشر، في مختلف مستويات التراتبية المُجتمعية، من أسفلها إلى قمّتها.  

وخلال عقود، سبق للمعارضة السياسية بالمغرب أن طلبت مِرارًا من الدولة، أن تضع قانونا يشترط في المرشحين للانتخابات (البرلمانية والمحلّية) بأن يتوفّروا على شهادة الباكالوريا، أو على مستوى تعليمي جامعي، بهدف تقليص الأضرار الناتجة عن انتخاب مرشّحين جُهّال. لكن النظام السياسي القائم ظلّ يرفض مثل هذه المطالب. لأن هذا النظام السياسي يُفضّل المنتخَبين الأميين، أو أشباه الأميين، نظرا لما يجده من سهولة في التّلاعب بهم. ولأن ما يهمّ النظام السياسي القائم في المنتخَبين (بفتح الخاء)، هو أن يمثّلوه هُوَ، وليس أن يمثّلوا الشعب الكادح. ونتيجة هذا الاختيار غير العقلاني، هي ضعف المستوى الثقافي لممثّـلي السكان، أو جهلهم، أو فسادهم. حيث لا يقدر على القيام بمهام برلماني من هو شبه أمّي، أو شبه جاهل، أو بدون أيّ تكوين جامعي. كما لاَ يقدر أيّ منتخَب (بفتح الخاء) محلّي على تدبير مصالح سكان ”جماعة محلّية“ إذا لم يسبق لهذا المُنتخَب المحلّي أن درس جدّيًا القانون، والاقتصاد، والمحاسبة (comptabilité)، والتاريخ، والفلسفة، والعلوم السياسية، والعلوم الدقيقة، والتكنولوجيات، إلى آخره. فمن الطبيعي، في حالة ضعف المستوى الثقافي للمنتخَبين (بفتح الخاء)، أن يصبح البرلمان هامشيا، وأن تُفلس (مؤسّسات) ”الجماعات المحلية“ في مهامّها، وأن تنتشر الرّداءة في المجتمع.  

ويتساءل الملاحظ أحيانا حول مدى وعي النظام السياسي القائم بالخطر الذي يعرّض نفسه إليه، حينما يتمادى في اختيار بعض الأعيان، أو بعض الأطر، ثم يُحوّلها إلى نخب، أو إلى مسئولين في مناصب حسّاسة، رغم أن هذه الأعيان، أو الأطر، لا تتوفّر على تكوين سياسي جدّي، ولا تكتسب أيّة رؤية مجتمعية مدروسة، ولا تتحلّى بأية ثقافة إنسانية أو كونية. بينما المنطق السّليم يفترض في ”النّخب“ المنتخَبة (بفتح الخاء) أو السياسية، أن تتوفّر على تخصّصات مُتعدّدة، لأنها تشتغل بالضرورة في ميادين متنوّعة، ومترابطة فيما بينها.

  • ك 7) كيف نمنع النّـخب الانتهازية من نهب ثروات الشعب؟

المشكل في غالبية النّخب هو أنها مُستلبة (aliéné) بالمال. فتتسابق لاحتلال مناصب المسئوليات في مختلف أجهزة الدولة. وتتفنّن في استغلال مناصبها، أو سلطاتها، أو نفوذها، لتنمية ثرواتها الشخصية، أو العائلية، بشكل مناف للقانون، ومناقض للأخلاق النبيلة.

فما هو الحلّ لإبعاد مختلف أنواع الباحثين عن فُرص الاغتناء السّريع، عن الانتخابات (البرلمانية، والمحلّية، والجهوية) ؟ وما هو الحل لمنع الفاعلين الاقتصاديين الانتهازيين من احتلال مناصب المسئوليات في مختلف أنواع أجهزة الدولة ؟ ما هو الحل لمنعهم من استغلال مسئولياتهم لتنمية ثرواتهم الخاصة ؟ ما هو الحلّ للقضاء على الغش، والارتشاء، والفساد، ونهب المال العام، والإفلات من العقاب ؟ الحلّ الوحيد القادر على بلوغ هذا الهدف، ِهو أولاً إقامة دولة الحق والقانون، وثانيا وضع قانون صارم يمنعهم من استغلال مناصبهم من أجل الاغتناء الشخصي غير المشروع. وَيَكْمُن هذا الحلّ في سنّ قانون يتضمّن التّجريم والعقاب التالي :

أ) منع الجمع بين منصب تمثيل السّكان (في البرلمان، أو الجماعات المحلية، أو الجهات) والتّعاطي لأي نشاط اقتصادي شخصي مُدِرّ للرّبح (conflit d’intérêts). وَيُشْترط في كلّ مرشّح للانتخابات، إذا كان يشارك في امتلاك مصالح في مقاولة اقتصادية، أن يستقيل منها قبل ترشيح نفسه.

ب) منع الجمع بين تحمّل أية مسئولية في إحدى أجهزة الدولة وممارسة أو تدبير أي نشاط اقتصادي خصوصي مُدرّ للرّبح. وَيُشْترط في كلّ مرشّح لمنصب في إحدى مؤسّـسات الدولة، إذا كان يمتلك مصالح اقتصادية، أن يستقيل منها قبل تحمّل تلك المسئولية.

ت) منع أي مسئول من مُراكمة الوظائف، أو المناصب، أو المسئوليات.

ث) إجبار كلّ المُنتخَبين، وكل المُمَثِّلين للسّكّان، وكل المسئولين في مختلف أجهزة الدولة، على الخضوع التّام للشَّفافية، وللمحاسبة القانونية، وللتّصريح الدّوري السّنوي بالممتلكات الشخصية، والخضوع للمراقبة الدورية لكل الحسابات البنكية (سواءً كانت داخل البلاد أم خارجه).

ج) ضرورة التنصيص في القانون على أن عقوبة الفاسدين، والمرتشين، وناهبي المال العام، ليس هو فقط الغرامة المالية (مثلما هو الحال الآن)، وإنما هو أيضا استرجاع كلّ الثروات المنهوبة، والحبس النافذ خلال مدة تتراوح بين 3 و 15 سنة، حسب خطورة الجرائم المرتكبة، والمنع من تحمل أية مسئولية عمومية على مدى الحياة.

ح) منع أجور ومداخيل المنتخَبين والممثِّلين من أن تتجاوز خمسة مرّات الحدّ الأدنى القانوني للأجور (SMIG)، (بينما المدخول الحالي للبرلماني يفوق 15 مرة ذلك الحدّ). ومنع أجور كل المسئولين في أجهزة الدولة من أن تتجاوز سبعة مرات الحد الأدنى القانوني للأجور. حيث يجب أن تكون مهمة تمثيل السّكان، ومهام موظفي الدولة وأطرها، بمثابة تضحية شخصية تهدف إلى خدمة الشعب. أما الموظّفين في أجهز الدولة الذين يريدون اغتناءهم الشخصي، فعليهم أن يبتعدوا عن أجهزة الدولة، وأن يتوجهوا إلى الأنشطة في القطاع الاقتصادي الخصوصي. ولا يُقبل أن تتحوّل مهمّة موظفي الدولة إلى وسيلة للاغتناء الشخصي غير المشروع.

لماذا يجب وضع هذا النّوع من القوانين؟ لأن النخب الانتهازية التي تتسلّل إلى مختلف أجهزة الدولة، لا تأتي إليها إلاّ بهدف جني المال أو الثروات. فإذا منعها قانون صارم من جمع المال، فإنها ستبتعد عن مؤسّـسات الدولة، وستبحث عن المال أو الثروات في مجالات أخرى.  

لكن الدولة ترفض وضع مثل هذه القوانين. لأن النظام السياسي القائم هو بالضّبط مبني على أساس هذا الجيش من ”النّخب“، و”الأعيان“ الانتهازيين، الذين يقايضون ولاءهم المطلق للنظام السياسي القائم، مقابل السماح لهم بالاغتناء الشخصي غير المشروع. ولأن مجمل الأنانيين، والغشّاشين، والانتهازيين، المستلبين بالمال، ألفوا التسرّب إلى مؤسّـسات الدولة، واعتادوا على استغلال مناصبهم في أجهزة الدولة لنهب المال العام، ولتنمية ثرواتهم الخصوصية، على حساب الشعب المُستغَل (بِفتح الغين).  

فمعضلة المجتمع هي التالية: هل تقدر حقّا النّخب الغشّاشة على وضع وتطبيق قوانين مضادة للغشّ وللغشّاشين؟

وكأمثلة على تعامل الدولة بلامبالاة مع حالات ”تناقض المصالح“ (conflits d’intérêts)، نذكر أمثلة عن الحضور المزمن والقوي ”لرجال أعمال“، أو مقاولين، داخل الحكومة. وأبرزهم السادة الوزراء التّاليين: 1) عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، وهو في نفس الوقت رئيس المجموعة الاقتصادية «أَكْوَا»، وتمتلك أكثر من 50 شركة. وهو أيضا عضو مؤثّر في قيادة نقابة المقاولين الكبار ”الكنفيدرالية العامة لمقاولات المغرب CGEM“، وقيادي في بنك ”BMCE“، ووزير منذ 8 سنوات. 2) حفيظ العلوي، وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، وهو في نفس الوقت المالك الرئيسي لأكبر شركة تعمل في مجالات التأمين، والمالية، وقروض الاستهلاك. وكان سابقا رئيسا لنقابة المقاولين الكبار ”الكنفيدرالية العامة لمقاولات المغرب”. ويُساهم في تدبير بعض أموال أو ثروات بعض الأميرات والأمراء. وعمل كَكاتب عام للشركة القابضة (Holding) المسمّاة «ONA». وتمتلك العائلة الملكية جلّ أسهمها. 3) صلاح الدّين مزوار، وزير الخارجية والتعاون، له مصالح اقتصادية في مجال النسيج، وهو وزير للمرة الثالثة. 4) محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، له مصالح اقتصادية في مجالات المواد الكيماوية، والبنك، وهو وزير للمرة الثالثة. 5) لحسن حداد، وزير السياحة، له مصالح اقتصادية في خدمات التدبير. 6) إدريس مرّون، وزير التخطيط الحضري، له مصالح في مجال البناء والأشغال العمومية. 7) حكيمة الحيط، وزيرة منتدبة لدى وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة، لها مصالح اقتصادية في مجال الاستشارة حول تدبير الماء. إلى آخره.

والغرور المألوف، الملاحظ في بعض الفاعلين الاقتصاديين، أو مالكي الشركات، أو المقاولين، هي أنهم يعتقدون أن نجاحهم الشخصي في المجال الاقتصادي يؤهّلهم بالضرورة (وأحسن من غيرهم) لتحمل مسؤوليات سياسية عالية، وللنجاح في تسييرها. ويظنّون أن ما تعلّموه في المجال الاقتصادي، ينطبق بالضرورة على الميدان السياسي. وهم هكذا يتجاهلون الفرق النوعي الموجود بين الاقتصاد والسياسة. وغالبا ما يكون مصيرهم في الميدان السياسي هو الفشل الذريع.   

ونلاحظ، في معظم الحالات، أن الوصول إلى مرتبة النخبة يُشْتَرِط فيه، على الأقل، صفة الولاء للنظام السياسي القائم. أما الأطر النّزيهة، أو النّاقدة، أو المعارضة، فإنها تبقى على العموم مُـتَجَاهَـلَة، أو مُبعدة، أو مُهمّشة، أو مقموعة، ولو كانت تتوفّر على خبرات مَشْهود لَهَا.

وما دامت وسائل الإعلام العمومية التي تحتكرها الدولة (مثل التلفزات، والإذاعات، إلى آخره) تدعو وتستجوب فقط شخصيات من النّخب المعروفة بمناصرتها للنظام السياسي القائم، فإن هذه الوسائل الإعلامية ستبقى غارقة في مستوى فكري متخلّف. وبِمضمون ثقافي ردئ، وستظلّ هذه الوسائل خاضعة لهيمنة الرأي الرسمي الواحد (pensée unique).

 

  • 8) ما الجديد في تجارب إنتاج النخب بالمغرب

الجديد في إنتاج النخب بالمغرب يتكوّن من عدّة جوانب:

    • – بعد استقلال المغرب في سنة 1956 م، كانت أحزاب الحركة الوطنية، ولو المعارضة، تساهم بقدر هام في إنتاج النخب السياسية التي تستعملها الدولة. لكن منذ سنوات 1970 م، بعدما احتدّت التناقضات بين الملك المستبد الحسن الثاني وأحزاب المعارضة، أصبحت هذه الأحزاب الوطنية مغضوب عليها، أو منبوذة. وشرع النظام السياسي، فيما بعد، في تشجيع بعض الأشخاص المقربين منه لكي يخلقوا أحزابا مناصرة للنظام (منها مثلاً أحزاب: «جبهة الدفاع عن المؤسّـسات الدستورية»، و«التجمّع الوطني للأحرار»، و«الحركة الشعبية»، و«الاتحاد الدستوري»، إلى آخره). وأصبح النظام السياسي يستقطب جزءًا هاما من النخب (التي قد يحتاجها) من داخل هذه الأحزاب ”المخزنية“ الجديدة المُوَالية للنظام.
    • – ومنذ قرابة سنوات 1990 م، ترسّخت تحوّلات كيفية داخل الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية (مثل «حزب الاستقلال»، و«حزب الاتحاد الاشتراكي»، و«حزب التقدم والاشتراكية»، إلى آخره). حيث تلاشت داخل هذه الأحزاب المبادئ الثورية، أو التقدّمية، أو الإصلاحية. واضمحلّت فيها القيم الأخلاقية. وتنامت فيها الميول الانتفاعية. وانتشرت داخلها الطموحات الوصولية أو الانتهازية. وغدت نخب هذه الأحزاب تشبه نخب الدولة. فأصبحت هذه الأحزاب (المنحدرة من الحركة الوطنية) لا تختلف في جوهرها عن الأحزاب «الإدارية» أو ٍ«المَخْزَنِيَّة». وغدت كلّها تعبّر بشكل صريح عن «التزامها الكامل والمطلق بالمشروع السياسي والاقتصادي والديمقراطي الذي يحمله جلالة الملك». وتعبّر هذه الأحزاب على أن زعيمها السياسي الملهم، والأوحد، هو الملك. وتساند هذه الأحزاب كل التوجيهات والمشاريع والمخطّطات التي يُعلنها الملك، أو التي تُنْسَب إليه، بدون أي نقاش، ولا فحص، ولا تحفّظ، ولا نقد، ولا إغناء. ولا تختلف مع الملك سوى حول مدى جدوى خلق حزب جديد هو «حزب الأصالة والمعاصرة»، لأن هذا الحزب ينافس مجمل الأحزاب الأخرى القديمة. وتزعم هذه الأحزاب (المنحدرة من الحركة الوطنية) أنها هي وحدها كافية لِخِدْمَة النظام السياسي على أحسن ما يُرام.
    • – وبعد سنوات 2000 م، أدركت السلطة السياسية المركزية عياءَ، أو ترهّل، أو تجاوز، معظم الأحزاب ”المَخْزَنِيَّة“ القديمة (مثل «حزب الحركة الشعبية»، و«حزب الاتحاد الدستوري»، و«حزب التجمع الوطني للأحرار»، إلى آخره). وحتى الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية (مثل «حزب الاستقلال»، وحزب «الاتحاد الاشتراكي»، و«حزب التقدّم والاشتراكية»، شاخت هي أيضا، وغدى من قبيل المجازفة التعويل عليها. حيث فقدت تلك الأحزاب (وكذلك زعماءها ومسئولوها) مجمل ما كان لديها من صفات جذّابة، سواءً على المستوى السياسي، أم الشعبي، أم الفكري، أم الأخلاقي، أم الثقافي. وخسرت حتى ما كان لها من تعاطف قليل داخل أوساط الشعب. فَحَثّت السلطة السياسية بعض أنصارها على تكوين حزب مخزني من نوع جديد (هو «حزب الأصالة والمعاصرة» بعقلية مخالفة، وبأساليب مغايرة. وكان في البداية قائد عملية بناء هذا الحزب هو صديق الملك (السيد فؤاد علي الهمة). وقد خلق تكوين هذا الحزب فرصًا جديدة وهائلة لصعود شخصيات جديدة إلى ”النّخب“. وتتميّز هذه الشخصيات بطموحها إلى التقرّب من السلطة السياسية. واندمج في هذا الحزب الجديد أربعة (4) أحزاب صغيرة. فَاقْـتَرَنَ بناء هذا الحزب بصعود أعيان، وشخصيات، شابّة، وجديدة، إلى النّخب السياسية.

وقُبيل انتخابات نونبر 2011 م، تكوّن تحالف حزبي حول «حزب الأصالة والمعاصرة». وشمل هذا التحالف ثمانية أحزاب (وهو رقم قياسي في تاريخ التحالفات الحزبية بالمغرب). لكن الفوز المفاجئ لِ «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي الأصولي في هذه الانتخابات سرّع بِحلّ هذا التحالف الحزبي.

  • – ومنذ انتخابات 7 شتنبر 2007 م، ثم انتخابات 2009 م، غدى مؤكّدًا لدى السلطة السياسية أن تصاعد شعبية حزب إسلامي أصولي (هو «حزب العدالة والتنمية») في الانتخابات، أصبح ظاهرة لا يمكن تلافيها في الفترة التاريخية الحالية. ويعتبر ملاحظون أن حزب «جماعة العدل والإحسان»، وهو أيضا حزب إسلامي أصولي، يحظى بتأثير شعبي أقوى من «حزب العدالة والتنمية». ولم تجرؤ السلطة السياسية على تفعيل القانون الذي يمنع تكوين أحزاب على أسس دينية. خاصّة وأن النظام السياسي مبني هو أيضا على أسس دينية (إمارة المؤمنين).

والتقطت قيادة «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي الأصولي انزعاج أو تخوّف السلطة السياسية. فبعثت قيادة هذا الحزب إلى السلطة السياسية ما يكفي من ”الإشارات“ السياسية للتعبير عن استعدادها وحماسها لخدمة النظام المَلَكِي القائم. فقبلت السلطة السياسية مكرهة تجريب مدى ولاء هذا الحزب الإسلامي إلى النظام السياسي القائم. وحاولت تدجينه ودمجه داخل هذا النظام، مثلما فعلت مع الأحزاب التي سبقته. وإلى حدّ الآن، لم تجد السلطة السياسية أية صعوبة في ترويض أطر هذا الحزب الإسلامي الأصولي.

  • – اقترن وصول «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي الأصولي إلى الحكومة، عبر انتخابات سنة 2011 م، بارتقاء شبكة واسعة وجديدة من مسئوليه وأطره إلى مراتب النّخب“ (في الوزارات، والبرلمان، والجماعات المحلية، وإدارات الدولة). وازدادت تكاثرًا نخب هذا الحزب في انتخابات 2015 م. وتنحدر غالبية أطر «حزب العدالة والتنمية» من طبقة المُسْتَغِلّين (بكسر الغين) الصّغار، ومن طبقة الذين لاَ يَسْتَغِلّون ولا يُسْتَغَلّون([3]). وتتكوّن نسبة كبيرة من قواعد هذا الحزب من عائلات حديثة العهد بالهجرة من البادية إلى المدينة (وذلك بجِيلين أو أقل). ومعظم أنصار الأحزاب الإسلامية الأصولية هم «معرّبون»، أي أنهم يعرفون اللغة العربية، ولا يتـقـنون أية لغة أجنبية تساعدهم على الاطلاع على الثقافات الأجنبية، أو العالمية، أو الإنسانية. وقد يكون هذا الإرث الثقافي الفلاحي، أو البدوي، أو المحصور في التراث العربي القديم، هو العنصر الذي يُفسّر قوّة تعلّـق أنصار الأحزاب الإسلامية بالأيديولوجية الدّينية الأصولية.

وعلى خلاف المظاهر، لم تأت أطر ونخب «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي الأصولي بأفكار سياسية جديدة. ولا بأساليب نضالية من نوع جديد. ولا تحمل برنامجا مُجتمعيا جديدا. وإنما هذا الحزب هو مَهْوُوس بالدّين، ويهدف فقط إلى إخضاع السياسة للدّين، ويريد أَسْـلَـمَة الدولة، وأَسْـلَـمَة المجتمع. ويستـغلّ التخلّف الثقافي لدى الشعب، ويستـفيد من هيمنة الأيديولوجية الدينية على عقول الجماهير.

وترتبط ظاهرة صعود شعبية الأحزاب الإسلامية الأصولية بظاهرة ضعف أو تخلّف أحزاب اليسار، لأن أطر ونخب أحزاب اليسار انزلقت هي أيضا نحو الرّتابة أو الرّداءة([4]). وإلى حدّ الآن، لا تعرف قوى اليسار كيف تتخلّص من ضعفها.

لكن تطبيع علاقة الدولة مع ”حزب العدالة والتنمية“ الإسلامي الأصولي لا زال حذرا، أو محدودًا. وقد مكّنت شعبيةُ هذا الحزب الإسلامي الحكومةَ من تمرير بعض الإصلاحات الاقتصادية المؤلمة بالنسبة للجماهير الشعبية. حيث أن هذه الإصلاحات (التي مرّرتها الحكومة الإسلامية) تنقص من القدرة الشرائية للعائلات الشعبية. ولا أحد يستطيع التنبؤ بما يمكن أن يحدث في مستقبل العلاقة بين هذا الحزب الإسلامي والسلطة السياسية.

  • – والجديد في إنتاج النّخب بالمغرب، من الزاوية الطبقية (classes sociales)، هو أن طبقة المُسْتَـغِِـلّين (بكسر الغين) الكبار، وطبقة المُسْـتَـغِـلّين (بكسر الغين) المتوسّطين، لم تَـعُودَا هما المنبع الوحيد لإنتاج النّخب، بل اِنْضَافَت إليهما فئات طبقية أخرى صاعدة، منها بالضّبط تلك القواعد (المذكورة سابقًا) التي هي قواعد للأحزاب الإسلامية الأصولية.
  • – والجديد أيضا في إنتاج النخب بالمغرب، من الزاوية الجهوية (région هو أنه، من قبل، كان ولوج النّخب يستوجب العيش أو الاشتغال في محور مدينتي الدار البيضاء – الرّباط. أما اليوم، فقد غدى التوفّر على أصل من منطقتي الصحراء، أو «الرّيف» في شمال المغرب، حظًّا مساعدًا، أو ورقة رابحة، لدخول فئة النّخب.

ومنذ أن اهتمّ النظام السياسي بقضية الصحراء الغربية في سنة 1975 م، والتي تطوّرت فيها حركة انفصالية مدعومة من طرف ليبيا ثم الجزائر، نشأ مكوّن جديد ومهم من أصل صحراوي داخل تركيبة النّخب بالمغرب. وكعادته في تعامله مع مجموع السّكان، عامل النظام السياسي الصحراويين بأسلوبه المعهود. أي: إمّا الجزرة، وإمّا العصى. وكان النظام السياسي ينفق سنويّا على الصحراء ما يقرب من 10 مليار درهم([5])، أي ما يتراوح بين 5 و 10 في المئة من الإنتاج الدّاخلي الخام للبلاد. وهي نفقات ضخمة جدّا. وهذه الأموال هي بالضرورة منقوصة من ميزانيات الخدمات الاجتماعية لباقي سكان البلاد. وأغدق النظام السياسي في العطاء على الأعيان الصحراويين، وشيوخ القبائل، وعلى المنسحبين من جبهة «البوليزاريو». ومنحهم الوظائف العليا، والأجور السّخية، والعقارات، والتجهيزات، وفرص الاغتناء السّريع، وامتيازات اقتصاد الريع. ولا تتـفوّق هذه النخب الصحراوية سوى بكونها من أصل صحراوي، وبكونها موالية للنظام السياسي.

والغريب، هو أنه، منذ سنوات 2000 م، أي منذ أن رصدت أجهزة المخابرات تكاثر حركات شبه سرّية، ذات توجّه انفصالي، في منطقة «الرّيف» في شمال المغرب، كرّر النظام السياسي نفس المنهج السابق الذي تعامل به مع الانفصاليين في الصحراء، وإن كان بحجم أقل بكثير ممّا حدث في الصحراء. حيث أسرع إلى استقطاب نخب محلية، يُفترض فيها أن لها أتباعًا محلّيين، ومنحها هي أيضا بعض الوظائف العليا، وفرص الاغتناء السّريع، وامتيازات اقتصاد الرّيع، وبادر إلى إطلاق مشاريع تجهيزات هيكلية لتنشيط الاقتصاد المحلي. فتقوّى وتوسّع داخل تركيبة النّخب بالمغرب المكوّن المنحدر من منطقة «الرّيف» في شمال المغرب. كأن النظام السياسي بالمغرب لا يستجيب لطلبات إلاّ من له القدرة على إيذاء (capacité de nuisance) هذا النظام السياسي. الشيء الذي قد يُشجّع سكّان مناطق المغرب الأخرى، التي لا زالت منسية أو مهملة، على اتّباع سبيل مماثل لسكّان الصحراء، أو لِسكّان «الرّيف». كما يمكن أن يُؤدّي هذا السلوك للدولة إلى تشجيع تنامي بوادر ”طائفية جهوية“ في المغرب. بينما كان الحل المنشود هو أن يكون النظام السياسي ديمقراطيا، وأن يتعامل بشكل ديمقراطي، ومحايد، وعادل، مع مجمل المناطق أو الأقاليم، بدون انحياز، ولا تفضيل، ولا زبونية (clientélisme). والجذير بالتّذكير، أن منطقة «الرّيف» ليست كلّها فقيرة، بل فيها أموال لا بأس بها([6])، وينقصها على الخصوص ثقافة استثمار الأموال المتوفرة في مشاريع صناعية، أو فلاحية، أو خدماتية، مدروسة ومنتجة.

  • 9) كيف تتعامل الدولة مع النّخب المناصرة

منذ عقود متوالية، لم يتغيّر كثيرا منهج تعامل الدولة مع النخب المجنّدة لخدمتها. وهذا المنهج هو: الولاء المطلق للنظام السياسي، مقابل مناسبات وحظوظ للاغتناء الشخصي (الشرعي وغير الشرعي)، مع بعض الإمكانيات للإفلات من العقاب.

فإذا لم تدخل نخب الأحزاب الإسلامية في هذه اللعبة القديمة، فمعنى ذلك أن العلاقة بين هذه الأحزاب الإسلامية والنظام السياسي قد تتعرّض في المستقبل لتقلّبات مفاجئة. لأن النظام السياسي لا يقبل وجود أية شرعية سياسية أخرى في البلاد (سواءً كانت دينية، أم شعبية، أم أخلاقية) غير شرعيته الخاصّة. لكن التجربة الحديثة، وعلى خلاف الخطاب الأيديولوجي الرسمي لِ «حزب العدالة والتنمية»، تبيّن أن أطر هذا الحزب لا يقلّون عن غيرهم وَلَعًا واجتذابًا تُجاه السلطة، والجاه، والثروة. خاصة وأن هذا الحزب، مثله مثل باقي الأحزاب الأخرى، يفتقر إلى مبادئ ثابتة، ولا يتوفّر على خط سياسي واضح ومستقر، ولا يحمل برنامجا مجتمعيا قارًّا، وإنما يكتفي بممارسة الواقعية (pragmatisme)، أو الانتهازية.

  • 10) ميزات العقل الذي تعمل به النّخب في المغرب

من بين واجبات النّخب، أن تساهم في تنوير وتثـقيف جماهير الشعب، عبر اقتسام معارفها، وتعميم خبراتها. وحسب الفترات التاريخية، يمكن للنّخب أن تقوم بدور تثـقـيفي، أو تقدّمي؛ كما يمكنها أن تقوم بدور محافظ، أو مخادع، يُنَوّم جماهير الشعب، أو يسهّل ترويضها، أو إخضاعها. ومن الممكن أن يتحول جزء هام من ”النّخب“ إلى نقيضه؛ حيث يُصبح هذا الجزء مسخّرًا من طرف الطبقة السّائدة من أجل تبليد الشعب، أو تدويخه، أو تسهيل استغلاله.

وفي كلّ مجتمع، إذا كان العقل الذي يشتغل به المواطنون ضعيفًا، أو ناقصًا، أو متخلّفًا، أو رديئًا، فذلك يرجع على الخصوص إلى الدّور السّلبي، أو المُستلب (aliénant)، الذي تقوم به النّخب. وإذا كان العقل الذي يشتغل به المواطنون سليمًا، أو متقدّمًا، فذلك يرجع أيضا، وبقدر كبير، إلى الدّور التنويري، أو التحرّري، الذي تضطلع به النّخب.

قد تبدو مسألة عقل النّخب للبعض كأنها فقط قضية معرفة، أو تكوين، أو ثقافة، أو أخلاق. لكن إذا فكّرنا في انعكاساتها، أو امتداداتها، في مختلف مجالات الإنتاج، سندرك أن أي نقص في جودة عقل النّخب، سينتج عنه بالضّرورة نقص هائل في ”الإنتاج الداخلي الخام (PIB)“ للبلاد. وهذا النقص سيقدّر بأموال طائلة.

وفي المغرب، يُنبئ العقل الذي تشتغل به النخب بعدة مشاكل، (وتتشابه في هذا المجال نخب المغرب مع نخب معظم البلدان العربية أو المُسلمة).

والمشكل الأول لدى النّخب هو أنها بِدائية (primitives)، أو ضعيفة العقل السياسي([1]). حيث تعيش بشكل أناني، وكأنها تتجاهل مجتمعها. وتعرف كيف تفكّر من منطلق فردي، لكنها لا تعرف كيف تفكّر بمنهج مجتمعي شمولي. ولا تجرؤ على الإفصاح عن أفكارها الطموحة، أو المعارضة، أو النّاقدة. ولا تقدر النخب على الاضطلاع بالواجبات الأخلاقية التي تفرضها المواطنة.

والمشكل الثاني لدى النخب التي يوظّفها النظام السياسي القائم، هو أنها تخدم هذا النظام بحماس وغيرة فعليتين. لكن هذه النخب لا تحاول خدمة حاجيّات إصلاح المجتمع وتنميته بحماسة مماثلة.

والمشكل الثالث لدى النخب، هو أنها تشتغل بعقل ضعيف، أو ردئ، أو غير متوازن. حيث أنها تعمل بمنطق الزّبُونية (clientélisme) تجاه السلطة السياسية المركزية (الملك، أو رئيس الدولة). فَلا تقدر على نقد، أو تقويم، خُطط أو مشاريع السلطة السياسية. كأن عقل هذه النخب يتـقيّد بِ «إجماع وطني» إجباري في العديد من القضايا، أو يحترم ”طابوهات“ (tabous)، أو يلتزم بِ «خطوط حمراء» يُحَرَّم الاقتراب منها([2]). فَلا تجرؤ هذه ”النّخب“ على تجاوز هذه الحدود المَمنوعة. ولا تعرف هذه ”النّخب“ أن تقول سوى «نعم يا مولاي»، ولا تتجرّأ على قول «لاَ». حتى ولَوْ كانت بعض ممارسات السلطة السياسية أو مشاريعها غير ملائمة، أو طائشة. وتقمعُ هذه النخب ضميرَها، وتبتلع لسانها، ولا تُغامر بقول «لاَ». (ومن بين القضايا التي تصرّفت، أو تتصرّف، فيها السلطة السياسية بعقلية رديئة، نجد مثلاً: قضية الصحراء؛ خدمات التعليم؛ الصحة؛ التعامل مع القطاع الاقتصادي «غير المُهيكل»؛ مشروع القطار الفائق السرعة بين مدينتي طنجة والدار البيضاء([3])؛ ومشروع «الترام» (tramway) كوسيلة للنقل الجماعي داخل مدن مزدحمة، ومُرَكَّزَة، مثل الدار البيضاء والرباط. وهذان الاستثماران الأخيران هما هديتان قدّمتهما السلطة السياسية إلى فرنسا مقابل أشياء غامضة، أو مجهولة). وبهذا العقل الرديء، تُساهم ”النّخب“ في ترسيخ الرداءة وتعميمها داخل مجمل المجتمع.

ومن بين الأمثلة المعبّرة، نذكّر أن «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي (قبل فوزه في الانتخابات، وتحوّله إلى حزب رئيسي في الحكومة الحالة)، استفاد من شعارات «حركة 20 فبراير»([4])، وبَنَى وعوده الانتخابية على «مكافحة الفساد». الشيء الذي سمح له باستقطاب أصوات كثير من الأشخاص التقدّميين، وكذلك أصوات فئات تـنتمي إلى الطبقة المتوسّطة، وحتى إلى ”طبقة المُستغِلّين (بكسر الغين) الكبار“([5]). لكن بعدما استقر «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي هو أيضا في الحكومة، كرّر ما كان يقوله الملك المستبد الحسن الثاني: أي سياسة «عفا الله عمّا سلف»! وهي سياسة إفلات نُخب النظام السياسي القائم من المحاسبة ومن العقاب. وأصبح «حزب العدالة والتنمية» هو أيضا يعتبر أن نهج معاقبة المُفًسِدين يمكن أن يهدّد أمن واستقرار النظام السياسي القائم. لأن محاسبة الفاسدين ستؤدي إلى فضح مجمل النخب والأطر والأعيان التي ينبني على أساسها النظام السياسي. ولأن اتهام نخب النظام السياسي يمكن أن يتحوّل إلى اتّهام غير مباشر للنظام السياسي القائم برمّته. لذا تميل هذه النخب السياسية إلى تبنّي سياسة الإفلات من العقاب، وتعتبرها أفضل من نهج المحاسبة. 

وباعتبار النخب خادمة ومسخّرة في خدمة الطبقة السائدة، فإنها لا تروّج أفكارها الخاصة، ولا تدافع عن طموحاتها، ولا تطبّق اختياراتها المفضّلة، وإنما تُصَرِّفُ أفكار وتوجيهات الطبقة السائدة، ولو كانت معتلّة. فَـتبقى النّخب بالمغرب بئيسة، ولا تقدر على الإبداع، أو الانشراح.

  11) كيف تشتغل النخب بالمغرب

يطمح كثير من الأفراد إلى الاغتناء الشخصي، أو إلى الجاه، أو إلى تسلّق المراتب الرّاقية في المجتمع. فيتسابقون، ويتنافسون، لكي يحظوا بتعيـين مرتقب ضمن صفوف ”النّخب“ (التدبيرية، أو الإدارية، أو التمثيلية، أو التكنوقراطية، أو العسكرية، أو الأرستوقراطية، أو الدّينية، إلى آخره).

وتدرك ”النّخب“ مسبقا أنها ستعيش على شكل جماعات متميّزة بخضوعها، وبانتهازيّـتها. وتَـتَـفَـنّـن ”نخب الدولة“ في ابتكار الحيل التي تمكّنها من التحوّل إلى ”نخب اقتصاد البلاد“. وذلك طبقًا للقاعدة المعروفة: أسياد الدولة يتطوّرون إلى أسياد اقتصاد البلاد.

وأفراد ”النخب“ صنفان: صنف أوّل له مبادئ، ويبذل جهدًا للالتزام بها (مثل رفض الكذب، والغش، والظّلم، …). وهذا الصّنف هو نادر أكثر من ندرة الذهب. وصنف آخر لا يُعير المبادئ أية أهمّية، وإنما يهتمّ فقط بمصالحه المادية، والقصيرة المدى. وأفراد هذا الصنف الثاني هم الأغلبية الكبرى.

ولا تعمل النّخب وفق مبادئ عقلانية ثابتة، وإنما وفق مصالح شخصية مادية متقلّبة، وعبر منافسة لا أخلاقية. لذلك يمكنها أحيانا أن تشتغل بشكل متعاون، أو متكامل، أو منسجم، فيما بينها. لكنها سرعان ما تسقط في تنافس لا مبدئي، ضدّ بعضها البعض. فتـنتشر الرّداءة في أجهزة الدولة، وتؤول مشاريعها الكبرى إلى التّلاشي، ثم الفشل.

وفي إطار نظام رأسمالي تبعي، يكون من الطبيعي أن تتصرّف غالبية النّخب بعقلية أنانية، أو انتهازية. ولا تقدر إلاّ أقلية ضئيلة من النخب على التصرّف طبقًا لمناهج عقلانية، أو وِفْقًا لقيم أخلاقية وطنية، أو تبعًا لمبادئ حقوقية عادلة.

وفي المغرب، يظهر أفراد ”النّخب“، أو أطر الأحزاب المناصرة للنظام السياسي، بلا فروقات كيفية في مناهج تصرّفهم، أو في تدبيرهم. كأنهم قابلين لاستبدال بعضهم ببعض، دون أن تنتج فروقات عن تداولهم على المسئوليات. ومجمل الأحزاب المناصرة للنظام السياسي، وكذلك مجمل أشخاص ”النّخب“، يختفون في معظم المناسبات وراء رئيس الدولة، وهم يُصرّحون أنهم «يدعّمون المشروع السياسي والديمقراطي والاقتصادي الذي يحمله جلالة الملك». ويتبارون في خدمة الملك وحده، كأن عقلهم لا يراوده أي تساءل حول مدى جودة، أو نجاعة، أو ملاءمة، المشاريع المنسوبة للملك، بالمقارنة مع الاحتياجات الفعلية للشعب.

والمشكل الأساسي في جزء كبير من النخب بالمغرب، هو أنها انتفاعية، غير نزيهة، وفاقدة للضّمير الأخلاقي، المُؤَنّب، والنقدي. ومعظم أفراد ”النّخب“ لا ينتجون فائض قيمة اقتصادي. فتصبح غالبية النخب عالة على المجتمع. لا تُفيد الشعب، بل تسيء إليه. ولا ينفع معها، في مثل هذه الحالات، لا الفضح، ولا النقد، ولا التوبيخ. فتعيش مثل طفيليات، انتهازية، ومفترسة، وغير مبالية بنقدها. تهتمّ على الخصوص بالبحث عن مناسبات الارتقاء عبر تراتبية المجتمع، واقتناص فرص الاغتناء السريع، ومراكمة الثروات الشخصية، ولو كان ذلك بشكل غير قانوني، أو غير أخلاقي.

وتستـفيد النخب من امتيازاتها، وترفض الاضطلاع بواجبات المواطنة، أو القانون، أو الأخلاق. لكن ما لا تدركه غالبية النّخب هو أنها، مهما حاولت أن تستمتع بامتيازاتها وملذّاتها الخاصّة، بعيدًا عن جحافل الشعب المسود أو المستغَل (بفتح الغين)، فإنها لا تقدر على الإفلات من العيش في حالة قلق وتوثّر مُتَوَاصِلَين. لأن هذه النخب لا تستطيع أن تنجو من الأزمة التي تخنق مجمل المجتمع، كما لا تقدر على التخلّص من التناقضات المؤلمة التي تصيب مجمل مكوّنات المجتمع ودواليبه.

ومن المُعتاد أن لا تقبل ”النّخب“ مثل هذه الرُّؤى النّاقدة. بل تزعم ”النّخب“ دائما أنها تتوفّر على ذكاء كبير، وعلى خبرات رائعة، وتدّعي أنها تقوم بمجهودات جبّارة، ولو كان جزء هام من الشعب يعيش منذ عقود في حالة تخلّف، أو انحطاط. وتقول النّخب عن نفسها أن مستواها الفكري، أو العلمي، أو الثقافي، أو الفنّي، أو التقني، هو من أعلى درجات الحداثة، والتقدّم، والحضارة، في العالم.

ومن مصلحة جماهير الشعب أن لاَ تثق ثقةً عمياء في الخطابات السياسية التي تنتجها النّخب. لأن هدف هذه الخطب هو عموما مخادعة الشعب، أو تَـنويمه، أو تدجينه، لتسهيل استغلاله من طرف الطبقة السّائدة. بينما الشعب اليقظ، حتى وإن استمع إلى خطابات ”النّخب“، فإنه لا ينطلق من هذه الخطابات، وإنما يحرص دائما على الانطلاق من الواقع الملموس، ويحاول التعامل مع هذا الواقع بمنهج عقلاني، ونقدي، وخلاّق.

  •   12) هل تؤثر النخب في تطور الصراع السياسي

إذا أردتَ أن تدرك لماذا يدافع (أو لا يُدافع) فاعل سياسي معيّن (مثل أفراد النّخب) عن موقف سياسي محدّد، فعليك أن تفحص مصادر مداخيل هذا الفاعل السياسي.

والعنصر الرئيسي الذي يجعل شخصا محدّدا يدافع عن موقف سياسي معيّن، ليس بالضرورة هو عقله، أو منطقه، أو معارفه، وإنما هو على الخصوص موقعه في التراتبية الطبقية لمجتمعه.

والحقيقة التي لاَ تتحمّل عادةً النّخب سماعها، هي أن هذه النخب تؤثّر في الصراع السياسي، وفي الصراع الطبقي الجاري، لكن لصالح الطبقات المُسْتَـغِـلّة (بكسر الغين). وذلك سواءً بفعلها، أم بكلامها، أم بصمتها. لأن الصّمت هو أيضا شكل من أشكال التواطؤ السياسي.

ومَهْمَا كانت مزاعم النخب، أو خطاباتها السياسية، فإن مبرّر وجود هذه النخب، هو بالضبط تقديم خدمات متنوعة إلى مُشغّليها، الواقعين في الطبقات السائدة.

وتدرك النّخب جيّدًا أن الأجور، أو المداخيل، أو الامتيازات، أو التشريفات، التي تحصل عليها، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، من الشّركات، أو المقاولات الرأسمالية، أو من مؤسّـسات الدولة، أو من غيرها، هي بالضبط أثمنة أتعابها، مقابل مُساهماتها في إرساء وترسيخ الهيمنة المطلقة لطبقة المُسْتَـغِـلّين (بكسر الغين) الكبار على مجمل المجتمع.

كما تُدرك النخب، في سرّية وجدانها، وأحسنَ مِمّا يمكن أن يفهمه أي مواطن نَابِغ من  الشعب المَسُود، أن مظاهر الديمقراطية، أو مزاعم العدالة الاجتماعية، أو ادِّعاء دولة الحق والقانون، لا تزال في المغرب تركيبات شكلية أو أيديولوجية لتنويم شعب المُستغَلّين (بفتح الغين)، وأن النظام السياسي القائم هو مُغْلَق (verrouillé) بشكل مدروس ومُحكم، إلى درجة أنه يستحيل تغييره، أو إصلاحه، من داخل مؤسّـساته.

ويوحي أحيانا وجود النخب بإحساس توفر الديمقراطية في البلاد. لكن وجود النخب لا يقدر على إثبات وجود هذه الديمقراطية. لأن الولوج إلى النخب يشترط فيه الولاء للنظام السياسي القائم. ولأن الالتحاق بالنخبة لا ينبني بالضرورة على كفاءة أو استحقاق موضوعيّين. ولأن هذا الولوج للنخب ليس مفتوحا بالتّساوي أمام عموم المواطنين.

وعلى عكس المظاهر، لا تمارس النخب السلطة السياسية، وإنما هي مكلّفة بتطبيق توجيهات السلطة السياسية المركزية.

وعلى خلاف بعض المظاهر الخادعة في المغرب، لا تقدر النخب على التصرّف بشكل مستقل عن السلطة السياسية المركزية، فبالأحرى أن تقدر على نقد هذه السلطة، أو معارضتها.

كما أن هذه النخب لا تستطيع التنسيق فيما بين أعضائها، ولا التوحّد، ولا التحوّل إلى سلطة مضادّة، أو إلى طبقة. لأن النخب، هي بطبيعتها متنوّعة، ومتباينة، ومتناقضة، ومسخّرة من طرف السلطة السياسية. ولا يجمع أفراد النخب سوى ولاءهم، ووفاءهم، إلى السلطة السياسية المركزية.

ورغم ما يمكن أن يحمله بعض أفراد النّخب من شواهد عليا، أو خبرات تقنية، أو ألقاب برّاقة، أو أوسمة تشريفية، فإن قيمتهم الإنسانية تبقى ضعيفة إذا لم يُساهموا في نقد مجتمعهم، وفي معالجة أزماته، بهدف إخراجه من التخلّف الذي هو غارق فيه.

وكثير من أفراد النخب يغدون كالمحترفين في شهادة الزور، شغلهم في كل يوم ومناسبة، هو أن يصرّحوا بأن «العام زين»، أي أن «كل شيء في البلاد هو بالتّأكيد في منتهى الكمال والإتقان بفضل السياسة الرّشيدة لرئيس البلاد، نصره الله وأيّده». ويصبح هذا الصّنف من النّخب كالمرتزقة، يشاركون في تبليد الشعب، وقتل حسّه النقدي، وتسهيل استغلاله، مقابل امتيازات مادية سخيفة.

ولا يمكن لجماهير الشعب أن تتحرّر من الأمية، والجهل، والفقر، والاستغلال الرأسمالي، والغشّ، والاستبداد، والفوارق الطبقية الواسعة، إذا لم تبذل ”النّخب“ مجهودات مضنية، وتضحيات متواصلة، بهدف رفع مستوى عقل الجماهير وأدائها. وفي نفس الوقت، لا يمكن أن تتحرّر جماهير الشعب من تخلّفها، إلاّ إذا كافحت بهدف أن تُحرّر نفسها بنفسها، عبر الاعتماد على النّفس. ومهما كان ”المُربّي“ خبيرا وضروريا، فإنه يبقى، في نفس الوقت، في حاجة متواصلة إلى إعادة التربية([6]).

 

  •   13) استشراف مستقبل النخب

مستقبل النخب، على المدى المتوسط، (في مجمل البلدان العربية أو المسلمة)، هو مثل مستقبل أنظمتها السياسية: أي أنه مستقبل مجهول، أو غامض، أو مُريب، أو مضطرب، أو مظلم.

وفي المغرب، مشكل غالبية النّخب هو أنها مُصابة بمرض الأنانية، والجبن السياسي، وهزالة الثقافة، وقلّة المبادرات المُبدعة، وضعف العقل المعمول به. ونضجها السياسي لا يزال بدائيا. لأنها مهووسة بالدرجة الأولى بِتَـشييد ثرواتها الشخصية الأنانية. وما دامت غالبية النّخب على هذه الحال، فإنها ستبقى بالضرورة ضعيفة، أو دون المستوى المطلوب.

وكلّما كانت غالبية النخب عاجزة على الوعي بمشاكل مجتمعها، وعلى المساهمة في معالجتها، فإنها ستكون متخلّفة بالمقارنة مع النّخب الأخرى، الموجودة في البلدان المتقدّمة، أو الرّائدة، عبر العالم.

وفي معظم البلدان العربية أو المسلمة (انطلاقا من موريتانيا، إلى أفغانستان، ومرورا عبر المغرب، والجزائر، وليبيا، ومصر، والسودان، والصومال، والسعودية، والإمارات، والعراق، وسوريا، ولينان، وإيران، وباكستان، إلى آخره)، تتجلّى هزالة النضج السياسي لدى غالبية النّخب في المظاهر المجتمعية التالية:

أ)- الحرب الأهلية المدمّرة المشتعلة حاليا في 8 بلدان من مجموع قرابة 22 بلدا([1]) عربيا أو مسلما. وهذه الحروب الأهلية ترتبط بتصاعد أنشطة حركات إسلامية أصولية قوية. وقد غدت البلدان العربية أو المسلمة اليوم هي «الرجل المريض» في العالم (مثلما كانت ”الإمبراطورية العثمانية“ في حالة انحطاط وإفلاس خلال القرن 19 م). وتوجد الدولة اليوم في حالة إفلاس في 9 بلدان مسلمة([2]). وطيران مختلف القوى الإمبريالية (مثل روسيا، وأمريكا، وفرنسا، وبريطانيا، وتركيا، وإسرائيل) كلّها تُـقَـنْـبِل سوريا، وشرق العراق، بمباركة من السعودية والأردن ومصر وتركيا. وكلّ واحد من هذا الطيران يقصف ما يهمّه في سوريا. والنظام السياسي الإسلامي الأصولي في إيران، يمارس سياسة الهيمنة، ويَعْبَث مثلما يريد بالعراق، وباليمن، حيث يستغل فيهما وجود طائفة شيعية مُستلبة. وهذه الطوائف تعطي الأسبقية لولائها الدّيني الطائفي على ولائها لوطنها. وفي بلدان أخرى مهمّة، مثل مصر، والجزائر، والمغرب، تتراكم فيها المشاكل والتناقضات بشكل مقلق، إلى درجة أن شروط اشتعال الحرب الأهلية تَخْتَمِر فيها هي أيضا، أو تنضج فيها بشكل سامط، وغير محسوس.

ب)- أنظمة سياسية استبدادية، أو فاسدة، لا تتردّد في ممارسة القمع، واستعمال كل الحيل الممكنة لإخفاء رداءتها، أو لطمس عجزها على معالجة مشاكل مجتمعية مزمنة.

ت)- تنامي حركات دينية أصولية، متشدّدة، وضعيفة ثقافيا، وغير ناضجة سياسيا، لا تعرف سوى الدّين، وتريد فرض أَسْلَمَة الدولة، وأسلمة المجتمع، بالحِيَل، أو بالقوة، ولو أدّى ذلك إلى إشعال حرب أهلية مدمّرة. رغم أن التجارب التاريخية الحديثة بيّنت إفلاس الحركات الإسلامية الأصولية في كلّ من: الجزائر، وأفغانستان، والصومال، والسودان، ولبنان، وسوريا، وليبيا، ونيجيريا.

ث)- في كثير من البلدان العربية أو المسلمة، يوجد ترابط مجتمعي وثيق بين الاستبداد السياسي، وهيمنة الأيديولوجية الدّينية الأصولية، والفساد الاقتصادي، والرّشوة، والغشّ، والفوارق الطبية، والبطالة المزمنة، والأميّة، والجهل، والتبعية للمراكز الإمبريالية، والانحطاط المجتمعي.

والنخب الموجودة في الوقت الحالي في البلدان العربية أو المسلمة (من موريتانيا إلى العراق، مرورا عبر المغرب، والجزائر، ومصر، إلى آخره) تتفاعل مع واقعها المجتمعي بمناهج ضعيفة، بل بعقل غير مكتمل النّضج السياسي، دون أن تعي هذه النخب هي نفسها ضعفها، أو رداءتها، أو تخلّفها. ولا تعرف هذه النخب كيف تُعالج مشاكل مجتمعاتها. وتـتوهّم غالبية النخب أنه بمستطاعها أن تعيش بعيدًا عن بقية أفراد الشعب الفقراء، أو الأمّيين، أو الجاهلين. وتظنّ أنه بإمكانها أن تفلت من نتائج تخلف الشعب. ونتيجة ذلك هي أن هذه النخب تعيش في حالة إفلاس سياسي مزمن. ولا ينفع معها النقد. حيث تبقى هذه النخب صمّاء، عنيدة، عقيمة، ورافضة للتقويم.

وحتى من وجهة نظرها الخاصة، لا تعي الدول القائمة هي نفسها إشكاليات النخب. وأبرزها ما يلي: غياب عقلنة إنتاج النخب، وغيّاب برمجة تعليمها، وتكوينها، ومَأسستها، وتخليقها. الشيء الذي يفاقم قلّة أفراد النخب، أو ضعف جودتها، أو قصورها، أو رداءتها.

قد يتمنى أفراد الشعب أن تكون النّخب عادلة، وطموحة، ومتّـقِدَة، ومُبدعة، وناقدة، وبنّاءة. وقد تُراود هذه الأمنية كذلك بعض أفراد النّخب أنفسهم. لكن الأنظمة السياسية المحافظة أو الاستبدادية، تصرّ على أن تكون النخب، أوّلاً وقبل كلّ شيء، خاضعة، وطيّعة، ومناصرة، ولو كانت نتيجة هذا الإخضاع وخيمة على هذه النخب، بل حتى على مستقبل الشعب والوطن نفسيهما. فيستمرّ الخلل في التعامل العقلاني مع واقع المجتمع، ويغدو إصلاحه بطيئا، أو عسيرا، أو مستحيلا.

عبد الرحمان النوضة

(حرّر في الدار البيضاء، في 26 أكتوبر 2015).

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

الـــهـــوامـــش

(1) ومن بين هؤلاء العلماء في المجتمع، نجد مثلا: ء

Vilfredo Pareto (1848 – 1923) (Italie, Suisse), Charles Wright-Mills (1916 – 1962) (USA), James Burnham (1905 – 1987) (USA), Raymond Aron (1905 – 1983) (France), Jacques Julliard (1033 – …) (France), etc.

(2) Charles Wright-Mills, L’Elite du pouvoir, 1969, entre p.8 et p.25.

(3) كتاب «فصل المقال وتقرير ما بين الشّريعة والحكمة من الاتّصال»، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (520 – 595 ه) (1126 – 1198 م)، دار المشرق (المكتبة الكاثوليكية)، بيروت، لينان. (http://www.gholaf.com/docs/29/read.html).

(4) من بين أشهر أصدقاء الملك الذين درسوا معه في المدرسة الملكية، ثم استفادوا من صداقته، وتحمّلوا مسئوليات هامة، وأصبح لهم تأثير معتبر على الدولة، أو على البلاد، نجد النماذج التالية: صديق الملك ومستشاره السيد (فؤاد علي الهمة)، ومدير الاستخبارات ”الإدارة العامة للدراسات والمستندات” السيد (ياسين المنصوري)، وصديق الملك المكلّف بتدبير ثروته السيد (منير الماجدي)، وأصدقاء آخرون للملك، وبعضهم تخلّى عن منزلته أو فقدها (مثل السيد حسن أوريد)، والأشخاص الذين يكتشفهم أصدقاء الملك ويحظون بتقديره (مثل السادة: ياسر الزناكي، إلياس العمري، حكيم بن شمّاس، مصطفى الباكوري، صلاح الدين مزوار، إلى آخره). وفي عهد الملك الحسن الثاني، تحوّل أيضا بعض المقرّبين من الملك، أو أصدقاءه، إلى فاعلين سياسيين مؤثرين، وأبرزهم السادة: أحمد رضى اكديرة، ومحمد أوفقير، وأحمد عصمان، إلى آخره.

(5) تتجلّى هذه الظاهرة السياسية مثلاً في الشخصيات البارزة التالية : السيد حميد شباط الكاتب العام ”لحزب الاستقلال“، والسيد ادريس لشكر الكاتب العام ”لِحزب الاتحاد الاشتراكي“، والسيد عبد الإله بنكيران زعيم ”حزب العدالة والتنمية“، والسيد نبيل بن عبد الله الكاتب العام ”لحزب التقدم والاشتراكية”، والسيد إلياس العمري نائب السيد مصطفى الباكوري الكاتب العام ”لحزب الأصالة والمعاسرة“، والسيد صلاح الدين مزوار زعيم ”حزب التجمع الوطني للأحرار“، إلى آخره.

(6) في شهر ديسمبر 2015، صرّح السيد علي الرام، مدير قطب الشؤون القانونية ب ”الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة”، إنَّ قانون التصريح بالممتلكات، الذي بدأ تفعيله في سنة 2007، لمْ يوقف الإثراء غير المشروع، لأن القانون الجنائي المغربيّ لا يُعاقبُ على جرائم الإثراء غير المشروع. وأضاف أن الوزراء والبرلمانيين لا يخضعون لمراقبة ”المجلس الأعلى للحسابات”.

(7) أنظر كتاب ”طبقات المجتمع”، عبد الرحمان النوضة، على المدونة: http://LivresChauds.Wordpress.Com.

(8) أنظر وثيقة ”نقد أحزاب اليسار بالمغرب”، للكاتب عبد الرحمان النوضة، على مدوّنة الإلكترونية.

(9) السيد مكّي زواوي، في برنامج ”ستّون دقيقة للفهم”، 8 أكتوبر 2015، القناة التلفزية ميدي1.

(10) يأتي حجم ودائع البنوك في منطق «الرّيف» في شمال المغرب في المرتبة الثانية بعد الودائع البنكية في منطقة مدينة الدار البيضاء، والتي هي أكبر مركز اقتصادي في المغرب.

(11) في شهر نونبر 2015، أثناء محاضرة ألقاها السيد محمد بن سعيد آيت يدر، أحد قدماء قادة جيش التحرير بالمغرب، في كلية الحقوق بمدينة المحمدية، تحت عنوان « النّخب الوطنية والفرص الضائعة»، قدّم بن سعيد في محاضرته صورة قاتمة عن تاريخ المغرب. وأوضح أن تاريخ المغرب بين سنتي 1930 و 2011 م، مرورًا من عهد الملك محمد الخامس، إلى الحسن الثاني، إلى محمد السادس، كان كلّه تاريخ سلسلة من «الفرص الضائعة» في العلاقة بين القصر وأحزاب الحركة الوطنية. ورغم أن بن سعيد لم يتجرّأ على نقد النّخب بشكل مباشر وصريح، ولم يستخرج دروسا، فإن خلاصة عرضه تُؤكّد بوضوح: استمرارية تخلّف النّخب السياسية !

(12) مثلاً، في قضية الصحراء، غدى واضحا أن الدولة بالمغرب تمنع أي مواطن من التعبير عن مقاربة مخالف للمقاربة الرسمية للدولة. ومن بين الذين تعرّضوا لقمع شرس في هذا المجال، نذكر بعض الأمثلة: معتقلي الحركة الماركسية اللينينية الذين حوكموا سنة 1977 بأحكام قاسية (السجن بالمؤبّد، أو 30 سنة، أو 20 سنة) بسبب مساندة بعضهم لمبدأ تقرير المصير؛ السياسي عبد الرحيم بوعبيد، زعيم ‘حزب الاتحاد الاشتراكي’، الذي سُجِن في سنة 1981 (مع مسئولين اثنين من الحزب)، خلال قرابة سنة، بسبب تحفّظه حول قبول الملك بإجراء استفتاء لتقرير المصير في الصحراء؛ والصحفي أبو بكر الجامعي الذي منعت جريدته (ثم أُلغي منعها) لأنه كان يريد نشر استجواب مع زعيم البوليزاريو في سنة 2000؛ الصحفي علي لمرابط الذي مُنع من مهنة الصحافة خلال 10 سنوات (في سنة 2005)، لأنه اعتبر سكان تندوف لاجئين وليس محتجزين؛ إلى آخره.

(13) مشروع القطار الفائق السّرعة بين مدينتي الدار البيضاء وطنجة يصدق عليه المثل المغربي القائل: ”ماذا تحتاج أيها العَرْيَان، الخَاتَم يا مولاي”.

(14) إبّان ثورتي تونس ومصر خلال سنة 2011، إندلعت في المغرب حركة من المظاهرات الجماهيرية الدورية في معظم مدن البلاد، تطالب بإسقاط الفساد والاستبداد، وبإقامة الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية. وسُمّيت لاحقًا بعبارة ”حركة 20 فبراير”.

(15) أنظر كتاب ”طبقات المجتمع”، عبد الرحمان النوضة، على مدوّنته: http://LivresChauds.Wordpress.Com.

(16) كارل ماركس، ”أطروحات حول فُويَرْبَاخ”. وهي 11 أطروحة قصيرة كتبها كارل ماركس، في 1845، كمسودّة للفصل الأول حول الفيلسوف لودفيغ فُويَرْبَاخ (Ludvig Feuerbach)، في كتاب كارل ماركس: ”الأيديولوجية الألمانية”. ولم يُنشر هذا الكتاب إلاّ في سنة 1888، بعد موت كارل ماركس.

(17) في سنة 2015، تُوجد حرب أهلية (أو شبه حرب أهلية) في كلّ من: العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، السّودان، الصومال، مصر، لبنان. وتعيش بقية البلدان في أوضاع مريبة، أو غير مُرضية : موريتانيا، المغرب، الجزائر، تونس، السعودية، الإمارات، الكويت، الأردن، عُمَان، قطر، البحرين، جيبوتي، فلسطين المحتلة.

(18) البلدان التي توجد الدولة فيها في حالة إفلاس هي: الصومال، والسودان، وليبيا، واليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، وأفغانستان، وباكستان.

 

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s