نَـقد أَنْصَار الرأسمالية

لِتنزيل وثيقة ”نقد أنصار الرّأسمالية (نموذج أطروحة محمد سبيلا)”، أنقر فوق الرّابط التالي الذي يحتوي على حروف ”بِي دِي إِفْ“. (وهو الذي، إذا وضعتَ الفأرة فوقه، تحوّلت هذه الفأرة إلى رسم يد).

وثيقة ‘نقد أنصار الرأسمالية’، رحمان النوضة (الصيغة 6).ء.pdf

Foto.Against.Capitalisme

وتُمكن هنا قراءة هذه الوثيقة دون تنزيلها (لكن أحسن شكل مُريح للقراءة يكون عبر تنزيل صيغة ‘بِي دِي إِفْ’) :

نـقد أنصار الرّأسمالية

رحمان النوضة، (الصِّيغة 6).

من المؤسف أن تُنشر يوميا في الصّحف بعض التصريحات (السياسية، أو الاقتصادية، أو الفلسفية) المثيرة للجدل، أو الخاطئة أحيانًا. ولا يجد عادة القرّاءُ الوقتَ أو الجهدَ الكافي، لمناقشة، أو نَـقد، تلك المزاعم المغلوطة. ومن بينها الأطروحة العجيبة التي نشرها مؤخّرا أستاذ الفلسفة السيد محمد سبيلا على صفحات جريدة ”آخر ساعة“([1])، تحت عنوان: «ضحايا الإيديولوجيات». وفيما بعد، عبّر محمد سبيلا عن نفس الأطروحة  في مناسبات أخرى، منها استجوابه المطوّل على شكل حلقات متوالية، الذي أجرته معه جريدة “المساء”([2]).

وفي المظهر، يدور مقال محمد سبيلا حول «الأيديولوجية» (idéologie). لكنه يريد  في الجوهر دَحْض ”الطموح نحو الإشتراكية“! ورغم ما أحمله من احترام وتقدير تُجاه السيد محمد سبيلا، أجد نفسي مضطرّا إلى نقد أطروحته. فأحترم الشخص، لكنني أنتقد أطروحته السياسية. والعنصر الذي حثَّنِي على نـقد أطروحته هو أن أشخاصا آخرين متعدّدين يعبّرون، من وقت لآخر، عن أطروحة مشابهة، وفي قوالب مختلفة. وتتميّز هذه الأطروحات بكونها تزعم أن «الطموح إلى الاشتراكية هو مجرّد وهم».

يظهر أن موضوع مقال السيد محمد سبيلا يدور حول «الإرهابي الإسلامي». لكن الكاتب محمد سبيلا فاجأ قارئ مقاله، وطرح أن المناضل «الاشتراكي» لا يختلف عن «الإرهابي الدّيني» السلفي أو الأصولي! فنلاحظ عليه العيوب المنهجية التالية:

1) لم يحدّد الكاتب محمد سبيلا من هم الأشخاص، أو الجماعات، أو التنظيمات، أو الأحزاب، التي يريد نقدها. وفي مدخل مقاله، اكتفى السيد محمد سبيلا بكتابة عبارة: «تعوّدنا على الاعتقاد بأن الإرهابي… بطل». ثم حاول نقد هذا الاعتقاد. ويدلّ ضمير «نَا»،  في فعل «تعوّدنا»، على أن محمد سبيلا يريد نقد ”نحن“، أي ”عامّة الناس“. بمعنى أن الكاتب أراد نقد جهات مُبهمة، وغير مُعَرَّفَة. بينما كان من واجبه أن يحدّد بدقّة من هم الأشخاص، أو الجماعات، التي يرغب  في نـقدهم. وكلّ نـقد لا يحدّد بدقّة الأشخاص الذين يريد نقدهم، والسّلوكيات أو الأفكار التي يريد نقدها، يفقد قيمته.

2) ما هي أطروحة السيد محمد سبيلا؟ جوهر مقال محمد سبيلا هو أنه يضع تطابقا، أو مساواة، بين «الإرهابي» الدّيني السّلفي أو الأصولي من جهة، ومن جهة أخرى «المناضل الثوري»، أو «الطبقي»، أو «الاشتراكي». ويزعم محمد سبيلا أن «الإرهابي» و«المناضل» هما معًا «ضحايا الإيديولوجيات»! وما هي حجّته؟ حجّة محمد سبيلا الوحيدة على ذلك هو جملته الطويلة جدًّا، والرّكيكة  في صيّاغتها، التي كتبها، وهي التالية (كما نُشِرَت حرفيا): «هاتان الإيديولوجيتان، على الرّغم من تباينهما المرجعي، ومن خلفيتهما الفكريتين المتباينتين تشتركان في بنيتهما العقدية (دُوغْمَا + وسائل + أوهام) لكن كلا منهما تنتمي إلى فترة معيّنة (Epoque) من التاريخ. أولاهما تنتمي إلى فترة سادتها مقولات التحرر والتحديث والعقلانية والأمل وهي الفترة التي سادت ما كان يُسمى العالم الثالث بين ثورة وَسَقْطَة، أي بين 1917 الثورة الروسية وسقوط المعسكر السوفياتي في سنة 1989 والتي تلتها فترة عودة الآمال الميتافيزيقية كما جسدها الانتشار الكبير للإيديولوجيات الدينية الإسلامية. الأولى أنتجت لنا مجاهدين دنيويين والثانية أنتجت لنا مناضلين أخرويين، لكن كليهما تركتا (وتتركان) وراءهما ضحايا وأشلاء وأطلالا وخرابا، وكلاهما قبض ثمن عمله [؟!] أولهما مؤجل وثانيهما معجّل، لكن كليهما استثمر كحطب للإيديولوجيا بنكهتيهما الدنيوية والأخروية»! (اِنتهت مقولة محمد سبيلا).

ويظهر في مقال السيد محمد سبيلا أنه لم يفهم جيّدًا لا ظاهرة سقوط منظومة الاتحاد السوفياتي  في قرابة سنة 1989، ولا ظاهرة صعود الحركات الإسلامية الأصولية  في بدايات سنوات 2000. وأعتقد أن مُدَرِّس الفلسفة (محمد سبيلا) غير مؤهّل للكلام عن ”الاشتراكية“، أو ”الماركسية“، أو ”السياسة“، أو ”الاقتصاد“، أو ”التاريخ“، إذا لم يدرس هذه التخصّصات بعمق كاف، وبتفاصيل دقيقة.

وملخّص أطروحة محمد سبيلا،  في مجال المقارنة بين ”الأيديولوجية الإسلامية الجهادية الأصولية“ من جهة، ومن جهة أخرى ”الأيديولوجية الماركسية الاشتراكية“، هو قوله: «هاتان الإيديولوجيتان، على الرّغم من تباينهما المرجعي، ومن خلفيتهما الفكريتين المتباينتين تشتركان  في بنيتهما العقدية (دُوغْمَا + وسائل + أوهام)»! كأن محمد سبيلا يقول لنا: هاتان الإيديولوجيتان، رغم اختلافهما، فإنهما لا يختلفان! بل يتساويّان، أو يتطابقان. ولماذا؟ نلاحظ أن محمد سبيلا اكتفى بالتّصريح بأطروحته، لكنه لم يقدّم ولو حجّة عقلانية واحدة قادرة على تبرير أطروحته. ومن المستبعد أن يقدر محمد سبيلا على إقناعنا بهذه الأطروحة. لأن أطروحته تخالف الواقع الملموس، وتتعارض مع القوانين الموضوعية التي تتحكّم  في واقع المجتمع!

3) بعبارة أخرى، وبمنهج عَمَلي، كأن محمد سبيلا يقول أن فِكْرَ الفَـقِيه الإسلامي السلفي ”حسن البَنَّا“، أو ”سَيّد قُطب“، أو فِكْر الشيخ ”ابن تَيمِيّة“، من جهة، ومن جهة أخرى فِكْر الاشتراكي ”كارل ماركس“، أو فكر ”فريديريك إنجلس“، أو فِكْر ”فلاديمير لينين“، يتطابقان في «بنيتهما العقدية (دُوغْمَا + وسائل + أوهام)»! غريب! كأن محمد سبيلا يقول إن ”معتقدات (dogmes)“ سَيّد قطب تـتـساوى مع ”معتقدات“ كارل ماركس. و”وسائل“ سيّد قطب تـتـشابه مع ”وسائل“ كارل ماركس. و”أوهام“ سيد قطب تـتـطابق مع ”أوهام“ كارل ماركس! وما هي الحجج؟ لا شيء! وهذا التفكير لدى السيد محمد سبيلا هو بالضّبط مثال على نَمَط التّـفكير ”الأيديولوجي“. لأن هذا المنهج  في التّفكير يكتفي بإصدار أحكام قيمة كبرى، ولو أن هذه الأحكام تخالف الواقع، وتتجاهله. ولا يليق تصريح محمد سبيلا بأستاذ جدّي، مُطالب باتِّبَاع منهج موضوعي، أو علمي.

4) نسأل الأستاذ محمد سبيلا، هل يستوي حقًّا ”حزب الاتحاد الاشتراكي“ (الذي كان محمد سبيلا عضوا فيه، تحت قيادة الاشتراكيين عبد الرحيم بُوعْبِيد، وعمر بن جلون) مع تنظيم ”الشبيبة الإسلامية“ (تحت زعامة عبد الإله بنكيران)؟ هل يتطابق حقًّا المواطن ”التقدّمي“ مع المواطن ”الرّجعي“؟ هل يستوي المهدي بن بركة (مناضل اشتراكي) مع عبد الكريم مطيع (مجرم إرهابي إسلامي أصولي)؟ هل تتساوى الاشتراكية نبيلة منيب (الكاتبة العامة للحزب الاشتراكي الموحد) مع الإسلامي الأصولي عبد السلام ياسين (زعيم ”حركة العدل والإحسان“ الإسلامية الأصولية)؟ هل مقولات ”الإسلام السياسي السّلفي أو الأصولي“ تتساوى مع «مقولات التحرر والتحديث والعقلانية»؟

5) نسأل الأستاذ محمد سبيل هل «الرأسمالية» و«الاشتراكية» هما معًا مجرّد «أوهام»؟ هل «الاستغلال الرأسمالي» هو مجرّد «وهم»؟ هل حقًّا «طبقات المجتمع» هي مجرد «أوهام»؟ هل ينكر محمد سبيلا انقسام المجتمع إلى «طبقات»، مع ما ينتج عنه من ”صراع طبقي“؟ هل ينفي محمد سبيلا أن الهوة بين الفقراء والأغنياء تتّسع بلا توقف في مجمل البلدان الرأسمالية؟ هل يكذّب محمد سبيلا نتائج بحث طوماس بِيكُوتِي (“الرأسمال في القرن 21”)([3]) التي درس فيها الإحصائيات، وقارن فيها بين تطور ثروات ومداخيل الفقراء والأغنياء على امتداد عشرات السنين؟ هل المظاهرات الاحتجاجية التي تحدث بالعشرات في المغرب، وفي كلّ يوم، منذ عقود متوالية، هل تُؤكّد أن مجتمع المغرب منسجم، وخَال من الطبقات، أم أنها تُعبّر عن ”الصِّراع الطبقي“ الخفي الجاري  في المغرب؟ هل الطموح إلى تشييد ”مجتمع اشتراكي“ يتساوى حقيقةً مع الرغبة  في بناء ”مجتمع إسلامي أصولي خاضع للشّريعة الإسلامية“؟

وعندما يعتبر محمد سبيلا أن الطموح نحو ”الاشتراكية“ هو مجرد «دُوغْمَا»، أو «وهم»، هل هذا الموقف يعني أن محمد سبيلا يدعونا اليوم إلى القبول أَبَدِيًّا بِـ ”النظام الرأسمالي“؟ وهل حتى الطموح الماضي إلى الانتقال من ”العُبودِية“ إلى ”الاقطاعية“، ثم الطموح من ”الاقطاعية“ إلى ”الرأسمالية“، هل كانا مجرّد «وهم»؟! وهل محمد سبيلا يطلب منّا اليوم القبول بِـ ”الاستغلال الرأسمالي“، وبانقسام المجتمع إلى ”طبقات مُسْتَغِلَّة وطبقات مُسْتَغَلَّة“؟ أليست النتيجة المنطقية لأطروحة محمد سبيلا هي الإقرار بأن ”نظام الإنتاج الرأسمالي“ هو المصير الحتمي والأبدي للبشرية؟ هل نحن المأجورون، والمُسْتَغَلُّون، والمُعَطَّلُون، والمُهَمَّشُون، هل يجب علينا أن نبقى إلى الأبد عٌبِيدًا  في خدمة الرأسماليّـين؟ هل من يناضل من أجل تحرير المجتمع من ”الاستغلال الرأسمالي“، ومن ”الانقسام الطبقي“، مثله مثل من يناضل من أجل بناء ”دولة خلافة إسلامية أصولية“ (مثل دولة ”دَاعِشْ“، أي ”الدولة الإسلامية في العراق والشّأم”) التي تُريد العودة بنا إلى نمط العيش الصحراوي  في شبه الجزيرة العربية خلال القرن السابع الميلادي؟ هل الأستاذ محمد سبيلا يعتقد أن ”الماركسية“، والطموح نحو ”التحرر من الاستغلال الرأسمالي“، هما مجرد «وهم»، ومجرّد «إيديولوجيا»، بمعنى أنهما فكر غير منسجم مع القوانين المتحكّمة في الواقع؟

6) كتب السيد محمد سبيلا أن ”المناضلين الاشتراكيين“ هم مثل ”الجهاديين الإسلاميين الأصوليين“، «كليهما تركا (ويتركان) وراءهما ضحايا وأشلاء وأطلالا وخرابا». وهذا اتهام خطير، يحوّل فجأةً مجمل أنصار ”الاشتراكية“ في العالم، وهم يُعدُّون بالمليارات من البشر، إلى مجرمين يتساوون مع مجرمي «الدولة الإسلامية في العراق والشّام (دَاعِشْ)»! فهل يعتـقد محمد سبيلا أن أنصار الاشتراكية عبر العالم هم كلّهم مثل الرُّوسي جُوزِيفْ اسْطَالِين (J. Staline)، أو الكَامْبُودِي بُولْ بُوط (Pol Pot)؟ (لأن اسْطَالِين وبُولْ بُوطْ انحرفا  في ممارسة مُمَنْهَجَة للقمع، والاستبداد، وتصفية المُعارضين بأعداد كبيرة وفظيعة). وهل نَـسِيَ محمد سبيلا أن ما خلّفته الرأسمالية من «ضحايا وأشلاء وأطلال وخراب»، هو أكبر بكثير مِمَّا خلّفه أيّ مسؤول عسكري أو سياسي اشتراكي عبر التاريخ، بما فيهم جُوزيف اسطالين وبول بوط؟ ألَا يرى السيد محمد سبيلا ما تُحدثه الرأسمالية يوميًّا من نهب، واحتكار، واستغلال، وتفقير، وتجهيل، وتهميش، وحرمان، وتخريب، وتعذيب، وتقتيل؟

لقد ساهمت الرأسمالية نسبيا في إخراج بعض المجتمعات الأوروبية والأمريكية من الفقر، لكن الرأسمالية هي في نفس الوقت النظام الاقتصادي الذي ساهم (وما زال يُساهم)  في سحق المليارات من البشر عبر مجمل العالم. وهذا موضوع يستدعي نقاشا آخر.

7) إذا كان منهج السيد محمد سبيلا  في التفكير سليما، فإن منطقه سيؤدّي بنا بالضرورة إلى الاعتقاد كذلك بأن ”العدالة“، و”المساواة“، و”الديموقراطية“، و”حقوق الإنسان“، و”دولة الحقّ والقانون“، هي كذلك مجرّد ”أوهام“! وأن الواقعية المثالية هي القبول بمنطق ”السّوق“، و”المبادرة الحرة“، و”المنافسة الحرة“؟ فلا يبقى لنا من خلاص سوى الاستسلام التّام ”للرأسمالية“ المتوحشة التي ستؤدّي بالبشرية إلى انتحار جماعي مأساوي.

وإذا كان السيد محمد سبيلا واثـقا من رأيه، فليقدّم لنا الدراسات المعمّقة، والتحاليل الموضوعية، والحجج العقلانية، لإقناعنا بمزاعمه. لأن هذه القضايا المصيرية لا تتحمّل الاكتفاء بالتّـعبير السّريع عن خواطر شخصية عابرة، أو التصريح بإحساسات سطحية. وإذا كان ما طرحه السيد محمد سبيلا مجرّد مقتطف من كتاب يُعِدّه للنّشر، فغرابة أطروحته كانت تـقتضي منه أن يتمهّل حتى يجمع حججه، أو حتى يصدر كتابه.

8) في مقاله المذكور سابقًا، ثم في استجوابه، كان محمد سبيلا يقدّم أطروحته الجديدة (التي ننتقدها هنا) بصفته ”فيلسوفًا“. ويعطي محمد سبيلا لأطروحته مشروعية أطروحة صادرة عن ”فيلسوف“ مُقتدر. فاسمح لي أيها السيد محمد سبيلا، ومع كامل احترامي لك كشخص، بأن أذكّرك بأنك لستَ بعدُ ”فيلسوفًا“. فقد جرت العادة  في بعض البلدان الناطقة بالعربية، أن كل أستاذ يُدرّس ”الفلسفة“، يعتبر نفسه بطريقة عفويّة ”فيلسوفا“. مثلما أن كل من ينخرط في حزب سياسي، أو يمارس نشاطا سياسيا، يعتبر نفسه ”خبيرًا“، أو ”عالما  في العلوم السياسية“. وكل أستاذ يدرّس ”علم الاجتماع“، يعتبر نفسه تلقائيًّا ”عالما مُقْتَدِرًا  في علوم المجتمع“. وهذه ادّعاءات غير مقبولة. بل ”الفيلسوف“، ليس هو من يُدَرِّس الفلسفة، وإنما هو من أنتج عملًا فلسفيا معترف به. و”العالم  في العلوم السياسية“، ليس هو من ينشط في السياسية، وإنما هو من درس العلوم السياسية بقواعدها، وأنتج عملًا نظريا وأكاديميا معترفًا به  في مجال السياسة. إلى آخره.

وحينما يصدر محمد سبيلا أحكام قيمة حول الاختيارات الاستراتيجية لشعب بكامله،  في ميادين ”الاشتراكية“، و”الرأسمالية“، فإنه يكون قد دخل مجال ”الاقتصاد“. و”الاقتصاد“ هو خِبرة، أو ”شبه علم“. ويقتضي حدّا أدنى من التكوين الأكديمي، وأن يكون دقيقا وشاملا. ولا يوجد ما يدلّ على أن محمد سبيلا تعمّق  في دراسة ”الاقتصاد“. ولا أظن مثلا أن ”الجمعية المغربية للعلوم الاقتصادية“ ستوافق على المناهج التي بنى بها محمد سبيلا أطروحاته حول الاختيارات الاستراتيجية  في مجال ”الاقتصاد“. وبالتّالي فإن كلام محمد سبيلا عن ”الرأسمالية“، وعن ”الاشتراكية“، هو من باب الانطباعات أو الخواطر الشخصية.

9) يظهر كأن السيد محمد سبيلا يعتبر أن أصل الشرّ يكمن  في وجود «الدُّوغْمَا (dogme)». فما هي «الدُّوغما»؟

”الدُّوغًمَا“، بمعنى ”العَقِيدة“، أو ”المُعْتَـقَد“، هي فكرة ثابتة، أو مبدأ راسخ، أو مرجع  في القِيَّاس، أو عقيدة تُبْنَى على أساسها الأحكام. ويظهر كأن محمد سبيلا يظنّ أن وجود «دُوغْمَا (dogme)»  في فكرنا، أو  في ثقافتنا، يتسبّب بالضرورة  في إحداث انحرافات، أو شُرُور، أو اضطرابات، أو ذُهول. وهذا الاعتقاد مبالغ فيه، أو غير سليم. لماذا؟ لأن كل البشر، وبلا استثناء، (بما فيهم محمد سبيلا) يحملون بالضّرورة، وباستمرار، «دُوغْمَات» (dogmes) متنوِّعة في  أذهانهم، دون أن يعُوا ذلك. ولا نكتشف أننا نحمل «دُوغْمَا»  في عقائدنا إلَّا بعدما نكتشف أن «دُوغْمَا» محدّدة تتناقض بشكل مفضوح مع القوانين المتحكّمة في الكون.

وأعتبر شخصيا أن المشكل لا يكمن  في وجود ”الدُّوغْمَا“، وإنما يكمن في مضمون هذه ”الدُّوغما“، أو في طريقة استعمالها. والمشكل المطروح هو: هل مضمون هذه ”الدّوغما“ المعنية سليم أم خاطئ؟ هل هذه ”الدّوغما“ منسجمة مع القوانين الموضوعية التي تَتَحَكَّم  في الكون، أم أنها مجرد خرافات، أو أوهام غير علمية؟

أنا مثلا أحمل ”دُوغْمَا“ في ذهني، هي مبدأ ”الجَاذبية (la gravité)“. ومعنى ”الجاذبية“ هو أنني أعتقد أن كُثَل المادّة تتجاذب باستمرار فيما بينها (حسب قانون الجاذبية). وما دامت هذه ”الدُّوغْمَا“ تُسَاير قوانين الكون، فإنها لا تُحدث أيّ ضرر  في تفكيري، ولا  في ممارستي. كما أنني أحمل ”دُوغْمَات (dogmes)“ أخريات. وكمثال، أحمل ”دُوغْمَا“ تقول أن كل بشر هو فَانٍ (mortel). وأحمل ”دُوغْمَا“ أخرى تقول أن الشمس سَتَنْطَفِئُ  في يوم ما، لأنها تحرق وقودها الذي تتكوّن منه. وأحمل ”دُوغْمَا“ أخرى مثل الاعتـقاد بوجود ”طبقات“  في مجتمعنا ”الرأسمالي“، وبوجود ”استغلال الإنسان من طرف الإنسان“، وبوجود ”الصراع الطبقي“، وبأن الطموح إلى تحرير المجتمع من ”الرأسمالية“ مشروع، وعادل، وممكن. وأعتبر أنه لا يوجد مشكل  في حمل هذه ”الدُّغْمَات“، لأنها نابعة من الواقع المُعاش، ومنسجمة معه. ولو أنني أعرف أن الإيمان بهذه ”الدُّغْمَات“ يوجد أو لا يوجد حسب موقع الشخص المعني في بنية المجتمع الطبقي. لكن،  في حالة إذا ما وُجِدَ مشكل مَا في إحدى هذه ”الدُّوغْمَات“ التي أومن بها، فإن هذا المشكل سيأتي، ليس من كونها ”دُوغْمَات“، ولكنه سيأتي من مدى صحة مضمون هذه ”الدُّوغمات“، أو من طريقة استعمال هذه ”الدّوغمات“، أو من نوعية ممارستها، وليس من كونها تُوصف بِـ ”دُوغْمَات“.

10) لنفترض الآن جدلًا، يا أستاذ محمد سبيلا، أن المناضلين الطموحين إلى بناء ”الاشتراكية“ هم مجرد «ضحايا الإيديولوجيات»، مثلما كتبتَ! وأنت أيها السيد محمد سبيلا، ما هي أيديولوجيتك؟ هل تظن أنك لا تحمل أية أيديولوجية على الإطلاق؟ هل تعتبر نفسك ملاحظا غير منحاز (في الصراع الطبقي الجار)؟ هل أطروحتك السياسية هاته لا تدخل ضمن أية ”أيديولوجيا“؟ هل نحن كلّنا ذاتيين، وأنت وحدك موضوعي؟ هل آرائك السياسية هي حقائق علمية مطلقة؟ وإذا كنتَ كذلك، فبماذا تفوّقتَ علينا نحن معشر ”المناضلين الاشتراكيين“؟ وبماذا أفدتَ شعبك ومجتمعك خلال العقود التي أمضيتها من حياتك؟ وكيف كانت خلال تلك العُقود السّالفة مواقفك السياسية، ومساهماتك النضالية، في مجال تحسين ظروف عيش هذا الشعب المقهور؟ وهل موقفكِ الحالي [الدّاعي إلى اعتبار الطموح نحو الثورة ”الاشتراكية“، مطابقًا إلى الطموح نحو ”بناء مجتمع إسلامي أصولي خاضع للشّريعة الإسلامية“]، هل موقفك هذا لا يدخل ضمن أية ”أيديولوجية“؟

ألَا تلاحظ يا محمد سبيلا بأنك تدعونا إلى الاستسلام التام وغير المشروط لِـ ”الرأسمالية“ كما هي  في وحشيّتها وبشاعتها؟ ألَا ترى يا أستاذ سبيلا أنك تلتـقي مع الدِّعَاية التي تَبُـثّها وسائل الإعلام الرّأسمالية السّائدة؟ ألا تلاحظ يا محمد سبيلا أنك تتَّـفـق مع الدِّعَايَة الرأسمالية المُغَلِّطَة التي تزعم أن: «الاشتراكية هي مجرّد وهم، بينما الرأسمالية هي الواقعية الوحيدة، الحتمية، والأبدية»؟ ألَا تحسّ أنك تطلب منّا أن نَسْتَسْلِم للواقع المجتمعي الفظيع القائم حاليا؟ ألَا يوجد شيء  في تكوينك الفلسفي يحثّك على الثورة ضد الانحطاط المجتمعي الذي نحن جميعًا غارقون فيه؟

وإذا كان ”الجهاديون الإسلاميون الأصوليون“، و”المناضلون الاشتراكيون“، مرفوضين معًا، وبالتّساوي، فما هو البديل الذي يدعونا إليه محمد سبيلا؟ هل البديل هو الأحزاب ”المَخْزَنِية“ (نسبةً إلى النظام السياسي المَخْزَنِي بالمغرب)، والأحزاب الرأسمالية الخاضعة للسلطة السياسية المُستبِدة؟ هل البديل المقبول هو الأحزاب ”اللّيبيرالية“، والرأسمالية، والتَّبَعِيَّة لِلإِمْبٍرْيَالية؟

وقد كتبَ السياسي جِي بَاجْوَا (Guy Bajois): «في مجال العلاقات الطبقية، أن يكون شخص مَا ”يمينيا“، يعني أنه يدافع عن مصالح، وعن إيديولوجية طبقة مُهَيْمِنَة. وعلى عكس ذلك، أن يكون شخص مَا يساريًّا، يعني أنه يُدافع عن مصالح، وعن يُوطُوبْيَا (utopie) طبقة اجتماعية مُنْتِجَة وَمَسُودة»([4]). فنحن منحازون، وعن وعي، إلى جانب ”طبقة المُسْتَغَلِّين“، التي تنتج فائض القيمة، وتُجْبَر على العيش  في الفقر، أو الجهل، أو الحرمان، أو التهميش، أو الاضطهاد، أو الاسْتِلاب. و«الوهم» الأكبر الذي لن نرضى به، هو الانخداع بالأيديولوجية الرأسمالية، التي تزعم أن الاستغلال الرسمالي هو قدر طبيعي، وجميل، وشرعي، وحتمي، وأبدي، ولا مفرّ منه.

11) إن العنصر الذي يُحدّد آراء السيد محمد سبيلا هو موقعه الطبقي (كأستاذ جامعي في الهيكلة الطبقية القائمة). ولو كان السيد محمد سبيلا عاملا يستيقظ في السّادسة صاحًا، ويكدّ  في معمل غير صِحِّي، ويتقاضى الحدّ الأدنى القانوني للأجور، أو لو كان فلاحا فقيرا، أو شابّا عاطلا، لَـمَا كتب أن ”المناضل الاشتراكي“ يتساوى مع ”الإرهابي“، أو مع ”الجِهَادِيّ الإسلامي الأصولي“. ومن المؤسف أن الكثيرين من الأشخاص (مثل محمد سبيلا) الذين يعيشون من وظيف مريح نسبيًّا، ويتقاضون أجرة شهرية قارّة ومضمونة، ويستفيدون من تغطية صحّية كافية، ومن تقاعد مُرض، يميلون إلى الدّفاع عن الأوضاع المُجتمعية القائمة، ويقولون ما معناه أن ”الرأسمالية جميلة“، وأن ”الاشتراكية سيِّـئة“. وهم هكذا إنما يدافعون عن مصالحهم الطبقية.

12) من الأكيد أن بعض النقائص ما زالت توجد في مشروع ”الاشتراكية“. ومن الأكيد أن ”الاشتراكية“ لم تنضج بعد بما فيه الكفاية. ومن الصحيح أن عددا من المناضلين المناصرين للاشتراكية ارتكبوا عدة أخطاء خلال تجاربهم النضالية. ومن الأكيد أنه توجد إيجابيات وسلبيات في ”الاشتراكية“ (كما بلورها الماركسيون والاشتراكيون خلال نهاية القرن التاسع عشر). لكن توجد أيضًا إيجابيّات وسلبيّات في ”الرأسمالية“، رغم قِدَمِها، ورغم تحسّنها في بعض الميادين.

وأثير انتباه السيد محمد سبيلا إلى أن الشعوب الكبيرة، والقليلة  في العالم الثالث، التي استطاعت، عبر التاريخ الحديث، الخروجَ من الانحطاط الذي كانت غارقة فيه، هي على الخصوص: روسيا، والصين، ونسبيًّا الهند. وما هي الوسيلة التي مكّنـتها من الخروج من الانحطاط، وفي ظرف وجيز نِسْبِيًّا (قرابة 50 سنة)؟ هذه الوسيلة هي بالضّبط استعمال مناهج ”اشتراكية“  في التفكير، والتّعْبِئَة، والتخطيط، والاستثمار، والتنـفيذ، والإنتاج، والتنمية. والمنهج الذي ساعدها على التحرّر من ذلك التخلّف السَّحِيق الذي كانت فيه تلك الشعوب، هو بالضبط استعمال نظام سياسي ومجتمعي ”اشتراكي“، (أو شبه اشتراكي، أو مُستنير بالاشتراكية، أو  فيه محاولة مزج بين إيجابيات الاشتراكية والرأسمالية). بينما شعوب العالم الثالث الأخرى، التي اقتصرت على استعمال ”النظام الرأسمالي“ (مثل الشعوب المُسلمة، أو العربية، أو الإفريقية، أو  في الجنوب الشرقي لآسيا، أو  في أمريكا الجنوبية)، فإن معظمها ما زال يسبح  في تخلّف مجتمعي فظيع ومؤلم.

و”الوَهْم“ الكبير الذي يضرّ بنا  في المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، إلى آخره، ليس هو الطموح نحو ”الاشتراكية“، وإنما هو اعتقاد الكثيرين منّا بأن ”الرأسمالية“ هي التي سَتُخرجنا من الانحطاط الذي نحن غارقون فيه. لكن  في تجربة ما بعد استقلال هذه البلدان من الاستعمار، لا يوجد شيء يدلّ على أنه إذا استمرت هذه البلدان  في نهج ”الرأسمالية“، خلال عقود إضافية، فإنها ستـتـخلّص من الانحطاط المُجتمعي الذي هي مُتورّطة فيه. فالواهمون الحقيقيون  في المغرب، ليسوا هم أنصار ”الاشتراكية“ (مثلما زَعَمَ السيد محمد سبيلا)، وإنما هم أنصار ”الرأسمالية“،  في إطار التّبعية للإمبريالية. ومعظم بلدان العالم الثالث التي اختارت السَّيْر  في إطار الرأسمالية، لا تستطيع التحرّر من التبعية للإمبريالية، ومن الاستغلال الإمبريالي.

والبلدان الاستثنائية القليلة (في ”العالم الثالث“) التي استطاعت أن تخرج من التخلّف بواسطة ”الرأسمالية“ هي خصوصًا: كوريا الجنوبية، وإسرائيل، ومستعمرة جنوب إفريقيا، ونسبيًّا سنغافورة. لكن هذه الحالات كلها غير عادية، بل ”مغشوشة”. لأن تطور النظام الرأسمالي لم يعمل فيها بشكل عادي. وإذا كانت ”الرأسمالية“ قد نجحت نسبيًّا في تنمية هذه الحالات الاستثنائية، فالسبب هو أن الإِمْبِرْيَالِيَّات الغربية السَّائدة  في العالم قرّرت، في إطار ”الحرب الباردة“، وفي إطار استراتيجيَّاتها التوسّعية، تـقديم دعم هائل ومتواصل لهذه الحالات الاستثنائية المذكورة. حيث ساعدتها على الخروج من التخلّف، وحوَّلتها إلى ”واجهة زُجَاجية“، أو  «فِيتْرِينَة»، لِعَرْض محاسن الرأسمالية! ولولا ذلك الدَّعم الإمبريالي الهائل، لما نجحت ”الرأسمالية“  في تلك المناطق المذكورة.

13)  في بلدان مثل المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، إلى آخره، فإن ”اللِّيبِيرَالِية“، أو ”الرأسمالية“، لم تصلح سوى لإغناء قِلَّة قليلة من العائلات. بينما الأغلبية العظمى من العائلات تبقى غارقة في الجهل، والفقر، والتهميش، والاسْتِلَاب، والخضوع للاستبداد، وللاستغلال. وحتى الأقلية من العائلات الغنية، لم تُشَيِّد ثرواتها عبر تطبيق «اللِّيبيرالية» أو «الرأسمالية»  في شكلها النظري المثالي، طبقًا للقانون، وللأخلاق، وللعدل، وإنما بنت ثرواتها عبر خرق القوانين، ومعاكسة الأخلاق، ودوس حقوق الإنسان. والوسائل التي استعملتها هذه العائلات الغنية لبناء ثرواتها معروفة جيّدًا، وهي الحِيَل التّالية:

أ) – استغلال نفوذ الدولة السياسي (exploitation du pouvoir politique)، أو استغلال القُرب من مركز السلطة السياسية (proximité du pouvoir politique centrale).

ب) – استعمال ”الغشّ“ (fraude) (بمختلف أنواعه)، كمنهج عام ومتواصل،  في مجمل الأنشطة الاقتصادية. واستعمال التحايل، والرّشوة (corruption)، والارتشاء، والفساد، والنّهب، والاغتناء غير المشروع.

ث) – استغلال مواقع المسؤولية  في الدولة التي تتميّز بِـ ”تناقض المصالح“ (conflits d’intérêts).

ت) – استغلال ”التَّدَاوُل من الدّاخل“ (délits d’initiés).

ج) – اختلاس أموال عمومية (détournement de fonds publics).

ح) – الاستيلاء على أملاك الغير (accaparement de biens d’autrui).

خ) – بالإضافة طبعًا إلى استعمال الاستغلال الرأسمالي المُكَثَّف للمُشَغَّلِين الأجراء ، وللمنتجين المباشرين.

فالوهم الكبير هو أن يعتـقد الشخص أن بلدان العالم الثالث (مثل المغرب، أو الجزائر، أو مصر)، إذا التزمت بِـ ”نمط الإنتاج الرأسمالي“ خلال عقود إضافية، فإن هذه البلدان ستصبح متقدّمة مثل فرنسا، أو إيطاليا، أو ألمانيا. بل ”الرأسمالية“ ستُبقي هذه البلدان  في ”التَّـبَعِيَّة“ (dépendance)، وفي الضّعف، وفي التخلّف النسبي المُتواصل. وخطاب «التنمية المستدامة» الذي تُروّجه الدولة في المغرب، هو مجرد وهم، ومغالطة، بل سيتحوّل مع توالي السّنين إلى كذبة مفضوحة وحمقاء! (ويمكن لِخطاب الملك بمناسبة الذكرى 18 لعيد العرش أن يكون بداية الإحساس بخيبة أمل كبيرة. لكن هذا موضوع آخر).

14)  في بلدان العالم الثالث (مثل المغرب)، وعلى خلاف بعض التصوّرات المثالية حول ”الرأسمالية“، لا يعمل الرأسماليون كمقاولين يعتمدون على الاستثمار المتواصل، وعلى الإبداع المتجدّد، وإتـقان الجودة، والمنافسة الشريفة، والتركيز على هدف خدمة حاجيّات الشعب، وإنما يعملون كشبكات إجرامية، تعتمد على اقتصاد الرِّيع، وتتربَّص الفرص، وتتحايل  في كل شيء، وتغشّ  في كل شيء، بهدف الاغتناء السّريع وغير المشروع. ومن الطبيعي،  في مثل هذه الحالات، أن تعجز كلّيًا ”البرجوازية الوطنية أو المحلية“ عن تلبية حاجيات جماهير الشعب، وعن تحقيق «التنمية الشاملة»، أو «المستدامة»، مثلما يزعمون. وقد سبق أن تناول أستاذ الاقتصاد المغربي عزيز بلال ”إشكاليات الخروج من التخلّف الاقتصادي“ في بعض كتبه، ودرس أهمّية العناصر غير الاقتصادية  في مشروع التنمية.

15) هل يعني محمد سبيلا أن ”الرأسمالية“ هي البديل الوحيد الممكن؟ هل ”الرأسمالية“ هي الحل الأبدي؟ هل هي مَصِيرُ البشرية الحتمي، والمُشترك؟ إن كان ذلك هو قصد السيد محمد سبيلا، سنقول له أن ”نمط الإنتاج الرأسمالي“ أوصل مجمل البشرية إلى حافة الانتحار الجماعي، أو خطر الانقراض. وعدد هام من بين العلماء، عبر العالم، يُقِرّون اليوم بذلك (بما  فيهم بعض الذين حصلوا على جائزة نُوبَلْ). وبالإضافة إلى عدّة مؤشّرات، مثل المغامرات الماضية للاستعمار، ثمّ الإمبريالية، ثم الحروب العالمية المخرّبة، واستغلال الإنسان للإنسان، ثم الأزمات الاقتصادية لسنتي 1929، و 2008، فإن إشكالية ”الاحتباس الحراري (effet de serre)“  في كوكب الأرض، تأتي مؤخَّرًا لتذكّرنا جميعًا باستحالة استمرار ”نمط الإنتاج الرأسمالي“، وما يرتبط به من ”نمط استهلاك رأسمالي“. وإلّا أصبح مصير البشرية المشترك هو الانقراض الأكيد. يمكن أن نتَّـفِـق، أو أن نختلف، حول الحلّ البديل، هل هو ”الاشتراكية“، أم هو شيء آخر؛ لكن ”الرأسمالية“ الكلاسيكية المبنية على أساس ”استغلال الإنسان من طرف الإنسان“، والمبنية على ”منطق السّوق“، وعلى ”الرِّبح“ كَمُحَفِّز أناني وفَرْدَانِي، أصبحت (هذه الرأسمالية) حلًّا بليدًا، وظالمًا، ومخرِّبا، وانتحاريًّا.

16) أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة لسنة 2017  في فرنسا، ظهر لأول مرّة مرشّحان للرئاسة من عِيَّار سياسي وعِلمي وازن، هما المناضلان الاشتراكيان جَان لُوكْ مِيلُونْشُونْ (Jean Luc Mélenchon)، وَبُونْوَا هَامُونْ (Benois Hamon). وركزّ هذان المرشّحان معًا، خلال مجمل حملتيهما الانتخابية، على توضيح أن: «الرأسمالية المتوحّشة بلغت حدودَها القصوى». وأن «استمرار الرأسمالية يتطلّب التوفّر على كوكب أرضي إضافي»، الشيء الذي هو غير ممكن. ودافعا على ضرورة التّهَيُّؤ للانتقال إلى هدف «الاشتراكية البيئية (الإيكولوجية)». أمّا المرشّح لرئاسة الجمهورية الفرنسية إِيمَانْوِيل مَاكْرُون (Emmanuel Macron)، فقد قال إنه يريد أن يكون «في نفس الوقت، من اليمين، ومن اليسار»، بمعنى أنه يريد استغلال إيجابيات الرأسمالية، وكذلك إيجابيات الاشتراكية. فحصد غالبية أصوات النّاخبين، وهزم أحزاب اليمين وأحزاب اليسار، ولو أنه لم يكن يتوفّر على أيّ حزب خاص به. أنا متأكّد أن مَاكْرُون سيفشل  في مشروعه (لأن مَاكْرُون، وعلى خلاف مزاعمه، هو رأسمالي في اختياراته، ويخدم بالأساس مصالح المؤسّـسات المالية). لكنني أريد أن أشير إلى أن فكرة محاولة المزج بين إيجابيات الرأسمالية وإيجابيات الاشتراكية، تروج في أذهان العديد من السياسيين  في البلدان الغربية.

17) حتى في بلدان مسلمة مثل المغرب، أو الجزائر، أو مصر، أو السعودية، أو إيران، أو غيرها، تتكاثر المؤشّرات التي تدلّ على استحالة إخراج هذه الشعوب من التخلّف، بواسطة ”نمط الإنتاج الرأسمالي“. وعلى عكس أطروحة محمد سبيلا، يمكن لمن يراقب بلاد المغرب بشكل دقيق، أن يلاحظ أن الأزمة الشُّمُولية الخطيرة والمًستدامة في المغرب، لا تأتي فقط من رداءة سياسات الحكومات المتعاقبة، ولا تأتي من تخلّف الطبقة السياسية، وإنما تأتي أساسًا (هذه الأزمة المُستدامة) من كون نمط الإنتاج الرأسمالي يعجز كلّيا على تلبية حاجيات الشعب، وعلى إخراجه من التخلّف، ومن الفساد، والاستبداد، الذي هو غارق فيه. واستمرار الرأسمالية التّبَعِيَّة للإمبريالية، والمتوحّشة، في المغرب، قد يقودنا نحو مزيد من الانحطاط، وربّما نحو حرب أهلية.

18) من الممكن أن يكون السيد محمد سبيلا قد عاش في الماضي تجاربَ غير موفَّقَة، أو مُؤلمة، حينما كان مناضلا  في ”حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية“، أو في ”حزب الاتحاد الاشتراكي“. وكثيرون من المناضلين والمثـقّـفين عاشوا مثله أوضاعًا مشابهة نسبيا. فهل هذا الماضي المؤسف هو الذي جعل محمد سبيلا يميل إلى حمل رؤية متشائمة حول قوى اليسار، وحول ”الاشتراكية“؟

وفي الختام، أُؤَكِّد أنه من حق السيد محمد سبيلا أن ينشر الآراء التي يؤمن بها. كما أنه من حقّي أن أناقش آراءه، أو أن أخالفها، أو أن أنتـقدها. وأعبر له عن تحيّات الاحترام والتقدير. وأعتذر مسبقًا إن فَلَتَت منّي بعض العبارات الصّارمة  في نقاش هذه المواضيع الجِدِّية، أو المصيرية.

رحمان النوضة

(وحرّرت صيغته الأولى في 23 يوليوز 2017، في الدار البيضاء، ثم خضعت فيما بعد لتحسينات متالية) (الصيغة الحالية هي الصيغة رقم 6).

(نُشِرت الصيغة الأولى لهذا المقال في جريدة ”آخر ساعة”، كَردّ على مقال السيد محمد سبيلا، في يوم 28 يوليوز 2017، العدد 501، ص 5).


[1]  جريدة “المساء”، العدد 495، ليوم الجمعة 21 يوليوز 2017، الصفحة 13.

[2]  صدرت أول حلقة من هذا الاستجواب المطوّل  في جريدة “المساء”، العدد 3591، ليوم 16 ماي 2018.

[3]    Thomas Piketty, Le capitale au XXI siècle.

[4]  https://livreschauds.files.wordpress.com/2011/02/article-soyons-de-gauche-ici-maintenant-et-d_urgence-guy-bajoit.pdf

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
Advertisements

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.