الضّرائب تَتَزَايَد، والخَدمات العُمومية تتناقص

     لِـتَـنـزيـل هذا المقال (في صيغة PDF)، أنقر فوق الرَّابِط الإلكتروني التالي:
مقال ”تزايد الضرائب، وتناقص الخدمات العمومية” (رحمان النوصة)(الصيغة 6).ء.pdf

 الضّرائب تَتَزَايَد، والخَدمات العُمومية تتناقص

رحمان النوضة
توجد في الاقتصاد أنشطة تتباهى بها الدولة، وتنشغل بها وسائل الإعلام. وتوجد في الاقتصاد أيضا أشياء تبقى خفية، أو مُهْمَلَة، رغم أهمية تأثيرها السلبي على المجتمع.

  • 1) أداء ”الضريبة على السيارات“ عبر الأبناك غير قانوني
اعتاد مَالِكُو السيارات، في شهر يناير من كل عام، على الذهاب إلى إحدى إدارات ”مديرية الضرائب“ لكي يؤدّوا ”الضريبة السنوية على السيارات“ (vignette). وتبتدئ قيمة هذه الضريبة من 350 درهم بالنسبة لأصغر سيارة (6 حِصَان)، وترتفع إلى عدّة آلاف من الدراهم بالنسبة للسيارات القوية أو الفخمة.
وبدلا من أن يكون أداء الضريبة على السيارة ممكنا خلال شُهور السنة كلها (مثلما في حالة التأمين على السيارات)، فرضت إدارة الضرائب أن تُؤَدَّى هذه الضريبة فقط في شهر يناير. وكانت إدارة الضرائب تجد صعوبة في توفير العدد الكافي من الموظفين لتحصيل الضريبة السنوية على السيارات خلال شهر يناير (وحده). وفي الأصل، كانت إدارة الضرائب هي التي تتحمّل كُلْفَة عملية تحصيل هذه الضريبة على السيارات. لكن الغريب هو أنه، منذ سنة 2016، لجأت إدارة الضرائب إلى حل بسيط للتخلّص من كُلْفَة أعباء عملية تحصيل هذه الضريبة على السيارات. والواجب يفرض أن نـقول صراحةً أن هذا الحل غير قانوني، أو غير عادل، أو غير دستوري، وفيه إساءة في استعمال السّلطة (abus de pouvoir). ولم ينتبه له بعدُ الحقوقيون، والبرلمانيون، والجمعيات المدافعة عن المستهلك. أما الشعب، فهو في معظمه غافل كالعادة.
حيث قرّرت إدارة الضرائب التخلّص من عناء تحصيل هذه الضريبة، فَـكلّفت الأبناك بالقيام بهذه المهمة. ووجدت الأبناك (المُهيمنة أصلا على المجتمع) فرصة من ذهب في هذا التكليف (sous-traitance) لكي تربح الملايين من الدراهم. حيث تفرض الأبناك أداء 28 درهم على كل شخص يريد أداء الضريبة على السيارة (سواء كانت سيارته صغيرة أم فاخرة، ولا تُبَالِي الأبناك بهذا التفاوت فيما بين السيارات).
وبما أن عدد السيارات في المغرب بلغ قرابة 4 مليون سيارة في سنة 2018، فإن الأبناك ستتـقاسم فيما بينها رِبْحًا يُقدّر بِـ: 28 درهم مضروبة في 4 ملايين سيارة، يُساوي قرابة 112 مليون درهم (أو ما يقرب من 11 مليار سنتيم). وحتى إذا أدَّى المواطن الضريبة على السيارة عبر ”الشُبَّاك البنكي الآلي“ (الذي يَفْرِض القانون بأن يكون بالمجان)، يقتطع له البنك 6،40 درهم، ولا يعطيه ”وصل إثبات“ (reçu) على ذلك الأداء. وإذا أراد المواطن الحصول على ”وصل إثبات“، يلزمه إمّا أن يؤدّي 28 درهما في البنك، وإمّا أن يطبع هذا ”الوَصْل“ بالمجّان من الموقع الإلكتروني ”www.vignette.ma/attestTsava/consulterTSAVA.do“. والمواطنون المستعملون للسيارات هم طبعًا الذين يؤدون، مُكرهين، كل هذه الزيادات في نفقة ”الضريبة على السيارات“. وشعب المغرب يخضع، ولو كان مُجبرًا، أو مظلومًا.
وفي الواقع، ومن وجهة نظر أصحاب السيارات، فإن هذه الطريقة الجديدة المفروضة في مجال أداء ”الضريبة على السيارات“ هي بمثابة زيادة خفيّة، وغير قانونية، وغير دستورية، في كُلْفَة ”الضريبة على السيارات“. ونسبتها هي: 28 درهم على 350 درهم، يُساوِي: 8+ في المائة (بالنسبة للسيارات الصغيرة).
ومن وجهة نظر قانونية، فإن إدارة الضرائب هي التي نَاوَلَتْ (sous-traité) خِدْمَة تحصيل الضريبة على السيارات إلى الأبناك. وبالتالي، فإن إدارة الضرائب هي التي كان يجب عليها أن تؤدّي كُلْفَة هذه المُنَاوَلَة (sous-traitance)، أي كُلْفَة الأداء عبر البنك (أي 28 درهما)، وليس أصحاب السيارات. حيث أن أصحاب السيارات الصغيرة كانوا يؤدون 350 درهم، ويلزم أن لا يؤدوا إلاّ 350 درهم، لا أكثر. وإدارة الضرائب هي التي احتاجت إلى إعطاء مُنَاوَلَة (sous-traitance) إلى الأبناك، وليس مالكو السيارات هم الذين احتاجوا إلى الذهاب إلى الأبناك لأداء هذه الضريبة. والعدل يقتضي أن تُرْجِعَ إدارة الضرائب 28 درهم إلى كل مالك سيارة أدَّى الضريبة على سيارته عبر البنك (أو أن تنـقص هذا المبلغ من الضريبة على السيارة في السنة المقبلة).
ولتوضيح هذه الفكرة أكثر، نُذكّر أن الأبناك، حينما تـقدّم خدمة أداء فَوَاتِير الكهرباء، أو الماء، أو الهاتف، لِزَبُون مُعَيَّن، عبر بَوَّابَة إلكترونية، فإن هذه الخدمة تكون بالمجان. حيث أن البنك يَـقْتَطِع فقط مبلغ الفاتورة (من حساب الزّبون)، دون أيّة زيادة أو عُمُولَة، والشركة المُستفيدة من هذا الأداء (عبر البنك) هي التي تؤدي للبنك تَكْلُفَة عملية الأداء.
وهذا المشكل هو في الحقيقة مظهر مُصغّر من مشكل كبير خفيّ في المغرب. وهو أن الدولة تظنّ أن كل مالكي السيارات هم كلهم أثرياء. فحوّلت الدولة أصحاب السيارات إلى ”بَقَرَة حَلُوب“. وتنتزع الدولة من أصحاب السيارات أموالا ضخمة ومتـنامية. حيث أن أصحاب السيارات يؤدون عددا متزايدا من ”الواجبات“ و”الضرائب“، منها الدوري، والمحلّي، والعام، والمباشر، وغير المباشر. ومنها: أداء ”تأمين“ سنوي لا يُـؤَمِّن شيئًا (يفوق بالضرورة 2500 درهم)، وأداء ”فحص تقني“ سنوي وَشَكْلِي للسيارات (يفوق 450 درهم)، والضريبة السنوية على السيارات (تفوق 350 درهم)، وضرائب مُهولة على وقود السيارات (تخفيها الدولة نسبها وحجمها، أو تتعطّل في الكشف عنها، كأنها أسرار أمنية)([1])، وضرائب عن استعمال الطّرق السّيارة، وتجديد ”جواز السياقة“، وتجديد ”البطاقة الرّمادية“، إلى آخره.
وإذا استمرّت إدارة الضرائب في نهج مُنَاوَلَة (sous-traiter) بعض مهامها إلى الأبناك (مثل جمع ”الضريبة على السيارات“)، فسيصبح من الأَفْيَد في هذه الحالة حذف إدارة الضرائب، والاكتفاء بتمرير الضرائب المجموعة مباشرةً من الأبناك إلى الصناديق المالية للحكومة. وستـقبل الأبناك ذلك بابتهاج كبير.
  • 2) الرَّادَارَات: آلية إضافية لاستخراج المال من مالكي السيارات
جرّبت بعض الدول الغربية، مثل فرنسا، استعمال كَامِيرَات ورادارات ثابتة على الطرق لمراقبة السيارات التي تتجاوز السّرعة المسموح بها على الطّرق. ومكّنت هذه الرادارات (الدولَ التي استعملتها) من جني أموال ضخمة، على شكل غرامات على هذه المخالفات. وأرادت دولة المغرب هي أيضًا الاستفادة من هذا المورد المالي الهام. خاصّة وأن مالكي السيارات هم مثل ”بَقَر حَلُوب“ لا ينضب. فبدأت دولة المغرب تستثمر أموالا ضخمة في منظومة متكاملة من الرادارات.
وتعمل هذه الرادارات دون أن يعلم بوجودها كثيرون من سائقي السيارات. وترتبط هذه الرادارات مع حواسيب مركزية. وكلّما تجاوز سائقُ سيارةٍ السّرعةَ القصوى القانونية في منطقة توجد بها رادارات،  تقوم هذه الرادارات آليًّا بتصوير دقيق لأرقام ”لوحة تسجيل السيارات“ (plaque d’immatriculation). وحينما يرجع الحاسوب آليا إلى الذاكرة التي تحتوي على سِجِلّ السيارات، يصل الحاسوب بسرعة إلى اسم مالك السيارة، وعنوانه، ورقم هاتفه، إلى آخره. وبعد ذلك، يبعث حاسوب مركزي إلى مالكي السيارات (الذين ارتكبوا مخالفة تجاوز السرعة)، (سواءً عبر هاتفهم المنقول، أم عبر البريد) يبعث لهم إشعارًا يُخبرهم بضرورة أداء غرامة مالية (قد تبتدئ بِـ 700 درهم)، وذلك قبل حلول تاريخ محدّد. وإذا تأخّر مالك السيارة في أداء الغرامة المسجّلة عليه، تُضاف إليها بسرعة غرامات، وَذَعَائِر، وصَوَائِر، مالية إضافية ومتصاعدة. ومالكو السيارات الذين لم يؤدّوا هذه الغرامات في الآجال المحددة، يصبحون آليًّا محكوم عليهم بالحبس، ويغدون متابعين من طرف القضاء لوضعهم رهن الاعتقال، وذلك تنفيذًا لحُكْم بِـ ”الإكراه البدني“.
وبعدما بدأ العمل بهذه المنظومة في ينار 2018، أُصيب الآلاف من سائقي السيارات بالخوف والحيرة. وانهال سيل من الاتصالات على ”وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك“، يسأل فيها سائقو السيارات المعاقبين عن مدى تسجيل مخالفات تجاوز السّرعة ضدهم، وذلك دون علمهم([2]). وعمّمت الوزارة المعنية ”تطبيقًا“ (application) مخصّصا للهواتف المنقولة، يشرح لمالكي السيارات المخالفة المسجّلة عليهم، وكيفية أداء غرامتها.
وما لم يكن متوقّـعًا هو أن نسبة هامّة من مُرتكبي مخالفة تجاوز السّرعة القانونية ليست من المواطنين البسطاء، وإنما هي من الأشخاص الميسورين أو ذوي النّـفوذ. لأن هؤلاء الأشخاص يملكون سيارات قوية قادرة على السير بسرعة كبيرة. واشتكى هؤلاء الأشخاص من إحساسهم بالظلم، لأن حكم ”الإكراه البدني“ (أي الحبس) نُـفِّذ عليهم، دون أن يتوصّلوا بإشعار يُخبرهم بالمخالفة، أو بِحُكْم المحكمة. ويُعتبر ”عدم التبليغ بالحكم“ خرقًا للإجراءات القانونية. وهو ما اعترفت به بعض الجهات الرسمية.
واضطرت رئاسة النيابة العامة إلى التدخّل للتّخفيف من صدمة هذه المصيبة المفاجئة على الأشخاص الذين أصبحوا مهدّدين بالاعتقال تنفيذًا لِـ ”حكم بالإكراه البدني“، بسبب التأخّر في أداء الغرامات. وتدخّل أيضا وزير العدل، وطالب بتسهيل آليّة استخلاص الغرامات، والذَّعائر، والصَّوائر، على مخالفة تجاوز السرعة، عبر فتح مراكز الشرطة، والدرك، والمنافذ الحدودية في المطارات والموانئ، لتلقّي هذه الأداءات المالية، وذلك لتفادي اعتقال المحكوم عليهم بِـ ”الإكراه البدني“ الذين هم مستعدّين للأداء.
ولمّا ظهر أن نسبة هامّة من مالكي السيارات، المتورّطين في مخالفة تجاوز السّرعة القانونية، هم من الأشخاص الميسورين أو النافذين، انعقد بسرعة مجلس مُصغّر للحكومة (في 08\02\2018) بغرض البحث عن آليات بديلة عن عقوبة ”الإكراه البدني“ في مجال تنفيذ العقوبات الناتجة عن التأخر في أداء غرامات مُخالفات السير على الطّرق([3]). وأصدر رئيس النيابة العامة مذكّرة عاجلة إلى كل المحاكم أمر فيها الوكلاء العامّين ووكلاء الملك بمراجعة أوامر الاعتقال الصادرة في ملفّات ”الإكراه البدني“، المتعلّق بمخالفات تجاوز السرعة القانونية، والتأكّد من سلامة المسطرة القانونية. وتعنى هنا توصية احترام ”سلامة المسطرة“ أن مالك السيارة الذي لم يتوصل بأي إشعار، لا يحقّ اعتقاله.
وفي الحقيقة، لو كان هؤلاء المخالفين للسّرعة القانونية مواطنين بسطاء لَطَحَنَتْهُم مسطرة قانونية عمياء، بدون شفقة ولا رحمة، وبدون أن يهتمّ بهم أيّ مسؤول. ولكن بما أن نسبة هامة من المخالفين هم من بين الأشخاص الأثرياء، أو ذوي النفوذ، وأصحاب العلاقات، فقد تحرك وزير العدل، ورئيس النيابة العامة، والحكومة، وإدارتي الأمن والدرك، لتلطيف الإجراءات الزّجرية.
  • 3) ”الفحص التقني للسّيارات“ يتحوّل إلى ريع اقتصادي
وعلى خلاف الخطاب الرّسمي، أصبح ”الفحص التقني للسيارات“ إجباريًّا. وهو في جوهره توزيع ”اقتصاد الريع“ على بعض أنصار النظام السياسي القائم. لأن ”الفحص التقني“ يَنْتَزِعُ بقوّة القانون ”ريعًا“ من كل مالك لسيارة. وأداءه يتطلب اليوم أكثر من 450 درهم في كل سنة. بينما في سنوات 1990، كان هذا ”الفحص التقني“ في البداية يُنجز في كل 5 سنوات، وكان ثمنه آنذاك هو 40 درهم. ثم صعد إلى 80 درهم. ثم ارتفع إلى 120 درهم. ثم إلى 180 درهم. والآن أصبح إجباريًّا بِـأكثر من 450 درهم في كل سنة (بدلا من كلّ 5 سنوات). وإذا لم يقاوم الشعب هذا الصِّنف من النّهب، فمن الممكن أن يصبح ”الفحص التقني“ في المستقبل بِـ 1000 درهم في كل شهر !
وأثناء عملية تـقنين ”الفحص التـقني للسيارات“ بِـ 450 درهم في كلّ سنة، اِستعملت الدولة بُرهانًا مُخادِعًا لِتَبْرِير هذا القانون الجديد، حيث قالت الدولة: «الحالة المِيكَانِيكِية المُتدهورة للسيارات بالمغرب تتسبّب في كلّ سنة  في قرابة 000 67 حادثة سير، و 200 4 قتيل، و 000 102 جريج. والحلّ الوحيد الفعّال الذي سَيُمَكِّن من تقليص حوادث السّير هو تـقنين إجبارية ”الفحص التّـقني للسيارات“». لكن بعد مرور أكثر من 10 سنوات من العمل بهذا ”الفحص التقني“ الباهض الكُلفة، استمرّت حوادث السّير كما كانت من قبل، ودون أن يظهر أي انخفاض مهم في حوادث السير! ولم تُراجع الدولة سياستها، ولم تعتذر الدولة عن مزاعمها الخاطئة. وبقي المهم لدى الدولة هو جمع الأموال الطّائلة عبر الزيادة في الضرائب.
المهم إذن هو أن الدولة وزّعت ”ريعًا اقتصاديا“ على خُدّامها الأوفياء، وخلقت فئة جديدة من الشركات الطُّفَيْلِيّة (parasitaires) المتخصّصة في ”الفحص التقني للسيارات“. وغلاء كُلفة ”الفحص التقني للسيارات“ تأتي من كون الدولة، وكذلك ”الجماعات المحلية“، انتهزتا فُرصة تقنين هذا ”الفحص“ لِفَرْض ضرائب إضافية على مالكي السيارات. وهذه ”الواجبات“ المختلفة التي يؤدِّيها مالكو السيارات تدخل كلها في إطار ”اقتصاد الريع“. [لِنَتَذَكَّر: 450 درهم مضروبة في 4 مليون سيارة، يُساوي 1.8 مليار درهم!]. وهي نفقات تُـثـقل كاهل المواطن المالك لسيارة، ولا تُستعمل لإنتاج منتوجات مفيدة للمجتمع. قد يُفكّر البعض أن هذه الزيادة في الضرائب غير سليمة، أو غير مقبولة. ولكن لماذا لا تزيد الدولة في كُلْفَة ”الفحص التقني“، ما دام مالكو السيارات هم ”البقرة الحَلُوب“ التي لا تَنْضَبٍ!؟ ولماذا لا، ما دام الشعب صابرا، وخاضعا، لا يشكو، ولا يحتجّ!؟ (أنظر في هذا المجال كتاب ”نقد الشعب“، للكاتب رحمان النوضة).
  • 4) ”حُرَّاس السيارات“ عاطلون مُسْتَتِرُون
يجد المواطنون (المالكون لسيارات) أنفسَهم مجبرين على النّيابة عن الدولة في تقديم ”مساعدات“ مالية إلى جيش مُتنام من العاطلين، المُسْـتَـتِـرِين في لباس ”حُرَّاِس السّيارات“. وتحسب الدولة في إحصاءاتها الرسمية ”حُرّاس السيارات“ كَـ ”عاملين“ يشتغلون، وليس كَـ ”عاطلين“ عن العمل. وهذا الحساب يشكّل مُغالطة في الإحصائيات الرسمية للبلاد.
ولا يدري المواطنون ماذا يَحْرُس ”حُرَّاس السّيارات“. ولا يفهم المواطنون ما هو مبرّر وجود ”حُرّاس السيارات“. ويجهل المواطنون لماذا يتصرّف ”حرّاس السيارات“ كأنهم يملكون الأرض التي تقف عليها السيارات. ولا يوجد أيّ قانون يُشرّع ”مهنة حُرّاس السيارات“.
وبدلا من أن تكون ”حِرَاسة السيارة“ خدمة اختيارية بالتراضي (بين مالك السيارة وحارس السيارات)، يعتبرها بعض ”حرّاس السيارات“ إجبارية، فيلجؤون إلى مهاجمة مالكي السيارات لانتزاع أداء مُتَعَسَّف، أو يعتدون عليهم، ويسلبون منهم بالقوة ما يتراوح بين 3 و 10 دراهم. وبعض ”المرآبات“ (parking) الخصوصية تفرض أثمانا باهظة دون الاستناد على أيّ قانون.
وبعدما يكتشف ”حُرَّاس السيارات“ إمكانية تحصيل مدخول شهري يتراوح بين 1500 و 3000 درهم، فإنهم يرفضون رفضًا بَاتًّا التخلِّي عن هذه «المهنة» السّهلة والمُريحة، ولا يقبلون استبدالها بأية مهنة أخرى. ومع تزايد أعداد ”حُرّاس السيارات“، تنشب من وقت لآخر صراعات خطيرة فيما بينهم لتـقاسم أرصفة الشوارع والأزقّة.
ومعظم ”حُرَّاس السيارات“ هم في الأصل فلاحون فقراء. والبؤس القاس هو الذي أجبرهم على الهجرة من القرى إلى المدن. وهم من بين السكان الذي يضطرّون إلى استعمال ”السّكن العشوائي“. والاحتمال الأكبر هو أن هجرة ملايين الفلاحين الفقراء من القرى إلى المدن ستستمر خلال العقود المقبلة. والحكومة لا تأخذ هذه الهجرة بعين الاعتبار. حيث لا تُهَيِّئُ بما فيه الكفاية البنيات التحتية التي سيحتاج إليها هذا التدفّق الهائل من المواطنين (منها مثلا: توفير الشّغل المنتج، والسكن الاقتصادي، وخدمات التعليم، والصحة، والنقل الجماعي، إلى آخره).
وفي الحقيقة، كان ينبغي أن تكون الدولة هي التي تتكلّف بتوفير شغل منتج لهؤلاء العاطلين المُسْتَـتِرِين في أَلْبِسَة ”حُرّاس السيارات“، أو أن تؤدي لهم ”مساعدة“ مالية، أو ”مدخول اجتماعي للتَّعْوِيض عن البطالة“. لكن ما دام الشعب جاهلا، لماذا لا تُحَمِّل الدولة كُلْفَةَ مُساعدة هؤلاء ”العاطلين المُسْتَتِرِين“ إلى مالكي السيارات!؟
  • 5) ”التقويم الضريبي“ على العقار إجحاف غير عادل
كمثال آخر على استبداد إدارة الضرائب، في مجال العقار، إذا باع مواطن منزلا مثلا بِـ 500 ألف درهم، لا تكتفي إدارة الضرائب بأن يؤدّي هذا الموطن ضرائب تقليدية ضخمة على 500 ألف درهم (أو على الرّبح العقاري المُفترض)، بل يمكن أن تـقرّر إدارة الضرائب أن الثمن الذي كان ينبغي أن يُباع به هذا المنزل (حسب مُعَدَّلَات نظرية لأثمان سوق العقار) هو مثلا 950 ألف درهم. فتفرض إدارة الضرائب على ذاك المواطن أداء «تقويم ضريبي» (redressement fiscal) يمكن أن يضاعف حجم الضرائب العادية.
وقد نشرت إدارة الضرائب ”تطبيقًا“ (application) على الهاتف المنـقول يوضّح «مراجع أسعار العقار» التي تستعملها إدارة الضرائب عند حساب الضريبة على الأرباح العقارية. وتفرض إدارة الضرائب أداء ضرائب إضافية هائلة (وربما زيادات، وكذلك عقوبات إضافية) على أساس الثمن المُفْتَرَض (وهو في مثالنا 950 ألف درهم)، وليس على أساس الثمن الحقيقي، والمُصرّح به، الذي بَاع به ذلك المواطن منزله (وهو في مثالنا 500 ألف درهم). ولو أن المواطن لم يستطع، في الواقع المُعَاش، أن يجد ولو مشتريا واحدا يعطيه أكثر من 500 درهم، فإن إدارة الضرائب تفرض مرجعية 950 ألف درهم كأساس لحساب الضرائب، ولو أن هذه المرجعية (أي 950 ألف درهم) هي مجرد افتراض نظري (من وضع إدارة الضرائب)، وغير موجودة في الواقع الحي.
ولا يقدر المواطن على الدفاع عن نفسه. لأنه يستحيل على المواطن أن يُثْبِتَ أنه لم يـبع ذلك المنزل بأكثر من 500 ألف درهم (أي بثمن أكبر «من تحت الطاولة» [dessous de table]). كما يستحيل على إدارة الضرائب أن تُـثْبِتَ أن هذا المنزل بِيعَ خَفْيَةً (au noir) بأكثر من 500 الف درهم.
صحيح أن بعض المواطنين، وخاصة بعض ”المنعّشين العقاريين“، يغشّون. حيث لا يُصرِّحون إلاّ بجزء من الثمن الحقيقي الذي باعوا به عقارهم، وذلك لتخفيف عبء الضرائب المفروضة عليهم. لكن وجود هذا التحايل لا يبرر فرض ”تقويم ضريبي“ آلي، وإضافي، على كل مواطن لم يستطع بيع عقاره بأكبر الأثمان الملاحظة في سوق العقار.
ومن زاوية العدل، والقانون، إذا كانت إدارة الضرائب لا تتوفر على حجج ملموسة، وقابلة للتأكّد، فلا يحق لها أن تفرض ”تقويما ضريبيا“ آليًّا على كل مواطن باع عقاره بثمن يقلّ عن الثمن الأعلى (للمتر المربّع) الملاحظ في سوق العقار في منطقة معنية. وإلاّ سيكون هذا ”التقويم الضريبي“ الآلي سلوكا استبداديا، وغير عادل، حيث أنه يَـنْبَنِي على أساس اتِّهَام غير مثبوت. 
وتفرض إدارة الضرائب ما تُريد من ضرائب. لأن إدارة الضرائب هي في نفس الوقت ”طَرَفٌ“ معني، و ”حَكَمٌ“ في النّزاع. وإذا لجأ المواطن إلى المحكمة، ستهزمه لا محالة إدارة الضرائب. لأن الدولة وضعت قانونا خِصِّيصًا لبلوغ هذا الهدف. وتستعمل إدارة الضرائب منطق ”الحُجَّة المُسْتَبٍدَّة“ (حيث تقول لك: «حُجَّتُك أنت خاطئة وغير قانونية، وحجّـتي أنا هي الحجّة الصّحيحة والقانونية، لأن سُلْطَة اتخاذ القرار تُوجد بين يَدَيّ»). وقد يحدث هكذا بعض الإساءة في استعمال السّلطة (abus de pouvoir). لكن هذا لا يهم، ما دام الشعب شَارِدًا، وخاضعًا.
  • 6) هل يغرق المغرب بالتّدريج في ”إفلاس اقتصادي“؟
السّر الذي يُـفسّر هذه الكمّية المتزايدة من ”الوجبات“ و”الضرائب“ الدّورية التي يؤدّيها مالكو السيارات وغيرهم من  المواطنين، يأتي من ظاهرة عامة، وهي أن الدولة تدخل شيئًا فشيئًا في نوع من ”الإفلاس الاقتصادي“ الشّمولي، حيث لا تجد الدولة من حلّ سوى الزيّادة المتواصلة في ”الضّغط الجِبَائِي“ على المواطنين.
والدليل على وجود هذا ”الإفلاس الاقتصادي“ هو ظاهرة: التَزَايُد المتواصل في ”الضرائب“ و”الوجبات“، والتَنَاقُص المستمر في ”الخدمات العمومية“ (مثل التعليم، والصحة، والتكوين المهني، والشغل، والعدل، والنقل الجماعي، والسّكن، والبنيات التحتية، إلى آخره).
والعنصران اللذان يجعلان هذا ”الإفلاس الاقتصادي“ غير محسوس بعدُ، هما: أولًا القروض الخارجية التي تلجأ إليها الدولة، والتي بلغ حجمها في سنة 2017 قرابة 82 في المائة من الناتج الداخلي الخام([4]). الشيء الذي يؤكّد، ومنذ عقود، أن المغرب يستهلك أكثر ممّا ينتج. وثانيا: العُمُلات الصّعبة التي يدخلها المغاربة العاملون بالخارج. ولولا وجود هذين المَوْرِدَيْن، لكان شعب المغرب يعيش في أزمة اقتصادية أكثر إِيلَامًا.
ونجد أن ”الضّغط الضّريبي“ الإجمالي (pression fiscale) في المغرب يقترب من نظيره في أكثر البلدان تـقدّمًا في العالم (مثل فرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، إلى آخره). حيث يبلغ ”الضغط الضريبي“ في المغرب قرابة 50 في المائة من دخل المواطن، أو يفوقه أحيانًا. بينما الخدمات العمومية (services publics) التي تقدمها الدولة بالمغرب هي هزيلة، أو رديئة، أو مُنعدمة، بالمقارنة مع مثيلاتها في تلك البلدان المتقدّمة. وهذا وضع مقلق. وما هو سببه؟ سببه هو أن جزءا هامّا من الضرائب التي تجمعها الدولة يذهب إلى جيش ضخم من موظفي الدولة و”خُدَّامِهَا“، على شكل أجور سَخِيَّة، وتعويضات، وامتيازات، وعَلَاوات، وَرِيع، وتـقاعد، ومعاشات مريحة، رغم أن هذا الجيش من الموظفين يبقى رديئًا، وطُفَيْلِيًّا، ولا ينتج أشياء ذات فائدة لعموم المجتمع. ومن طبيعة جيوش موظفي الدولة أنها تخلق لنفسها أشغالًا شكلية، ومهام عديمة الفائدة. ويمكن أن نحذف 60 أو 70 في المائة من جيوش موظفي الدولة، دون أن يتضرّر الشعب. 
وماذا يفعل المواطن عندما يشعر بتزايد غلاء المعيشة ؟ يصبر، ويقول: الحمد للّه، هذا ما أراد الله. ثم يتخلّى الشعب عن شراء عدد من الحاجيات الضرورية التي كان يشتريها، فتنـقص مبيعات متاجر وشركات ومصانع متزايدة. فيدخل الاقتصاد في دورة من الرُّكُود. والرُّكُود يُغَذِّي التخلّف. وتزايد التخلّف يؤدِّي إلى الانحطاط. والانحطاط يُحدث انهيار المجتمع.
يمكن للقارئ أن يرفض الأطروحة المذكورة سابقًا التي تقول أن الدولة تغوص تدريجيا في ”إفلاس اقتصادي“. لكن، إذا كانت نسبة المواطنين المنتِجين تـتناقص من سنة لأخرى، أو تبقى راكدة، وإذا كانت نسبة المواطنين الذي لا ينتجون شيئا ذِي أَهَمِّية تـتزايد في كلّ عام، فإن مستقبل المُجتمع سيكون بالضرورة خطيرًا. المسألة قضية حساب في الرياضيات. وسواءً كان الشعب يؤمن بالقَدَر أم لا، فإن النتائج ستكون حتمًا وخيمة.
  • 7) مجلس مدينة الدار البيضاء يحوّل حديقة عمومية إلى مِرْآب
أخذت أعداد السيارات الجديدة تتزايد في المغرب بشكل مهول منذ قرابة سنة 2015. وذلك بسبب المنافسة فيما بين الشركات العالمية المنتجة للسيارات، وبسبب انخفاض أثمنة السيارات، وبسبب إقدام الأبناك على انتهاز هذه الفرصة لتقديم قروض رخيصة لشراء السيارات. بالإضافة إلى سبب احتياج بعض المواطنين (الحاملين لِعُقْدَة الدُّونِيَّة) (complexe d’infériorité)، إلى التَّفَاخُر فيما بينهم، عبر التّباهي بامتلاك أشياء باهظة الثمن، ولو لم يكونوا أثرياء، مثل التفاخر بامتلاك سيارة ضخمة رُبَاعِيَّة الدَّفْع، أو بامتلاك هاتف منقول ذكي، أو بالإقامة في سكن من الدرجة الفخمة، إلى آخره. وذلك إلى درجة أن مدنا كبيرة مثل الدار البيضاء أصبحت مكتظَّة بكثرة السيارات.
وبعد تكاثر السيارات، أصبح قَطْع مجرد مسافة 6 أو 8 كيلومترات بالسيارة داخل مدينة كبيرة مثل الدار البيضاء يتطلب قرابة ساعة أو أكثر من السياقة، في ظروف متوتّرة، وفي طرق مزدحمة بالسيارات. وأصبح وقوف السيارات عند ”الضوء الأحمر“، في ملتـقيات الشوارع الكبرى، يتطلب أحيانًا ما يتراوح بين 2 و 5 دقائـق. وازداد توثّـر الأعصاب أثناء سياقة السيارة في المدن. وتكاثرت حوادث السير، والكوارث الناتجة عنها [رغم إجبارية ”الفحص التقني للسيارات“!]. وتَضَخَّمَ التلـوّث الكيماوي الناتج عن ما تُفرزه السيارات من غازات، ومواد كيماوية أخرى، إلى درجة أن نصف أطفال المدن الكبيرة، مثل الدار البيضاء، غَدَوْا يعانون من أمراض في الجهاز التنفسي! والدولة لا تُبَالِي، بل تُخفي حقائـق التلوّث الكيماوي على المواطنين. ولا تقوم بواجبها من أجل مواجهته.
وحتّى إذا أصبح ثمن السيارة رخيصًا نسبيا، لا يُعقل أن تشجّع الأبناك، أو الدولة، كلّ سكان المدن على شراء أو امتلاك سيارة شخصية خاصة. فمن غير المعقول، ومن غير الصِحِّي، أن يستعمل كل شخص من سكان المدن سيارة خاصة للتنقل. والحل الأكثر عقلانية، هو تنمية النقل الجماعي، مثلا عبر حافلات صغيرة أو متوسّطة، مكوّنة من طابقين، مثلما يحدث في مدينة لندن في إِنْجَلْترا.
والمعضلة هي أنه لم يعد بمستطاع أصحاب السيارات أن يجدوا مكانا يمكن أن يوقـفوا فيه سياراتهم في وسط المدينة، أو في محيطه. وماذا تفعل الدولة؟ وماذا تفعل ”المجالس المحلية المُنْتَخَبَة“، في هذه الظروف المأساوية؟ إنها غائبة، أو غارقة في رداءتها المعتادة. والشعب هو نفسه لا يبالي بما يحدث له، ولا حتى بما يضرّه.
 وفي هذه الظروف، وبهذه المناسبة، تجب الإشارة إلى أن ”مجلس مدينة الدار البيضاء“ (تحت قيادة ”حزب العدالة والتنمية“ الإسلامي) أراد أن يُشيِّد مرآبًا (parking) لوقوف السيارات الفخمة في وسط مدينة الدار البيضاء. وبدلا من أن يشتري ”مجلس مدينة الدار البيضاء“ بقعة أرضية خصوصية لكي يبني عليها عمارة تُستعمل كَمِرْآب (مُتعدّد الطبقات)، فضّل المجلس السّطو على جزء من حديقة عمومية، هي ”حديقة الجامعة العربية“، وَحَوَّلَه إلى مِرْآب (Parking) تحت أرضي لوقوف السيارات الفخمة. (وهذا الجزء من الحديقة كان يُسمّى ”ساحة نِيفَادَا“، ويـقع عند تقاطع شَارِعَيْ الراشيدي والحسن الثاني. وقد سبق أن سُوِّيَت أرضه، ثم حوِّل إلى مساحة لألعاب الأطفال، واليوم حوّله ”مجلس المدينة“ إلى مرآب للسيارات). ولماذا؟
طبعًا لِجَمْع المال عبر ”حَلْبِ“ مَالِكِي السيارات! وهو قرار، أقلّ ما يُقال عنه أنه مُتَخَلِّـف، وغير قانوني، وغير شرعي، وغير دستوري. لكن هذا لا يهم في المغرب. ولِنَتَسَاءَل: ما هو دور ”المجالس المحلية المنتخبة“؟ هل هو الزيادة في المساحات الخضراء داخل المدن الكثيفة، أم هو تقليص مساحة الحدائق العمومية إلى حدّ إزالتها نهائيا؟
المهم، خَلَاصْ، لو لم تستعمر فرنسا المغرب، لما وُجِدَت حدائق عمومية في مدنه. لأن مجمل الحدائق العمومية الموجودة في مدن المغرب هي من إنجاز الاستعمار الفرنسي. ومنذ حصول المغرب على استقلاله، لم تنجز الدولة المغربية حدائق عمومية جديدة ذات أهمّية في المدن. لكن هذا لا يهم، فَمَا دام الشعب نائما، وخاضعًا، يستحق أن تُسْلَبَ منه كل الحدائق العمومية.
قد يقول البعض: «خَلاص، اقتطاع جزء صغير من حديقة عمومية، مَا شِي مُشْكِلْ»! لكن إذا تمعّـنا في تاريخ هذه الحديقة العمومية (حديقة الجامعة العربية)، سنجد أن فَاعِلِين متعدّدين سبق لهم أن استولوا على أجزاء متعدّدة ومتزايدة من أرض هذه الحديقة  العمومية. وأبرز هؤلاء الفاعلين الذين اِفْتَرَسُوا (phagocyter) هذه الحديقة العمومية هم : 1) إدارة ”الدرك الملكي“؛ 2) نادي مُعَيّن لكرة القدم؛ وقد حَصَلَا هما معًا على بُـقعتين أرضيّتين على شارع علي ابن أبي طالب؛ 3) إدارة ”الجيش الملكي“، وقد حصلت على بقعة على شارع الحسن الثاني؛ 4) مقاهي خُصوصية مُتعددة اِسْتَعْمَرَت بقعًا أرضية شاسعة على جانبي شارع مولاي يوسف (الذي قسم الحديقة بشكل بَشِع إلى قِسمين)؛ 5) إدارة الأمن (الشرطة) التي بدأت تبني مركزًا (poste) فوق بقعة صغيرة على شارع الحسن الثاني؛ 6) إدارة المِيّاه والغابات؛ 7) أندية خصوصية متعدّدة تستغل ملاعب رياضية كلعبة ”التِّينِيسْ“ (tennis)؛ ويقعان هما معًا على شارع الرُّودَاني؛  إلى آخره. وإذا استمرّ هذا المنحى المُفْتَرِس، فلن يبقى شيئا من هذه الحديقة العمومية.
وداخل هذه الحديقة، تُقطع الأشجار القديمة، وتُعَوَّضُ بالعشب الأخضر، بدلًا من أن تُعوّض بأشجار شبيهة بالأشجار الأصلية المقطوعة. والشبّان يلعبون كرة القدم أينما أرادوا داخل الحديقة، إلى درجة أن هذه الحديقة تحوّلت شيئا فشيئا إلى مجرّد فضاء فارغ. وشعب الدار البيضاء غافل تمامًا.
زيادة على ذلك، ومنذ سنة 2016، بدأ ”مجلس مدينة الدار البيضاء“ في إنجاز مشروع إعادة تأهيل ”حديقة الجامعة العربية“، بِكُلْفَة ضخمة جدًّا، وغير مبرّرة، وتتجاوز إمكانيات المدينة.
المهم، متى ستأتي حكومة شجاعة، تقدر على تحرير وإفراغ كل هذه البقع الأرضية المُغتصبة من هذه الحديقة العمومية؟ هذا تحدّ حقيقي.   
  • 8) تـفويت الجماعات المحلية لامتياز الأداء عن وقوف السيارات يتنافى مع الدستور
مِمَّا زَادَ في تفاقم الأشياء، أن ”الجماعات المحلية المنتخَبة“ أعطت في عدّة مدن، وخاصة في الدار البيضاء، امتيازَ تحصيل أداء ثمن يقابل وقوف السيارة بجانب رصيف شوارع وأزقة هذه المدن، إلى شركات خُصوصية (Horodateurs). ويُجْبَرُ مالكو السيارات على أداء 2 درهم للساعة الواحدة من الوقوف!
والغريب هو أن هذه ”الجماعات المحلية المُنتخَبَة“ لم تَسْتَشِر المواطنين النّاخِبِين، ولم تحصل على موافقتهم، قبل بيع هذا الامتياز (horodateurs) لشركات خصوصية. كأن ”الجماعات المحلية المنتخَبة“ تبيع إلى شركات خصوصية حق ابتزاز (chantage) السكّان المالكين لسيارة. ولا يوجد أيّ قانون يُبيح استخلاص هذه الواجبات المالية. كما أنه لم يسبق للبرلمان أن قرّر، بواسطة قانون، السماح للجماعات المحلية المنتخبة، بأن تبيع، أو أن تكري، امتياز الأداء عن وقوف السيارات بجانب الشوارع أو الأزقّة. 
وبعد ذلك، تتصرّف هذه ”الشركات“ (horodateurs) كَالْمَافْيَا (mafia)، وتمنح لنفسها حق إصدار الأحكام على المواطنين، ومعاقبتهم، وتكبيل عجلات سياراتهم بِقَبْقَاب من حديد (sabots)، وتفرض عليهم بالقوة غرامات مالية مرتفعة. وهذا السلوك يَـتَّصِفُ باستبداد ”المجالس المحلية“، وبِـ ”استبداد الشركات“ الخُصوصية، ويتناقض مع القانون، ومع الدستور، ويؤكّد غياب دولة الحق والقانون.
وفي العمق، لا يحقّ ”للمجالس المحلية المُنتَخَبَة“ أن تبيع، أو أن تكري، أشياءَ محدَّدة (مثل أرصفة الشوارع) إلى شركات خصوصية. أولًا، لأن السّكان الناخِبِين لم يصوِّتُوا على أفراد ”المجالس المحلية المُنْتَخَبة“ لكي يُـقرّروا ”ضرائب“ أو ”واجبات“ مالية إضافية. وثانيًّا، لأن أَرْصِفَة الشوارع لم تُشَيَّد في الأصل لكي تُباع أو تُكْتَرَى. وثالِثًّا، لأن السكان هم الذين أدَّوْا كُلْفَة بناء هذه الأرصفة. وزيادة على ذلك، فإن بعض أفراد هذه ”المجالس المحلّية المُنْتَخَبَة“ هم جاهلون، ورديؤون، وانتهازيون، ومتخلّفون. والأموال التي تجمعها ”المجالس المحلية المُنتخبة“، أو تُدَبِّرها، تُستعمل في مشاريع يكون بعضها محشوًّا بالغِشّ، والتحايل، والرّشوة، وتضارب المصالح (conflits d’intérêts)، ونهب المال العام، مثلما يَتَّضح ذلك في مشاريع مغشوشة، تتكرّر عدّة مرات في السنة، مثل تجديد ”حَوَافِ الأَرْصِفَة“  (bords de trottoirs) ولو أنها ما زالت في حالة جيّدة. أو مثل وضع ”ظُهُور الحمير“ (dos d’âne) على الطرقات، إما لمرور الرّاجلين في أماكن غير مناسبة، وإما لإجبار السيارات على تخفيض السّرعة (بدلًا من استعمال علامات التَّشْوِير العموديّة) (panneaux de signalisation)، ولو أن هذه المنشآت (dos d’âne) تهلك السيارات، ورغم أن قانون الطُّرُقَات يمنع وضع هذه المنشآت.
وسلوك كراء أرصفة الشوارع والأزقّة إلى شركات خصوصية (horodateurs) هو سلوك يدخل ضمن سياسة توزيع ”الريع الاقتصادي“. ولا يوجد له مبرّر سوى في إطار ”الرأسمالية المُتَوَحِّشَة“. وهو منهج يُوَثِّر أعصاب مواطني المجتمع، ويخرّب الاقتصاد، ويُكْثِرُ الفاعلين الطُّفَيْـلِـيِّين (parasitaire)، ويسحق المواطنين البسطاء.
ولكن، لماذا لا نترك ”المجالس المحلّية المُنتخَبة“ تكري استغلال وقوف السيارات بجانب أرصفة الشوارع والأزقة إلى شركات خُصوصية (Horodateurs)؟ لماذا لا، ما دامت أغلبية الشعب جاهلة، أو غافلة. والشعب يستحق هذه المعاملة الخشنة، لأنه هو الذي انتخب ممثلّين رديئين، وانتهازيين. والشعب لا يتعلّم من التَّوْعِيّة، أو من التَّـثْـقِيف، أو من الإرشاد، وإنما يتعلّم على الخصوص من تجاربه المؤلمة. وَسَنَرَى ماذا سيحدث في المستـقبل القريب. 
وفي الواقع، لو كانت ”المجالس المحلية المُنْتَخَبَة“ تريد حقيقةً خدمة مصالح سكان المدن، فإن التحدّي المُزمن المطروح عليها، هو تحرير أَرْصِفَة الشوارع والأزِقّة المُحْتَلَّة من طرف جيوش غَازِيَّة ومتزايدة، مُكَوَّنَة من: المقاهي، والمطاعم، والأوراش، والحَوَانيت المتنوعة، والباعَة المُتَجَوّلين، و”الفَرَّاشَا“، التي أَلِفَتْ احتلال الأرصفة والطّرقات، بأنانية وقحة، ودون الخضوع للمراقبة، أو للمساءلة، أو للمحاسبة، أو للعقاب.
ولو كانت ”المجالس المحلية المُنْتَخَبَة“ تريد حقيقةً خدمة مصالح سكان المدن، فإن التحدّي المطروح عليها، ليس هو كراء أرصفة الشوارع إلى شركات خصوصية، وإنما هو فرض أداء سومة كراء إجبارية على كل من وُجِدَ وهو يحتل أرصفة الشوارع والأزقّة، مثل المقاهي، والمطاعم، والأوراش، والحَوَانيت المتنوعة، والباعَة المُتَجَوّلين، و”الفَرَّاشَا“.
ولو كانت غالبية الشعب واعيًّة، لأقدمت هي بنفسها على تحرير الأرصفة والطرقات من كل مَن يحتلّها، وذلك بطريقة ذَكِيّة، وبسيطة جدًّا، وهي: مقاطعة كل المقاهي، والمطاعم، والأوراش، والحَوَانيت المتنوعة، والباعَة المُتَجَوّلين، و”الفَرَّاشَا“، الذين يحتلّون الأرصفة والطّرقات، ويجبرون السّكان على المخاطرة بحياتهم عبر السير فيما بين السيارات على الطريق المُزَفَّتَة.
  • 9) كيف يدافع الشعب عن نفسه ضدّ القرارات الإدارية الجائرة؟
بعد عرض الأمثلة السابقة عن القرارات الإدارية غير العادلة، أو غير القانونية، أو غير الدستورية، يُطرح التساؤل التالي: كيف يُواجِه الشعب هذه القرارات الجائرة؟
رأينا في حالات القضايا المعروضة في المقال الحالي، أنه حينما يتضرّر الشعب من قرارات غير عادلة أو غير قانونية، صادرة عن الدولة، فإن الشعب لا يتحرّك للدّفاع عن مصالحه، إلّا في حالات نادرة أو استثنائية. وهذا وضع مُقلق، خاصّة وأنه توجد قضايا أخرى مُشابهة وكثيرة. (وكان بإمكان الكاتب، لو توفّر لديه الوقت الكافي، أن يعرض العشرات من النقط الأخرى المُعبِّرة). وبعد نشر المقال الحالي (في صيغته الأولى)، علّق عليه المحامي والمناضل عبد السلام الباهي. ومِمَّا قاله الباهي: «خلال حياتنا اليومية الرُّوتِينِية، عندما ننظر إلى الأحداث التي عرضها المقال، وهي متفرّقة، تظهر لنا هذه الأحداث مألوفة، أو عادية، وقد لا نهتمّ بها كثيرا. ولكن عندما نتـناولها وهي مجتمعة، كما وردت في المقال، تظهر في صورة مخالفة ومقلقة».
وأضاف الباهي: «مثل هذا النقد السياسي جميل ومفيد، لكنه لا يكفي لتغيير الواقع. خاصة عندما تكون الحكومات أو الأنظمة غير ديموقراطية. ونقطة ضعفنا نحن المغاربة، هي أننا لا نلجأ إلى ”الطَّعْن القَضَائِي“ ضدّ مثل هذه القرارات الإدارية التي تكون غير قانونية، أو غير دستورية. ويتطلّب ”الطّعن القضائي“ طبعًا اللّجوء إلى محام، وإلى القضاء، وأداء تكاليف متابعة الدعوى، وانتظار صدور الأحكام. لكن الإيجابي في ”الطّعن القضائي“ هو أنه يمكن أن يُؤَدِّيَ إلى صُدور حكم قضائي يأمر بإيقاف العمل بتلك القرارات الإدارية التعسفية، مثلما حدث في قضية ”الصَّابُو“ (sabot)».
ومن غير المُحتمل أن يلجأ المواطنون العاديون إلى ”الطّعن القضائي“. بل الفاعلون المؤهلون لاستعمال ”الطّعن القضائي“ هم على الخصوص: الجمعيات، والنقابات، والأحزاب، والتحالفات، وربّما الحركات الجماعية. وقد أضاف عبد السلام الباهي: «حينما سترى الحكومة، وكذلك إدارات الدولة، أن المواطنين تعوّدوا على اللّجوء إلى القضاء للطّعن في قراراتها، فإنها سوف تُحسِّن سلوكها، وستُـفكّر مَلِيًّا في أيّ مشروع قرار قبل أن تَـتَّخِذه. حيث بإمكان الطّعن القضائي أن يُوجع بعض المسؤولين، وأن يَحُدَّ من اندفاعاتهم المتـعسِّفة، أو المستبدّة».
وهذا اللجوء إلى ”الطّعن القضائي“، الذي اقترحه المناضل عبد السلام الباهي، هو مفيد، وبنّاء، ويستحق أن نعمل به. ولو أنه يُعيدنا إلى الجدال حول المشكل السياسي الكلاسيكي المعروف: هل يمكن، في إطار هذا النّوع من النظام السياسي القائم، الذي نتّهمه بالفساد والاستبداد، هل يمكن حقًّا أن يحكم القضاء بمنهج مُحايِد ونزيه؟ حيث إذا لم يكن القُضاة (الذين سيحكمون في مثل هذه القضايا) مُتَحَـلِّين بحدّ أدنى من الاستقلال، والحياد، والنزاهة، والجرأة، فإنهم سوف يُزَكُّون القرارات الإدارية التي تشتكي منها جماهير الشعب. ولكن، حتّى إذا افترضنا وجود انحياز القضاء إلى جانب مؤسّـسات الدولة، فإن اللّجوء إلى ”الطعن القضائي“، وصدور أحكام تُزَكِّي القرارات الإدارية المتعسِّفة، سيكون فيه جانب إيجابي، لأنه سيفضح غيّاب ”دولة الحقّ والقانون“.   
ويمكن ابتكار أساليب نضالية أخرى إضافية، تُدافع بها جماهير الشعب عن نفسها. وهذه الأساليب تُكَمِّل أسلوب ”الطّعن القضائي“، ولا تعوّضه. ومنها مثلا ”المظاهرة المحتجّة“، ومنها ”المُقاطعة الشعبية“. وهذه الأساليب النضالية تحتاج كلّها إلى تعاون وتكامل شبكات واسعة من المناضلين.
وبعد إقدام إحدى مؤسّـسات الدولة، أو إحدى إداراتها، على اتّخاذ قرار جائر، يمكن لجزء من جماهير الشعب أن يقوم ”بمظاهرة احتجاجية“، أو أن يخوض ”مقاطعة شعبية“ للإجراءات التي تَتَرَتَّب عن ذلك القرار الجائر. وقد يكون واحد من هذه الأساليب في المقاومة الشعبية كافيّا لكي يفرض على الدولة التراجع عن قرارها الجائر.
رحمان النوضة (حُرّر في الدار البيضاء، في 5 يناير 2018).
[1]   وفقا لهيكل أسعار بيع وقود السيارات، المنشور من طرف الحكومة في سنة 2015 على موقعها (https://cdc.gov.ma)، تمثل الضرائب (TVA + TIC) حوالي  107.13 ٪  من سعر الشراء، و 47.57 ٪ من سعر البيع بالتقسيط  في حالة ”السُّوبَرْ الخالي من الرصاص”؛ كما تمثل هاتين الضريبتين 75.80 ٪ من سعر الشراء، و 39، 74 ٪ من سعر البيع بالتقسيط  في حالة الغازوال. وهي نسب كبيرة ، حتى لو كانت عدة دول تفعل الشيء نفسه.
[2]   عن جريدة ”المساء”، العدد 3509، ليوم 8 يناير 2018، الصفحة 1.
[3]   عن جريدة ”المساء”، العدد 3510، ليوم 9 يناير 2018، الصفحة 1.
[4]   ”المندوبية السامية للتخطيط“، ندوة صحفية، عن جريدة ”آخر ساعة”، العدد 607، ليوم 12 يناير 2018، الصفحة 3.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
Advertisements

1 Comment

  1. أهلا رفيقي العزيز

    أرجو أن تجدك مراسلتي في ظروف جيدة…

    سأبعث لك بعض المواضيع حول الديمقراطية واليسار لنشرها في بلوغ “كتب ساخنة”

    مودتي و تقديري

    عبدالغني القباج

    مقدمة لفهم مهمة اليسار الماركسي والراديكالي في المغرب (*)

    عبد الغني القباج

    يطرح لينين في “ما العمل؟” أن الاشتراكية-الديمقراطية (الروسية) لا تقود نضال الطبقة العاملة بهدف تحقيق شروط أفضل لبيع قوة عملها فقط، بل تهدف بنضالها القضاء على النظام الاجتماعي الرأسمالي الذي يرغم المعدمين على بيع أنفسهم إلى الأغنياء. كما أن الاتشتراكية-الديموقراطية تمثل الطبقة العاملة وأيضا من خلال علاقاتها جميع طبقات المجتمع. وبالتالي لا يقتصر نضال الطبقة العاملة على النضال الاقتصادي بل “تربية الطبقة العاملة سياسيا” لتنمية وعيها السياسي. (1)

    إن مهمة الماركسيين والماركسيات كذلك هي الدعاية الاشتراكية الماركسية يجب أن تشمل مختلف ميادين النشاط والحياة المهنية والعامة والخاصة والعائلية والدينية والعلمية الخ.. لأنها مهمة “إنماء وعي العمال السياسي، وهي مسئولية الماركسيين والماركسيات لتنظيم الدعاية ضد الحكم المطلق تشهيرا سياسيا شاملا كما يؤكد لينين في “ما العمل؟”. (2)

    في المغرب قوى يسارية اشتراكية لها مناضلين و مناضلات في أهم مركزيتين نقابيتين “الاتحاد المغربي للشغل” (ا.م.ش) و”الكنفدرالية الديمقراطية للشغل” (ك.د.ش)، لكن أغلبهم، إن لم نقل كلهم، لا يقوم بالدعاية السياسية والاشتراكية وسط العمال والعاملات بالنظر لمحاربة قيادة (ا.م.ش) البروقراطية النقابية وقيادة (ك.د.ش) البرجوازية الصغيرة للمناضلين والمنضلات الماركسيين. وهذا ما جرى لعدد من المناضلين الماركسيين من “النهج الديمقراطي”، خديجة غامري، عبد الرزاق الإدريسي وعبد الحميد أمين وعبدالرحيم الهندوف وعبد الله الفناطسة وآخرين طردهم الأمين العام وقيادة الاتحاد المغربي للشغل بدعوى تسييس النقابة.

    وهذا الواقع لا يبرر تخلي الماركسيين والماركسيات عن الدعاية الاشتراكية و النضال الديمقراطي ضد الحكم المطلق والتشهير السياسي الشامل به.

    واليوم النظام الرأسمالي، في مرحلة العولمة الرأسمالية العالمية، لا زال يسيطر على اقتصاد وسياسة العالم، رغم مزاحمته بالتطور الاقتصادي الهائل للصين الاشتراكية وقدرة اقتصادها على فرض منافسة قوية للاقتصاد الرأسمالي وفي اقتصاد السوق.

    وقد خلقت الأنظمة الرأسمالية المتقدمة صراعات وحروب جديدة ومولت قوى الإسلام السياسي الجهادي في الشرق الأوسط وفق نظرية “الفوضى الخلاقة”.

    و”الفوضى الخلاقة”، ليست وليدة الهجوم الذي تبنته “القاعدة” و بن لادن. لقد سبق أن ” بلورها المؤرخ الأمريكي تاير ماهان سنة 1902. وطورها المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون في كتابه “صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”. وهي نظرية هدفها خلق فوضى في البلدان والمجتمعات التي ترفض سيطرة حضارة الغرب وسيطرة أمريكا والغرب الأروبي. وتمارس أمريكا وأروبا الغربية الرأسمالية سياسة الدفع بهذه الفوضى إلى العنف الداخلي والتدمير الشامل وتخويف الشعوب وتحكم أمريكا والغرب الرأسمالي في إعادة بناء هذه البلدان والمجتمعات من جديد وفق خطة تخدم مصالح أمريكا والغرب الرأسمالي. وتدخل هذه الخطة في محاولة تمكن الأنظمة الرأسمالية المتقدمة، أمريكا وأروبا الغربية واليابان من تجاوز أزمتها الاقتصادية والمالية بتنشيط اقتصاد الحرب وإنتاج الأسلحة والتحكم في إعادة بناء ما دمرته الحروب وبسط نفوذها الاقتصادي والسياسي بخلق أنظمة تابعة لها وتوسيع سوقها الرأسمالية. ولا تهتم أنظمة الرأسمالية المعولمة لتدمير الإنسان والطبيعة باستمرار التي تخلقها هذه الحروب وبالتالي لا تهتم بتعريض إنسانية الإنسان والحياة فوق الأرض إلى التدمير باستمرار.

    في المغرب، نعتبر أن التحليل الملموس للتشكيلة الاجتماعية الطبقية المغربية ونمط إنتاج النظام المخزني الرأسمالي التبعي السائد في المغرب، يبين أن مهمة قيادة وتحقيق التغيير الديمقراطي (الثورة الديمقراطية الشعبية) مهمة موكولة للبروليتاريا كقوة اجتماعية منظمة سياسيا في حزبها، متحالفة مع فئات الاجتماعية الكادحة والمحرومة (فلاحين فقراء وبدون أرض أجراء وأجيرات محدودي الدخل و انتلجنسيا ماركسية ثورية (intelligentsia révolutionnaire) ما دامت البرجوازية المغربية تربط مصالحها بالرأسمالية المعولمة. وهي مهمة تنطرح على اليسار الراديكالي الماركسي والاشتراكي في إطار استراتيجية النضال الديمقراطي من أجل تجاوز النظام والمجتمع الطبقي الرأسمالي التبعي الذي يسيطر عليه ويحكمه سياسيا المخزن والطبقة البرجوازية الكمبرادورية سياسياً ويسيطر فيه اجتماعياً واقتصادياً ويهيمن عليه إيديولوجياً. ولذلك فإن استمرار هذا النضال الديمقراطي، محليا و أمميا، ضرورة سياسية ومجتمعية في المغرب وضرورة سياسية ومجتمعية وإنسانية تاريخية في بلدان الـ”العالم الثالث” من أجل إنجاز مهمتين أساسيتين:

    1- الانتقال إلى نظام ومجتمع الديمقراطية الحقيقية

    2- و في نفس الوقت متابعة نضال صيرورة الانتقال إلى المجتمع الاشتراكي.

    ومن ثمة يأتي تأكيدنا على أن حاجة اليسار الراديكالي للتحليل الماركسي للطبقات الاجتماعية في مرحلة الرأسمالية الامبريالية المعولمة والرأسمالية التبعية السائدتين في العالم حاجة ملحة وضرورية وأساسية التغيير الديمقراطي.

    الطبقة الرأسمالية العالمية، أي البرجوازية العالمية، و طبقة البرجوازية التبعية طبقة غير منتجتين، عمليا، وتسيطر عالميا على وسائل الإنتاج الأساسية من الثروات الطبيعية، التكنولوجيات الجديدة والإنترنيت والأتمتة الحديثة (automatisation moderne)، والفلاحة الرأسمالية المتطورة، والمناجم و حقول النفط، وشركات االهولدينغ ومصانع كبرى والشركات التجارية العالمية والبنوك والمؤسسات المالية العالمية و وسائل النقل والاتصال الحديثة… الخ. ويعمل الرأسماليون العالميون وشركاتهم العملاقة بكل الوسائل الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية لِتَـأبِـيدِ سيطرتهم على الاقتصاد العالمي والاستيلاء على فائض القيمة العالمي وتحقيق أرباح تعد بآلاف التريليونان من نها الدولارات سنويا (des milliers trillions de dollars) من فائض القيمة العالمي الذي تنتجه قوة عمل العمال في العالم تستغله الأنظمة الرأسمالية المتقدمة لحل تناقضاتها الطبقية خصوصا تناقضاتها مع البروليتاريا في بلدانها.

    فالبروليتاريا من منظور ماركسي، بنظريتها وحزبها السياسي الثوري وتنظيمها الثوري هي الطبقة الوحيدة القادرة، من بين جميع الطبقات و الفئات الاجتماعية الكادحة، على قيادة النضال من أجل تحقيق التغيير الديمقراطي الحقيقي إلى آخر طريق الديمقراطية وتحقيق هدف تجاوز الرأسمالية وإنجاح صيرورة انتقال المجتمعات الإنسانية إلى الاشتراكية و وضع نهاية إلى المجتمعات الطبقية.

    ________________________________

    (*) فصل من كتاب “في الديمقراطية وحركة 20 فبراير اليسار الاشتراكي والطبقة العاملة” سيصدر في شهر ماي 2018

    (1) لينين، “ما العمل؟” ص 24. (2) لينين، “ما العمل؟” ص 23

    ________________________________

    إعجاب

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.