نَــقْـد الصَّـهْـيُـونِـيّـة

أَنْـقُـر فوق الرّابط التّالي لقراءة أو تحميل وثيقة ”نَـقْد الصّهيونية” :

وثيقة ‘نقد الصهيونية’، رحمان النوضة، (الصيغة 7).ء.pdf

(ملاحظة: لِقراءة الوثيقة بشكل مريح، يُسْتَحْسَن فتحها في برنامج ‘Adobe Reader’، لأن هذا التطبيق يُحافظ على الشّكل الأصلي للوثيقة).

عـرض النّـص:

نـقد الصهيونية

رحمان النوضة

أردتُ المساهمة في فضح الظّلم المسلّط على الشعب الفلسطيني، فتطلّب الأمر مني نقدَ الصهيونية. ولمّا أردتُ نقد الصهيونية، تطلب الأمر منّي عرض لمحة موجزة عن أهم أحداث تاريخ فلسطين. ولمّا أردتُ تلخيص تاريخ فلسطين، تطلب الأمر منّي، في نفس الوقت، نقد أهم سلوكيّات الحركة الصهيونية، وكذلك نـقد أطروحاتها الفكرية. وفيما يلي هذا المزيج بين التاريخ والنّـقد.

  • 1) يُطلق اِسم «فلسطين» في التاريخ على المنطقة الموجودة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر «الأردن». وكانت هذه المنطقة مَأْهُولَة منذ آلاف السّنين. وتختار الأيديولوجية الصهيونية من التاريخ كلّه فترةً واحدة، وقبائل يهودية دون غيرها، وتمنحها كل الامتيازات، وكلّ الشرعيات التاريخية.

وعلى خلاف هذه الانتـقائية لدى الأيديولوجية الصهيونية، فقد سكن منطقة فلسطين، واختلط فيها، الكثير من الشعوب. وخضعت هذه المنطقة للعديد من الدُّوَيلاَت، أو المَمْلَكَات، أو الإمًبْرَاطُورِيات (مثل الكَنْـعَانِيِّين [Cananéens] من 3000 إلى 2300 قبل الميلاد، وفلسطينيّي السّاحل [Philistins du littoral]، والعِبْرَانِيِّين [Hébreux]، والأرَامِيِّين [Araméens de Damas]، والآشُورِيِّين [Assyriens]، والبَابِليّين [Babyloniens de Mésopotamie]، والسّاسَانيين [Sassanides]، والبَارْثِيّين [Parthes]، والفُرْس [Perses] من سنوات 587 إلى 333 قبل الميلاد، والأَخِـمِيـنِـيِّين [Achéménides]، والإِغْرِيق [Hellénistiques] من سنوات 333 إلى 134 قبل الميلاد، والرُّومَان [Romains]، والأَدُمِيِّين [Edomites] بين سنوات 587 و333 قبل الميلاد، والمُآب [Moabites]، والعَمُون [Ammonites]، والبِيزَنْطِيِّين [Byzantins]، والعرب [Arabes]، والصَّليبِيِّين [Croisés]، والعُثْمَانِيِّين [Ottomans]، والبريطانيين [Britanniques]، إلى آخره).

  • 2) تمّ العثور في فلسطين على بقايا عظام كائنات شبيهة بالإنسان في موقع ”العُبَيْدِيَّة“، في جنوب بُحيرة ”طَبَرِيَّا“، ويرجع تاريخها إلى أكثر من مليون سنة.

وبين سنوات 11000 و 9000 قبل ميلاد المسيح، نمت حضارة ”النَّطُوفِيِّين“ (Natoufien) في مناطق لبنان، وفلسطين، وسيناء. ويعتبر بعض علماء التاريخ القديم أن هؤلاء ”النَّاطُوفِيِّين“ هم أجداد الشعوب التي انتشرت فيما بعد في آسيا.  

وفي قرابة 8000 سنة قبل الميلاد، كانت مدينة «أَرِيحَا» من أوائل مدن العالم. وكان الطقس آنذاك ملائما أكثر. وقد اُكْتُشِفَت أدوات من العظام والفخار، وتماثيل من العاج، وأشياء من النحاس، وأقمشة (من لِين)، تعود إلى فترة ما بين 4500 و 3300 سنة قبل الميلاد. وتظهر هذه الأدوات بعض التشابه مع ما كانت عليه آنذاك حضارة الفراعنة القائمة في مصر. وكان المَمَرُّ بينهما هو صحراء ”سِينَاء“.

وامتدّت الحضارة ”الكَنْعَانِيّة“ من قرابة سنوات 3000 قبل الميلاد، إلى قرابة سنوات 2300 قبل الميلاد. وازدهرت هذه الحضارة ”الكَنْعَانِيَّة“، وتطوّرت فيها التجارة، والخزف، والبنايات. ونشأت فيها مدن تعمل كَدُوَّيْلاَت. وكانت تعتمد على مُزارعين مستـقرّين، وعلى رُعاة شبه رُحَّل. ونمت من خلال التجارة مع مصر الفِرْعَوْنِية. وكانت مجموعات بشرية تأتي إلى فلسطين من الشمال، أو من الجنوب، أو تغادرها نحو هذه الجهات. وبعض المخطوطات، التي تعود إلى قرابة سنوات 2100 قبل ميلاد المسيح، تتحدّث عن وجود المدينة ”الكنعانية“ «أُورُوسَالِيم» (Jérusalem).  

  • 3)  وعلى خلاف مزاعم الأيديولوجية الصهيونية، فإن «هجرة» اليهود خارج فلسطين (Diaspora, ou Dispersion)، لم تكن دائما تحت الضّغط. فمثلا خلال عهد الإسكندر الأكبر المقدوني (Alexandre le Grand de Macédoine)، أي بين سنتي 333 إلى 323 قبل الميلاد، كان آلاف اليهود يهاجرون طوعًا ويستـقرّون في العديد من مدن الإمبراطورية، من البحر الأسود إلى بحر إيجه (la mer Egée)، وفي العاصمة الإسكندرية (في مصر).

  • 4) تكوّنت «المنظمة الصهيونية العالمية» في سنة 1897. ونمت الحركة الصّهيونية وسط بعض يهود بلدان أوروبّا، ليس بسبب اضطهاد اليهود من طرف العرب والمسلمين، وإنما كَـرَدِّ فعل على تزايد ”مُعَادَاة السَّامِيّة“ (antisémitisme) داخل العديد من بلدان أوروبّا. [وتعني ”مُعَاداة السّامِيّة“ معاداة اليهود؛ مع العلم أن ”العرب“ يُعتبرون هم أيضا، مثل ”اليهود“، من أصل ”سَامِي (sémite)“]. وكانت تُخاض حملات قمعية شرسة ضد اليهود في معظم دول أوروبا، ومنها مثلاً روسيا، وبولونيا، وألمانيا، والنَّمْسَا، إلى آخره.

وكانت قوّة الحركة الصهيونية تأتي من عدّة عناصر متكاملة، منها مثلا: دهاء قادتها، وعلاقاتها الخفية والمُؤَثِّرَة مع النُّخَب الحاكمة، واستـفادة هذه الحركة الصهيونية من الدّعم المالي الذي كانت توفّره لَهَا بعض العائلات اليهودية الغنية في مجال الأبناك، أو القوية في ميدان الإعلام، أو غيرها.

وبدلاً من أن تكافح الحركة الصهيونية ضدّ ”معاداة السّامية“ داخل أوطانها الأصلية في أوروبّا، وبدلاً من أن تُناضل من أجل استمتاع المواطنين اليهود بمجمل حقوق المواطنة، وبحقوق الإنسان، فضّلت الحركة الصهيونية الاِسْتـقالَة كُلّيًا من بلدان أوروبا، وقرّرت الذهاب إلى أرض فقيرة، أو ضعيفة، أو مستعمَرة آنذاك (هي فلسطين). وخطّطت الحركة الصهيونية لتحويل فلسطين إلى «وطن خاص باليهود». وَصَبَّت نِـقْمَتَها، وحِقْدها، على السكّان الأصليين في فلسطين (العرب)، الذين لا يتحمّلون أية مسؤولية فيما تعرّض له يهود أوروبّا من اضطهاد.

واستغلّت الحركة الصهيونية المفهوم الدّيني اليهودي «العَالِيَا» (أو الصّعود)، الذي يعني في اللّغة العِبرية «الهجرة إلى الأرض المقدّسة» (ويُذكّر بِ «الحجّ» لدى المسلمين). وحوّلت الصهيونية «العَالِيَا» إلى فريضة دينية تُوجب تبنِّي الأطروحات السياسية الصهيونية. وسخّرت هذه «العَالِيَا» لخدمة مشروع استعمار فلسطين.

  • 5) من بين أهم الحجج التي تنبني عليها الأيديولوجية الصهيونية، زَعْمُها أنه «يحقّ لكلّ يهود العالم أن يعودوا إلى أرض أجدادهم (في فلسطين) التي طُرِدُوا، أو هجروا منها، قبل خمسة آلاف سنة، ويحقّ لهم أن يحتلّوها، وأن يتملّكوها من جديد»! فلماذا تحقّ هذه «العودة» لليهود، ولا تحقّ نفس «العودة» لفلسطينيّي فلسطين؟ ولماذا نبني حقّ «العودة» على أساس ما كان قبل خمسة آلاف سنة، وليس على ما كان قبل 500 سنة، أو 000 500 سنة؟ ولماذا أرادت الحركة الصهيونية تطبيق «حقّ العودة» على فلسطين في الشرق الأوسط، وليس على الأندلس في أوروبّا، حيث طُرد اليهود والمسلمون منها في قرابة سنة 1492 م؟! وإذا كانت أطروحة «حقّ العودة» هذه صحيحة من الناحية المبدئية، والقانونية، والأخلاقية، فسيكون من حق مجموعات بشرية عديدة عبر العالم أن تطبّق نفس الأطروحة. وتنفيذا لهذه الأطروحة، يحقّ مثلًا لسكّان أمريكا الشمالية أن يعودوا إلى أوروبا التي اُضْطُرَّ أجدادهم إلى الهجرة منها قبل قُرابة أربعة قرون، ويحق لهم أن يحتلوها، وأن يمتلكوها من جديد. كما يحقّ أيضا إلى الأندلسيّين والمغاربة أن يعودوا إلى الأندلس التي طُردوا منها قبل قُرابة سبعة قرون. كما يحقّ لشعوب أوروبا أن تعود إلى إفريقيا، وأن تسترجع، وأن تَـتَمَلَّك أراضي أجدادهم، بدعوى أن أجدادهم هجروا من شرق إفريقيا قبل مئات الآلاف من السّنين. إلى آخره. وبما أن مجمل المجموعات البشرية ظلّت تتنقّل، وتهاجر، عبر التاريخ القديم، فسيصبح بإمكان أية مجموعة بشرية حالية أن تزعم حقّها في احتلال واسترجاع أراضي، أو أوطان غيرها. وهذه الأطروحات ليست سوى مجرّد تحايل فكري لتضليل الناس، ولتبرير الغزو، والاحتلال، والاستيطان، والاستعمار.

  • 6) في 2 نونبر 1917، وباسم الحكومة البريطانية، بَعَثَ الإنجليزي اللُّورْدْ أَرْتِير بَالْفُور (Arthur Balfour)، وزير خارجية بريطانيا العظمى (المملكة المتّحدة)، (وهي أكبر دولة مستعمِرة آنذاك)، رسالة مفتوحة إلى البَارُون لْيُونِيل رُوتْشِيلْدْ (Lionel Walter Rothschild)، وهو قائد الحركة الصهيونية، والقائد البنكي الرّئيسي الذي يُمَوِّلُها. وفي هذه الرسالة، وَعَدَ لْيُونِيل بَالْفُور الحركةَ الصّهيونيةَ بالتزام دولة بريطانيا العظمى (وهي الدولة التي تستعمر آنذاك فلسطين) بإقامة «وطن قومي لليهود» فوق أرض فلسطين. وجاء في هذه الرسالة، أن «حكومة جلالة مَلِكَة [بريطانيا العظمى]، ستبذل كلّ جهودها لتسهيل تحقيق هدف إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين». كأن فلسطين (التي كانت آنذاك مستعمرة من طرف بْرِيطَانيا العظمى) هي مِلْكِيَّة مُطلقة لهذه الدولة المستعمِرة. ونُشرت هذه الرسالة في جريدة ”التّايمز“ (Times)، بتاريخ 9 نونبر 1917.

وشكّل ذلك «الوَعْد» مدخلا تشريعيا، وعمليا، لاحتلال فلسطين، من طرف الحركة الصهيونية. وساعدت فعلاً بريطانيا العظمى، (باعتبارها السلطةُ المُسْتَعْمِرَةُ)، الحركةَ الصّهيونيةَ على ترسيخ وتـقوية سيطرتها العسكرية، والاقتصادية، واللُّوجِسْتِيكِيّة، على فلسطين.

وكانت قيادات الحركة الصهيونية تُـثْـقِن فَنَّ دفع الدول الإمبريالية القوية إلى تـقديم كل الدّعم الاستراتيجي اللاّزم إلى الحركة الصهيونية. وكان التَّكْتِيك السِّري الذي تستعمله الحركة الصّهيونية هو تـقديم خدمات سرّية وثمينة إلى أقوى الدول في العالم، لكي تجني بالمقابل التّحالف معها، ومساعدتها، وحمايتها.

وفي العُمق، لم يكن انحياز بريطانيا العظمى لمشروع الحركة الصهيونية حبًّا في اليهود، وإنما كان يرمي إلى تحقيق استراتيجية خفيّة لدولة بريطانية العظمى، تهدف إلى ترسيخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين، بُغْيَةَ تسهيل السّيطرة على حقول النـفط الموجودة في الشرق الأوسط، واحتلال قناة السّويس، التي هي المعبر الرئيسي على الطريق الرّابط بين أوروبّا وآسيا.

فكانت بريطانيا العظمى تريد استغلال الحركة الصهيونية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الخاصة؛ وفي نـفس الوقت، كانت الحركة الصهيونية تُريد هي أيضا استغلال ”بريطانيا العظمى“ لِتحقيـق استراتيجيتها الخاصة، والتي تتجسّد في «إقامة وطن قومي لكل يهود العالم»!

وكان آنذاك التسابق والتنافس موجودين، على الخصوص بين ألمانيا وبريطانيا العظمى. فَألمانيا كانت تعمل لإنشاء مشروع القطار الرّابط بين برلين وبغداد، لِبَسْطِ هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط (الغنية بالنفط). بينما بريطانيا العظمى كانت تعمل لإنجاز مشروع الاستيطان في فلسطين بهدف فرض سيطرتها على نـفط الشرق الأوسط. وكانت كذلك فرنسا وإيطاليا، باعتبارهما آنذاك حليفتين لِبْرِيطانيا العظمى، تريدان الاستفادة من تحالفهما مع بريطانيا العظمي.

وقد تأكّدت هذه النوايا المتعدّدة، والمتشعّبة، مثلاً في اتّفاقية سَايْكْسْ بِيكُو (Accord Sykes-Picot) بين فرنسا، و”بريطانيا العظمى“، وروسيا، وإيطاليا، في ماي 1916، (وهي الاتّفاقية التي تتعلّق باقتسام منطقة الشرق الأوسط فيما بين هذه الدول الإمبريالية). وتأكّدت كذلك في معاهدة ”سِيفْرْ“ (Traité de Sèvres بين الحلفاء الأوروبيين والإمبراطورية العثمانية، والمتعلّق باقتسام بعض مناطق هذه الإمبراطورية العثمانية، في غشت 1920.

وكانت الخُطَّة الاستراتيجية الخفيّة للدول الإمبريالية الغربية آنذاك، هي تلك التي أَفْصَحَ عنها جَاكُوبْ يِرِيدُورْ (Jacob Yeredor) (في مجلة «Politique étrangère»، العدد 3، سنة 1948)، حيث كتب: «أن وجود وطن لليهود في جزء من فلسطين، [هو الحيلة التي] ستضمن، فيما بعد، وجود مجتمع من أصل أوروبّي، في منطقة الشرق الأوسط، التي يغلب عليها وجود بشري عربي ومسلم». ومنذ قرابة سنوات 2000، أصبحت فعلاً «إسرائيل» كأنها ولاية أمريكية، أو أوروبية، مغروسة في الشرق الأوسط، ويختلط فيها يهود من أصل بُلُوني، وروسي، وأمريكي (ashkénazes)، وإِثْيُوبِي (falachas)، وكذلك يهود من أصل ”عربي“ (séfarades).    

  • 7) في فبراير 1947، أعادت الحكومة البريطانية إلى هيئة ”الأمم المتحدة“ (SDN) ”الانتداب“ الذي كانت تتولاه على فلسطين منذ سنة 1920. وفي 29 نونبر 1947، دفع الأعضاءُ الأقوياءُ في الأمم المتحدة جمعَها العام إلى المصادقة على القرار رقم 181. وهو القرار الذي ينصّ على تـقسيم فلسطين إلى «دولة لليهود، ودولة للفلسطينيين» المسلمين أو الناطقين بالعربية. [أنظر خريطة 1947 المُرفقة]. وكانت الحركة الصهيونية تعتبر هذا الإعلان مجرد بداية لاحتلال واستيطان كلّ فلسطين، بل واستعمار حتى المناطق التي تُجاورها. [وليس مستحيلاً أن تتحوّل إسرائيل في المستقبل، إلى إعادة إنتاج سيرورة مشابهة لسيرورة غزو، واجتياح، واحتلال، واستيطان، مستوطنين أوروبيين لِقَارَّة أمريكا الشمالية، التي بدأت في ولاية ”فيرجينيا (Virginie)“، في ماي 1607 م. وليس مستحيلاً أن يصبح مصير الشرق الأوسط مثل مصير أمريكا الشمالية، أو أُستراليا، أو نْيُو زِيلَانْدَا. أي استعمار استيطاني يُبيد السكّان الأصليين].

صُورة توضيحية رقم 1 : تَطَوُّر خريطة فلسطين بين سنوات 1946 و2010 م.

  • 8) ومنذ قرابة سنة 1917، شرعت الحركة الصهيونية فورًا في تنـفيذ خططها. فاندلعت مناوشات عسكرية بين فيالق صهيونية، منظّمة ومدرّبة، وبين فرق فلسطينية، ضعيفة ومنـقسمة. واحتلّت الحركة الصهيونية 81 في المائة من فلسطين. وقُتِل الآلاف من الجانبين. وبالضّبط في يوم انتهاء «الانتداب» البريطاني على فلسطين، أي في 15 ماي 1948، أعلنت الحركة الصهيونية عن تأسيس الكيان الصهيوني ”إسرائيل“. واستفادت الحركة الصهيونية من الفوضى التي نتجت عن انتهاء ”الحرب العالمية الثانية“. وحصلت على دعم مطلق من طرف أقوى الدول الإمبريالية، وأبرزها آنذاك: ”بريطانيا العظمى“، ثم الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا.

  • 9) عند بداية ظهور الأيديولوجية الصهيونية، كانت النِّسْبَة المئوية من بين يهود العالم، الذين يُناصرون المشروع الاستعماري الصهيوني، أقلّية قليلة. ثم عملت الحركة الصهيونية على تنمية أعداد اليهود المؤيّدين للصهيونية. واستغلّت الحركة الصهيونية كلّ الجرائم التي كانت تُرتكب ضدّ اليهود (مثل مُعاداة السَّامية [antisémitisme]، وإبادة اليهود المُـقترفة من طرف النازيين الألمان)، للضَّغط على عامة اليهود، وَلِتَرْهِيبِهم، وَلِدَفْعِهِم إلى الاقتناع بأن الحل الوحيد لِ ”معاداة السّامية“، ليس هو مقاومتها في أوطانهم الأصلية في أوروبّا، وإنما هو خلق وطن جديد خاص باليهود.

  • 10) استعملت الحركة الصهيونية كلّ المناورات الممكنة، مثل التفاوض السّري مع ”بريطانيا العظمى“ المستعمِرة، وشراء بعض المنازل والأراضي الفلسطينية، وتهجير أكثر ما يمكن من اليهود الذين كانوا من قبل موجودين في أوروبا، وأمريكا، والبلدان العربية، ونـقلهم إلى إسرائيل. وخلقت الحركة الصهيونية «الصندوق الوطني اليهودي» لتمويل شراء بعض المنازل والأراضي الفلسطينية. ­­­­­­

    • 11) في سنة 1881 م، كان في فلسطين قرابة 25 ألف يهودي. وكانوا يعيشون على الخصوص في مدن: القُدس، وصَفَد، وطَبَرِيَّا، والخَلِيل. وبين سنتي 1890 و1903 م، أي قبل خلق إسرائيل، هَرَّبَت الحركة الصهيونية قرابة 40 ألف يهودي روسي من رُوسيا، بمبرِّر الإفلات من مظاهر مُعاداة السّامية الموجودة في رُوسيا. وبعد احتلال فلسطين، اِعْتَمَدَت الحركة الصهيونية منهج تـقتيل وقهر الفلسطينيين، بهدف إجبار جماعات وأفواج متتالية من الفلسطينيين على الهجرة إلى خارج فلسطين. ومارست إسرائيل التطهير العرقي في المناطق التي احتلّتها. ومثلاً بين نونبر 1947، ويوليوز 1949، هجّرت الحركة الصهيونية أكثر من 720 ألف فلسطيني إلى خارج فلسطين. وسَنَّ «الكْنِيسِيت» الإسرائيلي قوانين تمنح امتياز الاستيطان داخل فلسطين لكل يود العالم، وتمنع كلّيا «حقّ العودة» على كلّ ِالفلسطينيين. وجوهر هذا القانون هو التّالي: «يدخل اليهوديُّ فلسطينَ بحرية، أمّا الفلسطيني (العربي)، فيجب أن يخرج من فلسطين، ويمنع عليه العودة إليها»! وبشكل مواز، وعلى امتداد عشرات السّنين، قامت الأجهزة الصهيونية السّرية، وبمساعدة الدول الإمبريالية، قامت بتهجير ملايين اليهود من أوروبا، ومن البلدان العربية، إلى داخل إسرائيل. وفي ما يلي نعرض أهمّ الأرقام عن تهجير اليهود نحو إسرائيل:

    – بين سنتي 1903 و 1914، هُجِّرَ 40 ألف يهودي من روسيا.

    – بين سنتي 1919 و 1923، هُجِّرَ 36 ألف يهودي من بلدان أوروبا الشرقية.

    – بين سنتي 1924 و 1928، هُجِّرَ 80 ألف يهودي من بولونيا.

    – بين سنتي 1929 و1939، هُجِّر 40 ألف يهودي من ألمانيا والنّمسا.

    – بين سنتي 1929 و 1939، هُجِّر 140 ألف يهودي من أوروبا الوسطى الشرقية.

    – بين سنتي 1939 و1948، هُجِّر 80 ألف يهودي من المناطق التي استولى فيها النازيون على الحكم. 

    وتنامت حاجيات الحركة الصهيونية إلى وسائل ضخمة لتنفيذ تهجير يهود العالم إلى فلسطين المحتلّة. وفي سنة 1939، كَوَّنت إسرائيل جهازا سرِّيًا (سمَّته: «المُوسَاد عَالِيَّا بِيتْ»، «Mossad l’Aliyah Beth»)، وخصًّـصته لِتهجير اليهود إلى داخل إسرائيل.

    – وبين سنتي 1948 و1952، تمّ تهجير قرابة 700 ألف يهودي، نصفهم من الناجين من الإبادة النازية في أوروبّا، ونصفهم هُجِّرُوا من بلدان عربية، وبتواطؤ الأنظمة السياسية العربية.

    – بين سنتي 1949 و 1950، تمّ تهجير 49 ألف يهودي من اليمن.

    – بين سنتي 1950 و 1952، تمّ تهجير 125 ألف يهودي من العراق.

    – بين سنتي 1956 و 1966، وإبّان تأثير ”الحرب الإسرائيلية العربية“ في سنة 1956، هُجّر 500 ألف يهودي، أقلّية منهم من البلدان الشيوعية في أوروبّا، ومعظمهم من بلدان عربية، وخاصة من المغرب. [وكان اليهود المغاربة النّاطقين بالفَرَنْسِية، أو الميسورين، أو المثقّفين، يفضّلون الاستـقرار في فرنسا، بينما اليهود المغاربة الأكثر فقرًا، أو الأقلّ تكوينا، يختارون الذهاب إلى إسرائيل].

    وكان الجهاز الإسرائيلي ”المُوسَاد عَالِيَّا بِيتْ“ يقوم بتهجير اليهود من البلدان العربية، وذلك بِعِلم، بَل وَبِـتَـواطُؤ، الحكّام العرب. رغم أن هؤلاء المواطنين اليهود كانوا يعيشون في هذه البلدان العربية منذ مئات، أو آلاف السّنين. وقد ترك الحُكّام العرب المواطنين اليهود العرب فريسة معزولة وسهلة للدِّعاية الصهيونية. وبمساعدة سفارات الدول الغربية، وكان ”المُوسَاد“ الإسرائيلي يعبث مثلما يريد داخل مجمل البلدان العربية. لأن مُعظم الأنظمة السياسية العربية كانت تابعة، أو خاضعة، للدول الإمبريالية القوية.

    – بين سنتي 1967 و 1969، تَمّ تهجير 50 ألف يهودي، وذلك في ارتباط بِ «حرب الستّة أيام في 1967»، من بلدان عربية، ومن أوروبا الشرقية.

    – بين سنتي 1970 و 1979، تمّ تهجير قرابة 400 ألف شخص، من بلدان أوروبية، وخاصة من الاتحاد السّوفياتي.

    – بين سنتي 1982 و 1985، تمّ تهجير موجة أولى من اليهود السّود ”الفَالاَشَا (Falachas)“ من إثيوبيا.

    – بين سنتي 1990 و 2005، قرابة 1 مليون مهاجر إلى إسرائيل، على الخصوص من قدماء الاتحاد السوفياتي، والباقية من ”فَلاَشَا“ إثيوبيا.

    – بين سنتي 2006 و 2013، انخفض المعدّل السّنوي لِعدد المهاجرين إلى إسرائيل إلى قرابة 20 ألف مهاجر. 

    – آخر يهود العالم الذين لا يهاجرون إلى إسرائيل إلاّ بصعوبة، هم يهود فرنسا، وبلجيكا، والولايات المتحدة الأمريكية.

    – لُوحِظَ أن نسبة هامة من المهاجرين إلى إسرائيل، ومن المستوطنين فيها، كانوا في الأصل، وعلى العموم، من ”الكادحين“ (prolétaires)، أو من ”المسحوقين“ (lumpenprolétariat). وفي غالب الحالات، كانت تحرّكهم أهداف انتهازية. وفيما بعد، أصبح بعض المستوطنين يبحثون عن ظروف عيش أحسن، فقاموا بهجرة مضادة، من إسرائيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو إلى كندا، أو غيرها.

    وحسب إحصائيات إسرائيلية، فقد هاجر إلى إسرائيل، بين سنتي 1948 و 1994، قرابة 2،5 مليون يهودي. 65 في المائة منهم هاجروا من أوروبا وأمريكا، و 19 في المائة منهم هاجروا من إفريقيا، و 15 في المائة هاجروا من آسيا (الاتحاد السّوفياتي). وتتكوّن أغلبية سكان إسرائيل من اليهود المنحدرين من البلدان العربية (وإيران). بمعنى أن الحركة الصهيونية تُقاتل البلدان العربية بيهود عرب، أو بيهود من أصل عربي. 

    لَوْحَة عدد المهاجرين إلى إسرائيل حسب قَارّة المنشأ:

    الفترة الزمنية

    أمريكا

    أوروبا

    إفريقيا

    آسيا

    المجموع

    1948-1994

    193 191

    999 394 1

    368 461

    394 364

    325 443 2

    توزيع سكّان إسرائيل حسب بَلَد المِيلَاد، في سنة 2014:

    حسب إحصائيات إسرائيل، إجمالي سكان إسرائيل: 000 296 8. الإسرائيليون المَوْلُدُون داخل إسرائيل: 900 478 6 فرد. والأفراد المَوْلُدُون خارج إسرائيل: 000 817 1 فرد. ويتوزّعون كالآتي: الاتحاد السوفياتي سابقًا: 400 859. المغرب: 100 143. الولايات المتحدة الأمريكية: 500 90. إثيوبيا: 600 85. رومانيا: 800 80. العراق: 900 54. فرنسا: 100 51. إيران: 000 46. بولونيا: 700 39. الأرجنتين: 000 36. تونس: 600 28. المملكة المتحدة: 500 23. تركيا: 800 22. اليمن: 500 22. ألمانيا: 200 19. بلدان أخرى: 400 213.          

    • 12) بعد سنوات 2000، أصبحت العوامل التي تضغط عادةً على نسبة هامّة من آخر اليهود المُتَبَقِّين في بلدان أوروبا وأمريكا لِدَفْعِهم إلى الهجرة إلى إسرائيل، هي على الخصوص: 1) اشتداد الأزمة الاقتصادية. 2) نُمُوّ الحركات السياسية اليمينية المتطرّفة. 3) ترويج الدِّعاية الصهيونية لأخطار مظاهر ”مُعَادَاة السَّامِيَّة“. 4) التَّسهيلات المادية التي تمنحها الحركة الصهيونية لليهود لحثِّهم على الهجرة إلى إسرائيل. وتمنح إسرائيل عادةً لهؤلاء اليهود (الذين يترشّحون للهجرة إلى إسرائيل) عدّة امتيازات، منها مثلاً: تذكرة السفر مجّانية بالطّائرة، و 3000 يورو، وخمسة شهور من دروس تعلّم العِبْرِيّة، ثم تسهيلات في مجالات السكن، ودراسة الأبناء، والتَّـشغيل، إلى آخره. بينما تمنع إسرائيل فلسطينيي الشّتات من العودة إلى بلادهم. وتمنع الفلسطينيين، الموجودين داخل إسرائيل، من ترميم منازلهم، أو توسيعها. بل تهدّم هذه الدّور فوق رؤوس الفلسطينيين إذا طمع فيها المستوطنون الصهاينة.

    • 13) أبرز الحروب التي تعرّضت لها منطقة فلسطين في العصر الحديث هي: حرب سنتي 1948 و 1949 م. ويسمِّيها الصّهاينة «حرب تحرير إسرائيل» (أي انتزاع فلسطين من الفلسطينيين)، بينما يعتبرها الفلسطينيون «نَكْبَة»، أو «حرب استعمار فلسطين». ثم حرب محاولة احتلال قناة السّويس، في سنة 1956، من طرف الثلاثي: إسرائيل، وفرنسا، و”بريطانيا العظمى“. ثم حرب الستّة أيام في 1967. ثم حرب ”يوم الغُفْرَان“ في 1973. ثم احتلال لبنان في 1982. وانطلقت «انتـفاضة الحِجَارة» الأولى في سنة 1988. وامتدّت «الانتفاضة» الثانية بين سنتي 2000 و 2006. وتلاها هجوم إسرائيل على لبنان في سنة 2006. وشنّت إسرائيل «حرب غزّة» بين سنتي 2008 و 2009. ثم هجوم نونبر (تشرين الثاني) 2012. ثم «حرب غزّة» خلال شهري يوليوز وغشت 2014.

    • 14) العنصر الأوّل المُفَسِّر لقوة إسرائيل، وانتصاراتها على الدول العربية، هو دعمها المُطلق من طرف الدّول الإمبريالية. لكن تُوجد عناصر أخرى تُفسّر هذا التّـفوّق، ومنها أن قوّة إسرائيل تأتي من تخلّف الدول العربية، وكذلك من تخلّف الشعوب العربية.

    • 15) في يوم 17 أكتوبر 2017، نشر موقع ”تيل كيل” ملخّصًا لمقال سبق أن صدر (في 15 أكتوبر 2016) في الجريدة الإسرائيلية ”يَدِيعُوتْ أَحَرُونُوتْ” (Yediot Aharonot). ويوضّح هذا المقال أن ملك المغرب الحسن الثاني تجسّـس على الملوك والرّؤساء العرب، أثناء لقاء القمّة المنعقد في مدينة الدار البيضاء في العام 1965. حيث أمر الحسن الثاني بتسجيل المحادثات المغلقة التي جرت بين الزعماء العرب، بحضور رؤساء الجيوش والمخابرات العربية. وكان أحد مواضيع التشاور السرّي هو التنسيق لتهيئ خوض حرب ضدّ إسرائيل. ثم أعطى الحسن الثاني هذه التسجيلات السرية إلى المخابرات الإسرائيلية. وقال عدّة مسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي، وفي المخابرات الإسرائيلية، أن هذه المعلومات السّرية (التي منحها لهم الملك الحسن الثاني) هي التي مكّنت إسرائيل من هزم البلدان العربية في حرب ”الأيام الستّة” في العام 1967([1]). حيث علمت إسرائيل نوايا الحكّام العرب، وأحوال جيوشهم. وفي 5 يونيو 1967، قامت إسرائيل بهجومات استباقية سريعة، ومفاجئة، حطّمت معظم الطيران الحربي لمصر، والأردن، وسورية. فأصبحت الجيوش العربية بدون حماية جوّية، وَسَهُلَ على إسرائيل تحطيم القدرات القتالية لهذه الجيوش. واحتلّت إسرائيل معظم فلسطين.

    • 16) ظلّت إسرائيل، وكذلك الدول الإمبريالية، حريصة على تشجيع كل ما يُبْـقِي البلدان العربية والمسلمة متخلّفة. وهكذا، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية 10 سنوات من الحصار الاقتصادي على العراق. ثم ورّطت الولايات المتحدة الأمريكيةُ وإسرائيلُ العراقَ في حرب ضدّ إيران، دامت من 1980 إلى 1988 م. وكان الهدف من هذه الحرب هو إضعافهما معًا، عبر ضرب أحدهما بالآخر، وخلق عداوة دائمة بينهما. [ومن الممكن أن يكرّروا في المستقبل نفس الخُدعة بين إيران والسعودية، ثم بين السعودية ومصر].

    وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش الابن (Georges Bush)، وكذلك مساعدوه، ينتمون إلى تيّار «المحافظين الجدد». وكانوا من اليمين المتشدّد المناصر لإسرائيل. وهدّدوا بِ «أن يُرجعوا العراق إلى العهد الحجري». ونفّذوا تهديدهم. حيث استغلّوا الهجمات الإرهابية التي شنّها التنظيم الإسلامي «القاعدة» في 11 شتنبر 2001 (على عمارتي ”المركز العالمي للتجارة” [World Trade Center] في مدينة نيويورك) لكي يُبرّروا غزو العراق في سنة 2003. ولو أنه لم يثبت أيّ تورّط للعراق في هذا الهجوم.  وتلاعبت الولايات المتحدة الأمريكية بمنظمة الأمم المتّحدة، وبمجلس الأمن الأممي، وخدعتهما بسبق الإصرار. واستعملت الولايات المتّحدة الأمريكية مبرّرا كاذبا، هو «حيازة العراق لأسلحة الدَّمَار الشَّامل». وحشدت أمريكا لذلك «تحالفا عالميا» شاركت فيه بعض الدول عربية، مثل المغرب، والسعودية، والإمارات، والكويت، وقطر. ثم احتلّوا العراق، ثم خرّبوه، ثم نهبوه، ثم رسّخوا فيه «الطائفية»، لكي تبقى ”الحرب الأهلية“ مشتعلة فيه. وساعدت إسرائيل والدول الغربية كُرْدِسْتَان العراق على التسلّح، وعلى الانفصال عن العراق. ولا زالت إسرائيل تخطّط (في الخفاء)، ومعها الدول الإمبريالية، لكي ينجزوا خرابا مشابها، في سوريا (وهو ما بدأ منذ سنة 2012)، ثمّ في إيران، ثم في مصر.   

    • 17) نُظِّمت عدة مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تحت رعاية أقوى الدول الغربية (أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية). وكان الفلسطينيون يثـقون في هذه المفاوضات، ويلتزمون بمقرّراتها. بينما بيّنت التجربة أن الإسرائيليين كانوا لا يثـقون في هذه المفاوضات، ولا يلتزمون بنتائجها. بل كانت إسرائيل تستعمل هذه المفاوضات لتوسيع الاستيطان، ولِتَرْسِيخ مكتسبات الاحتلال.

    • 18) لا يُعقل أن ننكر أن اليهود عانوا بعض المضايقات داخل البلدان العربية والمسلمة. لكن المثير للانتباه، هو أن ظاهرة اضطهاد اليهود كانت مُمَنْهَجَة، وعدوانية، وقويّة، وعنيفة، وراسخة، على الخصوص في بلدان أوروبا (وليس في البلدان العربية أو المسلمة). وحينما أقدم المسيحيّون المنتصرون في الأندلس (سنة 1492 م) على إجبار اليهود على «إمَّا اعتناق المسيحية، وإمّا الهجرة إلى خارج الأندلس»، وجد اليهود المهجّرون سهولة اللّجوء والاستقرار داخل أقاليم الإمبراطورية العثمانية المسلمة، وداخل بلدان عربية أو مسلمة في شمال إفريقيا (وليس في بلدان أوروبا).

    وبدلاً من أن تلجأ دول أوروبّا إلى تجريم ومعاقبة اضطهاد اليهود داخل بلدانها، انحازت إلى مساندة الحركة الصهيونية، ودعّمت أطروحتها القائلة بأن «حل مشكل اضطهاد اليهود في بلدان أوروبّا، هو إقامة وطن خاص باليهود في مستعمرة فلسطين»! بمعنى أن الدول الأوروبية كانت آنذاك تفضّل حلّ تهجير اليهود، والتخلّص منهم، بدل الحفاظ على هؤلاء المواطنين اليهود، وبدل تعميم حقوق المواطنة على المواطنين اليهود، وبدل تقنين ومعاقبة كلّ من يضطهد اليهود.

    وعوض محاسبة مُضْطَهِدي اليهود (في أوطانهم الأصلية في أوروبّا)، اكتفت الحركة الصهيونية باللّجوء إلى احتلال وطن جديد في فلسطين، وتحويله إلى وطن بديل. الشيء الذي يؤكّد أن ما كان يهمّ الحركة الصهيونية، ليس هو النضال ضدّ أسباب اضطهاد اليهود في بلدان أوروبا، وإنما هو استغلال هذا الاضطهاد لليهود، لتبرير مشروع استعمار فلسطين!

    • 19) تزعم الصهيونية وأنصارها أن «إسرائيل ديمقراطية». لكن، إذا كانت عصابة محدّدة تمارس «الديمقراطية» فيما بين أعضائها الداخليين، وتمارس على ضحاياها الخارجيين الاحتلال، أو الاستعمار، أو العنصرية، أو القهر، فسيكون من غير المعقول أن نعتبرها ”ديمقراطية“. والدول الغربية تدرك ذلك، وتتجاهله.

    • 20) من ميزات إسرائيل أنها تشترط في كلّ تطوّر يحدث في الشرق الأوسط «أن يضمن أمن إسرائيل». ولا يتصوّر الكيان الصهيوني «إسرائيل» أمنه إلاّ على حساب أمن الشعوب والدول العربية والمسلمة. والاستراتيجية التي تـتّـبعها إسرائيل لِ «ضمان أمنها» تتلخّص في ما يلي: 1) أن توفّر الدول الإمبريالية الغربية لإسرائيل تفوّقًا عسكريا مطلقا على كلّ الدول العربية والمسلمة. 2) أن تكون كل الدول العربية والمسلمة منزوعة من أيّ سلاح فعّال، وممنوعة من الوصول إلى أيّ سلاح حاسم (مثل الطائرات المتطوّرة، والدفاع الجوّي، وتكنولوجية الصواريخ البَالِيسْتِيكِيّة، والرَّادَارات، والتكنولوجية النَّـوَوِيّة، إلى آخره). 3) أن تبقى كل الدولة العربية أو المسلمة متخلّفة، عبر منعها من الوصول إلى العلوم، وإلى التكنولوجيا، أو عبر تـقسيمها، أو عبر توريطها في ”الطّائفية“، أو عبر تقسيمها (مثلما حدث في العراق)، أو عبر تخريبها بواسطة ”الحرب الأهلية“. بينما تضخّ إسرائيل أموالا ضخمة في مؤسّـساتها التعليمية، ومقاولاتها، وفي بحوثها العلمية، وتحثّ الدول الغربية على منح الأفضلية للمنتوجات والصّادرات الإسرائيلية.

      21) رغم أن معظم مؤسّـسي الحركة الصهيونية وزعمائها كانوا غير مؤمنين بالدّين اليهودي، أي غير متديّنين، فإن هذه الحركة فضّلت استغلال الدين اليهودي، وخصوصا كتاب ”التوراة“. لماذا؟ لأن ”التوراة“ تحتوي على إشارات تشجّع على الغزو الاستعماري، ولأن ”التوراة“ تـتـضمّن وصف أحداث تاريخية يمكن تأويلها على أنها «تُبرّر عودة اليهود» إلى «أرض الإله الموعودة»، «بعد نفي دام آلاف السنين»! والغريب هو أن هذه الظاهرة تتكرّر في عدّة ديانات! وهي أن الحركات السياسية التي تحمل مشاريع عدوانية، وغير عقلانية، غالبًا ما تلجأ إلى استغلال الدّين لِ «تبرير»، أو لإضفاء «المشروعية» على، مشاريعها الحمقاء!

      • 22) وقبل مجيء الحركة الصهيونية إلى أرض فلسطين، كانت مختلف الأديان تتعايش داخل فلسطين. ولَمَّا دخلت الحركة الصهيونية إلى أرض فلسطين، فرضت هيمنة الديانة اليهودية، وإقصاء الدّيانات المخالفة. ثم فرضت الاحتلال، والاِستيطان، والاستعمار، والطّائفية اليهودية، والعنصرية، والنزعة الحربية الـلَّامُتَنَاهية. وأصبح أمن إسرائيل مشروطا بِدوام تخلّف، وخراب، وانحطاط كل ما يحيط بإسرائيل. وتعلّمت إسرائيل أنها لا تتـقوّى سوى من العدوانية، ومن الحرب، ونشر الخراب والخضوع حولها. ­­

      • 23) على خلاف الكثير من الأيديولوجيات، تزعم الأيديولوجية الصهيونية أن «الشعب اليهودي» هو «شعب الإله المُختار»، وأنه شعب لا يرتبط بالضّرورة بِتُراب وطن الميلاد، وإنما هو «شعب عِرْقِي» (ethnique) خالص، لم يدخله شخص أجنبي، ولم يذهب أحد منه إلى غيره من الشعوب. وهذا تصوّر مثالي، أو أسطوري، وينـفيه التاريخ الذي يروي تفاعل واختلاط متواصل فيما بين مجمل الشعوب المتجاورة، أو التي تغزو بعضها بعضًا.

      • 24) على خلاف مزاعم الحركة الصهيونية، لم تكن أرض ”فلسطين“ تحتضن الدّيانة اليهودية وحدها، بل كانت تشمل دائمًا ديانات متعددة (مثل اليهودية، والإغريقية، والمسيحية، والكاثوليكية، والأرثودوكسية، ثم الإسلام، إلى آخره). وكانت فلسطين تحتضن إِثْنِيَّات (ethnies)، وأجناسا، وشعوبا، وثـقافات مختلفة. وكانت ممرًّا هامّا بين مصر وإفريقيا من جهة، ومن جهة أخرى بلدان آسيا، وأوروبا.

      • 25) تدّعي الصهيونية أن كلّ يهودي من أصل بُولُونِي، أو رُوسِي، أو أمريكي، أو عربي، أو إِثْيُوبِي، أو غير ذلك، له الحق في دخول فلسطين، واحتلالها، واستيطانها. بينما الفلسطيني الذي عاش أجداده في فلسطين، يلزمه إمّا أن يُهاجر إلى خارج فلسطين، وإمّا أن يموت بحجة أنه «إرهابي».

      • 26) في يوم 7 مارس 2017، صادق برلمان إسرائيل على قانون يجيز منع الدخول إلى إسرائيل على كل شخص شارك في الدعوة لمقاطعة سلع مُصَدَّرَة من «مستعمرات غير شرعية» موجودة في الضفة الغربية من فلسطين. والمقصود هو منع أنصار «حركة BDS» (”الحركة من أجل المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات“ على إسرائيل).

      • 27) تضع الأيديولوجية الصهيونية تطابقًا بين ”الدّين“ (اليهودي)، و”الشعب اليهودي“, و”الوطن اليهودي“ (هو إسرائيل). كأنها تكتب: «الشعب اليهودي» = «الدّين اليهودي» = «الوطن اليهودي» = «فلسطين»! ولو أن هذا التطابق يتعارض مع العقل، ويخالف التاريخ، ويتناقض مع القانون الدولي. وهؤلاء اليهود المُهَجَّرِين إلى فلسطين، لم تكن تتوفّر فيهم مقوّمات «شعب»، لأنهم أشخاص هُجِّرُوا وجُلِبُوا من أوطان مختلفة، ولم يكن لهم تراب وطني مشترك، ولم تكن لهم لغة مشتركة، ولا تاريخ مشترك، ولا ثقافة مشتركة. وحينما يُصِرُّ الصّهاينة على تحويل إسرائيل إلى دولة «دينية»، أي «دولة يهودية»، فإنهم يعنون بذلك تحويل إسرائيل إلى دولة عنصرية، خاصة بِ «الإثـنية اليهودية»! ويعطونها معنى «دولة عِرْقِيّة». ويريدون أن تكون هذه الدولة خاصّة بجميع أشخاص العالم الذين يحملون الدّيانة اليهودية. والغريب هو أن الحركة الصهيونية تُنَـفِّذُ هذا البرنامج بمساندة الدول الإمبريالية الغربية التي تدّعي أنها تلتزم بِ ”العلمانية“، وبِ ”حقوق الإنسان“، وبِ ”القانون الدولي“!

      • 28) للإنصاف، يجب الإشارة إلى أن بعض الحركات الإسلامية الأصولية تُـقَلِّد (بدون وعي) جزءًا من التفكير الذي تعمل به الحركة الصهيونية. حيث أنها ترفض مفهوم «الشعب» (المرتبط بتراب وطني تاريخي)، وتُعوّضه بِمفهوم «الأمّة الإسلامية»، أي «الأمة الدّينية»، أو «الشعب الدّيني». وهذا منهاج في التفكير غير سليم. ويقود إلى مغامرات ظالمة. والغريب هو أن أنصار الحركات الإسلامية الأصولية (مثل «حركة الإخوان المسلمين»، وتنظيم «القَاعِدَة»، وكذلك «دَاعِشْ»، أي الحركة الإسلامية الأصولية التي سمّت نفسها ب ”الدولة الإسلامية في العراق والشام“)، يتبنّون أطروحة «الشعب الدّيني»، مثلما يفعل أنصار ”الصهيونية“. فالصّهايِنَةُ يدّعون أن كلّ يهود العالم، رغم أنهم مواطنين متواجدين داخل أوطان مختلفة، فإنهم يشكّلون «شعبًا» واحدًا، مبنيًّا على أساس الدّين. وأن هذا «الشعب» يكتسب الشرعية لإقامة ”وطن“ خاص به فوق الأرض التي يراها ملائمة له. وكذلك، يمارس أنصار حركة «الإخوان المسلمين»، و«القاعدة»، و«دَاعِشْ»، يمارسون أطروحة مماثلة. حيث أنهم يزعمون أن كل مسلمي العالم، رغم أنهم مواطنين متواجدين داخل أوطان مختلفة، فإنهم يشكّلون «شعبًا» واحدا، أو «أمّة إسلامية» متميّزة، مبنيَّة على أساس الدّين. وتعتـقد الحركات الإسلامية الأصولية أنه يحقّ لها إلغاء حدود هذه الأوطان، وتوحيد مجمل المسلمين، بالقوّة، داخل «دولة خِلَافَة إسلامية»، أي داخل ”وطن“ دِينيّ واحد وموحّد! الشيء الذي سيؤدّي حتمًا إلى مغامرات كارثية.

      • 29) بعض الحركات الإسلامية الأصولية تختزل قضية فلسطين في «مسجد القدس»! وتهتمّ بتحرير عقار «مسجد القدس» أكثر مِمَّا تهتمّ بمعاناة البشر الفلسطينيين، بما فيهم الفلسطينيون المسلمون، والفلسطينيون المسيحيون، والفلسطينيون الدّروز، والفلسطينيون غير المتديِّنين، إلى آخره! كأن هَمَّ الحركات الإسلامية الأصولية هو فقط الدفاع عن الدّين، وليس هو الدّفاع عن البشر، وعن الإنسان! الشيء الذي يُحرّف القضية الفلسطينية، ويسئ إليها.

      • 30) بعد «انهيار الاتحاد السّوفياتي» (في قُرابة 1989)، اِضمحلّت (مؤقّتًا؟) تنظيمات المقاومة الفلسطينية الثورية، واليسارية، والاشتراكية (مثلما حدث عبر معظم بلدان العالم). فتقلّص مثلًا وزن «حركة فتح»، و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، و«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، إلى آخره. ثم ظهرت حركات فلسطينية إسلامية أصولية، مثل حركة «حماس»، وغيرها. وتـنـبـني هذه الحركات الفلسطينية الإسلامية على أساس الدّين الإسلامي. وقد زادت هذه الحركات الفلسطينية الإسلامية في تعقيد القضية الفلسطينية، دون أن تساعد على علاجها. ولا تـقدر على علاجها.

      • 31) حينما تُطابق الحركات الإسلامية بين «اليهودية» و«الصهيونية»، فإنها تُخطئ، وتتجاهل الواقع، وتسيء إلى مصالح الشعب الفلسطيني. لأن عدو الشعب الفلسطيني، ليس هو «اليهود»، ولا هو الدّين اليهودي، وإنما هو الاستعمار الصهيوني. وصراع الفلسطينيين هو كفاح ضدّ الاستعمار، وضدّ الاستيطان، وضدّ الإمبريالية، وليس ضدّ اليهود، أو ضدّ الدّين اليهودي. والدليل على ذلك، هو أن أعدادًا هامة من بين يهود العالم، يرفضون هم أنـفسهم الأيديولوجية الصهيونية، بل يقاومونها. ولو أن هذه المقاومة تقوى، أو تضعف، حسب الفترات التاريخية.

      • 32) ظهر «حزب الله» في جنوب لبنان، في سنة 1982. وقاوم بشجاعة، وَبِدِرَايَة، عدوان إسرائيل على لبنان، بين سنوات 1990 و 2006. فحظي «حزب الله» بتعاطف، أو مساندة، كثير من المناضلين العرب أو المسلمين. وَغَدَّى «حزب الله» أحلام، أو آمال، أو طموحات، الكثير من المناضلين. لكن سرعان ما تبيّن أن «حزب الله» يؤدّي إلى طريق مسدود، وأنه جزء من المشكل، وليس جزءا من الحل. لماذا؟ لأن «حزب الله» ليس حزبا مدنيا وديمقراطيا، وإنما هو ‘مِلِيشْيَا’ (milice) مبنيّة على أساس «الدّين» (الإسلامي الشّيعي)، وعلى أساس «الطائفة» الشّيعية. ولأن قوّة «حزب الله» لا تأتي من ارتباطه بالشعب اللبناني، وإنما تأتي من دعمه المادي والعسكري من طرف ”الجمهورية الإسلامية“ في إيران. وحينما أصبح النظام السياسي لِبَشَّار الأسد مهدّدًا بالسقوط، استعملت إيران «حزب الله» لإنقاذ بشار الأسد، ولهزم المعارضة في سوريا.

      • 33) من المؤسف أن بعض الحركات الأمازيغية بالمغرب، تظنّ أن الدفاع عن القضية الأمازيغية يتطلّب بالضرورة «العداء لكلّ ما هو عربي»! فتلجأ بعض الحركات الأمازيغية إلى رفض التضامن مع القضية الفلسطينية، بل تتّهم كلّ من يتضامن مع الشعب الفلسطيني بكونه «قَوْمَجِيًّا» (تهكُّمًا على مفهوم ”القومية العربية“)، و«عَدُوًّا للأمازيغ»! وسلوك هؤلاء الأمازيغ يسقط في صنف من «العُنصرية». ولا يُدرك هؤلاء ”الأمازيغ العنصريّين“ أن سبب تضامننا مع الشعب الفلسطيني، ليس هو انتماءنا إلى «إِثْنِـيَّة (ethnie)» عربية، ولا إلى «قبيلة»، أو إلى «طائفة» معيّنة، وإنما هو فقط رفضنا للظّلم! تمامًا مثلما نتضامن مع شعوب أخرى كثيرة مظلومة عبر العالم، سواء كانت في فتنام، أو في جنوب إفريقيا، أو غيرها! وقد جاء في دراسة جيّدة: «أن تجنيد المُوسَاد لمسلمين، وعرب، وأمازيغ، ومسيحيين شرقيين، نساءً ورجالاً، أمر معتاد» (ورد في دراسة تحت عنوان: ”بصدد الصهيونية“، لِ لِيلْيَانَا كوردوبا وآخرين، في مجلة ”التحرر“، العدد 5).

        34) خلاصة : تساؤلات ودُروس من تاريخ فلسطين

      • كَمْ من مرّة يُخيّب البشر آمالنا! أرادت الحركة الصهيونية أن تُحرّر اليهود (مِمَّا كانوا يعانونه من اضطهاد في بلدان أوروبا)، فاستعمرت فلسطين (في الشرق الأوسط) ! مثلما يقول المثل المُرَّاكشي: «انهارت الصّومعة، فَشَنَـقُوا الحَجَّامَ»! بمعنى: لا علاقة بين هذا وذاك.

        وأرادت الصهيونية أن تجمع مجمل يهود العالم فوق أرض فلسطين، فأصبح السكان الأصليون لفلسطين إمّا مقتولين، وإمّا مسجونين، وإما لاجئين، أو مشرّدين، عبر مجمل بلدان العالم!

        ولِضمان أمنها، أَغْلَقَت إسرائيل البقيّة الحيّة من الشعب الفلسطيني (سواءً في غزّة، أم في الضِّـفَّة، أم داخل حدود سنة 1948) في سجن قاهر، وغير مرئي، يحرمهم من كلّ مقوّمات الحياة. لأن أمن إسرائيل، حسب الصهاينة، لا يتحقّق سوى عبر إلغاء أمن الفلسطينيين (وكذلك إلغاء أمن العرب والمسلمين)!

        وغدى الفلسطينيون، تحت حكم الدولة الصهيونية، مضطهَدين، مثلما كان اليهودُ مضطهَدين تحت حكم النازيّين (nazis) في ألمانيا! وأصبح فلسطينيو اليوم، مثل يهود الأمس! وزَعَمَ الصهاينة أن مشكل اضطهاد اليهود قد حُلَّ بشكل أبدي (طبعًا عبر إلغاء مطلق لحقوق الفلسطينيين)ٍ!

        وارتكب ”النَّازِيُّون“ الألمان وحلفاؤهم «مذبحةَ اليهود» (holocauste, shoah). حيث كانوا يصطادون اليهود، ويقتلونهم بأعداد كبيرة. وزعمت الحركة الصهيونية أن «مذبحةَ اليهود» هي جريمة فريدة من نوعها، وأنه لم تحدث قطّ أية جريمة مشابهة لها في تاريخ البشرية. وهذا كذب يهدف إلى تبرير الأيديولوجية الصهيونية. لأن ”النَّازِيِّين“ كانوا أيضًا يسحقون، وبنفس الطّرق، وبنفس الأدوات، كل من اعتبروه ”شيوعيا“، أو ”معارضا“، أو ”مقاوما“، أو ”غجريا“، أو ”مِثًلِيًّا“، إلى آخره. ثم استعملت الحركة الصهيونية «مذبحةَ اليهود» لتبرير مذبحة للفلسطينيين! ولو أن الفلسطينيين ليسوا هم الذين اضطهدوا اليهود في دول أوروبّا وآسيا!      

        وحوّلت الصهيونيةُ اليهودَ إلى نـقيضهم. حيث أنها حوّلت اليهود من مُضْطَهَدين (بفتح الهاء) إلى مُضْطَهِدِين (بكسر الهاء)! مثلما يتحوّل الشيء جَدَلِيًّا إلى نـقيضه. وهذا بواسطة موافقة، ودعم، ومباركة، الدول الغربية، وحكّامها، وبرلمانيِّيها، ونُخبها، ومُثَـقَّـفيها، وفَنَّانِيها، وعلمائها، وفلاسفتها. ولا يجرؤ على نـقد الصهيونية سوى أقلّية قليلة من الغربيين.

        وعلى خلاف مجمل الدّيانات الأخرى (مثل المسيحية، أو الإسلام، أو غيرهما)، فإن اعتناق الدّين اليهودي لا يُقبل إلّا إذا جاء عبر أمّ يهودية. الشيء الذي يُشجّع كِيَّان إسرائيل (وكذلك حلفاؤها في دول أوروبا وأمريكا) على التعامل مع اليهود، ليس كحاملين لدِين محدّد، وإنما كَ «سُلاَلَة»، أو كَ «إثنية (ethnie)» بيولوجية خالصة. لكن العِلم أثبت أن «الأجناس» البيولوجية، أو «الإثنيّات» البشرية الخالصة، لا توجد في الواقع، وإنما توجد في خيال الأيديولوجيات (سواءً كانت دينية، أم سياسية). وتعتبر إسرائيل أن «إثنية» اليهود هي «أعلى درجة» من الفلسطينيين، والعرب، والمسلمين. وأن «إثنية» اليهود تستحق امتيازات خارقة. الشيء الذي يُبرّر، من وجهة نظر الصهاينة، أن تمارس دولة إسرائيل سياسة ”عنصرية“ (تُجاه الفلسطينيين، والعرب، والمسلمين). وحينما استوردت إسرائيل اليهود السّود ”الفالاشا“ من إثيوبيا، فذلك لم ينتج عن حدوث تقلّص في ”عنصرية“ إسرائيل، وإنما نتج عن حاجة إسرائيل إلى أعداد كبيرة من الجنود، ومن البوليس، ومن اليد العاملة الرخيصة، التي تقبل الاشتغال في مهن يحتقرها باقي الإسرائيليين.

        وكان يُفترض في الحركة الصهيونية (لو كانت تريد حقيقةً تحرير اليهود من الاضطهاد) أن تكافح ضدّ جميع أشكال التّمييز والإقصاء الذي يتعرّض لها أيّ بشر كان. لكن الحركة الصهيونية خلقت دولة إسرائيل لفائدة ”إثنية (ethnie)“ واحدة، هي إثنية ”اليهود الصّهاينة“. وبنت كيّان ”إسرائيل“ بالضبط على أساس التّمييز والإقصاء، المُوجّهين ضدّ السّكان الأصليين لفلسطين (الذين لا يحملون الدّيانة اليهودية). فلا يتحقّق مشروع الصهيونية إلاّ عبر تهجير الشعب الفلسطيني، أو قتله، أو إبادته. وذلك تحت أنظار الدول الغربية المتحضِّرة.

        فإسرائيل كيّان استيطاني، استعماري، عنصري، إمبريالي. ولا تنمو إسرائيل، ولا تتقوّى، سوى عبر الاستيطان، والاستعمار، والعدوان، والحرب، وبثّ الخراب حولها، وفرض التخلّف على جيرانها.

        وتحتاج إسرائيل إلى دوام ظاهرة ”معاداة السّامية“. إذ بدونها تفـقد الأيديولوجية إحدى مبرّرات وجودها. ورغم أن مَظاهر ”معاداة السّامية“ زالت منذ نهاية ”الحرب العالمية الثانية“ في سنة 1945، فإن الحركة الصهيونية تقوم بدعاية قوية لإيهام العالم كلّه بأن ”معاداة السّامية“ لا زالت موجودة بكثافة، وذلك بهدف ترهيب اليهود، وإجبارهم على الهجرة إلى إسرائيل، وتبرير السياسات العدوانية لإسرائيل.  

        يتصرّف إذن الصهاينة كأن الإنسان لا يستفيد من تجاربه! وكأن «الشعب اليهودي» المزعوم، الذي أنتج العلماء، والعباقرة، يتصرّف بشكل أناني، وظالم! رغم أن معظم كبار العلماء اليهود (مثل كَارْلْ مَارْكِسْ، وَألْبِيرْتْ أَيْنِشًتَايْنً، إلى آخره)، عبّروا صراحةً عن رفضهم التّام للأيديولوجية الصهيونية، فإن هذا الرّفض لم يكن كافيا لدفع قادة الحركة الصهيونية إلى مراجعة أنفسهم. وكلّما غَلَبَ الجُهّالُ الحكماءَ، لا يسعنا سوى أن نسخر من هذه الحياة المخيّبة للأمل.

        فتتبادر في الذهن بعض التساؤلات: بعد مرور قرابة 70 سنة على احتلال فلسطين، لماذا لا يعي الصهاينة (وحلفاءهم) أنهم يظلمون الشعب الفلسطيني؟ وإن كانوا يَعُونَ ذلك، لماذا لا يدفعهم ضميرهم، أو عقلهم، إلى الكفّ عن ممارسة الظّلم؟ لماذا يتحايل الصهاينة على القانون الدولي، وعلى الديمقراطية، وعلى حقوق الأنسان؟ لماذا يتهرّب الإسرائيليون الصهاينة من تنفيذ قرارات الأمم المتحدة؟ لماذا لا تأخذ إسرائيل من قرارات الأمم المتحدة سوى ما هو في مصلحتها؟ لماذا لا يلاحظ الصهاينة أنهم أصبحوا مثل أشدّ أعدائهم، أي مثل النّازيين الألمان؟ هل المثل النموذجي للصهاينة هو أن يصبحوا مثل النازيين الألمان؟ لماذا لا يرى الصهاينة أن أيديولوجيتهم تحثّهم على انتهاك الأخلاق، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي؟ هل الخلل يوجد في الإنسان، أم في فكره، أم في أيديولوجيته، أو في دينه، أم في وعيه، أم في تربيته، أم في عقله، أم في نظامه السياسي؟ هل يمكن للإنسان أن يتحضّر، أم أنه، مَهْمَا تحضّر الإنسان، فإنه يبقى حيوانا مُجتمعيا؟ ولماذا غريزة المصالح المادية هي قويّة إلى درجة أنها توصل الإنسان إلى الاسْتِلَابِ (aliénation)؟ وهل مشكل هذا الظّلم يوجد فقط في فلسطين المحتلّة؟ ألا توجد مثل هذه المظالم في مناطق أخرى من العالم، وفي مجتمعات شتّى، بأشكال متنوّعة، وبدرجات متفاوتة؟ وهل نحن أيضا، مثل الصهاينة، نظلم غيرنا، دون أن نعي ذلك؟

        ولماذا نتضامن نحن مع الفلسطينيين؟ على خلاف ما تعتـقده بعض الحركات الإسلامية الأصولية، نحن لا نتضامن مع الفلسطينيين لأنهم مسلمون مثلنا. وعلى عكس ظنّ بعض الحركات الأمازيغية، نحن لا نساند الفلسطينيين لأنهم عرب. وإنما نتضامن مع الفلسطينيين لأنهم بشر مظلومون. وهذا يكفي. وغايتنا من التضامن مع الفلسطينيين، ليست هي نُصرة الإسلام، ولا هي غلبة القومية العربية. وإنما هدفنا هو فقط مقاومة الظّلم، وإحقاق الحقّ. ويوجد أشخاص كثيرون عبر مختلف بلدان العالم، لا يهمّهم الإسلام، ولا تعنيهم العروبة، ورغم ذلك، يتضامنون هم أيضا مع الفلسطينيين. فقط لأن الشعب الفلسطيني مظلوم. وهذا النّوع من التضامن الإنساني، المبني على أساس مبادئ الدّيمقراطية، وحقوق الإنسان، هو صنف التضامن الذي نـتمنّى أن ينتشر إلى كلّ سكان العالم. ولكي لا نـقلّد بعض أخطاء الحركة الصهيونية، يلزمنا، نحن أيضًا، أن نحذر من عواطفنا، وأن نحتاط من قَبَلِـيَّتِـنا، أو من تعصّبنا لأهلنا، أو من مُيولنا المتحمّس للدفاع عن ديننا، أو عن أهلنا، أو عن قَوْمِيَّـتِنا.

        وما هو الحل لتحرير فلسطين والفلسطينيين؟ هل تحرير فلسطين يتطلّب قتل الصهاينة، أم تغييرهم؟ هل يمكن تحرير الفلسطينيين من الاستعمار دون تحرير الصهاينة من الأيديولوجية الصهيونية؟ وهل يمكن فكّ التحالف بين الصهاينة والإمبريالية، دون نقدهما، هما معًا؟ وهل يمكن أن نحرّر فلسطين، دون أن نتحرّر نحن أيضا من الكثير من عيوبنا؟ هل يكفي نقد الصهاينة وحلفائهم الغربيين؟ وكيف نـقاومهم دون أن نُـتّـهم بِ «الإرهاب»؟ وبأية وسائل؟ وبأية أساليب؟ وهل يمكن أن تكون الحركات الفلسطينية الإسلامية الأصولية مؤهّلة لكي تكون بديلًا معقولًا، ومقبولًا، عن التنظيمات الفلسطينية التقدّمية، أو اليسارية، أو الاشتراكية؟ لماذا لا يدرك كثير من المواطنين (العرب أو المسلمين) أن الحركات الإسلامية الأصولية، رغم حماسها لفلسطين، تؤدّي حتمًا إلى طريق مسدود؟

        ومن الغرائب أيضًا أن الدول الغربية تزعم أنها تلتزم بالديمقراطية، وبحقوق الإنسان، وبالقانون الدّولي. لكن، بمجرّد أن يتعلّق الأمر بالأيديولوجية الصهيونية، أو بأفعال إسرائيل، تـتناسى الدول الإمبريالية الغربية مبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي. فتعجز عن نقد إسرائيل، وتتجاهل جرائمها، وتتحاشى معارضتها. كأن هذه المبادئ (أي الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي) تتحوّل فجأةً إلى نـقيضها، كلّما تعلّق الأمر بالصهيونية، أو بإسرائيل. وكأن إسرائيل هي استثناء لا يخضع لهذه المراجع. وما إسرائيل إلاّ مغامرة ظَالِمَة!

        وكيف نفسّر انحياز الدول الغربية إلى جانب إسرائيل؟ هل نفسّره بتحالف المسيحيين مع اليهود ضدّ المسلمين (مثلما تظن الحركات الإسلامية الأصولية)؟ هذا الظن غير معقول. لأن غالبية سكان أوروبا لا يلتزمون بأيّ دين. وبالإمكان أن نفسّر انحياز الدول الغربية إلى صالح الصهيونية وإسرائيل، بِثلاثة عناصر: أوّلاً، تَلَاقي مصالحهما المادية (استراتيجية السيطرة على ثروات الشرق الأوسط). ثانيًّا، شعور مجمل المرشّحين في الانتخابات العامّة في الدول الغربية بكون نجاحهم يبقى مشروطا بمساندة إسرائيل، نظرًا لقوّة تأثير اللُّوبِي (lobbying) الصهيوني على وسائل الإعلام، وعلى المؤسّـسات المالية. وأقوى هذه اللّوبِيَّات في ”الولايات المتحدة الأمريكية“ هو «لجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)». ثالثًا، «عُـقْدَة الإحساس بالذَّنْب» التي تُحسّ بها هذه الدولة الغربية، إزَّاء ما سبق لها أن ارتكبته من اضطهاد عنصري تُجاه اليهود، خلال القرن 19، وبداية القرن 20 م ! رابعًا، لأنه ينتشر في أوروبا وأمريكا ”رأي مُسبق“ (préjugé) يتجلّى في الخوف من العرب والمسلمين، أو حتّى كراهيتهم.  

        وانحياز معظم الدول الغربية المطلق، والدّائم، لصالح إسرائيل، يعني أن هذه الدول الغربية تقول لإسرائيل: «نحن الدول الغربية، نعتذر عن اضطهادنا السّابق لليهود، عبر السّماح لإسرائيل، وللصّهَايِنة، بأن يضطهدوا، هم بدورهم، الفلسطينيينَ، والعربَ، والمسلمينَ»! وهكذا تُخطئ الدول الغربية ثلاث مرات: المرّة الأولى لأنها تتهرّب من تقديم نقد ذاتي صريح على اضطهادها السّابق لليهود. والمرّة الثانية لأنها تضع تَطابقًا بين اليهود والصهاينة، كأن الدول الغربية تمنح للحركة الصهيونية حقّ احتكار تمثيل كلّ يهود العالم. والمرّة الثالثة لأن الدول الغربية تُساند الصّهاينة في اضطهادهم للفلسطينيين!

        فنـقول للصهاينة، وإلى حكّام الدول الغربية: «نَـعمٍ، أنتم اليوم أقوياء! لكنكم ظَالِمُون»! واللّوم الجوهري، لا يرجع إلى الصّهاينة، ولا إلى الدول الإمبريالية الغربية، وإنّما يرجع إلى الشعوب العربية والمسلمة، أي أن اللّوم يرجع إلى انحطاط العرب، والمسلمين! فلو لم يكن العرب والمسلمون متخلّفين، لما كان الصهاينة أقوياء. والكارثة هي أن غالبية العرب والمسلمين يتشبّثون بالبقاء في انحطاطهم المُقدّس، والمُزمن!

        والسؤال المطروح، هو: كيف نتحرّر جميعا؟ وبالتّدقيق، كيف تتحرّر جميع مكوّنات البشرية (بما فيهم المسلمون، والمسيحيون، واليهود، وغير المتديّنين، وحتّى الصهاينة)، دون قتل أحد، ودون أن يتحوّل أيّ مكوّن من بين مكوّنات هذه البشرية، إلى عدوّ، أو إلى مُنتـقم، أو إلى مُضطـهِـد (بكسر حرف الهاء)؟ هذا هو التحدّي الكبير.

        رحمان النوضة       

        (حُرّرت الصيغة الأولى لِـ وثيقة ”نقد الصهيونية” في الدار البيضاء، في 17 مارس 2017. ورقم الصّيغة الحالية هو: 7).

        [ملاحظة: الأحداث، والأرقام، والتفاصيل التاريخية، الواردة في هذه الوثيقة، مأخوذة من عدّة مقالات موجودة في الموسوعة الرّقمية ”وِيكِبِيدْيَا“، باللغتين الإنجليزية والفرنسية. بينما الأطروحات والتساؤلات هي للكاتب].وإذا كان من حقّ الحركة الصهيونية أن تتحدّث عن وجود «الشعب اليهودي»، وأن تدّعي أن هذا الشعب هو «مجوعة بشرية عرقية، أو إِثْنِـيّة (ethnique)، منسجمة، وثابتة عبر التاريخ»، فلماذا لا يكون أيضًا من حقّ خصوم الصهيونية، أن يُكَوِّنُوا هم أيضًا «الشعب المُسلم»، وأن يكوّنوا «الشعب المسيحي»، و«الشعب البروتستانتي»، و«الشعب الهندوسي»، و«الشعب الكنفوشيوسي»، إلى آخره؟ وهكذا سنعوّض «الدّول – الأوطان» (États Nations)، بِ «الدول الدّينية»، أو بِ «الشعوب المُنسجمة دينيًا»! هل هذا المنطق سليم؟ ولماذا سيكون من حقّ الحركة الصهيونية وحدها أن تضع تطابقًا بين «الدّين (اليهودي)» و«الهوية الوطنية (اليهودية)»؟ ولماذا لا يحق لحركات أخرى مخالفة، عبر العالم، أن تفعل نفس الشيء؟!

        وبأيّ منطق تعتبر الدول الغربية ”الإسلاميين الأصوليين المتطرّفين“ خطرين، أو مجرمين، وتزعم في نفس الوقت أن المستوطنين ”اليهود الأُرْثُودُوكْس“ (juifs orthodoxes) الغُزَاة، والمتشدّدين، مشروعين، ومقبولين؟

        ونذكّر هنا أصحاب أطروحة «الشعب اليهودي»، أن الفلسطينيين العرب، والفلسطينيين المسلمين، والفلسطينيين المسيحيين، وحتى بعض الأمازيغ في شمال إفريقيا، كانت نِسَبٌ هامّة منهم في التاريخ القديم تعتنـق الدّيانة اليهودية. وفيما بعد، حينما جاء الدين الإسلامي، اعتنق بعضها هذا الدّين الإسلامي الجديد، إمّا كُرْهًا، وإمّا طَوْعًا. والبعض الآخر اعتنق الديانة المسيحية. فأين ذهبت هويّتهم «اليهودية» العضوية المزعومة، أو هويّتهم «العرقية»، أو «الإثنية (ethnique)»!؟ هل تغيير «الهوية الدّينية» يُلغي «الهوية الإثنية»؟ أليس يهود فلسطين، والفلسطينيون المسلمون، أبناء أَعْمَام؟ أليست هذه «الهوية القومية اليهودية» المزعومة هي مجرد معتقدات أيديولوجية، اِخْتَرَعَتها الحركة الصهيونية، لكي تُبرّر مشروع استعمار فلسطين؟! أليس الوضع السليم هو أن ينتمي اليهودي الروسي إلى وطن روسيا، وأن ينتمي اليهودي البولوني إلى وطن بولونيا، وأن ينتمي اليهودي الألماني إلى وطن ألمانيا، وأن ينتمي اليهودي الأمريكي إلى وطن أمريكا، وأن ينتمي اليهودي المغربي إلى وطن المغرب، وأن ينتمي اليهودي الإثيوبي إلى إثيوبيا، إلى آخره.؟ هذا هو المنطق السليم، وغيره إنما يدفع نحو مغامرات ظالمة!

        لكن إسرائيل تخرق هذا المنطق، وتـدّعي أن: «كل يهودي في العالم، سواءً كان وطنه الأصلي هو روسيا، أم بولندا، أم ألمانيا، أم المغرب، أم إثيوبيا، أم أمريكيا، إلى آخره، يحقّ له أن يدخل فلسطين، وأن يشارك في احتلالها، وفي استعماريها، وفي تحويلها إلى وطن جديد خاص بيهود العالم. ويحقّ له أن يُحافظ على ”جنسية“ بلده الأصلي الذي جاء منه. وأن السّكان الأصليين في فلسطين، (بِمُسْلميهم، ومسحييهم)، هم أجانب محتلّين، وأن مجرّد وجودهم داخل إسرائيل الجديدة هو فعل إرهابي، يهدّد أمن إسرائيل، ويحق لإسرائيل أن تطردهم إلى خارج إسرائيل»!

        وفي الحقيقة، يستحيل أن تكون الدولة دينية (سواءً كان الدّين المعني هو اليهودية، أم المسيحية، أم الإسلام). وما تفعله دولة إسرائيل، هو أنها تستغلّ الدّين اليهودي، ولن تستطيع الالتزام بتعاليم الدّين اليهودي. ومعظم الحركات الدّينية اليهودية الأصولية تَتَوَاطَأُ مع الحركة السياسية الصهيونية في مشروعها الاستعماري. وتهدف دولة إسرائيل إلى خدمة استراتيجيات استعمارية، وعنصرية، وإمبريالية.  ويبقى الدّين اليهودي بريئا من هذه الاستراتيجيات.


    [1]  Source : http://telquel.ma/2016/10/17/hassan-ii-a-t-il-aide-israel-a-remporter-la-guerre-des-six-jours_1519506

 

Advertisements

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s