هَل مَا زَالت المَاركسية صَالِحَة بَعد انْهِيَار الاتِّحاد السُّوفياتي؟

لِـتَـنْـزِيل هذه الدراسة، أنقر على الرَّابط التالي:

هَل مَا زَالت المَاركسية صَالِحَة بَعد انْهِيَار الاتِّحاد السُّوفياتي؟


رَحْـمَـان الـنُـوضَـة (الصيغة 9)

مُـــحْـــتَـــوى هــذا الــمـــقـــال :

1) تـقديم وتـنـبـيـه …………………………………………………………………………4

2) لِمَاذا انْهََارَ الاِتِحَادُ السُّوفْيَاتِي؟ …………………………………………………….7

2.1 – هل يُبَرِّرُ انهيارُ الاتحاد السُّوفياتي الشَكِّ في الماركسية ؟ ………………7

2.2- هل تُوجَدُ دراسات باللغة العربية تُفَسِّر انهيار الاتحاد السوفياتي؟ ……… 9

2.3- هل تُشَكِّلُ سياسات اسْتَالِين اسْتِمْرَارِيَة أم قَطِيعَة مع الماركسية؟ ……10

2.4 – أليس التَسَرُّع، وحرق المراحل، في إنجاز مهام الثورة، خطأً فَادِحًا؟ …..15

3) هل النُّمُو الاقتصادي شَرط لِنَجَاح الثورة الاشتراكيةَ؟ ………………………….20

4) لِمَاذا تَحَوَّلت دِيكْتََاتُورِيَة البْرُولِيتَارْيَا إلى نَـقِيضِهَا؟ ……………………………..23

5) إِنْ اِنْهَارَ الاتحاد السُّوفْيَاتِي، لماذا تَعَاظَمَت الصِّين؟ …………………………..35

6) هل يَحِقُّ اختصار الاشتراكية في تَأْمِيم وَسَائِل الانتاج؟ ……………………….42

7) هل الطبقة العاملة دائمًا ثورية؟ ……………………………………………………44

8) لِمَاذا الثورة الثـقافية السِّلْمِيَة المُتَوَاصِلَة ضَرورية؟ …………………………..49

9) هل تُجُووِزَت الماركسية؟ …………………………………………………………..52

10) من هو مُؤَهَّل للحُـكْمِ على الماركسية؟ …………………………………….60

11) هل الماركسية أيديولوجية……………………………………………………….61

12) هل الماركسية عِلمٌ دَقِيقٌ؟ ……………………………………………………63

13) مَن يَقْدِرُ على تَطْوِير الماركسية؟ ………………………………………….65

14) أَلَمْ يَتَضِحْ بعدُ أن الاستمرار في الرأسمالية هو انتحار جماعي بَطِيء؟68

15) هَل أَغْـفَلَ مَاركس بعض القضايا؟ ………………………………………..74

16) لماذا بعض الأحزاب “الاشتراكية” تُعَادِي الاشتراكية؟ ……………..79

17) مُلَاحظات في مَجَال تَهْيِيء الاشتراكية ………………………………….81

18) الماركسية التي حَرَّرَتْ عَـقْلِي ……………………………………………83


الــكــلــمــات الــمَــفَــاتِــيــح (mots clefs):

الماركسية، الرأسمالية، الاشتراكية، الاتحاد السوفياتي، الصين، الطبقة العاملة، ديكتاتورية البروليتاريا، مراحل الثورة، ماركس، لينين، اسْتَالِين.

مــلــخّــص الــمــقــال :

في جوهرها، الماركسية هي نقد شُمُولِي ودَقيـق للرأسمالية، وللمجتمع الرأسمالي. وعلى خلاف بعض الآراء، ليست الماركسيةَ نظرية مُكْتَمِلَة، أو نهائية. وإنما هي اجتهاد عِلْمِي، ونِسْبِيّ، وَمُتَطَوِّر، وَمَوسُوم بِزَمَانه التاريخي. وتبقى الماركسية، مثل كل نظرية عِلمية أو فلسفية، في حاجة إلى مُراجَعَات، لِتَـقْوِيمِهَا، أو لإغنائها. ولَا تتوفّر الماركسية على نظرية جاهزة لِبِنَاء الاشتراكية. لأن نظرية بناء الاشتراكية (من منظور ماركسي) تُـكْتَسَبُ من خلال تجارب بنائها. ولا يشكّل انهيار الاتحاد السوفياتي حُجَّة على خطأ الماركسية. بل تُوجَدُ أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي، على الخُصوص، في تفاصيل تاريخ الصِّراع الطبقي في الاتحاد السوفياتي، وليس في نَـقَائِصَ مُفْتَرَضَة في النظرية الماركسية. الشيء الذي لَا يُلْغِي احتياج الماركسية إلى مُرَاجَعَة، ونـقد، وتطوير، وإغناء، وإبداع. والماركسية (بأدواتها النظرية) هي مُؤَهَّلة أكثر من غيرها لِتـفسير هذه التطوّرات بمنهج عقلاني. وتُشَكِّل مناهج وسُلُوكِيَّات جُوزِيفْ اسْتَالِين قَطِيعَة جذرية مع فِكر كَارْل مَارْكِس، وافْلَادِيمِيرْ لِينِين. وَلَمْ يكن ضُعْفُ ثـقافة اسْتَالِين يسمح له بِاسْتِيعَاب الماركسية، فبالأحرى أن يسمح له بتطويرها. وقد فرض اسْتَالِين استبداده الشخصي المُطلق، على الحزب الشيوعي، وعلى المجتمع. ومارس الكثير من الأخطاء والجرائم. وحَرَّف أطروحة «ديكتاتورية البروليتاريا». وحوّل الحزب الشيوعي إلى نقيضه. الشيء الذي هَيَّأَ شروط انهيار الاتحاد السوفياتي.

Keywords :

Marxism, capitalism, socialism, the Soviet Union, China, the working class, the dictatorship of the proletariat, stages of revolution, Marx, Lenin, Stalin.

Article Summary :

In its essence, Marxism is an inclusif and meticulous critique of capitalism and capitalist society. Unlike some opinions, Marxism is not complete or definitive. Rather, it is scientific studiousness, relative, progressive, and marked by its historical time. Marxism, like any scientific or philosophical theory, needs to be reviewed, rectified, or enriched. Marxism does not exist on a ready-made theory of socialism. Because the theory of building socialism (from a Marxist perspective) is gained through the experiences of its construction. The collapse of the Soviet Union does not prove the error of Marxism. The reasons for the collapse of the Soviet Union in particular lie in the details of the history of class struggle in it, and not in the supposed shortcomings of Marxist theory. Which does not eliminate the need for Marxism to review, critique, develop, enrich, and create. Marxism (with its theoretical tools) is more qualified than others to interpret these developments in a rational manner. The methods and behavior of Joseph Stalin constitute a radical break with the thought of Karl Marx and Vladimir Lenin. The weakness of the culture of Stalin did not allow him to assimilate Marxism, rather it allowed him to develop it. Stalin imposed his personal despotism, on the Communist Party, and on society. He practiced many mistakes and crimes. He falsified the thesis of the dictatorship of the proletariat. And he transformed the Communist Party into its contrary. Which created conditions for the collapse of the Soviet Union.

1) تـــقـــديـــم وتــــنــــبــــيــــه

تُوجد ارتباطات عميقة بين «الماركسية»،و«الرأسمالية»، و«الاشتراكية»، إلى درجة أنه، لَا يُمكننا الحديث عن واحدة منها، دون الكلام، بشكل أو بآخر، عن البَاقِيَة منها. ولا يمكن نقاش مدى سَدَاد النَّظرية الماركسية دون تَـقْيِيم تجارب الثورات “الاشتراكية” عبر العالم، وخاصة منها تجربتي الاتحاد السوفياتي والصِّين.

ومِن خلال تجاربي النضالية، لاحظتُ أن نسبة هامّة من المناضلين يتصارعون، داخل ذهنهم، تارةً بشكل صريح، وتارةً بشكل غامض، مع تَسَاؤُلَات نظرية كبرى. أبرزها التساؤل التَّالي: «هل اِنْهِيَار تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي يَعْنِي أن النظرية الماركسية نَاقِصَة، أو خاطئة، أو مُتَجاوزة»؟

وقبل عرض ما أعرفه، ينبغي أن أبدأ بالاعتراف بما أجهله. فمن ميزات المثقّف الثوري أنه لَا يخشى قَوْلَ: «لَا أعرف»، أو «لَا أفهم». واعترافي بعدّة قضايا أجهلها، ليس استقالة من المُباراة، بل قد يَكون إشارة إلى صِدْق كلامي، أو علامة على دِقَّة معارفي. فَأعترفُ أن محدودية تجاربي، ومعارفي، لا تسمح لِي بتناول مجمل إشكالات النظرية الماركسية، وَخاصّةً منها الإشكالات المتعدّدة المطروحة في مجال بناء الاشتراكية. ولَا أقدر على مُعَالَجَتِها بِوَحْدِي. ومن المُسْتَبْعَد أن يقدر نقاش جماعي أوّلي على دراسة مُجْمَل قضايا هذا الموضوع بدقّة عِلمية ومُرْضِيَة. لكن المهم هو أن نَتَجَرَّأَ على بَدْءِ البحث العِلْمِيّ، ولو بقدر مُتواضع، والشُرُوع في التعاون، والتكامل، بأكبر قدر ممكن من المناهج الدَّقيقة، والعِلْمِية، والنَـقْدِية. ولو أن هذه المُساهمات الحالية تبقى، بالضّرورة، أَوَّلِيَة، أي في حاجة إلى مُراجَعَات نـقدية، لِتَـقْوِيمِهَا، أو لإغنائها، أو لِتَطويرها.

ولَا أقدِّس جُوزيف اسْتَالِين، ولَا افْلَادِيمِيرً لِينِينً، ولَا كَارْلْ مَارْكِسْ. وهدفي ليس هو الدّفاع عن الماركسية أو الاشتراكية، وإنما هو ردّ الاعتبار إلى العَقْل النَّـقْدِي في كل شيء، بما فيه السياسة، والنضال، والحزب، والنظرية، وبناء الاشتراكية، إلى آخره. فمرجعنا الأساسي، ليس هو نصوص ماركس، وإنما العقل النقدي. وكلّما ضَعُفَ، أو غَابَ، العقل النـقدي، أصبح الانحراف وَارِدًا، أو الاِسْتِلَاب (aliénation) مُحْتَمَلًا. لكن العقل النقدي لا يكفي وحده. إذ العقل بدون استيعاب عُلُوم زمانه التاريخي، أو بدون التَشَبُّع بالتُرَاث الثـقافي لِمُجْمَل الإنسانية، يبقى مثل طاحونة تدور في فراغ، ولَا تَستـفيد من المعارف التي رَاكمها التراث الثقافي للبشرية جمعاء.

أُسَاهِمُ في هذا الحوار حول “الماركسية”، و”الاشتراكية”، وأعترف، في نفس الوقت، أنني أجهل أشياء كثيرة عنهما. فَلَا أعرف بالتَدْقِيق كيف تُبْنَى الاشتراكية. وَأَحْمِلُ في ذهني تساؤلات كثيرة حول مضمونها، وشكلها، وأساليبها، وطُرُق تَشْيِيدِها. والهدف من مساهمتي هاته، ليس هو تَرْدِيدُ مَقُولَات النظرية الماركسية (أو الماركسية اللِّينِينِيَّة) المَعْرُوفَة، والمُكَرَّرَة، مِثلما يَكْتَـفِي به البعض.وإنما هدفي هو اِقْتْسَام بعض التساؤلات النظرية النَـقْدِيَة. وأستـغلّ مناسبة هذا الحوار لِمُحَاوَلَة فَحْصِ بعض مناهجنا كَمُنَاضِلِين، ومراجعة طُرُقِـنَا في التفكير. وقد كتب كَارْل مَارْكِس: «يحتاج المُرَبِّي هو نفسه إلى إعادة التربية»(1). وهذه المقولة تنطبق عليَّ، وعليك، وعلى ماركس، وعلى الأساتذة، وعلى الحُكّام، وعلى كل الباقين. ومن بين أَهَمِّ مَهامِّنَا، مُراجعة وتدقيق بعض المناهج التي نُـفكّر بها. هل هي سَلِيمة؟ هل هي أَيْدِيُولُوجِية؟ هل هي مُجرّد آراء شَائِعة، أو مبادئ مُكَرَّرَة، أو قَوَالِب جَامِدَة (stéréotypes)؟ هل هي أفكار مُسْبَقَة؟ هل هي مُعتـقدات غير مُثْبَتَة؟ إلى آخره. وغَايَتُنَا هي إعادة الاعتبار إلى العَقْل، وإلى الحِسّ النَّـقْدِي، وإلى العُلُوم الدَّقِيقة.

وفي عصرنا الحديث، يتواجد الصِّرَاع الطَّبَقِي في كلّ مجالات المُجتمع. لكن وسائل دِعَايَة النظام الرأسمالي القائم تُخْفِي (masquer) مُعْظَم مظاهر الصِّراع الطبقي، أو تُمَوِّهُهَا (camoufler)، أو تَنْكَرُها (nier)، أو تُؤَوِّلُها (interpréter). ولَا تَقُوم قِوَى اليسار(2) بما فيه الكفاية بِتحليل الأحداث المُجتمعية، بِهدف إِبْرَاز مظاهر الصراع الطبقي فيها. وهذا نَـقْصٌ جَسِيم.

ومن زاوية المُعتـقدات، ينقسم الفكر البشري إلى نوعين: نوع أوّل مُعَوَّق، يعجز على رؤية الواقع كما هو. وَيُضْفِي معتـقداته الخَيالية المُسْبَقَة على الواقع. فلا يرى في الواقع سوى مُعتـقداته الخيالية المُسْبَقَة، التي تُهَيْمِنُ على عقله. فَتَتَأَكَّدُ وتَتَرَسَّخ لَدَيْه معتـقداته الخيالية المُسبقة. فَيُصْبِحُ هذا العقلُ يدور في «حَلْقَة مُفْرَغَة» (cercle vicieux). ويعجز هذا النوع الأوّل من الفِكْر على التقدّم. ويُوجد نوع ثان من الفِكْر، سَلِيم نِسْبِيًّا، يجتهد باستمرار لِكَيْ يُحَرِّر نفسه من المُعتـقدات الخيالية أو المُسبقة. ويجتهد لكي يرى الواقع كما هو. أي بدون مُعتـقدات مُسبقة. فَيَغْدُو هذا الفكر قادرًا على التقدم.

ومن زاوية التعامل مع الرأسمالية، ينـقسم أيضًا الفكر البشري إلى نوعين: نوع أوّل مُعَوَّق، يخضع للرأسمالية، ويُنَاصِرُها، رغم مَا يَرَى فيها من جرائم نَسَقِيَة (systémique)، أو مُجتمعية، أو مُمَوَّهَة (camouflés). ونوع ثان سليم نِسْبِيًّا، يَتَجَرَّأُ على نـقد الرأسمالية، وعلى فضح جَرائمها المُجتمعية، وعلى الطموح إلى التحرر منها.

والفكر الماركسي هو من أَهَمِّ المدارس الفكرية، النَّادِرَة جِدًّا، التي تنتـقد الرأسمالية، وتُـقدّم نَـقْدًا شَاملا لِمُجمل المُجتمع الرأسمالي (الوطني، والعالمي). لذلك نُلاحظ أن مُجمل أنصار الرأسمالية يَتَوَاطَؤُون على محاربة الفكر الماركسي.

وفي مجال نقاش “الماركسية”، أو “الاشتراكية”، يبقى الحِيَّادُ شبه مُستحيل. فكل موقف سياسي يناصر بالضَّرورة مصالح طَبقة مُجتمعية مُحَدَّدة. والعُنْصُر الأساسي الذي يُحَدِّدُ مَوْقِفَ أيّ شخص، في أية قضية، هو خُصُوصًا مَوْقِعُه في البِنْيَة الطَبَقِيَة للمُجتمع. (الشيء الذي لا ينـفي وجود حالات نادرة مُخالفة، أو استثنائية، أو مُنَاقِضَة).

والعامل السياسي الأساسي الذي يُمَيِّز أيّ شخص عن آخر، ليس هو لِبَاسُه، أو شَواهده، أو مِهنته، أو رَصيده المالي، أو ما شابه ذلك، وإنما هو نَوْعِيَةُ المَنَاهِج التي يُفكّر بها، وَنَوْعِيَة المَنَاهج التي يَشْتَـغِلُ بها.

وهدفي في المقال الحالي، ليس هو عرض مواقفي الشخصية، أو كسب أَنْصَار سيَّاسيِّين. وإنما هدفي، هو الاقتراب أكثر ما يمكن من الحقيقة، وعرض أهمّ المُعْطَيَات، وطرح الأسئلة الضرورية، ولو كانت مُحْرِجَة. وأترك المجال للقارئ لكي يتساءل هو نفسه، ولكي يُحاول القارئ بِحُرِّيَة بَلْوَِرَةَ مواقفه الشخصية. وبعد ذلك، إن إِتَّحَدْنَا على أساس حقائـق عقلانية، فسيكون إتِّحَادُنا أكثر صَلَابة، وفعالية.

والغاية من المقال الحالي، ليست هي التعريف بالماركسية، وإنما هي نقاش التساؤل: «هل مَا زَالت الماركسية صالحة بعد انْهِيَار الاتحاد السُّوفياتي؟». وأفترض في القارئ أنه يعرف الأطروحات الرئيسية في النظرية الماركسيةَ. وَأُنَبِّه إلى أن الأفكار المعروضة في المقال الحالي ليست كلّها من ابتكاري. ونسبة هامّة من المعطيات التي استعملتُها حول “الاتحاد السُّوفْيَاتِي”، وحول الصِّين، مأخوذة من مواقع على الأنترنيت (مثل موسوعة “فِيكِيبِيدًيَا” [Wikipedia]). وأكتـفي بالإشارة، في بعض المواقع من المقال، إلى مصادر بعض هذه الأفكار. وفي مواقع أخرى كثيرة، استعمل تِلْقَائِيًّا أفكارا ماركسية، دون أن أشعر بالحاجة إلى التذكير بمصادرها، لأنها أصبحت جزءًا عضويًّا مِن مناهجي الشخصية التي أفكّر بها. وأحاول أن لَا أنسى أنه بإمكاني أن أُُسِِيءَ فهم بعض الأطروحات الماركسية.

وجرت العادة، في بعض البلدان، وفي بعض أوساط المناضلين الماركسيين، بِاتِّهَامِ كل مناضل يُرَاجِع بعض المُعتَـقدات ”الاشتراكية”، أو ”الماركسية”، بِتُهْمَة «التَحْرِيفِيَة»، أو «الرِّدَة»، أو «التَرَاجُع»، أو «اليَمِينِيَة»، أو «التْرُوتْسْكِيَة»، إلى آخره. ورغم ذلك، سأحاول مراجعة بعض الأفكار أو المبادئ الماركسية، دون مُبَالَاة بمثل هذه الاتهامات. والمهم هو البَحْثُ عن الحقيقة، دون الاكتراث بما يقوله المُعَلِّقُون. وما يظهر اليومَ ”تَحْرِيفِيًّا”، أو خَاطئا، يمكن فعلاً أن يبقى خاطئا، كما يمكن أن يصبح غدًا مقبولاً، أو بديهيا للجميع. بالإضافة إلى أنه لَا يُعقل تجريم الآراء المخالفة.

وشعارنا الذي يُمَيِّزُنَا كثوريّين هو: «حَيْثُمَا كُنَّا، نقوم دائمًا بواجباتنا المُجتمعية كاملة، وَلَوْ تَهَرَّبَ الآخرون من القيام بواجباتهم المُجتمعية». ونهدف من خلال هذا الشعار إلى تكسير الصيرورة المُجتمعية السَّلْبِيَة، التي تُعيد إنتاج نفسها، من خلال سُلُوكِيات تَقُول: «لَا أقوم بواجباتي المُجتمعية، لأن الآخرين لَا يقومون بواجباتهم »، أو تقول: «لن أقوم بواجباتي المُجتمعية حتّى يقوم الآخرون بواجباتهم».

2) لِــمَــاذا انْــهََــارَ الاِتِــحَــادُ الــسُّــوفْــيَــاتِــي ؟

خلال قرابة سنة 1991، انهارت فجأةً منظومة الاتحاد السوفياتي” (أو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية) (URSS). ولم يسبق لأي أحد أن توقّع هذا الانهيار. ثمّ انهارت الأنظمة السياسية الجَارَة التي كانت حَلِيفَة للاتحاد السوفياتي في إطار “حِلْف وَارْسُو” (Pacte de Varsovie). ثم الْتَحَقَ بعض هذه الأنظمة بالحِلْف العَدُوّ، الذي هو الحِلْفُ العَسْكَري للإِمْبِرْيَاليَات الغربية، أي “حِلْف النَاتُو” (Otan). وذلك لأسباب مُزمنة ومُعقّدة، داخلية وخارجية. وحتى يُوغُوسْلَافْيَا الاشتراكية التي كانت نموذجا عَالَمِيًّا لِتَـعَايُش وتَضَامن شُعوب مختلفة، تَشَتَّـتَت، وسَقَطَت شعوبُها في حروب طَائِفِيَة مُدَمِّرَة، أساسها الفكر اليَمِينِي المُتطرّف، والنَزْعَة الوطنية الضَيِّقَة، والكراهية العُنْصُرِيَة الدَّفينة. واعتبرَ كثير من الكُتَّاب فجأةً «انهيارَ الاتحاد السُّوفياتي» بمثابة امتحان لِفَحص مَدَى صِحَّة نظرية الماركسية. بينما هذا الانهيار هو في العُمق امتحانٌ لسلامة عُقُول كل الفاعلين السياسيين.

2.1 – هـل يُـبَـرِّرُ انـهـيـارُ الاتـحـاد الـسـوفـيـاتـي الـشَـكَّ فـي الـمَـارْكِـسِـيَـة ؟

فورًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ظهرت لدى بعض المناضلين “الاشتراكيين”، المُنتشِرين عبر العالم، تساؤلاتٌ، ثم شُكوكٌ، ثم حِيرَة نظرية: هل انهيار الاتحاد السوفياتي يعني خطأ الماركسية؟ هل فَشِلت الاشتراكية؟ هل الاشتراكية هي حُلم مُستحيل؟ هل الرأسمالية قَدَرٌ أَبَدِي؟ هل انهيار الاتحاد السوفياتي هو نتيجة فقط لارتكاب بعض الأخطاء على مستوى التطبيق، أو التَدْبِير؟ لماذا لم يَبْقَ في العالم كله ولو نموذج واحد مُرْض لِنظام الاشتراكية؟ هل ما يجري في بعض البلدان مثل الصِّين، أو كُوبَا، أو كُورْيَا الشمالية، هل هو اشتراكية؟ لماذا لم تَنْجَح بما فيه الكفاية حتّى تجارب بناء «الاشتراكية الديمقراطية» (la sociale démocratie) البرجوازية في بلدان أوروبا الغربية المتـقدّمة؟ هل أحزاب اليسار تـفهم اليومَ لماذا انهارت تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي؟ هل مَا زَال معظم مناضلي أحزاب اليسار يُؤْمِنُون حقيقةً بالثورة المُجتمعية، وبالماركسية، وبالاشتراكية؟ هل توجد كِتَابَات ومراجع نظرية (باللغة العربية) تُـقدّم ما يكـفي من الشُّرُوح لِتَـفسير أسباب انهيار “الاتحاد السّوفياتي”؟ هل القِوَى السياسية التي تُدافع عن مشروع تشييد «الاشتراكية» تَتَوَفَّرُ على ضَمَانَات لِتَلَافِي تِكْرَار الأخطاء، أو الانحرافات، التي وقعت في الاتحاد السوفياتي، أو في الصِّين، أو في غيرهما؟

يتطلَّب تَـفْسِير انهيار الاتحاد السُّوفْيَاتِي تَظَافُرُ جُهُود عِدّة عُلَمَاء بَاحِثين (ماركسيين). ويحتاج إلى كِتابة عدّة كتب مُعَمَّـقَة عن تطوّر الصراع الطبقي في الاتحاد السُّوفياتي. لأن الأسباب التي تُـفسِّر انهيار الاتحاد السوفياتي، لَا تُوجد في تفاصيل النظرية الماركسية، وإنما تُجود في تفاصيل تطوّر الصراع الطبقي في الاتحاد السوفياتي. بل يمكن أن نجد في النظرية الماركسية، هي نفسها، ما يكفي من الأدوات النظرية لتَـقْـيِـيم وَنَـقْد تجارب الاتحاد السوفياتي والصّين.

وكانت كُتب ودراسات شَارْل بِيطَلْهَايِمْ (Charles Bettelheim)(3)، حول الاتحاد السوفياتي [وكذلك الصِّين]، مُعمّقة، ومُفيدة. ودرس بِيطَلْهَايْم فيها إشكالات بناء الاشتراكية، ومظاهر الصراع الطبقي، وتفاصيل تطوّر قضية التحالف بين العمال والفلاحين، إلى آخره. لكن دراسات شَارْلْ بِيطَلْهَايْمْ حَدَثَت قُبَيْلَ انهيار الاتحاد السوفياتي. وبالتالي، فإشكالية احتمال انهيار الاتحاد السوفياتي (وَلَوْ كَفَرَضِيَة نظرية) لم تكن حاضرة بما فيه الكفاية في أبحاث شَارْلْ بِيطَلْهَايِْمْ. ورغم أنني لم أستطع الوصول سوى إلى جزء قليل من أعمال بِيطَلْهَايْم، فإنني أعرف أن أبحاث بِيطَلْهَايْم تحتوي على تفاصيل مُعمَّقة. وقد غَدَت كُتب بِيطَلهَايْم مَرْجِعًا هامًّا لِفَهم تفاصيل ما جرى في الاتحاد السوفياتي.

وفي المقال الحالي، لا أقدر على تناول تفاصيل التَطَوُّر التاريخي لِلصِّرَاع الطبقة في ”الاتحاد السوفياتي“. (لأن دراسة هذا التاريخ للصراع الطبقي في ”الاتحاد السُّوفياتي“ يتطلب إتقان اللغة الروسية، والوُلُوج إلى مُجمل المراجع التاريخية، وسنوات من البحث العلمي). فَـأَكْتَـفِي بالإشارة إلى بعض العناوين الكبيرة، أو إلى بعض الأفكار الرئيسية. وفي العُمق، فإن موضوع الخلاف، والذي هو مسألة «كيف نتحرّر من الرأسمالية؟»، أو «كيف نُشَيِّـدُ الاشتراكية؟»، ليس موضوعًا مُحَايِدًا (neutre)، بل يبـقى هو نفسه مَجَالًا للصراع الفكري، ومجالًا للصراع الطبقي. وعليه، فَمُعْظَم الاحتمالات النظرية (حول إشكالية بناء الاشتراكية)، بما فيها احتمال الفشل، أو النجاح، تبقى وَارِدَة.

2.2- هـل تُـوجَـدُ دراسـات بـاللـغـة الـعـربـيـة تُـفَـسِّـر انـهـيـار الاتـحـاد الـسُـوفْـيَـاتِـي ؟

قبل سنة 2012، لم نَـعْثُر في البلدان الناطقة باللغة العربية على دراسات تُفسّر انهيار الاتحاد السوفياتي“. وبعد مجيء المناضل رِزْكَارْ عَقْرَاوِي(4) (وهو من مناضلي اليسار في كُرْدِسْتَان العراق)، أَقْدَمَ مع بعض أصدقاءه على تشيِيد الموقع الإلكتروني المُسَمَّى: الحِوَارالمُتَمَدِّن(http://www.ahewar.org/debat/nr.asp)(5). وتطوّر هذا الموقع الإلكتروني بسرعة. وأصبح زُوَّارُه يُعَدُّون بالملايين. وغدى أكبر موقع إلكتروني ثـقافي في العالم يستعمل اللغة العربية. وبِمُنَاسَبة الذكرى المِئَوِيَة لانطلاق ثورة أكتوبر 1917 في رُوسْيَا، نشر هذا الموقع عددا مُهِمًّا من المقالات والدراسات التي تُشَارِك في محاولة تحليل ثورة أكتوبر 1917 في رُوسْيَا. ومن بين الأسماء التي ساهمت في هذه المجهودات: سمير الخطيب، وفلاح أمين الرهيمي، وماهر الشريف، وسلامة كيلة، وأحمد الليثي، وملهم الملائكة، وجيلبر الأشقر، وجمال البزويقي، وسعيد قبيلات، ومئات الكُتّاب الآخرين. وفاق عدد المقالات (حول ثورة أكتوبر 1917) 300 مقال. وَقَدَّمَ جِيلْبِير الأشقر ملخّصا لأهم كتاب حديث، صَادِر بالإنجليزية، عن الثورة الروسية، كَتبه المُؤَرِّخ الانجليزي اسِتِيفَنْ أَنْـتُونِي اسْمِيثْ(6). (وهو ماركسي سابق). وبفضل هذه الاجتهادات، أصبح موقع ”الحوار المتمدّن“ يوفِّر لِزُوّاره، ولقرّائه، مجموعة غَنِية نِسْبِيًّا من المقالات أو الدراسات الهامّة، باللُّغَة العربية، حول ثورة أكتوبر 1917. (ولَوْ أن نسبة المقالات التي تطرّقت للموضوع الأكثر صُعُوبَةً، والذي هو أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي، بَـقِيَت قليلة جدًّا).

ومِمَّا شرحه مثلًا سعيد قبيلات في موقع “الحوار المتمدن”، أن الماركسية لَا تتوفّر على نظرية جاهزة لِبِنَاء الاشتراكية. وأن ماركس لم يضع تصوّرًا لِبِنَاء الاشتراكية. لأن معرفة بناء الاشتراكية (من منظور ماركسي)، لَا تُخْتَرَعُ في الخيال، وإنّما تُكْتَسَبُ من خلال تجارب بنائها. وكان ماركس قد ركّز مُجمل جُهوده على نـقد الرأسمالية. وكان البرنامج العام في “الاتحاد السُّوفياتي” هو «إنجاز الثورة الديموقراطية البورجوازية، ثم الانتـقال إلى الثورة الاشتراكية البْرُولِيتَارِيَة» (لِينِين). لكن المنتوج التاريخي الذي حصل عَمَلِيًّا (في الاتحاد السُّوفياتي) هو «رأسمالية الدولة الوطنية لِذَاتِهَا، (…) خاضعة للضّرورة التاريخية» (سعيد قبيلات).

2.3– هـل تُـشَـكِّـلُ سـيـاسـات اسْـتَـالِـيـن اسْـتِـمْـرَارِيَـة أم قَـطِـيـعَـة مـع الـمـاركـسـيـة ؟

أَتَّـفِقُ مع المُفكّرين الذين أَكَّدُوا على وُجُود فَرق كَيْـفِي بين فَتْرَة افْلَادِيمِير لِينِين، وفترة جُوزِيفْ اسْتَالِين. فَلَمْ يُطَبِّـق تِيَار جُوزِيفْ اسْتَالِين فِكر كَارْل مَارْكِس، ولَمْ يُوَاصِلُ مَنَاهِجَ افْلَادِيمِيرْ لِينِين. بل تُشَكِّلُ مَنَاهِج اسْتَالِين وسُلُوكِيَّاتِه قَطِيعَة تَامَّة مع مَاركس، ومع لِينِين.

ونلاحظ أن مُجمل القادة السياسيين الذين أَغْنَوْا«الماركسية»،بِالنَظَرِيَة أوبِالمُمَارَسَة، كانوا، في نفس الوقت، مناضلين، ومُثَـقَّفِين، وَفَلَاسِفَة، وعُلَمَاء (مثل مَارْكِس، إِنْجَلْس، لِينِين، مَاوُو، هُو شِيمِينْ، إلى آخره). أمَّا جُوزِيفْ اسْتَالِينْ، فَلَمْ يكن ضُعْفُ ثـقافته(7) يسمح له بِاسْتِيعَاب الماركسية، فبالأحرى أن يسمح له بتطويرها. ولم يَكن اسْتَالِين مُثـقّفا مُعَمَّـقًا، ولَا فيلسوفًا ثَاقِبًا. ولم يكن اسْتَالِين يَتَـفَوَّقُ لَا بالثـقافة الواسعة، ولَا بالوُضُوح النظري. بل كان اسْتَالِين يَتَطَـفَّلُ على العُلُوم (حَدَثَ ذلك مثلًا عبر تدخّله الفَجِّ في الصِّراع فيما بين أطروحات عِلْمية في ميدان البَيُولُوجِيَة). وقد نُشِرَت قرابة 13 كتابا(8) مَنْسُوبَة إلى جُوزِيف اسْتَالِين، في مجالات الفلسفة، والاقتصاد السياسي، والتاريخ، والاستراتيجية، واللِّسَانِيَّات، إلى آخره. وأشكُّ أن هذه الكتب ليست من إنتاج اسْتَالِين. لأن هذه الثقافة المُتَضَمَّنَة في هذه الكتب، لم تكن ظاهرة في سُلُوكِيَّات اسْتَالِين، ولَا في حِوَاراته. ولأن تاريخ النقاشات السياسية، والصراعات الفِكرية، الدَّائِرَة في روسيا، لم يُسَجِّل أن اسْتَالِين كان حقيقةً من بين المُفَكِّرين أو المُثَـقَّـفِين المرموقين. ولأنه لَا يُعقل أن شَخصًا مثل اسْتَالِين، لم يسبق له خلال حياته أن نشر مقالات أو دراسات نظرية، مَشْهُود بها لدى مُنَافِسِيه المفكّرين، أن يتحوّل فجأةً، بعد فرض سيطرته المُطلقة على الحزب الحَاكِم، إلى كاتب من مستوى عَال. ولا يُعْقَل مثلًا أن يكون الشخص الذي أَلَّفَ كتاب «الإنسان هو الرأسمال الأكثر قِيمَةً»، وكتاب «من أجل حياة جميلة وسعيدة»، هو نفس الشخص الذي أمر بِاضْطِهَاد وبِِسَحْق ملايين البشر، وحتى بسجن أو بإعدام غالبية النخب السياسية والمثقفة في الحزب الشيوعي، وفي رُوسْيَا. والاحتمال الأكبر هو أن اسْتَالِين كان يَأمُر خُدَّامه المُثَـقَّـفِين بأن يكتبوا له الكتب التي كان يحلمُ بها، مُقَابل أجرة، ثم يَنْسُبُهَا بدون حَرَج إلى نفسه. خاصَّةً وأن غُرُور اسْتَالِين كان بِلَا حدود.

وكان اسْتَالِين عُضوًا في حزب البَلَاشِفَة الروسي منذ سنة 1903. لكن دوره في ثورة أكتوبر 1917 كان هَامِشِيًّا، إلى حدّ أنه لم يكن يُذْكَر. ولم تكن قُوّة اسْتَالِين تأتي من ثـقافته، ولَا من عُلُومِه، ولَا من اسْتِيعَابِه للفلسفة الماركسية، ولَا من سِعَة وَعْيِه، ولَا من قُدرته على التَنْظِير، وَلَا من خِبْرَته في اِسْتِشْرَاف المُستـقبل. وإنما كانت تأتي من دهائه السياسي الخَفِيِّ، ومن تَحَايُلِه المُسْتَـتِر، ومن براعته في اكتساب عَطْفِ أو مُسَانَدَة الأطراف القوية في الحزب. ولَمَّا اِنْتَبَه لِينِين (في آخر حياته) إلى خُطورة تَسَلُّق جُوزِيف اسْتَالِين للأجهزة القيادية في الحزب الشيوعي، اِعترض على ذلك. لكن الْأَوَانَ كَان قَدْ فَاتَ. حيث أن مرض الدِّمَاغ الذي أصاب لِينِين فَرَضَ عليه التَنَحِّي من الحزب. وكان اسْتَالِين يعرف أن لِينِين يعارض وصول اسْتَالِين إلى أعلى سلطة في الحزب. لكن اسْتَالِين استطاع جمع الأصوات الـلَّازِمَة لكي يغدو في سنة 1922 الكاتب العام للّجنة المركزية للحزب الشيوعي. وبِدَعْوَى توفير ظروف الرَّاحة والاِسْتِشْفَاء إلى لِينِين، وَضَعَ اسْتَالِينُ لِينِينَ في عُزْلَة تَامَّة. وكانت عُزْلَة لِينِين بمثابة تَصْفِيَة مُبْكِرَة ومُسْتَتِر له. ثم تُوفِّيَ لِينِين في سنة 1924. وكان اسْتَالِين مُتَـفَوِّقًا في مجالات عَزْل مُعَارضيه، وتهميش مُنَافسيه، وحتّى تصفية خُصومه السياسيين. واستـطاع اسْتَالِين أن يفرض سَيْطَرَةً شخصيةً مُطلقةً على الحزب الشيوعي.

وكُلّ حزب شيوعي، أو اشتراكي، يقبل بأن يكون المسؤول الرئيسي فيه شخص من صِنْف جُوزِيف اسْتَالِين، أَيْ شَخْص يَـفْتَـِقِرُ إلى الثقافة والعقلَانية والعلوم والأخلاق، فهو حزب غير مُنْتَبِه، بل مُتَخَلِّف. ومَآل هذا الحزب سيكون هو الإفلاس.

وهذا الحدث يُذَكِّرُنَا بِإِشْكَالِيَة عَتِيقَة تناولها مثلًا حُكَمَاء اليُونَان القَدِيمَة. وهي: ما الذي ينبغي القيام به لِكَي يكون الحُكَّامُ فَلَاسِفَةً، والفلاسفةُ حُكَّامًا؟ فإلى حَدِّ اليوم، لَا نعرف كيف نمنعُ الأشخاص الجُهَّال، أو المُسْتَلَبِين، أو الانتهازيِّين، من الوضول إلى الحُكم؟ وكيف نُشَجِّع العُلَمَاء، والفَلَاسِفَة، والحُكَمَاء، على تحمّل مسؤوليّات سياسية مركزية؟

ونتذكَّر أن مَارْكِسْ أو لِينِين، حينما كانا يُلاحظان أن جزءًا من المناضلين يَخْتَلِفُ معهما في الرَّأي، في قضية سياسية مُحدّدة، كَانَا يَلْجَآن إلى إِعْدَادِ دِرَاسَة مُعَمَّـقَة، تحتوي على حُجَج عِلْمِيَة، أو عَقْلَانِيَة. وتستطيع هذه الدّراسة أن تُـقْنِعَ حتى الأشخاص الذين يرفضون أن يَـقْتَنِعُوا. بَيْنَمَا كان مَنْهَجُ جُوزِيفْ اسْتَالِين يعتمد على مَنْهَج مُعَاكِس. حيث كان اسْتَالِين يَعْزِلُ مُنْتَـقِدِيه، ويُهَمِّشُ مُعارضيه، ثم يَتَّهِمُهم بِتُهَم خطيرة، ويَحكم عليهم بالإعدام، عبر استغلال بِيرُوقْرَاطِيَة الحزب، وعبر استعمال الأجهزة المُخَابَرَاتِيَة، والفِرَق البُولِيسِية(9)، والمُحاكمات المَغْشُوشَة.

وفي جوهره، لم يكن جُوزِيف اسْتَالِين لَا مَاركسيًّا، ولَا شيوعيًّا، ولَا اشتراكيًّا، وإنما كان مَاكْيَافِيلِيًّا (machiavélique). وكانت غايته الأساسية هي غَزْوُ السُّلطة السياسية. وكان اسْتَالِين مَهْوُوسًا بشكل مَرَضِي باكتساب السلطة واحتكارها. وهذه المسألة تطرح إشكالية العلاقة بين السياسة والأخلاق(10). وعلى عكس الكثير من الظُّنُون، لا يمكن لأي عمل سياسي، أو نضالي، أوثوري، أن يكون نَبِيلًا، ومقبولًا، إلَّا إذا كان مُلْتَزِمًا بالأخلاق، وبالعَدْل، وبالقِيَم الإنسانية. أما سُلُوكِيَّات الغِشُّ، أو التَحَايُل، أو الخِدَاع، أو النِّـفَاق، أو الانتهازية، أو الظُّلم، أو الإجرام، فكلّها تتناقض مع الماركسية، ومع الاشتراكية. ومآلها النهائي هو الفشل.

وفي الاتحاد السوفياتي، تحت حُكْم جُوزِيف اسْتَالِين (بين سنتي 1924 و 1953)، حَدَثَت الكثيرُ من المُمَارسَات السياسية المُنْحَرِفَة. وبعد موت جُوزِيف اسْتَالِين في سنة 1953، خَلَفَهُ أَحَدُ تَلَامِذَته: نِيكِيتَا اخْرُوشْتْشُوفْ. وكان في الأصل مجرّد عَامِل. ودام حُكْمُ اخْرُوشْتْشُوفْ من 1953 إلى 1964. وفي المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السُّوفْيَاتِي في سنة 1956، فَضَحَ اخْرُوشْتْشُوفْ أساليب اسًتَالِين القَمعية، وَاِنْتَـقَدَ سُلُوكِيَّاته الاستبدادية، ونَدَّدَ بِجَرَائمه التي لَا تُعَدُّ. لكن ذلك التَنْدِيد لم يكن كَافِيًّا. واعترفَ اخْرُوشْتْشُوف أنه هو نفسه، كان من قبل يُساند قمعَ اسْتَالِين، وكان يشارك في تنـفيذه، وذلك خوفًا من عُنْـفِه. وفي المؤتمر 22 للحزب الشيوعي السوفياتي، قرّر المؤتمر إعادة الاعتبار لبعض الضحايا البارزين الذين أُعْدِمُوا ظُلْمًا تحت حُكم اسْتَالِين. وحاوَل اخْرُوشْتْشُوف تَمْرِير بعض الإصلاحات الاقتصادية اللِّبيرالية، للتَّخْفِيف من الأزمة الاقتصادية. لكن بيروقراطية الحزب أفشلتها [مثلما أن بعض البَلَاشِفَة، نَاهَضُوا «السياسة الاقتصادية الجديدة» (NEP) الْلِّيبِيرَالِيَة التي وضعها لِينِين في سنة 1921]. ثمّ تآمرت بيروقراطية الحزب الشيوعي ضدّ اخْرُوشْتْشُوف، ونَحَّتْه من السلطة في سنة 1964. وَتَدُلّ تَنْحِيَّة اخْرُوشْتْشُوف (من طرف بيروقراطية الحزب) على أن المناهج السْتَالِينِية قد تَـقَلَّصَت، أو زَالت نسبيًّا، من الحزب. ولو كان اخْرُوشْتْشُوفْ اسْتَالِينِيًّا مثل اسْتَالِين، لَمَا تجرَّأ أحد على مُخالفته. فكان اخْرُوشْتْشُوفْ هو أوّل من ناضل من أجل التخلّص من المناهج السْتَالِينِية (déstalinisation)، وكان أيضًا هو أوّل “ضَحِيَّة” لِمَا قام به. الشيء الذي يُؤَكِّد أنه نجح نسبيًّا في مهمّته. ولو أن التنديد بالسْتَالِينِية في الاتحاد السُّوفياتي بقيَ غير كَاف.

وفي سنة 1985، حاول من جديد مِيخَائِيل غُرْبَاتْشُوفْ تَصْحِيح امْتِدَادَات ومُخَلَّفَات السِّيَاسات “السْتَالِينِيَة” (stalinisme). وحاول إصلاح الاقتصاد السُّوفْيَاتِي المُتَهَالِك عبر سَنِّ “سياسة اقتصادية جديدة” (NEP). ثمّ بَادَرَ إلى إطْلَاق سياسة “الشَّفَافِيَة” (الجْلَاسْنُوسْتْ، Glasnost). ودَافَع عن سياسة “إِعَادَة الهَيْكَلَة” (البِيرِيسْتْرُوِيْكَا، Perestroïka). لكن أجهزة الحزب الشيوعي لم تكن ناضجة لِفَهْمِ، أو لِإِنْجَاح، هذه الإصلاحات. بل سَاهمت في إفشالها. فكان مصير الاتحاد السوفياتي هو السَّيْرُ نحو الانهيار الشَّامِل، بين قرابة سنتي 1989 و 1991. ورغم ذلك، مَا زال الانْبِهَارُ بِجُوزِيفْ اسْتَالِين، أو تَمْجِيد شخصيته، قويَّيْن إلى حدّ اليوم، لدى بعض مناضلين اليسار. ورُبَّما لَوْ كان تَرُوتْسْكِي، أو كَامِينْيِيفْ، أو زِينُوفْيِيفْ، أو بُوخَارِين، أو غيرهم من بين أطر الحزب المُحَنَّكَة، هو الذي خَلَفَ لِينين، بدلًا من اسْتَالِين، لَمَا حدثت بعض الحَمَاقَات، أو الجرائم القمعية، التي أَشْرَفَ عليها اسْتَالِين ومُنَاصِرُوه. لكن التاريخ غالبًا ما يُفاجئنا بتطوّرات لا يـقدر خيالنا البشري على تَوَقُّعِهَا.

وقد نَمَت داخل الاتحاد السوفياتي فئات طبـقية مُسْتَغِلَّة، وسائدة، من صنف جديد. وَفَرَضَت هذه الفِئَات الابتعاد عن مناهج الثورة الاشتراكية، والرجوعَ إلى الوراء من “رأسمالية الدولة الوطنية لِذَاتِهَا” إلى صِنْف مُسْتَتِر من الرأسمالية. وتُوجَدُ أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي على الخُصوص في تفاصيل التاريخ الفعلي للصِّراع الطبقي، وليس في نَـقَائِصَمُفْتَرَضَة في النظرية الماركسية. الشيء الذي لَا يُلْغِي احتياج الماركسية إلى مُرَاجَعَة، ونـقد، وتطوير، وإغناء، وإبداع.

وقد طرح بعض الباحثين في الغرب أن الأسباب الرئيسية لانهيار الاتحاد السوفياتي تَكْمُنُ في مُغَامَرة احتلاله لِأَفْغَانِسْتَان، أو في محاولة منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في مجال سِبَاق ”حرب النُجُوم“. وفي رأيِي، حتى لَوْ لَمْ يدخل الاتحاد السوفياتي إلى أفغانِستان، وحتى لو لم يدخل في سِبَاق ”حرب النجوم“، فإن التناقضات الداخلية في نظام الاتحاد السوفياتي بَلَغَتْ حَدًّا كافيًا وحَاسِمًا من الاِخْتِمَار لكي تُؤَدِّيَ به إلى الانهيار، سَوَاءً في سنة 1991، أو في وقت لَاحق.

ولمّا اِحْتَدَّ الصراع الأيديولوجي بين الصين والاتحاد السوفياتي، خلال سنوات 1970، بدأنا (في “تنظيمات الحركة الماركسية اللِّينِينية” بالمغرب) نَشُكُّ، أو بدأنا نـفهم، أن الاشتراكية فيها دَرَجَات، أو أنواع، أو مَرَاحِل. وبدأ بعضنا يَظُنّ أن بناء الاشتراكية يَـفْتَرِضُ نوعا من التلاؤم مع واقع المجتمع المعني، ومع مُستوى تقدّمه. وبدأنا نُدْرِك أن تشييد الاشتراكية يمكن أن ينحرف بسهولة عن الطريق السليم. الشيء الذي لم نكن نعرفه من قبل. وبدأنا نفهم أن الحزب الشيوعي، أو حزب الطبقة العاملة، لا يتطابق، أو لا ينسجم، بالضرورة، مع هذه الطبقة العاملة. ولاحظنا أن كثيرًا من الأحزاب تدّعي أنها هي «حزب الطبقة العاملة»، دون أن تكون هي فعلاً الحزب الحقيقي لهذه الطبقة. وتعلّمنا أن بعض الأحزاب الشيوعية تستطيع أن تَتَصَرَّف كَوَصِيٍّ على الطبقة العاملة، بينما مُمارستها تَضُرُّ بِـ، أو تتعارض مع، المصالح الاستراتيجية للطبقة العاملة. وحتى إذا كان الحزب الشيوعي هو حزب الطبقة العاملة، من حيث انتماء جزء من أعضائه إلى العُمَّال، فَمِنْ الممكن أن يتحوّل هذا الحزب إلى نَـقِيضِهِ، أو إلى شيء آخر. وبدأنا نَسْتَوْعِبُ أنه بالإمكان أن ينحرف حزب الطبقة العاملة، أو أن ينهج سياسة غير ثورية، أو غير اشتراكية، أو غير ديمقراطية، إلى آخره.

وبعد انهيار الاتحاد السّوفياتي من جهة أولى، ومن جهة ثانية تَنَامِي قوة الصِّين، اِتّضَح أكثر مِمَّا كان في السَّابق، أنه خلال مرحلة الانتقال من الثورة الديموقراطية البرجوازيةإلى الثورة الاشتراكية، لَا بُدَّ من المُزَاوَجَة، في نفس البلد الاشتراكي، بين اقتصاد اشتراكي واقتصاد رأسمالي مُتَحَكَّم فيه. (وسنعود فيما بعد لِهذه الإِشْكَالِيَة، في الجزء الخاص بِتجربة الصِّين).

ومن مِنْظَار نظرية المادية الجدلية، يمكن لأي فاعل سياسي أن يتحول إلى نَـقِيضِهِ. ويمكن للدولة، أو للطبقة العاملة، أو للحزب الشيوعي، أو لحزب البروليتاريَا (في حالة وجوده)، أو للقيادة، أو للزّعيم، يمكن لأي واحد من هؤلاء الفاعلين السياسيين أن يتطوّر إلى نَـقِيضِه، على مستوى الفِكر، أو الوَعي، أو السُّلوك. ويمكن حتى لِلسُّوفْيِيتَات (soviets) (أي لِجَان الكادحين) أن تتحوّل إلى نَـقِيضِهَا.

ورغم كل السَّلْبٍيَات التي كانت موجودة في تجربة الاتحاد السوفياتي، والتي نُـقِرُّ بها، ولا نُخْفِيهَا، فإن هذه التجربة ستـظلّ غنية بالدروس لكل البشرية. وعوض أن نقول: «انهار الاتحاد السوفياتي، ومَاتَتْ معه الاشتراكية، والماركسية»، وانتهى الموضوع، على عكس ذلك، يلزم أن نُـفَكِّر أن الماركسية أَلْهَمَت تجارب ”اشتراكية“ تاريخية، أَوَّلِيَة، ومُعقّدة، وغَنية. ومن واجب العُلَمَاء (الماركسيين) أن يدرسوا كلّ هذه التجارب التاريخية، بدقّة عِلْمِيَة، لكي يستخلصوا منها كلّ الدروس الحَاسِمَة في مصير البشرية.

ولَوْلَا قوّة النظرية الماركسية، لما حدثت بعض التحوّلات الجذرية في العالم. ومن أبرزها ظُهور مَوْجَات طُمُوح جَماهير وشُعُوب عريضة إلى الانعتاق من أشكال مختلفة من الاضطهاد، كالاستعمار، وهيمنة الإمبريالية، والاستغلال الرأسمالي، إلى آخره. وحتّى جزء من الحقوق الديمقراطية التي انتزعها الكادحون في البلدان الرأسمالية الغربية، كان انتزاعها في إطار «الحرب الباردة» بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وتحت تأثير وضغط المُكتسبات المُحَـقَّـقَة في بعض البلدان الاشتراكية (كمشاركة النساء في الانتخابات، والعُطلة السَّنوية، والتَغْطِيَة الصِّحِيَة، إلى آخره). وقد كان الاتحاد السُّوفياتي بمثابة مُخْتَبَر لكل البشرية. وقد لعب الاتحاد السوفياتي دورًا حَاسِمًا في هزم النظام الألماني النَّازِي، والتوسّعِي، لِأَدُلْفْ هِتْلَرْ، إبَّان «الحرب العالمية الثانية». وسَاهَمَت الماركسية في ظهور، وفي تحرّر، وفي تـقدّم، بَلَدَين عُظْمَيَيْن (هُمَا رُوسيا والصِّين)، كانتا قبل سنة 1917 في تخلّف يُذَكِّرُ بِالإِقْطَاعِيَة، وَبِالقُرُون الوُسْطَى. وأصبح هذان البلدان يُحْسَبَان اليومَ ضِمْنَ القِوَى العالمية العُظمى، وذلك لعدّة أسباب، من ضمنها الاستفادة من النظرية الماركسية.

2.4 – ألـيـس الـتَـسَـرُّع، وَحَـرْق الـمـراحـل، في إنـجـاز مـهـام الـثـورة، خـطـأً فَـادِحًـا ؟

بعدما انهار الاتحاد السوفياتي، يَتَبَادَر إلى الذهن هذا التَسَاؤُل الأول: لماذا حدث هذا الانهيار؟ ولَمَّا نُحِسُّ بصعوبة الجواب على هذا التساؤُل، يَتَرَاءَى في ذهننا تَساؤل ثان هو أقل صُعوبة: من أين أتى الاتحادُ السوفياتي، وأين وَصَلَ قُبَيْلَ انهياره، وإلى أين كان يَطْمَحُ الذهابَ إليه؟ ولم يسبق لي أن قرأتُ جوابًا واضحًا ومُرْضِيًّا عن هذه التساؤلات. وبِالصُّدفة، قرأتُ مقتطفًا من مقال(11) كان لِينِين قد نشره قُبَيْلَ مرضه، في سنة 1921، بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة 25 أكتوبر 1917. وكما عَهِدْنَاه، كان لِينِين في مقاله هذا وَاضحًا، جَدَلِيًّا، وشُمُولِيًّا. وبتلخيص كَبِير (وَلَوْ أن التَلْخِيصَ يُفْـقِدُ الدِقَّة) عن التساؤل الأوّل الذي هو: (من أين أتى الاتحاد السوفياتي؟)، أجاب لِينِين: «كانت المظاهر الأساسية في مُجتمع رُوسْيَا، قبل ثورة أكتوبر 1917، هي بَـقَايَا وآثَار القِنَانَة (عُبُودِيَة الأرض) (servage)، واستبداد المَلَكِية، والطَّوَائف (castes) الاجتماعية، ومِلْكِيَة الأرض، والتَمَتُّـع بالأرض، ونُكْرَان حقوق المرأة، وهيمنة الدّين، واضطهاد القوميات غير الرُّوسية، إلى آخره»(12).

وعن السؤال الثاني الذي هو: (أين وصلت الثورة في رُوسْيَا في سنة 1921؟)، أجاب لِينِين: «لقد خَلَقَ الفَوْضَوِيُّون، والدِيموقراطيون البُورجوازيُّون الصغار، أَيْ المَنَاشِفَة، والاشتراكيون الثوريون، خلقوا غُموضًا كبيرا حول العلاقة بين “الثورة الديمقراطية البورجوازية” و”الثورة الاشتراكية”، أي “الثورة البْرُولِيتَارِيَة”… ومضمون “الثورة الديمقرطية البرجوازية” هو التَحَرُّر من تَـقَالِيد القرون الوُسْطَى، ومن القِنَانَة، ومن الإِقْطَاعِيَة (féodalisme) في العلاقات المُجتمعية (كَنِظَام، وكُمُؤَسَّـسَات)… لقد خُضْنَا “الثورة الديمقراطية البرجوازية” حتى نِهَايَتِهَا القُصْوَى، وأكملنا مهامّها أكثر من أية ثورة أخرى في العالم. حيث قُمْنَا بِحَذْف بَقَايَا القرون الوُسْطَى بشكل جذري ونهائي، وكَنَسْنَا مَلَّاكِي الأراضي الكِبَار، وأنجزنا الإصلاحات الزراعية، وقُمْنَا بِتَنْـقِية رُوسْيَا من هذه البربرية، ومن هذه الفضائح، التي كانت تُعِيقُ كل تَنْوِير، وتُفَرْمِلُ كل تقدّم في بلادنا»(13).

وعن السؤال الثالث الذي هو: (إلى أين كانت الثورةُ تُريدُ الذهابَ إليه؟)، أجاب لِينِين: «بِوَعي كامل، وبِخُطَى ثابتة، وبدون أيّ انحراف، نَسِيرُ إلى الأمام نحو “الثورة الاشتراكية البْرُولِيتَارِيَة”، مع العِلم أن “الثورة الديمقراطية البرجوازية” ليست مَفْصُولة عن “الثورة الاشتراكية” بحائط الصين العظيم، ومع العلم أن الكفاح وحده سَيُحَدِّدُ مِقْدَار الخَطَوَات التي سَنَنْجَحُ في إحرازها، كما سَيُحَدِّد الجزء من مُهِمَّتنا الذي سَنُنْجِزُهُ، وسَيِحَدِّد الجزءَ من انتصاراتنا التي سَنُـقَوِّيها. وهي مهام أكبر بكثير من المهام القديمة. ومن سَيَعِيش، سَوفَ يَرَى»(14).

ومن معاني مقتطفات مقال لِينِين السابق، أوّلًا، أن مَا كان يُنْجَزُ في رُؤسْيَا خلال سنوات 1921 هو مهام “الثورة الديمقراطية البرجوازية”، وليس مهام “الثورة الاشتراكية البروليتارية”. وثانيًّا، أن التَوَجُّه العام للنضال الثوري في رُؤسْيَا كان هو تَهْيِئ شُروط إنجاز وإنجاح مهام الثورة المُقبلة، والتي هي “الثورة الاشتراكية البروليتَارية”. حيث كتب لِينِين: كُنَّا «نَسِيرُ إلى الأمام نحو “الثورة الاشتراكية البْرُولِيتَارِيَة”». بِمَعْنَى كُنَّا نطمح إلى “الثورة الاشتراكية البروليتارية”، لكننا لم نَدْخُلْ مَرْحَلَتَهَا بعدُ، ولم نَبْدَأً بعدُ في إنجاز مهام هذه “الثورة الاشتراكية”.

واستفادةً من كوننا نتكلّم مِنْ بَعد حُدُوثِ “انهيّار الاتحاد السُّوفياتي” في سنة 1991، يمكننا أن ننتـقد لِينِين ورفاقه (وكذلك خَلَفَه اسْتَالِين)، على سياسة حَرْقِ المَرَاحِل، والتَسَرُّع في اعتبار مهام “الثورة الديمقراطية البرجوازية” مُنْجَزَة بالكامل، في ظرف زمني وجيز نسبيًّا. ونحن نَتَـفَهَّم أن تهديد استمرارية الثورة من طرف أعداء كثيرين، من الداخل ومن الخارج، يَضْغَطُ في اِتِّجاه تَسريع وثيرة إنجاز مهام الثورة. لكن هذا الضغط لَا يُبَرِّر سياسة التَسَرُّع، أو حرق المراحل، في مجال إنجاز الثورة. وقد كتب لِينِينُ: «لقد خُضْنَا “الثورة الديمقراطية البرجوازية” حتى نهايتها القصوى، وأكملنا مهامّها…». بل أَكَّدَ لِينِين أن «قُرَابَة عشرة أسابيع، من 25 أكتوبر 1917، إلى تاريخ حلّ الهيئة التَّاْسِيسِيَة (Constituante) في 5 يناير 1918»(15) كانت كافية لإنجاز مهام “الثورة الديمقراطية البرجوازية”. وهذا الحُكْم السياسي يَتَضَمَّنُ في (سنة 1921) قَدْرًا من التَسَرِّع. لأنه، إذا كانت السلطة السياسية الجديدة في رُوسْيَا قد قَرَّرَت عدّة إجراءات ثورية، وَسَنَّتْ عدّة قوانين (تدخل ضمن مهام “الثورة الديمقراطية البرجوازية”)، فإن مُرُور، ليس فقط 10 أسابيع، بَلْ حتّى أربعة سنوات، على بداية ثورة أكتوبر 1917، لَم يكن كافيًّا لِكي تتحوّل هذه القرارات أو الإجراءات الثورية إلى واقع مُجتمعي عَمِيق، ورَاسِخ. لأن زَمَان تطوّر المُجتمع هو أَبْطَأُ بكثير من زَمَان قرارات السلطة السياسية. ومن المُسْتَبْعَد أن المهام التي حدّدها لِينِين، مثل «التخلّص من تقاليد القرون الوسطى»، ومن «عُبُودِيَة الأرض» (servage)، ومن «تأثير الإقطاعية في العلاقات المُجتمعية»، ومُخَلَّفَات «المَلَكِية المُستبدة»، و«الطَوَائِف» (castes)، و«وضعية المرأة»، وهيمنة «الدِّين»، و«اضطهاد القوميات»(16)، من المُسْتَبْعَد أن يَكْتَمِل إنجاز هذه المهام خلال «عشرة أسابيع». هذا غير واقعي. بل قد تحتاج مُعالجة هذه المهام على الأقل إلى 10 أو 20 سنة. لأنه يَصْعُب محو تقاليد مُجتمعية سلبية تَعُودُ لِقُرُون خلال فقط بضعة شهور. ولكي يستوعب المُجتمعُ القرارات الثورية الجديدة، ولكي يَتَشَبَّعَ بها، ولكي يُحَوِّلَها إلى واقع مَلْمُوسومُعَاش، تَسْتَوْعِبُه الأجيال الصَّاعِدَة، يحتاج المُجتمع إلى قُرَابَة15 أو 30 سنة، وليس إلى بضعة شهور(مثلما قال لِينِين)، أو بضعة سنوات.

ولَمَّا تَـقَلَّد اسْتَالِين السلطة السياسة (في سنة 1922)، سَايَرَ هذا التَـقْدِير المُتَسَرِّع الذي يعتبر مرحة “الثورة الديمقراطية البرجوازية” مُنْتَهِيَة. بل زَادَ اسْتَالِينُ في المُبَالَغَة في هذا الحُكْم المُتَسَرِّع. وغَدَى الحزب الشيوعي يعمل كأنه بَلَغ وَسَطَ مرحلة “الثورة الاشتراكية البروليتارية”، بينما كانت البلاد تعيش، بعد ثورة 1917، وبعد الحرب الأهلية، وبعد الهجمات الإمبريالية الخارجية، في تَصَدُّع، وخراب، وتخلّف نسبي.

ومِمَّا زاد المُشكلَ تعقيدًا، أنه بعدما خلف اسْتَالِينُ لِينِينَ، لم يَكُن اسْتَالِين (وأنصاره) في مستوى الإِدْرَاك الشُمُولِي والجَدَلِي الذي كان يُمَيِّزُ لِينِين. ولم يكن اسْتَالِين (وأنصاره) في مُستوى استيعاب عُمْق الخَطِّ السياسي اللِّينِينِي. وقد استـفاد اسْتَالِين فقط من رُكُوب الموجة الثورية الهائلة التي تركها لِينِين. ثم ارتكب اسْتَالِين سلسلة لَا تُصَدَّق من الأخطاء، والانحرافات، والحماقات، والجرائم.

ومن بين الفُرُوقَات المُعَبِّرَة الموجودة بين لِينِين واسْتَالِين، أن لِينِين كان يُلِحُّ على أن التَخَلُّف الكبير الحاصل في رُوسْيَا في المجال الاقتصادي(أي في مستوى نمو قوى الانتاج)، يفرض المُزَاوَجَة بين اقتصاد «مُؤَمَّم» [أو «اشتراكي»] واقتصاد رأسمالي. لأنه كان يَغْلُبُ على رُوسْيَا الطابع الفلاحي، ومُخَلَّفَات شِبْه إِقْطَاعِيَة، وكانت الصناعة فيها ضعيفة. فأطلق لِينِين «السياسة الاقتصادية الجديدة» (NEP) (في مارس 1921). والمقصود بهذه السياسة هو تنشيط قطاع اقتصادي رأسمالي مُوَاز. وكان لِينِين يُريد إنعاش نشاط اقتصادي رأسمالي في المُجتمع، يَتَمَيَّزُ بكونه جزئيًا، ومُتَحَكَّم فيه، ويدوم خلال فترة زمنية محدودة. وإلى حِين وفاته (في سنة 1924)، لم يُعْلِن لِينِين السَنَةَ التي ستنتهي فيها هذه «السياسة الاقتصادية الجديدة» الرأسمالية. وكان لِينِين يقول أنه ينبغي الاستمرار بجدِّيَة في تنفيذ هذه «السياسة الاقتصادي الجديدة» خلال فترة لَا تَقِلُّ عن عشرة سنوات، ولَا تتجاوز مدّة25 سنة(17). لكن اسْتَالِين لم يكن يَعِي الأهمية الإستراتيجية لِهذه الإشكالية. ولم يؤطّر اسْتَالِين الحزبَ الشيوعيَ الحاكمَ لكي يُعَمِّقْهَا بما فيه الكفاية. وبعد موت لِينِين، تلاشت مُقَوِّمَات «السياسة الاقتصادية الجديدة» إلى أن زَالَت، دون أن تُحَـقِّقَ كل أهدافها المرجُوّة. وهذا الخطأ السياسي الاستراتيجي، اِنْضَافَ إلى أخطاء أخرى، وساهم في إضعاف الاتحاد السوفياتي، وفي تهيئ شروط انهياره في ظروف لَاحِقَة.

ومن بين القضايا التي لم يكن تِيَار اسْتَالِين يفهمها، أن ميزة كل مرحلة تاريخية انتقالية هي أنها تَتَضَمَّن عناصر من الماضي، وعناصر من المستقبل المُرَاد الوصول إليه. ولم يكن أيضًا تِيَار اسْتَالِين يفهم أن وجود اقتصاد رأسمالي، جُزْئِي وَمُتَحَكَّم فيه، خلال الفترة الانتقالية من «الثورة الديمقراطية البرجوازية» إلى «الثورة البْرُولِيتَارِيَة الاشتراكية»، هو وُجود ضروري. والغَايَة هي أن يتعلّم الاقتصاد الاشتراكي من الاقتصاد الرأسمالي كلّ المَزَايَا الإجابية، أو المُبْدِعَة، أو الفعَّالة. كما أن المنافسة المُتَهَيِّجَة بين الاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي تَحُثُّ الدولةَ “الاشتراكية” القائمة على تَـقْوِيم الاقتصاد الاشتراكي، وتَحْفِيزِه، وتَغْلِيبِه، وتطويره، لكي يستفيد الاقتصادُ الاشتراكيُّ من إيجابيات الاقتصاد الرأسمالي، ولكي يتجاوز سلبيَّاته، حتى يصبح أكثر تقدّمًا من نَقِيضِه الاقتصاد الرأسمالي.

ولِتَعْمِيق وعيِهَا الطبقي، ولِصَقْلِ حِسِّها النَّـقْدِي، تحتاج طبقة الكادحين (أو البْرُولِيتَارِيا) هي نفسها إلى التَعَلُّم من خلال الاصطدام المباشر، ومن خلال المنافسة الملموسة، بين علاقات الانتاج الرأسمالية وعلاقات الانتاج الاشتراكية. فالاقتصاد الاشتراكي يوجد في الاقتصاد الرأسمالي، كما أن الاقتصاد الرأسمالي يُوجد في الاقتصاد الاشتراكي. وَبَدَلًا من التسرّع في إلغاء التناقض بين الاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي، عبر إلغاء وجود أحد طَرَفَيْه (أي عبر إلغاء الاقتصاد الرأسمالي)، مثلما فعل اسْتَالِين، كان ينبغي إيجاد هذا التناقض (بين الاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي)، والتحكُّم فيه، والاستفادة منه، خلال المرحلة الانتـقالية، بهدف تَغْلِيب الاقتصاد الاشتراكي، وتقوية علاقات الإنتاج الاشتراكية. [وبهذه المناسبة، أُنَبِّه إلى أحد أخطاء الحكم القائم حاليا في الصِّين. وهو أنه يستعمل الاقتصاد الرأسمالي الموازي فقط لتَضْخِيم حجم التنمية الاقتصادية، لكنه لَا يستغل هذا الاقتصاد الرأسمالي لِتحفيز الاقتصاد الاشتراكي، ولِتَقْوِيَتِه، ولِتَغْلِيبِه. وإذا اِسْتَمَرَّ هذا الخطأ طَوِيلًا، يُِمكن أن يَنْتُجُ عنه، على المدى المتوسّط أو البعيد، اضْمِحْلَال، ثم زوال، الاقتصاد الاشتراكي من الصِّين]. وبعد انتهاء مرحلة المُوَازَاة بين الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي، وبعد اكتمال استفادة الاقتصاد الاشتراكي من الاقتصاد الرأسمالي، آنذاك يمكن اللجوء إلى التدمير النهائي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية من المُجتمع.

يظهر انهيار ”الاتحاد السُّوفياتي“، ليس كفشل كُلِّي ونهائي، وإنما كَفَشل مُؤقّت، أي كَحَلقة في سلسلة تاريخية مُحْتَمَلَة من النجاحات والإخفاقات. فمن جهة أولى، يمكن أن تنجح الرأسمالة في مجتمع مُعيّن (أو في العالم)، مرّة أولى، وثانية، وثالثة. لكن مآل الرأسمالية التاريخي هو الزوال. لأن الطبيعة الفردية لِتَمَلُّك وسائل الإنتاج في الرأسمالية تتناقض مع الطبيعة المُجتمعية للإنتاج والتوزيع والاستهلاك. ومن جهة ثانية، يمكن للإشتراكية في مجتمع محدّد أن تفشل مرّة أولى، وثانية، وثالثة، لكن الاشتراكية تبقى هي المؤهّلة أكثر من غيرها لكي تنجح. لأن المضمون المُجتمعي للإشتراكية يتلائم أكثر مع الطبيعة المُجتمعية للمجتمع.

ومشكلنا ليس هو الخوف من التناقض (مثلًا هنا التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية). وهدفنا ليس هو نكران وجود التناقض، أو إخفاءه. وإنما غايتنا هي الاستفادة من التناقض الموجود، والعمل على تغيير الواقع المُتَنَاقِض، وخلق صيرورة تَـقَدُّمية، أو ثورية، بهدف مُعالجة ذلك التناقض، ثم تجاوزه، للانتقال نحو واقع مُجتمعي آخر، يكون من مستوى أعلى. والصراع (المُتَحَكَّم فيه) بين الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي، تحت حكم سلطة سياسية اشتراكية أو شيوعية، هو الذي سَيُسَاعد على بناء وتعميق وتقوية اشتراكية تتميّز بتفوُّقِهَا على الرأسمالية.

3) هــل الــنُّــمُــو الاقــتــصــادي شَــرط لِـنَـجَـاح الــثــورة الاشــتــراكــيــةَ ؟

الماركسية هي اجتهاد نظري عِلْمِي، ونِسْبِيّ، وغير مُكْتَمِل، وغير مُطلق، وقابل للمُراجعة، ولِلْإْغْنَاء. وتُوجد قضايا لم يتوقّعها كارل ماركس، أو لم يدرسها بقدر كَافٍ.

وفي مثال العلاقة بين مستوى النُّمُو الاقتصادي وحدوث الثورة الاشتراكية، ذَكَّرَ سمير الخطيب بالمثال الذي طَوَّر فيه افْلَادِيمِير لِينِين فكر كَارْل مَارْكِس. حيث كان كارل ماركس قد طرح أن الاحتمال الأكبر هو أن الثورة الاشتراكية ستحدث في البلدان الرأسمالية الأكثر تَـقَدُّمًا. بينما «لَدَى لِينِين، كانت الفكرة الرئيسية أن الثورة يمكن أن تنجح في أضعف الدول الرأسمالية، وليس في أكثرها تَطَوُّرًا»(18) ! وقد أثبت نجاح ثورة أكتوبر 1917 في رُوسْيَا أن لِينِين كان على حقّ (وضدّ ماركس). وفي مجال إسقاط سلطة البرجوازية، تَجَرَّأَ لِينِين على تقديم تحليل جديد ومخالف لِتحليل ماركس. و«طرح لِينين أن الدولة الرأسمالية لَا تُصَدِّر البضائع فقط [مثلما طرح ماركس]، وإنما تُصدِّر أيضًا أزماتها. ومن هنا جاء تحليل لِينِين بأن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، وبأن الرأسمالية لن تسقط في أقوى الحلقات حسب ماركس، ولكنها ستسقط في أضعف حلقاتها»(19).

ويمكن قراءة إِشْكَالية إِقْلَاع التنمية الاقتصادية في الصِّين من زاوية مسألة العلاقة بين مستوى النُّمُو الاقتصادي، وحدوث الثورة الاشتراكية. سأوضِّح. قبل سنة 1945، كان يُوجد في الصِّين نظامٌ سياسي رأسمالي تَبَعِي للاِمْبِرْيَالِيَة، يعجز على تحقيق التنمية الاقتصادية. فبقيت الصّين بلدًا متخلّفًا. ثم حدثت في الصين حرب تحرير وطنية، ثم حرب أهلية، ثم «ثورة اشتراكية». وقد اِتَّبَع الحزب الشيوعي الصيني عُمُومًا خطًّا سياسيا «شِيُّوعِيًّا» بين سنتي 1949 و 1976. ورغم تَثْبِيت واسْتِمْرَارية «الثورة الاشتراكية» في الصّين، فإن هذا البلد بقي على العُموم بلدا فِلَاحِيًّا، ومُتَخَلِّفًا نِسْبِيًّا. ولم تستطع الصين أن تتحوّل إلى بلد صناعي. لأن التصنيع يحتاج إلى استثمارات ضخمة، ومتواصلة، وتتجاوز قُدُرَات الدولة الصينية القائمة. وأدرك بعض أطر الحزب الشيوعي الصّيني أن هذا التخلّف النسبي في المجال الاقتصادي يُبْقِي الصّين في حلقة مُفْرَغَة (cercle vicieux) من التخلّف. بل يُهدّد أمن الصين، ويُهدِّد حتى استمرارية «الثورة الاشتراكية» فيها. وكان الحلّ الذي اِتَّجَهَ نَحْوَه الحزب الشيوعي الصيني، على الخُصُوص منذ قرابة سنة 1976، هو المُزَاوَجَة بين اقتصادين اشتراكي ورأسمالي. فشجّعت السلطة الصينية المبادرات الاقتصادية الخُصوصية، ودخلت الصين في انفتاح تدريجي ومتصاعد على السوق العالمية الرأسمالية، تحت قيّادة الحزب الشيوعي الصيني. وبعد مرور قرابة 40 سنة على دخول الصين في سياسة «بلد واحد بنظامين اقتصاديَّين(اشتراكي ورأسمالي)»، أصبحت اليوم جَلِيَّةً مظاهرُ تنميةٍ اقتصاديةٍ هائلة في الصين. وغدت الصين من بين دولة العالم الصناعية المتـقدمة في مُجمل الميادين التكنولوجية. ولو أن الصّين مَا زالت تعتبر نفسها رَسْمِيًّا «من ضمن البلدان السَّائرة في طريق النمو».

لِنُلَخِّص الآن المَشْهَد: كارل ماركس توقّع حدوث الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية الأكثر تـقدّمًا. لكن الثورة الاشتراكية لم تحدث في هذه البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما. وإنما حدثت الثورة الاشتراكية [كما اِسْتَشْرَفَ ذلك لِينِين] في البلدان التي كانت تُجَسِّد، خلال المرحلة التاريخية المعنية، الحَلَقَات أَلْأَضْعَف (في المنظومة الرأسمالية العالمية)، مثل روسيا، والصين، وفِيتْنَام، وكوريا الشمالية، وكوبا، إلى آخره. لكن البلدان «الاشتراكية»، التي لم تَـفْلَحْ (بعد مُرور قرابة 50 سنة) في تحقيق مُستوى مُتـقدِّم نِسبيًّا من النمو الاقتصادي الشَّامل، مثل روسيا، كان مصيرها هو الانهيار (لأسباب مُرَكَّبَة). وإذا لم تنجح البلدان «الاشتراكية» الأخرى، مثل كُوبَا وكُورْيَا الشمالية وفِتْنَام، في إنجاز قَدْرٍ مُرْضٍ مِنَ التنمية الاقتصادية، في أجل لا يتجاوز كثيرًا قرابة 50 سنة، فإن مصيرها سيكون هو الإفلاس (مثلما حدث في الاتحاد السّوفياتي). أمَّا البلدان «الاشتراكية» التي وجدت سَبِيلًا لتحقيق مستوًى مُتـقدِّما من النمو الاقتصادي مثلما حدث في الصين)، أصبحت أقوى بكثير مِمَّا كانت عليه قبل الثورة. وقد يكون لِعَوَامِل مُجتمعية أخرى (مثل الحَجْم السُكَّانِي) دور فَعَّال أو كبير. فمثلًا فِتْنَام، إِتَّبَعَت سياسة اقتصادية قريبة نِسبيًّا مِن سياسة الصين (أي سياسة بلد واحد بنظامين اقتصاديّين)، لكنها لم تحصل، مثل الصِّين، على دِينَامِيَّة قوية في مجال التنمية الاقتصادية. رُبَّمَا لأن العَامل الدِّيمُوغْرَافِي الموجود في فِتْنَام (92 مليون نَسَمَة في سنة 2016) لم يَبْلُغ “الحَجْم الحَاسِم” (taille critique) الذي كان موجودًا في الصِّين (قرابة 1 مليار نسمة).

وفي حالة كُوبَا الاشتراكيةَ، والتي عَانَت خلال أكثر من 50 سنة من أضرار حِصَار اقتصادي قَاتِل مَفْرُوض عليها من طرف الإمبريالية الأمريكية، ظَهَرَ كأن الحزب الشيوعي الكُوبِي الحاكم اِسْتَوْعَبَ المُقَارَنَة بين تجربتي الصِّين والاتحاد السوفياتي. فَدَعَا الحزب الشيوعي الكُوبي المواطنين، في 24 فبراير 2019، إلى نقاش، ثم التصويت على تَعْدِيل جديد للدستور، يُبِيحُ اقتصاد السُّوق، والملكية الخاصة، والمبادرة الاقتصادية، ويُحَافِظ في نفس الوقت على أهمّ عناصر النظام الاشتراكي (مثل صيانة الطابع الاشتراكي للدولة، والدور القيادي للحزب الشيوعي، والتخطيط الاقتصادي، والمقاولات العُمُومية، إلى آخره). وظهر كأن هَمَّ الحزب الشيوعي الكوبي هو الخروج من الحلقة المُفْرَغَة للفـقر، مع صيانة استمرارية الاشتراكية. وأصبح التحدّي هو التالي: إمَّا أن يُنْجِزَ النظام الاشتراكي في كوبا قدرًا مُرضيا من التنمية الاقتصادية، وإمَّا أن يزول.

لِنُعِيد تَصْوِير المَشْهَد السياسي: كارل ماركس توقّع حدوث الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدّمًا (أي أن ماركس يشترط وجود حَدٍّ أدنى في مستوى النمو الاقتصادي). لكن لِينِين أثبت في المُمَارَسَة أن الثورة الاشتراكية يمكن تحدث في البلدان التي هي الحلقات أَلْأَضْعَف (مثل روسيا، ثم الصين، إلى آخره)، ولو لم يكن فيها مستوى النمو الاقتصادي كافيا. ثم حدثت تطورات كثيرة في الاتحاد السوفياتي، من بينها أنه، ولَوْ بعد مرور أكثر من 70 سنة على بداية «الثورة الاشتراكية»، تَأَخَّرَ، أو غَابَ، إِحْدَاثُ قَدر كَاف من النُمُوِّ الاقتصادي، فانهار الاتحاد السوفياتي (لأسباب متعدّدة)، ورجعت إليه الرأسمالية. بينما الصين عرفت كيف تُحدث مُسْتَوًى مُهِمًّا من النمو الاقتصادي، فبقي فيها نفس النظام السياسي «الاشتراكي» قائمًا. وبقيَ فيها نفس الحزب «الشيوعي» حاكمًا. وبعد تحقيق النمو الاقتصادي في الصّين، يمكن للحزب الشيوعي الصّيني الحاكم، إن أراد، أن يرجع إلى الاشتراكية، وأن يُعمِّقَها أكثر مِمَّا كانت من قبل. كما يمكن لهذا الحزب الحاكم أن يُـقرّر البقاء في الرأسمالية، وإلغاء الطموح إلى الاشتراكية. بمعنى أن كل التطوّرات تبقى مُمكنة. وسؤال: «هل الصين اشتراكية أم رأسمالية؟» لم يُحسم بعدُ(20).

وفي ظاهر الأمور، يمكن القول أن لِينِينُ غَلَبَ ماركسَ. لأن لِينِين أثبت في الواقع الملموس إمكانية نجاح الثورة الاشتراكية في بلد هو «حَلَقَة ضَعِيفة»، ولو لم يَكن مستوى النموّ الاقتصادي متقدِّمًا في هذا البلد المعني. لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار استمرارية “الثورة الاشتراكية” على مدى الزمان التاريخي المتوسِّط أو البعيد، نجد أن ماركس هو الذي معه الحق. لأنه إذا لم تستدرك “الثورة الاشتراكية” النـقص الحاصل في مجال النمو الاقتصادي، يكون مصيرها هو الإفلاس والزوال (مثلما حدث للاتحاد السوفياتي).

ونستخرج من المشهد السّابق الخلاصة الجزئية التالية: وجود مستوى حَدٍّ أَدْنَى من النمو الاقتصادي هو شرط من بين الشروط المُحَبَّذَة لِقيام أو لِنَجَاح «الثورة الاشتراكية» في بلد مُحدّد. لكن من الممكن أن تحدث «الثورة الاشتراكية» في بلد مُعَيَّن (إذا كان هو الحَلْقَة الأضْعَف)، ولو أن شرط الحد الأدنى من النمو الاقتصادي لا يتوفّر بالقدر الكافي في هذا البلد. لكن، حتى ولو نجحت «الثورة الاشتراكية» في هذا البلد المعني (الذي هو الحلقة الأضعف)، فإن استمرارية «الثورة الاشتراكية» في هذا البلد تبقى مشروطة بِنَجَاح النظام السياسي «الاشتراكي» القائم فيه بِِاسْتِدْرَاكِ النَـقْص الحاصل، وتحقيق مُستوى مُتـقدّم من النمو الاقتصادي، خلال ظرف زماني لَا يتجاوز، على أكبر تقدير، قرابة 50 سنة. بمعنى أن حدوث مستوى مُتَـقَدِّم من النمو الاقتصادي، هو إمَّا شرط فَبْلِيٌّلحدوث الثورة الاشتراكية، وإمَّا شرط بَعْدِيٌّ لِاسْتِمْرَارِيَة هذه الثورة الاشتراكية. ومن بين أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي، أنه لم يُنجز النُمُوَّ الاقتصادي بقدر كاف حتى بعد مرور قرابة 70 سنة على انطلاق الثورة. فكان مصيره هو انهيار الاشتراكية فيه.

4) لِــمَــاذا تَــحَــوَّلــت دِيــكْــتََــاتُــورِيَــة الــبْــرُولِــيــتَــارْيَــا إلى نَـــقِــيــضِــهَــا ؟

تُعِيبُ النُخَبُ اللّيبيرالية (أو الرأسمالية) على الشيوعية، وعلى الاشتراكية، أنها تريد إقامة نظام سياسي مبني على أساس «دِكْتَاتُورِيَةالبْرُولِيتَارْيَا» (dictature du prolétariat)(21). ويُوهِمُون الشعب بأن «الديمقراطية» تُوجد فقط في «الرأسمالية»، وتتطابق معها. ويتناسون، بشكل مُتَعَمَّد، أن اللّيبيرالية، أو الرأسمالية، تَـقُومَان، على أساس دِيكْتَاتُورِية الطَبَقَة البُرجوازية(22)، ولو أن دِيكتاتُورية البرجوازية تَبْـقَى مُمَوَّهَة (camouflé). ويتكلّم الرأسماليون كأن المُجتمع الرأسمالي لَا تُهَيْمِن فيه أيّة طبقة. أو كأن «الطبقات» لَا توجد في المُجتمع الرأسمالي، ولَا تتصارع فيه. وحتّى إذا اعترفوا بوجود «طبقات» مُتَمَيِّزَة، فإن خِطَابَاتِهم تُوحِي أن هذه الطبقات «مُتَسَاوِيَة تمامًا». بِمَعْنَى أنها لَا تختلف في أيّ شيء. بينما الرأسمالية هي الديكتاتورية المُسْتَتِرَة، أو المُمَوَّهَة، للطبقة البرجوازية، وهي طبقة المُسْتَغِلِّين الكِبار(23). وتَـتَكَلَّفُ الدِعَايَة الرأسمالية بِمُغَالَطَة المواطنين، وتَدْوِيخِهِم، وإِغْرَاقِهِم في الاسْتِلَاب (aliénation). وَتَتَلَاعَب طبقةُ المُسْتَغِلِّين الكبار بمؤسّـسات الدولة، وبِِإنْتَاج القوانين، وتَكْيِيفِهَا، وتَصْرِيفِها، بهدف تَمْوِيه (camoufler) الاِسْتِغْلَال الرأسمالي، وممارسة السَّطْو، والاضطهاد، والفَسَاد، والاستبداد، دون أَيِّ اكْتِرَاث، لَا بالقَوانين، ولَا بالعَدل، ولَا بالأخلاق.

وبالرجوع إلى الأصل النظري، نجد أن كَارْل مَارْكِس هو مِن المُفكِّرين الأُوَّلِين الذين نَادَوا بِتَطبيق «دكتاتورية البروليتاريا» خلال الثورة الاشتراكية الاِنْتِـقَالِيَة (وذلك اسْتِرْشَادًا بِدروس اِسْتَخْلَصَهَا من عِدّة ثورات، مثل ثورات سنوات 1789، و 1830، و 1848، وكُمُونَة بَاريس في سنة 1871، في فرنسا).

ومَا هي «دِيكْتَاتُورِيَة البروليتاريا»؟ كان ماركس يقصد بِِـعِبَارة «دِيكْتَاتُورِيَة البروليتاريا» أن تُطِيح طبقة البروليتاريا بِسُلطة الطبقة البورجوازية الكبيرة، وأن تُمَارس البروليتاريا سيطرةً طبقيةً فعَّالة على الطبقة البورجوازية، لكي لَا تَـقوم هذه البورجوازية بِثورة مُضادَّة، ولكي لَا تُـفْشِل البورجوازيةُ التغييرات المُجتمعية الثورية التي تُنْجِزُهَا الثورة الاشتراكية، فَـتَنْتَـقِم البورجوازيةُ من طبقةِ البروليتاريا. ويُفْتَرَض في سُلطة، أو في سَيْطَرَة، البروليتاريا على البرجوازية أنها تَدُومُ مَا دَامت البرجوازية (أو بقاياها) موجودة في المُجتمع. وَهَزْمُ البورجوازية لَا يعني إبادة أفرادها (مثلما ظنّ بعض السْطَالِينِيِّين، أو بُولْبُوط وأنصاره في كَامْبُودْيَا). ومن منظور ماركسي، «ديكتاتورية البروليتاريا» هي فترة تاريخية تستولي فيها الطبقة العاملة كَطَبَقَة على مجمل السُّلُطات في المُجتمع (مثلما تفعل البرجوازية الكبيرة في النظام الرأسمالي). وهدف هذا الاستيلاء على السلطات هو تحرير المُجتمع من أُُسُـسِ انـقسامه إلى طبقات، وإزالة الاستغلال الرأسمالي، وإقامة الحُرية، والعدالة، والمساواة، والبدء في تشييد الاشتراكية. بينما حَوَّلَ اسْطَالِين وأنصاره مفهوم «ديكتاتورية البروليتاريا» إلى استغلال نفوذهم في الحزب الحاكم، وفي الدولة، لِمُمَارَسَة الاستبداد الشخصي للزَّعِيم المُطلق، ضِدَّ كل المواطنين (بما فيهم أعضاء الحزب الشيوعي وَقِيَّادِيِّيه) الذين يُحْتَمَلُ أن يُخالفُوا اسطالين في الرأي، أو يُحتمل أن يُنَافسوه حول مناصب المسؤولية، أو يُحتمل أن يُعارضوا سُلُوكِيَّات الزعيم. ولِبُلُوغ أهدافهم، استعمل اسْتَالِين وأنصاره البوليس السياسي، والاتهامات المُصطنعة، والمُحاكمات المَغْشُوشة، والاعتـقالات في مُعسكرات “الجُولَاجْ” (Goulag)، وحتّى الإعدامات. وهذا تحريف مَفْضُوح لِلنظرية الماركسية بِهدف خِدمة مصالح شخصية ذاتية، أو انتهازية.

وكان مَفْهُوم «دِكًتَاتُورية البْرُولِيتَارْيَا» لَدَى افْلَادِيمِيرْ لِينِينْ يختلف نِسبيًّا عن مَفهومها لَدَى كارل ماركس. وكان مفهوم «دِكًتَاتُورية البْرُولِيتَارْيَا» لَدَى ماركس يَتعلّق خُصوصًا بالطبقة العاملة كَطَبَقَة، في علاقاتها بطبقات المُجتمع الأخرى، وخاصّة منها الطبقة البرجوازية. لكن لِينِين أَلْصَقَ صِفَةَ «طَلِيعَة البروليتاريا» بالحزب الشيوعي. فَتَـقَوَّت فكرة وُجود علاقة خَاصَّة وَطِيدَة بين ”الحزب الشيوعي“ و”الطبقة العاملة“ (أو البْرُولِيتَارِيَا). بينما هذه العلاقة (بين الحزب والطبقة)، وَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَة خلال بعض الفترات التاريخية المُحدّدة، فإنها ليست لَا آلِيَة،ولَا مَضْمُونة، ولَا دَائِمة. وإذا كان بالإمكان بناء هذه العلاقة بين الحزب الشيوعي والطبقة العاملة، فبالإمكان أيضًا فُـقْدَانُ هذه العلاقة بسهولة. وبعد وفاة لِينِين (في 1924)، وفي ظروف تاريخية قَاسِيَة من الصِّراع الطبقي، خَلَفَهُ جُوزِيفْ اسْتَالِين في الحُكم. وذَهَبَ تِيَارُ اسْتَالِين بعيدًا، وأكثر من لِينِين، في تَأْوِيل وتَبْسِيط أُطْرُوحَة «دكتاتورية البروليتاريا».

وحَوَّلَ تِيَار جُوزِيف اسْتَالِين أُطْرُوحَة «دِكًتَاتُورية البْرُولِيتَارْيَا» إلى حُجَّة نَظَرِيَّة ماركسية لِتَبْرِيرِ «دِكًتَاتُورية الحزب الشيوعي» الحَاكِم. ولَوْ أن طبقة «البْرُولِيتَارْيَا» لَا تَـتَـطَابَقُ مع «الحزب الشيوعي». ثمّ حَوَّلَ تِيَار اسْتَالِين مَفْهُومَ «ديكتاتورية الحزب الشيوعي» الحَاكم، إلى «دكتاتورية قِيَادَة الحزب»، ثم إلى «ديكتاتورية زَعِيم الحزب الشيوعي»، والذي هو جُوزيف اسْتَالِين بالذّات. وفرض اسْتَالِين أطروحة «الحزب الوحيد». وألغى الديمقراطية من المُجتمع، ومن الحزب الشيوعي. وبواسطة التخويف، والترهيب، حَوَّلَ اسْتَالِين الحزب الشيوعي إلى شَبْه قَطِيع من الأَتْبَاع الخَاضِعِين. وكل هذه التَّأْوِيلَات لا يُوجد لها أي مُبرّر في النظرية الماركسية. (وحتّى إذا وُجِدَ مَا يُبَرِّرُها في الماركسية، فَيَنْبَغِي تَصحيحه).

وَطَوَّرَ اسْتَالِين منهجًا خاطئًا في معالجة التناقضات السياسية داخل الحزب، وداخل الشعب. فَكُلَّمَا وُجِدَ خِلَاف، أو تناقض، بين فاعلين سياسيّين مُحَدَّدَين، لَجَأَ اسْتَالِين إلى تَصْفِيَة أحد الفاعلين من الوجود. ولَم يكن اسْتَالِين يُدْرِكُ أن معالجة التناقض المذكور تَـقْتَضِي تَقْوِيمَ الفاعل المُخْطِئ، أو تغيير الفَاعِلَيْنِ مَعًا، وليس تَهْمِيش أحدهما، أو إِقْصَاءِه، أو قتله. وعَمَّمَ اسْتَالِين مَنْهَجَ الاعتماد على المخابرات البُوليسية لِتَدْبِير الخلافات والصراعات السياسية. وهكذا تحوّل ”زَعِيمُ الحزب” (اسْتَالِين) إلى شبه إِلَـه مُسْتَبِدّ، يُقَرِّرُ بدون رقابة، ولا محاسبة، مَن يستحق أن يَشْغَلَ مَنْصِبًا مُعيّنًا، ومن تَتَوَجَّبُ إِقَالَتُه، أو تَهْمِيشُه، أو سِجْنُهُ، أو حتى قَتله. وكان اسْتَالِين يَحْرُص على إِثْبَات أو تَأْكِيد اِسمه المُستعار (اسْتَالِين)، والذي يعني في اللغة الرُّوسية “الفُولَاذِي” (acier)، بمعنى الصَّلَابَة، والقَسَاوَة. كأن اِسم الشخص هو الذي ينبغي أن يُحَدِّد نوعية سُلُوكِه. وكان حُكْم اسْتَالِين قمعيًّا، أو إرهابيا. ومُعظم أُطُر الحزب سَايَرُوا، أو سَانَدُوا، «دِيكْتَاتُورية» اسْتَالِين، بسبب خوفهم من بَطْشِه.

واستعملت القيادة السْتَالِينِية أطروحتي «ديكتاتورية البروليتاريا»، و«الحزب الوحيد»، لِتبرير إِلْغَاء الديموقراطية مِن المُجتمع، وحتى من الحزب الشيوعي الحاكم. ومَدَّد تِيَار جُوزِيف اسْتَالِين هذين المفهومين إلى حَدِّ مَنْع وجود الخلافات السياسية داخل هذا الحزب! ويفضح هكذا اسْتَالِين وأنصاره مَدَى جهلهم للثـقافة، وللفلسفة. حيث قَلَبُوا الأُمُورَ عَلى رَأْسِهَا. فَالتَـفَاوُتُ في الآراء السياسية (والذي هو ظاهرة عَادية وشائعة)، اعتبروه جريمة لَا تُغْتَـفَر، والإِجْمَاع على رأي سياسي واحد (والذي هو ظاهرة نَادِِرة، أو مُستحيلة)، اعتبروه واجبًا إِجْبَارِيًا !

واسْتَعْمَلَ اسْتَالِين أطروحتي «ديكتاتورية البروليتاريا»، و«الحزب الوحيد»، لِتبرير إقامة، وترسيخ، نظام سياسي مبني على أساس «الرأي الوحيد»، و«الإجماع» الشكلي، والمُزَيَّف. ولم يَسْبِقْ لِمَاركس، ولَا لِلِينِين، أن دافعا عن أطروحة «الحزب الوحيد»، أو «الرأي الوحيد»، أو «الإجماع الإجباري». بينما أُخْضَعَ تِيَار اسْتَالِين “السُّوفْيِيتَات” (soviets) (التي هي مجالس العُمال والفَلاحين والجُنود) إلى دِكتاتورية الزَعِيم الوَحيد لِلْحِزب الوَحِيد. ومع إِحْكَام هَيمنة اسْتَالِين على “السُّوفْيِيتَات”، تَأَكَّد أن الطبقة العاملة (أو البروليتاريا) هي خَاضِعَة ومَسُودَة، وليست سَائِدَة. وقَمَعَ اسْتَالِين كل مبادرات السُّوفْيِيتَات، أو حركاتها، التي يُحتمل أن تتحوّل إلى سلطة مُـقْتَرِحَة، أو نَاقِدَة، أو مُعَارِضَة. [وقد بدأ هذا النوع من الأخطاء مع لِينِين إِبَّان قمع انتفاضة الجنود البحارة في سنة 1921، في مدينة “اكْرُونْسْتَاتً” (kronstadt)]. وساعد نظام «الحزب الوحيد» على تَكَوُّن وَنُمُو “برجوازية بيروقراطية” من صنـف جديد هي “النُّومُونْكْلَاتُورَا” (Nomenklatura). وميزة هذه “البيروقراطية” (الموجودة في الحزب، وفي الدولة السُّوفْيَاتية) هي أنها تُبَارِكُ كل ما يُقرّره الزعيم اسْتَالِين، ولو كان سياسةً حَمقاء. وتَسْتَـغِلُّ هذه «البِيرُوقْرَاطِيَة» مسئولياتها في الحزب، أو في إدارات الدولة، لكي تَفْلِتَ من المُحَاسَبَة، ولِكَيْ تحصل على مداخيل كبيرة نِسْبِيًّا، أو على امتيازات مادية. ونَاصَرَت هذه “البرجوازية البيروقراطية” قمع الحريات السياسية، وسَانَدَت إلغاء مجمل التدابير الديمقراطية التي سبق للثورة أن أقامتها خِلَال بِدَايتها.

وتعدَّدت «الحَمَلَات التطهيرية» (purges) خلال حُكم اسْتَالِين، وتَوَاصَلَت بِلَا توقّـف. وأعترفُ أنه مِن حَقّ الحزب الشيوعي أن يلجأ، عند الضرورة، إلى «حَمْلَة تَطْهِيرِيَة»، بِهَدف سَحْب العُضْوِيَة من أعضاء الحزب الذين لَا يستحقّون الانتماء لِهذا الحزب. ويمكن أيضًا للحزب الشيوعي أن يَطْرُد من الحزب الأعضاءَ الذين تَبَيَّنَ بِالحُجَج الملموسة أنّهم مُنْدَسِّين، أو يَمِينِيِّين، أو وُصُولِيِّين، أو انتهازيين، أو أنانيّين، أو مُجرمين، أو غير مُلتزمين بالمبادئ الثورية. لأن العُضوية في الحزب الشيوعي ليست مِلْكِيَة شخصية، لكنها صِفَة حزبية مشروطة بالالتزام بمبادئ مُحدّدة، مُسَطَّرة في القانون الداخلي للحزب. بينما طرد هؤلاء الأشخاص من المِهنة، أو حَبْسُهم في السِّجْن، أو إعدامهم، لَا يَحِقُّ أن يكون شرعيا إذا لم تَصْدُر هذه العُـقوبات عن قَضَاء مُستقل ومُحايد، في إطار مُحاكمة عادلة. حيث يجب التمييز بين شؤون الحزب، وشؤون القانونالعام القائم. وحتى إذا «اعترف» مُتَّهَمُون أمام المحكمة بالتُّهَم المُوَجَّهة إليهم (مِثْلَمَا كان يحدث مثلًا في «مُحاكمات مُوسْكُو» المغشوشة، خلال سنتي 1936 و 1937)، فإن هذا «الاعتراف» لَا يُشَكِّلُ حُجَّة كَافية لِإِثْبَاتِ ارتكابهم للجرائم المنسوبة إليهم. وفي حالة إذا لم يُوجد في المِلف القضائي لهؤلاء المُتَّهَمِين سوى هذا «الاعتراف» كحجّة إِثْبَاتِيَة، يَنْبَغِي على القضاء، في هذه الحالة، أن يطلق سراح هؤلاء المُتَّهَمِين. إذ مِن المعروف أن أنصار اسْتَالِين كانوا يُجبرون المُتَّهَمِين السياسيين على «الاعتراف» بالجرائم المُصْطَنَعَة المَنسوبة إليهم (بواسطة التهديد، أو بواسطة وُعُود مُخَادِعَة)، ثم يُصدرون أحكامًا بالإعدام على هؤلاء المتّهمين، بِِحُجَّة «اعترافهم».

والغريب هو أن أنصار جُوزِيفْ اسْتَالِين كانوا، أو مَا زَالوا إلى حدّ اليوم، يُدافعون عن أساليبه العنيفة،أو المُخَادِعَة،في مجال خوض الصراع السياسي داخل الحزب. ومن المعروف أن اسْتَالِين تَجَرَّأَ على سِجْن أو قَتْلِ الكثيرين من قادة الحزب الشيوعي، ومن قادة الجيش الأحمر، الذين كان جُوزِيف اسْتَالِين يَخَافُ مِن احْتِمَال أن يُخَالِفُونَه في الرّأي، أو أن يُنَافِسُونه على الزَّعَامة. ومن أبرز الأمثلة، أن اسْتَالِين أمر بِطَرْد لِيُون تْرُوتْسْكِي من الحكومة (في سنة 1924). ثمّ أمر اسْتَالِين بطرد اتْرُوتْسْكِي من قيادة الحزب. ثم طَرَدَه من العُضوية في الحزب (في 1927). ثم قَرّر نَـفْيَه إلى خارج الاتحاد السوفياتي (في 1929). ومعروف أن لِيُون تْرُوتْسْكِي كان، إلى جانب لِينِين، من أكبر مُهَندسي ثورة أكتوبر 1917. وكان اتْرُوتْسْكِي خلال عهد لِينِين هو رئيس الجيش الأحمر، و«كُومِيسِير الشعب في الشُّؤُون العسكرية والبحرية». ولم يكن استالين يتحمّل أن يفوقه اتروتسكي في الشُّهْرة، والثـقافة، والذكاء، والجاذبية (charisme). ورغم أن تْرُوتْسْكِي هرب من رُوسيا إلى المِكْسِيك، بعث له اسْتَالِين عناصر بُولِيسِية لكي تَغْتَالَه. ورغم فشل أربعة أو خمسة محاولات لقتل تْرُوتْسْكِي، كرّر اسْتَالِين هذه المحاولات حتى نجح في قتله في سنة 1940. وحوّل اسْتَالِين وسائل التجسّـس، والاختطاف، والتعذيب، والمحاكمات الصورية، والسجن في مُعَسْكَرات “الجُولَاج” (Goulag)، إلى وسائل عادية، وقانونية، وشائعة، ودائمة، في إدارة الخلافات السياسية في الحزب، وفي المُجتمع. وَتَـتَـنَافَى كُلِّيًا هذه الأساليب، ليس فقط مع الماركسية، ومع الاشتراكية، بل أيضًا مع أبسط الأخلاق الإنسانية. ولا يُقْبَلُ تبريرها بأيّ اعتبار كان. بل هي جرائم لَا تُغْتَـفَر. وكل الأشخاص الذين يُساندون بِعِنَاد اسْتَالِين، سيرفضون فَوْرًا هذه الأساليب القمعية المُسْتَبِدَّة، في حالة إذا مَا طُبِّـقَت مُباشرةً ضِدَّ هؤلاء الأشخاص هم أنـفسهم !

وخلال سنوات 1970، كُنَّا في «الحركات الماركسية اللِّينِينية» بالمغرب، نُـقَدِّر جُوزِيف اسْتَالِين ونُعَظِّمُه. وكنا نضع اسْتَالِين تقريبًا في مرتبة افْلَادِيمِير لِينِين، وكَارْلْ مَارْكِسْ. وكُنَّا نُصَدِّق الزَّعْم الذي يقول أن اسْتَالِين طَوَّر النظرية الماركسية وأغناها، تمامًا مثلما فعل لِينِين. ولم تكن تصلنا الوثائق الرَّصِينَة، والجَيِّدَة الاِطِّلَاع، حول تفاصيل تطور الصراع الطبقي، والصراعات السياسية، التي حدثت خلال مجمل عهد اسْتَالِين. وخلال سنوات 1985، لمّا بدأنا نطّلع (داخل السجن المركزي بمدينة القُنَيْطِرَة بالمغرب) على بعض هذه الوثائق، اكتشفنا أننا كُنَّا سَاذَجِين، أو مَخْدُوعِين، أو ضَحَايَا دِعَايَة مُخَادِعَة.

وهذه الأساليب السْتَالِينِية العنيفة، في تدبير الخلافات السياسية داخل الحزب، تفضح هَزَالَة التكوين الفلسفي لدى اسْتَالِين، وتُعَرِّي ضعف تكوينه الثـقافي، وضحالة أخلاقه السياسية. وتُعبِّر هذه الأساليب الدَمَوِيَة عن وجود صراع غَيرمَبدئي، بل تَنَاحُرِي، حول السلطة داخل الحزب. وتلتـقي هذه الأساليب التَصْفَوِيَة بِالمَقُولَة المَاكْيَافِيلِيَة «الغَايَة تُبرّر الوَسِيلة». وكل حزب يعمل بهذه الأساليب، حتى لَوْ كان يدّعي أنه «اشتراكي»، أو ٍ«شيوعي»، سيفضح أنه في الواقع عصابة من المُجرمين، أو الجُهَّال. ويظنّ اسْتَالِين وأنصاره أن اسْتَالِين يُشَكِّل امتدادًا لِـلِينِين، ومَارْكِسْ، وإِنْجَلْسْ. بينما اسْتَالِين بَعِيد جدًّا عن أن يصل إلى هذه المرتبة.

ولو كان اسْتَالِين سياسيا مُثَـقَّفًا، لكانت ثِـقَتُهُ أكبر في نفسه، وفي مُـقَارَعَة الحُجَج السياسية بأخرى تكون أكثر عِلْمِيَةً، وعَقْلَانِيَةً. ولَوْ كان يَثِـقُ اسْتَالِينُ في قُوَّة المَنْطِق، لما استعمل مَنطق القُوة، في معالجة الخلافات السياسية داخل الحزب، وداخل المُجتمع. ولو كان اسْتَالِين يَثِـقُ في عُقُول أعضاء الحزب الشيوعي، لَمَا خَافَ من تأثير أفكار مُنَافِسِيه السياسيين. ولو لم يكن اسْتَالِين مُجرّد مُستبد جاهل، لَمَا كان يستعمل «حُجَّة السُّلْطَة»(24) السياسية، بَدَلًا من استعمال السُّلْطَة المَعْنَوِيَة لِلحُجَّة العَقْلَانية !

ولم يكن اسْتَالِين وأمثاله يُدْرِكُون أن الصراعات السياسية داخل الحزب، يَلْزَمُ أن تـكون بَحْثًا مُتَوَاضِعًا وَجَمَاعِيًّا عن الحَقيقة، وليس صِراعا وُجُودِيًا، أو تَنَاحُرِيًّا، حول غَنَائِم حَاسِمَة. وما لم يكن يُدْرِكُه اسْتَالِين وأنصاره، هو أنهم حينما كانوا يَقْتُلون خصومهم السياسيين أو المُحْتَمَلِين في الحزب الشيوعي، فإنهم كانوا يَقْتُلُون أنْـفُسَهُم. بل كانوا يغتالون الرُّوح الشيوعية، في الحزب، وفي المُجتمع. و«الاشتراكية» التي تـقبل هَلَاكَ، أو سَحْقَ، أو قَتل، من يُخَالِفُنا في الرأي، فقط بِسبب هذه المُخالفة في الرَّأي، تتحوّل إلى مَافْيَا. وفي إطار هذا الإرهاب الفِكْري، لَا يمكن أن تكون السياسة عَقْلَانِية، ولَا يمكن للعقل أن يزدهر. وهذه الأساليب الحَمقاء، التي دامت خلال عهد اسْتَالِين كلّه (من 1922 إلى 1953)، شَارَكَت في إضعاف الحزب، وساهمت في تَهْـيء ظُروف انهيار مُجْمَل منظومة الاتحاد السوفياتي. وفي حالة اسْتَالِين، نرى كيف أن شخصًا بئيسًا يمكن أن يُؤَثِّر سَلبًا على مصير أكثر من مئة مليون شخص.

وسيكون من الحُمْق السياسي أن نُعَبِّئَ الجماهير لِخَوْض الثورة المُجتمعية، أو لِإِنْجَاز الثورة الاشتراكية، ومباشرة بعد وصولنا إلى السلطة، نَلْجَأُ إلى مُمَارَِسَة دِيكتاتُورية عَنِيفَة وشاملة، ضِدَّ هذه الجماهير، وضِدَّ كل من يُحْتَمَل أن يَتَحَوَّل إلى مُنَافِس أو خَصْمٍ سياسي لنا. فلا يمكن أن نبني الاشتراكية بِالكَذِب، أو بالغَدْر، أو بِالقَهْر، أو بِالغِشِّ، أو بِالدَّسَائِس، أو بالخِداع، أو بِالنّـفاق.

وَتَحْدُثُ بِالضَّرُورة مثل هذه الانحرافات السْتَالِينِية، وهذه الكوارث، كلّما سمح أعضاء الحزب لأفراد مُعَيَّنِين بِتَحمّل مسؤوليات قيادية، رغم ضعف تكوينهم الثـقافي، أو رغم النَّـقص الحاصل في التزامهم بِالمَبَادِئ السياسية، وبالأخلاق الثورية.

ونجد أن الاستخفاف بالأخلاق، (سواءً في العمل الحزبي، أم السياسي، أم المؤسّـساتي)، كان من بين الأخطاء القاتلة التي أُرْتُكِبَت خلال حُكْمِ جُوزِيفْ اسْتَالِين. وفي مجالات الصراعات السياسية، (سواءً داخل الحزب، أم داخل الدولة)، اسْتَعْمَلَ جُوزِيفْ اسْتَالِين وأنصاره، أساليب الخِدَاع، والتَدْلِيس، والنِّـفاق، والكذب، بهدف هزم المُعارضين، أو تهمِيش الخُصوم، أو حتى تصفيتهم. واستعمل اسْتَالِين أحيانًا لهذا الغرض محاكمات سياسية مَغْشُوشة. ولم يكن يُدرك جُوزِيف اسْتَالِين وأنصاره أنه، كلما استعمل الحُكَّام أساليب الخِداع، أو المَكْر، فإن عامّة الشعب ستلجأ بالضرورة، هي أيضًا، إِنْ عَاجِلًا أم آجِلًا، إلى تَـقْلِيدِهم. وبعدما تَنْتَشِر عَدْوَى النِّـفَاق والخِداع داخل عُموم الشعب، يسقط المُجتمع بكامله في الفساد، وفي الانحطاط(25).

وإذا كان الاختيار مَطْرُوحًا هكذا (من منظور أنصار جُوزِيف اسْتَالِين): «إمَّا قتل مُعارضي الاشتراكية، وإمَّا فشل أوّل تجربة لِبِنَاء الاشتراكية»، فأنا شخصيا أُفَضِّلُ فشلَ تجربة بناء الاشتراكية على اضطهاد، أو قتل، معظم المُعارضين السياسيين. لأنني أُدْرِكُ، أَوَّلًا، أن الاشتراكية تتنافى مع الاضطهاد. ولأنني أعرف ثانيًا، أن دِينَامِيَة اضطهاد، أو قتل، نسبة هامّة من المعارضين، سيؤدِّي حتمًا إلى فشل تجربة بناء الاشتراكية. ومن الأفضل أن تفشل تجربة بناء الاشتراكية بسبب تسامحها مع المعارضين، على أن تفشل بسبب تعميم مناهج اضطهاد المعارضين.

ويَرْفُضُ العَقل، وكذلك العَدْلُ، مَنْهَجَ التصفيات الجسدية. لأن هَدَف الثورة الاشتراكية المُجتمعية، هو تَـقْوِيم المُخْطِئِين، وإصلاحهم، وتثويرهم، وليس قَتْلَهُم. وهو ما لم يكن يفهمه اسْتَالِين وأنصاره. ولِبُلُوغِ تَـقْوِيم المُخْطِئِين، نستعمل دِينَامِيَة «الثورة الثَّـقَافِيَة الجماهيريةالسِّلْمِيَة المُتَوَاصِلَة»(26). فَكَيْفَ يُمكن لِمَن لا يقدر على إقناع غالبية الكادحين بالحاجة إلى الاشتراكية، أن يستطيع تشييدها؟ أمَّا إذا تَبَنَّت غالبية الكادحين الاشتراكية، فلا حاجة إلى اضطهاد الأقلية المعارضة لها.

وكُلَّمَا ظهرت خلافات في الرأي، يُمكن أن تتحوّل (هذه الخلافات) إلى صراعات سياسية. كما يمكن أن تتحوّل هذه الصراعات السياسية إلى صراعات فلسفية، ثم تَتَحَوَّلُ هي نفسُها إلى خلافات عِلْمِيَةً. والخلافات العِلْمِيَة، لا تُحْسَمُ بالقُوَة، وإنما تُحسم بالبَحث العِلمي، وبالجِدَال العِلْمِي، وبالصّراع السياسي الجماهيري، وبالثورة الثـقافية الجماهيرية السِّلْمِيَة والمُتَوَاصِلَة.

ومثل هذه السُّلُوكِيَات القمعية (المعروضة سابقًا)، تُبَيِّن أن اسْتَالِين وأنصاره يعتـقدون أن «الثورة الاشتراكية» الانتـقالية تَتطابق مع «ديكتاتورية البروليتاريا». ويظنّون أن «ديكتاتورية البروليتاريا» تعني، وتُبَرِّر، إلغاء الديمقراطية، وحذف الحريات السياسية. وهذا تصوّر يتحامل على الماركسية، ويتناقض معها. وكل «ثورة اشتراكية» لَا تُحقِّق لِمُجمل الشعب الحرّية، والكرامة، والعدل، والديمقراطية، فهي مُجَرَّد صِنف من أصناف الاستبداد.

وأكبر حَمْلَة قمعية خاضها اسْتَالِين هي “التَطْهِيرَات الكُبرى” (Les Grandes Purges). ودَامت تقريبًا بين سنوات 1930 و 1938. وأوّل ضحايا قمع اسْتَالِين هم نُخَب الحزب الشيوعي، ومناضلوه المَشْهُود لهم بتضحياتهم وثـقافاتهم، وهم كذلك ضُبّاط الجيش الأحمر، ثم عامّة الشعب. وكان معظم الاِتِّهَامَات عَشوائيًّا، أو زائفًا، أو خَيَاليًّا، أو وَاشِيًَّا، أو انتـقاميًّا. وكان الأشخاص المُصَنَّـفُون بِكونهم «أعداء الشعب» يُتَّهَمُون عادةً بِـ «الانحراف اليميني»، أو «التخريب الاقتصادي»، أو «الانتماء إلى التْرُوتْسْكِيَة»، أو «المشاركة في تَآمُر أجنبي»(27). وأُدِينَ بشكل ظَالِم المَلَايِينُ من الأشخاص الأَبْرِيَاء. والكثيرون من المُتَهَمِين بِمُعارضة سياسة اسْتَالِين، لم يكن لهم أيّ نشاط مُعارض ملموس. [وَلَوْ أن سياسات اسْتَالِين الحمقاء كانت تستوجب المُعارضة]. فكان يَكْفِي الشَكُّ في كونهم مُعارضين مُحْتَمَلِين لكي يُدَانُوا. وَسَهَّلَ هذا الانْزِلَاق في المفاهيم، أو في المَرَاجِع النظرية، ارْتِكَابَ الكثير من الخُرُوقَات، والمُخالفات، وحتى الجرائم. وبِمَنْهَج سُلْطَوِي، اِسْتَـغَلَّ جُوزِيف اسْتَالِين وأنصاره أطروحة «ديكتاتورية البروليتاريا». وخلقوا بيئة سياسية يُهَيْمِنُ فيها إرهاب الحزب الشيوعي، أو إرهاب الدولة. ولجأ اسْتَالِين وأنصاره إلى اضطهاد كل مَنْ يُفْتَرَضُ فيهم أنهم يُخَالفونهم في الرأي. وقاموا بِتَصْفِيَة كل من يَشُكُّون في كونهم مُعَارِضِين مُحْتَمَلِين. وَفَضَحَت هذه المناهج القمعية المُطبّـقة على نِطَاق مُجتمعي أن جوزيف اسْتَالِين كان مُصَابًا بمرض الشَّك، والعَظَمَة، والاِضْطِهَاد (paranoïa).

ولم تكن هذه «الحملات القمعية» المُتَلَاحِقَة مُمكنة في الاتحاد السوفياتي إلَّا لأن مُعظم أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم فَقَدُوا الرُّوح النَـقْدِيَة، وأصبحوا يُفضِّلُون إنـقاذَ حياتهم (خَوْفًا من بَطْش اسْتَالِين وأنصاره) على المُخاطرة بِالدِّفَاع عن المبادئ الثورية. وكيف يمكن لأعضاء الحزب الشيوعي أن يتجرؤوا على معارضة سياسات اسْتَالِين، بينما هم يعرفون أن هذه المعارضة ستكون عقوبتها الأكيدة والفورية هي الحُكم عليهم بِالإعدام بتهمة «التآمر ضد الثورة الاشتراكية»؟

و«عند مَارْكِسْ، ولِينِين، لَا يُمكن فصل الثورة الاشتراكية عن الثورة الديمقراطية، بينما اسْتَالِين ألْغَى كُلِّيًا الديمقراطية» (سمير الخطيب)(28).

وَأمام مَناهج اسْتَالِين، تَتَسَارَعُ التَسَاؤُلَات التالية في الذّهْنِ: هل طبقة البْرُولِيتَارِيَا (prolétariat) هي حَقًّا التي كانت طبقةً سَائِدَة في المُجتمع خلال عهد افْلَادِيمِير لِينِين (1917–1922)، ثم خلال عهد جُوزيفْ اسْتَالِينْ (1922–1953)؟ ولماذا وَعَدَ البَلَاشِفَةُ (bolchevik) بصيانة حرّية النقد، في أيّ ظرف سياسي كان، لكن بمجرّد أن فَرض تِيَار جُوزيف اسْتَالِين سيطرته على الحزب، وعلى الدولة، أصبح عمليًا النَّـقْدُ ممنوعًا، سواءً خارج الحزب، أم داخله؟ ولماذا قتل جُوزِيف اسْتَالِين، وباسم «دكتاتورية البروليتاريا»، نسبةً كبيرة من أفراد قيادة الحزب البَلْشَفِي الذي تركه افْلَادِيمِيرْ لِينِين؟ ولماذا قتل، أو سجن، أو اضطهد، جُوزِيفُ اسْتَالِينُ، ملايين من المواطنين المُتَّهَمِين بالمُعارضة، أو بالمُقاومة، أو حتى بمخالفة آراء الحزب(29)؟ ولماذا بَـقِيَ مُعظمُ أعضاء الحزب، مَشْلُولِين بالخوف، أو مُجْبَرِين على الخُضُوع، أمام هذه السياسات السْتَالِينِية القمعية؟ هل أطروحة «دكتاتورية البروليتارية» هي التي سَهَّلَت تَحَمُّلَ سياسات الاضطهاد؟ ولماذا اسْتَغَلَّتْ قيادة الحزب الشيوعي أُطْرُوحَة «دكتاتورية البروليتاريا» لتبرير الاستبداد باسم الطبقة العاملة؟ وكيف يُمكن أن تُوجد «دكتاتورية البروليتاريا»، بينما «السُّوفْيِيتَات» (soviets) كانت مَرْهُوبَة، أو مَقْمُوعَة، أو مُتَحَكَّم فيها؟ وهل الطبقة العاملة هي حقّا التي مارست «دكتاتورية البروليتاريا»، أم أنَّ مَنْ طَبَّقَ هذه «الدِّكْتَاتُورِيَة» هم بِضْعَةُ أشخاص في قيادة الحزب الشيوعي؟ وهل كانت الطبقة العاملة طَبَقَةْ لِذَاتِهَا (pour soi)، أم أنها كانت طَبَقَةْ مَسُودَة، أم مَخْدُوعَة؟ وهل أُطْرُوحَة «دكتاتورية البروليتاريا» سَلِيمَة؟ وهل المُشكل يوجد في تطبيق النظرية، أم أنه يوجد في صُلْب النظرية نـفسها؟

وَسَاعَدَ هذا الانحراف السياسي السْطَالِينِي (stalinien)، على امتداد عُقُود، على تَطَوُّر«الحزب الشيوعي» إلى نَـقِيضِه. لأن هذا الحزب الشيوعي السْطَالِينِي لم يعد لَا ثوريًا، ولَا شيوعيًا، ولَا ابْرُولِيتَارِيًا، ولَا اشتراكيا، ولَا عَادلًا، ولَا عَقْلَانِيًا. بل أصيب هذا الحزب الشيوعي السْطَالِينِي بِمرض عقلي، وغدا في حالة من “الاسْتِلَاب” (aliénation)، أو من الحُمْق السياسي. حيث تحوّلت مُعْظَم خِصَالِه الأصلية إلى عكسها. وبعد فترة طويلة، أي في سنة 1991، اندلعت في الاتحاد السوفياتي ثورةٌ مُضَادّة، تَزَعَّمَهَا السِكِّيرُ بُورِيسْ يِلْتْسِينْ. وكان يِلْتْسِينً يُثِير الاستغراب والضَّحِك من كثرة سَخَافَتِه. وكان يِلْتْسِنْ شَدِيدَ الانْبِهَار بِالتَشَبُّهِ بالبلدان الرأسمالية الغربية. وكان هدف يِلْتْسِين الأقصى هو فصل رُوسْيَا عن الجمهوريات غير الرُّوسِيَة، وتحويل رُوسْيَا إلى بلد يُشْبِه البلدان الغربية. وكل المسائل الأخرى لَا تهمّ يِلْتْسِينً. واسْتَسْلَمَت بِسُهُولَة غَالِبِيَة أعضاء «الحزب الشيوعي» السْطَالِينِي (الذي كان أعضاءه يفوقون 5 ملايين شخص) لهذه الثورة المُضَادَّة. بل سَايَرَتها، أو نَاصَرَتها. لأن أولئك «الشيوعيين» المَزْعُومِين، تحوّلوا، ومُنذ زمان، إلى نَـقِيضِهِم. حيث لم يَعُد أعضاء الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي لَا مُنَاضِلِيت، ولَا اشتراكيين، ولَا شيوعيين، ولَا ثوريين. ونَسْتَحْضِرُ هُنَا عبارة ماركس الشهيرة: « ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وَعْيَهُمْ». بِمَعْنَى أن الواقع المُجتمعي المُتَفَسِّخ، والمُسْتَلَب، والمُتَخَلِّف، في الاتحاد السوفياتي، هو الذي حَدَّد الوَعْيَ المُسْتَلَب، والسُّلُوكَ المُتَفَسِّخ، لأعضاء الحزب الشيوعي أثناء انطلاق الثورة المُضَادَّة. حيث أن الحزب الأصلي، أي الحزب اللِّنِينِي البَلْشَفِي، كان قد مُسِخَ، أو مَاتَ، منذ أن سيطر اسْتَالِين وأنصاره على هذه الحزب.

وبعد انهيار الاتحاد السُّوفياتي، تحَوّل الكثيرون من مسؤولي الحزب، ومن مسؤولي الدولة، إلى انتهازيّين مُفْتَرِسِين (بَدَلًا من أن يكونوا سَبَّاقِين إلى الدفاع عن مصالح الشعب). وقرَّرُوا إرجاع الرأسمالية. وانْقَضُّوا على ثروات وممتلكات الشعب. وحوّلوا معظم الممتلكات العمومية إلى مُمتلكات شخصية خُصوصية، وَبِطُرق مِلْؤُهَا الاحتيال والغِشّ. ومَعلوم أنه في مُجتمع «الاتحاد السُّوفْيَاتي» السَّابق، كانت مُجمل الثروات مِلْكِيَة «اشتراكية» أو عُمُومِيَة، لكن بمجرّد أن انهار نظام الاتحاد السوفياتي، ظهر فجأةً أغنياء ورأسماليون كِبَار، دون أن يَعلم أحد من أين حَصَلُوا على مِلْكِيَّات هذه الثروات الشخصية الهائلة. وتكاثرت مَافْيَات عنيفة ومُتَنَوِّعَة. وعاد من جديد معظم كَادِحِي الشعب إلى نقطة الصِّفْر، أي إلى الرأسمالية المُفْتَرِسَة، بما فيها من استغلال، وغِشّ، وفَقر، ومُعَانَاة، وفساد، واستبداد. وفي قرابة سنة 2017، أصبح 1 في المِئَة من سكان رُوسْيَا يملكون قرابة 75 في المِئَة من ثَرَوَات البلاد(30). والجذير بالملاحظة هنا، أن هذا التحويل (المُخَالِف للقانون) لِلْمِلْكِيَات العُمومية إلى ملكيات خُصوصية، لم يُثِرْ انْزِعَاج أو احتجاج أية بُرجوازية في أيّ بلد من بلدان في العالم الرأسمالي، بينما إقدام الثورات الناجحة على تحويل بعض المِلْكِيَّات الخُصوصية إلى ملكيات عمومية كان دَائِمًا يُثِير استهجان وغضب مُجمل بُرجوازيات بلدان العالم!

وبعد انْدِلَاع الثورة الاشتراكية (في سنة 1917)، كان الأفضل، ليس هو العمل بِـ «دكتاتورية البروليتاريا»، وإنما هو العمل بِـ «حُكم لِجان الكادحين (أو السُّوفْيِيتَات، في إطار جمهورية اشتراكية، أو في إطار «فِيديرَالِيَة الجمهوريات السُّوفْيِيتِيَة». بِمَعْنَى أن جوهر السلطات السياسية ينبغي أن يَنْبُعَ من «لِجَان الكَادِحِين (أو السُّوفْيِيتَات)»، وليس من الحزب الشيوعي الحاكم.

وبعد انْدِلَاع الثورة الاشتراكية (في سنة 1917)، كان الأفضل، ليس هو العمل بِـأطروحة «الحزب الوحيد»، وإنَّمَا هو إِمَّا العمل بتعدّد الأحزاب، وإمَّا العمل بِتَعَدُّد التِّيَارَات السياسية داخل «الحزب الشيوعي الوحيد». وفي حالة العمل بِالتِّيَارَات، يلزم ضَمان حُرِّيَات الرأي، والخلاف، والنـقد. بالإضافة إلى مَا يَسْتَوْجِبُه العمل بِالتِّيَارَات من مُرُونَة، وعَقْلَنَة، في التعامل فيما بين التِيَارَات السياسية الثورية. وينبغي أيضًا الحِرْص الشديد على أن تكون هذه التِيَارَات السياسية مَدَارِسَ فكرية، مُتَطَوِّرَة في أفكارها، ومُتَغَيِّرَة في أعضائها. وَلَا يُعْقَل أن تكون التِيَارَات السياسية مَجموعات ثابتة من الأشخاص، أو قَبَائِلسياسية دَائِمَة. وَلَا يُـقْبَل من هذه التِيَارَات السياسيةأن تَتَحَرَّكُ كَحِزْب سِرِّي دَاخِل الحِزْب العَام. وَلَا يَجُوز لهذه التِيَارَات السياسية أن تتحرّك بمنهج عَصَبِيّ، أو غير عَقْلَانِي. وإذا كانت هذه التِيَارَات السياسية حَقِيقَةً كَمَدَارس فِكرية صَادِقَة، فَسَتَـقْبَلُ بِمُرُونَة، وبِسُهُولة، تَطْوِير مُعتـقداتها، أو تَـقْوِيم أُطْرُوحَاتِهَا، أو إحداث تـغييرات في أعضائها، وذلك حسب تطور الأوضاع أو المُعطيات.

وبعد موت اسْتَالِين، وأثناء المؤتمر 22 للحزب الشيوعي السُّوفياتي، قرّر الحزب وضع حدّ نهائي لهذا الانحراف، فَأَلْغَى «دِكتاتورية البروليتاريا»(31).

وهكذا اتَّضَحَ فيما بعد أنه، بَدَلًا من أن تَحْمِيَ أطروحةُ «ديكتاتورية البروليتاريا» الكَادِحِينَ من حُدُوث ثورة مُضَادّة، ومن عَوْدَة الرأسمالية، تَحَوَّلَت هذه الأطروحة إلى نَـقِيضِهَا. حيث سَاهَمَت، في آخر المطاف، في تَسْرِيع إِنَضَاج ظروف انهيار الاتحاد السوفياتي.

ومن بين دروس تجربة الاتحاد السوفياتي، أن معظم أعضاء الحزب الشيوعي الذي تَرَكَه لِينِين، لم يكونوا يَسْتَوْعِبُون أحد قوانين “المادية الجدلية”، وهو: إمكانية تَحَوُّل الشيء إلى نَـقِيضِه، حينما تتوفّر بعض الشروط الخاصة. فكانت النتيجة هي سلسلة من المآسي، ثم انهيارَ الاتحادُ السوفياتيُّ، ثم اِنْبِِعَاث الرأسمالية من جديد. وكل شعب، أو حِزب، أو جماعة، أو شخص، يَرتكب أخطاءً سياسية، فإنه سَيُؤَدِّي حَتْمًا ثَمَنِ أخطاءه، ولَنْ يَـقدر أبدًا على الإِفْلَات من أدائها.

والسِّمَة التي يَنبغي أن تُمَيِّزَ الثوريين الشيوعيين، هي كَوْنُهم يرفضون المناهج السُّلْطَوِية، ويفضِّلون المناهج الثورية، التي تُشْرِكُ الجماهير في التَـفكير القَبْلِي، وفي الإِنْجَاز الجماعي. ولا يعتمد الثوريون على الإِكْرَاه في السياسة. ولا يستعملون التَحَايُل في مجال الإِقْنَاع. وإنما يُفَضِّلُون نهج الصِّدْق، والصَّرَاحة، والحقيقة. ويلتزمون دَائمًا بِمُمَارَسَة نَهْج الثورة الثـقافية الجماهيرية السِّلْمِيَة المُتواصلة.وهي التي تعتمد، هي نفسها، على التَعْبِئَةالسِّلْمِيَة لِلجماهير الكادحة، وعلى إطلاقالعِنَان لِمَلَكَات الحِوَار، والنـقد، والتَـقْوِيم، والتَـثْـقِيف، والتربية المُتَبَادَلَة، والإنتاج، والإبداع، والتَكَامُل، والتضامن.

ونجد في مُجمل الفكر الاشتراكي، أو الماركسي، حِرْصًا شديدا على الرَّبْط بين الثورة والحُرِّيَات، وبين الاشتراكية والديمقراطية، وبين ”الديمقراطية السياسية“، و”الديمقراطية الاقتصادية“. فَلَا تَقْبَلُ الماركسيةُ الفصلَ بين الاشتراكية، والحرّيات السياسية، والعَدَالَة المُجتمعية، والتوزيع العادل للثـقافة، وللثروات المُنْتَجَة. وهو ما تعجز الرأسمالية على تحقيقه. بل هو من دَوَاعِي التخلّص من الرأسمالية.

5) إِنْ اِنْــهَــارَ الاتــحــاد السُّوفْــيَــاتِــي، لــمــاذا تَــعَــاظَــمَــت الــصِّــيــن؟

يُشِيرُ أعداء الشيوعية، وخصوم الاشتراكية، دَائِمًا، بِأُصْبُعِهِم إلي شيء واحد فقط، هو «انهيار الاتحاد السُّوفياتي»، لكي يُوحُوا إلينا أن: «الماركسية خاطئة»، وأن «الاشتراكية هي مُجَرَّد وَهْم». ونَرُدُّ عليهم: نعم، اِنْهَارَ الاتحاد السوفياتي. ولكن لماذا لا تنظرون أيضًا إلى جارته التي هي الصِّين؟ فالحزب الشيوعي الصيني هو الذي حرّر الصين من سيطرة الإمبريالية، وَوَحَّدَ تُرَابَهَا الوطني، وأخرجها من تخلّف قُرُون وُسْطَوِي (moyenâgeux)، وقاد عملية بناء ”اشتراكية“ ذات خُصُوصية صِينية. وحوّل الحزبُ الشيوعي الصِّينَ، خلال قرابة 70 سنة فقط، من بلد شبه إقطاعي(quasi féodal)، إلى أكبر قُوَّة اقتصادية في العالم. بينما لَوْ سَلَكَت الصّينُ (منذ استـقلالها في سنة 1949) طريقَ الرأسمالية، فإن مصيرها الأكثر احتمالًا سيكون اليوم مثل مصير بلدان أمريكا اللاتينية، أو إفريقيا، أو بلدان العالم الناطق بالعربية. أي تَجْزِئَة البلاد، وبَلْقَنَـتِه، والتخبّط في تخلف مُجتمعي دائم، والخُضُوع لِتَبَعِيَة قَاهِرَة للإمبرياليات العالمية. وهو ما لا يعتبره خُصُوم الاشتراكية.

ويَزْعُمُ آخرون أن «مَا نجح في الصِّين هو الرأسمالية»، وأن «الصين هي بلد رأسمالي مَحْضٌ». لكن هؤلاء المُعلّقين نَسَوْا أن الصِّين، خلال عهد الرئيس مَاوُو زِي دُونْغْ (أي بين سنتي 1943 و 1976)، سَلَكَت خَطَّا سياسيًا “شِيُوعِيًا”. وعلى امتداد عهد مَاوُو، لم تكن للصّين علاقات اقتصادية خارجية سوى مع الأنظمة “الشيوعية” المُجاورة (وهي الاتحاد السوفياتي، وكوريا الشمالية، وفِيتْنَام). وكان مَاوُو يُؤَكِّد (منذ سنة 1940، تاريخ صدور وثيقته المُعنونة بِـ «الديموقراطية الجديدة») أن التخلّف الاقتصادي للصّين يَـفْرِضُ استمرار وُجُود مُوَازٍ (parallèle) لِأنشطة ومؤسّـسات اقتصادية ذَات طبيعة رأسمالية. لكن مَاوُو (وكذلك الحزب) لم يُعَمِّقَا آنذاك هذه الأطروحة بما فيه الكفاية. وَعَادَ مَاوُو إلى فرض تَجْمِيع وتَأْمِيم الأراضي الفلاحية (عبر «حركة القَفْزة الكُبرى» بين سنتي 1958 و 1961). لكن سياسة تجميع الأراضي الفلاحية في الصِّين فشلت آنذاك (مثلما فشلت مثيلتها في الاتحاد السوفياتي في سنة 1937).

وإِجْمَالًا، خلال عهد مَاوُو، نجح نِسْبِيًّا النظام السياسي الشيوعي في تحرير الصين من هيمنة الإمبريالية (اليابانية، ثم الأمريكية)، وفي إخراج الشعب الصيني من الجزء الأكبر من التخلّف المُجتمعي البِنْيَوِي الذي كان غارقًا فيه، وحَسَّن الأوضاع المعيشية لِقرابة 900 مليون نسمة، وهَيَّأ جزءًا مُعْتَبَرًا من الشروط الضرورية لإقلاع التَنْمِيَة الاقتصادية. وهذا التقييم العام لا ينفي حُدُوث بعض الأخطاء، أو المُبالغات، أو الانحرافات، أو الصراعات، أو الضحايا.

وقد أَطْلَـقَ الحزب الشيوعي الصِّيني عِدّة حركات جماهيرية«ثَـقَافية»،أو «تَصْحِيحِيَة»، مثل «حركة مِئَة زَهْرَة» في سنة 1956، و«حركة القَـفْزَة الكُبْرَى» في سنة 1958، و«حركة التَرْبِيَة الاشتراكية» في سنة 1962، و«حركة الثورة الثـقافية» في سنة 1966. وكانت هذه الحركات مغامرات، أو تجارب مُجتمعية فريدة من نوعها. وتَخَلَّـلَت هذه «الحركات» صراعات سياسية حادَّة. واستغلّها البعض لتصفية حسابات شخصية ذاتية، عبر اِتِّهَام خُصُومِهِم بِحَمْلِ أفكار يَمِينِيَة. وتَسَبَّبَت هذه «الحركات» في خَلْخَلَة الأنشطة الاقتصادية. وكادت أن تتحوّل أحيانًا إلى “حرب أهلية”، لَوْلَا تحكّم الحزب الشيوعي في تطوّرها العام. وحدثت أيضًا بعض المُبَالَغَات خلال هذه «الحركات». وتعرّض بعض ضحايا هذه «الحركات» (وكذلك أفراد عائلاتهم) لِمُعَامَلَات قَاسِيَة، وجَائِرَة، وغير مبرّر. واسْتُعْمِلَت خلالها بعض الأساليب السْتَالِينِييَة (stalinien) العنيفة، مثل الضرب، والحبس، والعَزْل في “مُعَسْكَرَات التقويم” النائية، إلى آخره. لكن الإعدامات الجائرة في الصِّين كانت أقل بكثير مِمَّا حدث خلال عهد جُوزِيف اسْتَالِين في الاتحاد السوفياتي.

وَبعدما رَكَّزت الصين على تشييد البنيات التَّحْتِيَة الضرورية للصناعات الثـقيلة، تَكَرَّرَ في الصِّين نَـقْصٌ في البضائع البسيطة أو العادية المَعروضة في الأسواق(32). وكان هذا النَّقْصُ يُذَكِّر بالنّـقص الذي شُوهِدَ في الاتحاد السوفياتي، وذلك لأسباب مُمَاثِلة (خلال سنة 1932، ثم سنة 1946). وأحسّ بعض قادة الحزب الشيوعي الصيني أن الدولة الصينية الفَتِيَة لَا تـقدر على توفير جميع السِّلَع، أو الحاجيات المادية، بالكَمِّيَة الكافية، وبالسُّرْعَة المَطلوبة، التي يحتاج إليها هذا الشعب الضّخم (والذي تحوّل من 600 مليون شخص في سنة 1949 إلى 900 مليون نسمة في 1976، رغم سياسة «الاِبْنِ الوَحِيد» المُطَبَّقة في المُدُن الكبيرة). وأحَسَّ قادة الحزب أن وَتِيرَة النمو الاقتصادي بطيئة نسبيا، ولا تستجيب للحاجيات المُتَسَارِِعَة. وفكّر بعض أطر الحزب الشيوعي الصِّيني في الاستعانة بالسَّماح، ولو جزئيا، ومؤقَّتًا، لِلْمُبَادرات الاقتصادية الفردية(الرأسمالية) المُدِرَّة للرِّبح. ودارت آنذاك صراعات سياسية متعدّدة حول هذا الموضوع داخل الحزب الشيوعي الصيني. وكانت النقاشات مُعَقَّدة، ومُحَيِّرَة. هل يحقّ، خلال مرحلة الاشتراكية الانتقالية، تكميل الاقتصاد الاشتراكي باقتصاد رأسمالي مُتَحَكَّم فيه؟ هل نَـقِـفُ عند حُدود قراءة حرفية للنظرية الماركسية (بما فيها نصوص افْلَادِيمِير لِينِين)، أم نَتَكَيَّف بشكل ثوري مع واقع لم يَعِشْهُ لَا ماركس، ولَا لِينِين؟ وهل السّماح بأنشطة رأسمالية، ولو جزئية، سَيُؤَدّي حتمًا إلى القضاء على مُجمل “الاقتصاد الاشتراكي”، وعلى النظام السياسي “الاشتراكي”؟ وما هو الاحتياج الأكثر استعجالًا؟ هل هو صِيَانَة النَقَاوَة المبدئية للاشتراكية، أم هو تَسْرِيع عملية إخراج الشعب من الدائرة المُفَرَغَة للتخلّف؟

وبعد موت مَاوُو في سنة 1976، قال الحزب الشيوعي الصيني، إن احتياج الصين إلى تسريع وثيرة نُمُوِّه الاقتصادي، في إطار عَوْلَمَة رأسمالية مُعَادِيَة، وفي إطار محاصرة اقتصادية من طرف الإمبريالية، هو الذي دَفَعَه (مؤقّتًا) إلى اِتِّبَاعِ طريق «بَلَد واحد، بِنِظَامَين» اقتصاديّين مُخْتَلِفَيْن (أي المَزْج بين الاشتراكية والرأسمالية، تحت قيادة الحزب الشيوعي). وهي الأطروحة التي دافع عنها تِيَار الرئيس دِينْغْ اهْسْيَاوُو بِينْغْ (ولو أن هذه الأطروحة التوفيقية لا تُوجد في النظرية الماركسية الكلاسيكية).

ويجب التذكير أنه، خلال قرابة سنوات 1930، كانت آنذاك الصّين تشبه المَغرب، أو الجَزائر، أو العِراق، أو مِصر، أو إِنْدُونِيسْيَا، من زاوية التخلّف الاقتصادي، والثقافي، والمُجتمعي. وبعد وفاة الزّعيم الصّيني مَاوُو زِي دُونْغْ (في سنة 1976)، كان تيار خلفه ”دِينْغْ اهْسْيَاوُو بِينْهْ” يُكَرِّرُ مقولته المشهورة: «لا يهم أن يكون القِطُّ أسودًا أو أبيضًا، وإنما المُهم هو أن يَصطاد الفِئران»! وهي أطروحة غامضة إلى حَدِّ المُغَالَطَة. ومن زاوية المَنْطِق، تَـنْـبَـنِـي هذه المقولة على مُقارنة خاطئة. إذ تُقَارِنُ بين «القِطِّ» و«اقتصاد البلاد». ويمكن أن يكون المعنى المُوحَى به من خلال هذه العبارة هو: لا يهم أن يكون المواطن (أو الاقتصاد) اشتراكيا أو رأسماليا، ولكن المهم هو أن ينتج الرِّبْحَ، أو “فَائِضَ القِيمَة” (plus-value). فنتساءل: هل هذه المَقُولَة سَليمة؟ هل كانت الغاية المُستعجلة لدى الحزب الشيوعي الصّيني هي أساسًا: الخروج بِسُرعة من التخلّف الاقتصادي؟ هل يشكل هذا التحوّل انحرافًا عن الماركسية، أو خروجا عن الاشتراكية، أو رُجُوعًا إلى المَنطق الرأسمالي؟ وإذا فَضَّلْنَا إنتاجَ المالِ والرأسمالِ، ومهما كانت الوسائل المُستعملة والنتائج المُحَصَّلة، فهل هذا الاختيار يعني أننا فضّلنا التَخَلِّيَ عن هَمِّنَا الأصلي، والذي هو تحرّر الشعب من الاستغلال الرأسمالي والطَّبَـقِي؟ هل يعني أننا فضّلنا العودة إلى الرأسمالية المُتَوَحِّشَة، بكل ما فيها من استغلال واسْتِلَاب؟

وفي مثال الصِّين، وإلى حدود نهاية سنوات 1970، كانت المُقاولات العُمُومِيَّة تُمَثِّل قرابة 99 % من مجموع مقاولات البلاد. ولاحظت قيادة الحزب الشيوعي (في سنوات 1970) الخسائرَ الضخمة والمتكرّرة التي تتسبّب فيها بعض المقاولات العُمومية. فَأَقْدَمَت هذه القيادة، خلال عُقُود مُتَوَالية، على إنجاز عدّة إصلاحات لِتحسين إنتاجية المُقاولات العُمومية. ومن بعد، دخلت الصِّين في سياسة «الانفتاج على السوق العالمية» لِجَلْب الاِسْتِثْمَارَات من الدول الرأسمالية المتـقدّمة. واتَّبَعَت قيادة الحزب «الإصلاح عبر مَسَارَيْن مُزدوجين»، المعروف أيضًا باسم «الإصلاح بدون خَاسِرِين». وَوَاجَهَ هذا الإصلاح تَحَدِّيًا مُزدوجًا: تَوفير حوافز اقتصادية لِرَفْع الإنتاجية، وفي نفس الوقت، توفير «شَبكة أَمَان اجتماعي» كافية لِتَـقْلِيص الخوف من التغيير.

وتـعمل الصين بِمُخَطَّطَات استراتيجية كُبْرَى، في مجالات الفلاحة، والصناعة، والتعليم، والبحث العلمي، والبنيات التحتية، والتِكْنُولُوجِيَات، إلى آخره. وتَحْرُصُ الصِّين على غَلَبَة القطاعات الاقتصادية العُمُومِيَة على الأنشطة الاقتصادية الخُصُوصية. وتنـفتح الصين بشكل جزئي وتدريجي على الخارج، على الخُصوص في «المناطق الاقتصادية الخاصة»، والتي تُغَطِّي اليوم تقريبا الساحل الصِّينِي بأكمله. وفي قرابة سنة 2000، أصبحت الصِّين هي «مَعْمَل العالم» (fabrique du monde).

وأدّى النمو السَّريع للقطاع الخاص إلى تـقليص حِصَّة المقاولات العُمومية مِن حَوالي 99 % من مجموع مقاولات البلاد، في نهاية سنوات 1970، إلى 25 % في عام 2013(33). فَمَا هو مآل هذه التـغييرات؟ يبقى النـقاش مفتوحًا. وكل الاحتمالات واردة (بما فيها غَلَبَة التوجّه الاشتراكي على التوجّه الرأسمالي، أو العَكْس). ويمكن للصّراعات السياسية الجارية في قيادة الحزب الشيوعي أن تَحْسِمَ التطوّر إما في اتجاه التَمَسُّك بالاشتراكية، أو الذهاب إلى الرأسمالية.

ومنذ وصول دِينْغْ اهْسْيَاوُو بِينْغْ إلى قيادة الحزب الشيوعي في سنة 1976، دَخَلت الصِّين في تَشْيِيدِ (مَا سَمَّاه الصينيون) «اقتصاد اشتراكي لِلسُّوق». واستمرّت هذه السياسة حتى بعد تَنَحِّي دِينْغْ من السُّلطة في سنة 1992. وَتَمْزِجُ الصِّين بين رأسمالية الدولة الوطنية، ورأسمالية خُصوصية. وشكّلت السُّوق الصينية، بِسُكَّانِها الذين يتجاوز عددهم 1،3 مِلْيَار نسمة في سنة 2000، طَعْمًا لا يُقَاوَم. حيث تَجْذُب هذه السُّوق الكثيرينَ من المُستثمرين الرأسماليين، ومن جميع أنحاء العالم. واستهوت الصِّين كذلك مُستثمرين صِينِيِّين من جزيرة تَايْوَان (Taïwan) المجاورة (التي سبق لها أن استفادت من دعم الإمبرياليات الغربية بين سنوات 1950 و 1870، لتشجيعها على الانفصال عن الصِّين، والعداء لها). ولعب هؤلاء التَايْوَانِيُّون دورًا هَامًّا في تنشيط الاستثمارات في الصِّين. وغَدَى اقتصاد تَايْوَان لا يقدر على الاستغناء عن اقتصاد الصِّين (حيث تبلغ صَادِرَات تَايْوَان نحو الصيه 23 % من إنتاجها الداخلي الخام)(34).

وكانت الصّين في البداية تُجبر الشركات الأجنبية التي تُرِيد العمل على أراضيها، والاِسْتِـفَادَة من تَسْهِيلاتها المُغرية، تُجْبِرُها أولًا على تكوين شركة مشتركة مع رأسمال مَحَلِّي صينِي؛ وتُجبرها ثانيًّا على نشر تكنولوجياتها في حالة نقل مصانعها إلى خارج الصّين(35). ثم تطوّرت هذه الشروط مع مرور الوقت. وبدأت الصين بصناعة السّلع البسيطة، ثم توسّعت إلى المنتوجات التي تحتاج إلى خبرات مُعمّـقة، أو إلى تِكْنُولُوجِيَّات مُتَـقَدِّمَة. وبعد حدوث نمو اقتصادي مُعتبر في الصِّين (بعد سنة 2000)، لم تعد الصينُ تقبل على تُرَابِهَا سوى الشركات الأجنبية التي تستعمل تكنولوجيات رَائِدَة على الصعيد العالمي. ولا تفرض الصين على هذه الشركات الرَّائِدَة سوى شروطًا بسيطة (بالمقارنة مع نوعية الشروط التي كانت تفرضها الصين خلال سنوات 1980 و 1990). لأن استقواء اقتصاد الصِّين جعلها لَا تخاف من تواجد هذه الشركات على أراضيها.

ودخلت الصين (منذ سنوات 1980) في تجربة: «دولة واحدة، بِنِظَامَين» (أي المَزْج بين نظام اشتراكي، ونظام رأسمالي، داخل دولة واحدة، وتحت قيادة الحزب الشيوعي الصّيني). فَحَدَثَ نَوْعٌ من المُعجزة الاقتصادية في الصّين. حيث انتقلت نسبة النُمُوّ السَنَوِي “للإنتاج الداخلي الخام” (PIB) من مُعَدَّل 6 % إلى مُعدّل 12 %. وذلك خلال قرابة خمسة وعشرين سنة مُتَوَالِيَة. وشهد بعض الاقتصاديين أنه لم يسبق للعالم أن رأى مثل هذا التطور الاقتصادي السّريع. وأصبحت الصّين منذ قرابة سنة 2010 هي القوة الاقتصادية الأولى في العالم، من حيث حجم ”الإنتاج الداخلي الخام”(36).

وإلى حدود قرابة سنة 1990، كانت حِصَّة الصِّين في السوق العالمية في مجال تصدير السِّلَع المُصَنَّعَة (biens manufacturés) تبلغ أقلّ من 2 %. لكن في سنة 2009، أصبحت حِصَّة الصِّين (في مجال تصدير السّلع المُصنّعة) هي الأولى عالميا، حيث بلغت نسبة 16 % (مقابل 11 % لألمانيا، و8 % للولايات المتحدة الأمريكية، و 7 % لليابان)(37). وفي نفس الوقت، أصبحت حِصَّة الصِّين في الاستيراد العالمي هي 12 % من الطَّلَب العالمي (مقابل 16 % للولايات المتحدة الأمريكية، و 16 % للاتحاد الأوروبي)(38).

وفي سنة 2008، أنتجت الصِّين: 38 % من الإنتاج العالمي لِلصُّلْب (acier)، و 50 % من الإِسْمَنْت، وتستعمل الصّين 60 % من مَعْدِن الحَدِيد المنتوج في العالم، و 50 % من النُّحَاس، و 48 % من الأَلُومِنْيُوم، و45 ٍ % من النِيكَل (nickel). ولِلصِّين فائض في الإنتاج في عِدَّة ميادين مثل الصُّلب، والإسمنت، والزُّجَاج، والألومِنْيُوم، والنِّيكَل، والأَتْرِبَة النَّادِرة (terres rares)، إلى آخره. وتنتج الصين 10 مليون سيارة في العام(39). وتُعْتَبَر الصين من البلدان الأكثر تَـقدُّمًا في العالم في مجالات الاتصالات البعيدة (télécoms)، والقطار فائق السُّرعة (TGV)، وتقنيات “فيزياء الكَمّ” (physique quantique). وتحتلّ الصِّين المرتبة الأولى عَالَمِيًّا في مجال تكوين المُهندسين. حيث تُكَوِّنُ الصِّين في كلّ عام قُرَابَة 1 مليون مُهندس (تَلِيهَا الهند بِـ 0،5 مليون مهندس، ثم كوريا الجنوبية)(40)، ولو أن نوعية أو جودة المهندسين قد تَختلف من بلد إلى آخر. وقد اندمجت الصين بقوة في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. وقاومت الصّين بشكل جيّد مُخَلَّفَات الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في سنة 2008.

وبعد قرابة 40 سنة من الانفتاح على السوق العالمية الرأسمالية، ظهرت في الصين أعراض مُشابهة للمشاكل الموجودة في البلدان الرأسمالية المتقدّمة، مثل تكاثر أعداد الأغنياء الكبار، مثل “المِيلْيَارْدِيرات” (milliardaires)، والتفاوت الكبير في المَدَاخِيل (خاصّة بين المدن والقرى)، والتلوّث، والفُقَاعَات العَقَارِيَة، وتناقص ضئيل في نسبة السُكَّان المؤهّلين للشغل (actifs)، وتناقص نسبة نمو الإنتاج الداخلي الخام (من معدّل 10 % إلى قرابة 8 أو 7 %)، إلى آخره. وفي سنوات 2000، نُشرت عِدَّة شهادات نابعة من مصادر مختلفة (بما فيها بعض المواطنين الصِّينِيِّين) تتحدّث عن انتشار الرّشوة، والفساد، والزَّبُونِيَة، سواء في مؤسّـسات الدولة الصينية، أم في الحزب الشيوعي الصيني(41).

فهل ابتعدت الصين عن الاشتراكية؟ هل نجحت قيادة الحزب الشيوعي فيما هو مُستعجل، أي إخراج الصين من التخلّف، وتَرْسِيخها في التنمية الاقتصادية؟ يُمكن لأيّ ملاحظ ماركسي أن يُوافق، أو أن يُعارض، هذا الاختيار الذي اِتَّبَعَتْهُ الصّين. لكن الحزب الشيوعي الصيني يقول إنه يَحْرُصُ على تَلَافِيَ بعض الأخطاء القاتلة التي سبق أن ارتكبها شَقِيقُهَا الاتحاد السوفياتي. ألم يكن اِتِّبَاعُ الصِّين لِسياسة المَزْج بين ”اقتصاد اشتراكي“ و”اقتصاد رأسمالي“ أَحْسَنَ من خطر تعرّض الصِّين لانهيار مُشابه لِمَا حَصَل في الاتحاد السُّوفياتي؟ ولماذا لَا تُحاول الصّين مُقاومة الإمبرياليات الغربية، أو حتى هزمها، عبر استعمال أسلحة الإمبريالية المُعتادة، المُتَجَلِّيَة في أنشطتها الاقتصادية؟

وِقال مثلًا أستاذ الاقتصاد رِيمِي هِريرَا (Rémy Herrera) عن الصِّين إنه «تُوجَدُ بالتَّأْكِيد عناصر رَأْسْمَالِيَة في الصِّين، لكن هذه البلاد ليست رأسمالية مِئَة في المِئَة. حيث مَا زالت تُوجد في الصِّين المِلْكِيَة العُمومية للأرض، والخدمات الاجتماعية، والتخطيط المركزي الاشتراكي». وَوَصَفَ هِرِيرَا الصِّينَ بكونها «رأسمالية الدولة في طَوْر الانتقال إلى الاشتراكية»(42).

ونذكّر أن الظاهرة المعروضة سابقًا، التي وَقَعَت في الصِّين، حدثت مَثِيلَتُهَا في الاتحاد السوفياتي، دون أن تَتَكَلَّلَ بالنجاح. فَمنذ قرابة سنوات 1980، بدأ بعض أطر الحزب الشيوعي السوفياتي يُحِسُّون أن الاتحاد السُّوفياتي دخل في حالة من الهُزَال، أو الانهيار التَدْرِيجِي، وأن اقتصادات بلدان مُنَافِسَة مثل اليابان، وألمانيا، ستتجاوز في الأمَد القريب اقتصاد الاتحاد السوفياتي. وحاول مِيخَائِيل غُورْبَاتْشُوف إطلاق “سياسة اقتصادية جديدة” (Nouvelle Économie Politique, NEP)، تُذَكِّرُ بسياسة دِينْغْ اهْسْيَاوُو بِينْغْ في الصِّين، لكن أجهزة الحزب الشيوعي السُّوفياتي أَفَشَلَتْهَا بِسرعة.

ماذا جرى إذن في الصّين، بعد تطبيق أطروحة «بلد وَاحِد بِنِظَامين»؟ هل اقتربت الصين من الاشتراكية، أم أنها ابتعدت عنها؟ هل نُـفسّر التطوّرات التي جرت في الصّين بالواقعية، أو العقلانية، في مجال بناء الاشتراكية؟ هل نُفسِّرُها بإكراهات الحاجة إلى التَوفِير السَّريع لِلأَدَوَات الضرورية لِمُقَاوَمَة ضُغُوطات الإمبرياليات الغربية؟ أم نفسّرها بكونها انحراف برجوازي، أو نفسّرها بنظرية المؤامرة، أو بخيانة قيادة الحزب الشيوعي الصّيني؟ وهل كان بِمُسْتَطَاع الصين أن تبلغ هذا المُستوى من القدرة على مُقَارَعَة ومنافسة البلدان الإمبريالية في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيات لَوْ لَمْ تَتَّبِع سياسة «بَلَد وَاحِد بِنِظَامين»؟

ولم تَسمح الدول الغربية للصِّين بِدخول «المنظمة العالمية للتجارة» (OMC, WTO) إلَّا في سنة 2001، بعد قرابة 15 عاما من المفاوضات الصعبة والضُغُوطات القوية.  و«المنظمة العالمية للتجارة» هي من المؤسّـسات الرئيسية المدافعة عن التجارة الرأسمالية في العالم. وكانت الدول الإمبريالية تستعملها كأداة تفرض بها على بلدان “العالم الثالث” فتحَ اقتصاداتها على السّوق الرأسمالية العالمية، وإخضاعَ اقتصادها لِقواعد الرأسمالية. ومن الغرائب أنه، في الاجتماع الأخير «للمنظمة العالمية للتجارة»، الذي وَقَعَ في نهاية شهر نونبر 2018، حدث صدام دِيبْلُومَاسِي مُعَبِّر بين الصين وروسيا من جهة، ومن جهة أخرى الولايات المتحدة الأمريكية (USA). حيث تَـعَدَّدَت خُرُوقَات الولايات المتحدة الأمريكية لِقوانين التجارة الحُرّة الرأسمالية، بِإِيعَاز من الرئيس الأمريكي اليميني المُتَطَرِّف دُونَالد تْرَامْبْ (Donald Trump)، بينما دافعت الصين وروسيا على ضرورة الالتزام باحترام مبادئ وقواعد «المنظمة العالمية للتجارة». وتعني هذه الحادثة أن الولايات المتحدة بدأت تجد صعوبة في منافسة الصين وروسيا في بعض الميادين الاقتصادية الحَسّاسة. كما أن دُونَالدْ تْرَامْب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، قرّر منع الشركة الصينية للهواتف المنقولة “اهْوَاوِي” (Huawei) من إقامة نظام الجيل الخامس (G5) داخل التراب الأمريكي. وزعم الرئيس تْرَامْب أن السبب هو احتمال استعمال الصِّين لنظام الجيل الخامس (G5) بهدف التجسّـس على المكالمات في أمريكا. بينما السبب الحقيقي هو أن الشركة الصّينية “هْوَاوِي” تجاوزت الشركات الأمريكية في مجال التكنولوجيا الـلاسلكية، ولم تعد هذه الشركات الأمريكية قادرة على منافسة “هْوَاوِي”.

6) هــل يَــحِــقُّ اخــتــصــار الاشــتــراكــيــة في تَــأْمِــيــم وَسَــائِــل الانــتــاج ؟

خلال سنوات 1970، كنّا شُبَّانًا مناضلين في تنظيمات الحَرَكَة المَارْكِسِية اللِّينِينِية بالمغرب (وهي: “منظّمة إلى الأمام”، و”منظّمة 23 مارس”، و”منظّمة لِنَخْدُم الشعب”). وكان بعضنا يُلخّص «الاشتراكية» في«تأميم وسائل الإنتاج، زَائِد دِكْتَاتُورِيَة البْرُولِيتَارِيَا (prolétariat)، المُتَجَسِّدة في سلطة لِجَان الكادحين (soviet)». وكُنَّا نفهم «التَأْمِيمَ» بمثابة تحويل المِلْكِيَة الخاصة (لِوَسائل الإنتاج) إلى مِلكية جماعية، أو مُجتمعية. ومَا زَال بعض المناضلين يكتـفون بمثل هذه التبسيطات. وقد تَبَيَّنَ لنا، فيما بعد، أن هذا التصوّر ناقص. ولاحظنا أن هذا التبسيط للاشتراكية يوجد في الرُّؤْيَة السْتَالِينِية (وفي مُمَارَستها)، وليس في الرؤية اللينِينِيَة، ولا في الرؤية الماركسية.

وفي الاتحاد السُّوفياتي، كان يُقَال عن «مِلْكِيَة وَسَائِل الإنتاج» (propriété des moyens de production) أنها «مِلْكِيَة جماعية». لكن لِمَنْ كانت تَعُودُ حقيقةً المِلْكِيةالجَماعيةلِوَسَائل الإنتاج؟ هل كانت تَعُود إلى الطبقة العاملة، أم إلى الحزب الشيوعي الحاكم، أم إلى الدولة “الاشتراكية” القائمة، أم إلى لِجَان الكَادِحِين (soviets)، أم إلى طَرَف آخر، مثل النُّخَب ذات الامتيازات في الحزب الحاكم، أو في الدولة، أو النُخَب العُلْيَا التي تُسَمَّى بِـ: ‘النُمُونْكْلَاتُورَا” (Nomenklatura)؟

ومن بين المَخَاطِر التي يمكن أن تحدث لِلْمِِلْكِيَة الجَماعية لِوسائل الإنتاج، مَا يَلِي: 1) يمكن لِقِوَى مُجتمعية أن تتحكّم في وسائل الإنتاج المُجتمعية دون أن تَتَمَلَّكَهَا بشكل قانوني. 2) يمكن للسلطة المكلّفة من طرف الكادحين بتدبير وسائل الإنتاج الجماعية أن تتحوّل إلى غُول يُهَيْمِن على الطبقة العاملة. ويمكن لهذا الغُول أن يضطهدها، وأن يستـغلّها، وأن يَسْتَحْوِذَ على جزء هام من “فَائِض القِيمَة” (plus-value) المنتوج من طرف الكادحين. فهل هذا هو ما حدث في الاتحاد السُّوفياتي؟

وقد قام التيار المناصر لِجُوزِيف اسْتَالِين بِتَبْسِيط الماركسية، وقَلَّص فيها الرُّؤْيَة الجَدَلِيَة للظواهر المُجتمعية، وَمَنَع فيها التحليل النقدي للواقع المُعَاش. ومن بين الأخطاء التي سَاهَمَت في انهيار الاتحاد السُّوفْيَاتِي، الاعتـقاد بِكِفَايَة تحويل وسائل الانتاج إلى مِلْكِيَة مُجتمعية، والاعْتِمَاد على قمع المُخَالِفِين أو المُعارضين السياسيين، بِمُبَرِّر مُمَارسة «دِكتاتُورية البُرُولِيتَارْيَا». كأن الجوهر في «الاشتراكية» هو فقط تغيير طبيعة «مِلْكِيَة» وسائل الانتاج. وهذا تصوّر خاطئ، بل مُنَاقِض للماركسية. وما الفائدة من تحويل ملكية وسائل الإنتاج إلى ملكية مُجتمعية، إذا كانت عقليات المسؤولين والمواطنين سَتَبْـقَى مَحْشُوَّة بالقِيَم الرأسمالية، والانتهازية، والأنانية، والاِفْتِرَاس، والغِشِّ، والنِّفَاق؟ حيث لا يمكن أن ينجح التحرّر من الرأسمالية إذا اقتصر فقط على تغيير تنظيم المُجتمع، أو على تغيير اقتصاده (تغيير شكل المِلْكِيَة)، أو حتّى على تغيير توزيع الثروات.

وعلى مستوى التَشْكِيلَة المُجتمعية، لا يكفي تغيير البِنْيَات التَحْتِيَة للمُجتمع (بما فيها علاقات الانتاج)، بل يَلْزَمُ أيضًا إحْدَاث تغييرات مُلَائمة في البِِنْيَات الفَوْقِيَة (بما فيها التَـقَالِيد، والمُعتقدات، والمَعَارِفْ، وَمَنَاهِج التَـفْكِير، ونوعية السُّلُوكِيَات، إلى آخره). ويستوجب التحرّر من الرأسمالية القيام بِتَـغْيِيرَات ثورية، شُمُولِيَة، ومتواصلة. حيث يَـقْتَضِي تَـفْعِيل الجُرْأَة على تغيير نَوعِيَة المُجتمع في عُمْقِه، وتغيير نوعية البَشَر، وتغيير عَقْلِيَاتهم، ومَنَاهِجِهِم، وعَلَاقَاتهم، وثـقافاتهم، وسُلُوكِيَاتهم، وقِيَمِهِم، وعَادَاتهم، إلى آخره. وكان ينبغي أيضًا، وفي نفس الوقت، الحِرص على تَـفْعِيل عِدّة آليات مُجتمعية، وتَـفَاعُل عِدّة حركات ثورية أخرى، لِكي تَـتَكَامَلَ فيما بينها. لأن تَشْيِيد الاشتراكية، هو ثورة مُجتمعية شُمُولية، وعَمِيقَة،ومُتَوَاصِلَة. والشُّرُوع في بناء الاشتراكية هو دخول في قَطِيعَة جَذْرِيَة (rupture radicale) مع كل مُـقَوِّمَات المُجتمع الرأسمالي. فإذا لم تكن مناهج هذه الاشتراكية مُجتمعية، وشُمُولِيَة، وَنَـقْدِيَة، وثورية، فإنها سَتَنْحَرِفُ بسهولة، وَسَتَتَلَوَّثُ بالعَقْلِيَات الرأسمالية الانتهازية، ثم ستـفشل بشكل مأساوي. وعلى خلاف المناهج السْتَالِينِيَة، نَـفْتَرِضُ في هذه الآليات المُجتمعية الثورية أنها تُساعد على محاربة احتكار السلطة السياسية. ونَفْتَرِضُ فيها أنها تُنَاهِضُ احتكار الحقيقة في الرأي الوحيد. وَنَفْتَرِضُ فيها أنها تُكَافح ضدّ كل أشكال الاستبداد. ونفترض فيها أنها تُـقَاوم انبعاث فئات طَبَقِيَة مُسْتَغِلَّة، أو مُستبدَّة، ولو كانت مُسْتَتِرَة، أو مُمَوَّهَة.

ونَذْكُر من بين هذه الآليات المُجتمعية الضّرورية: (1) ترسيخ «مصدر السلطة السياسية» في مجالس الكادحين (soviets)، [وليس في قيادة الحزب الشيوعي، أو في زعيمه]؛ (2) تعميم المُرَاقَبَة المُتَبَادَلَة، والمُحَاسَبَة المُتبادلة، في جميع الميادين، وعلى جميع المستويات [وليس التركيز على المراقبة المُخَابَرَاتِيَة للمُخَالِفِين والمُعارضين السياسيين]؛ (3) ترسيخ حُرِّيات النَّـقْد، وحرّيات المُبَادَرات القاعدية [وليس احتكار المبادرة من طرف رئيس الدولة، أو من طرف قيادة الحزب، أو زعيمه]؛ (4) الالتزام الصَّارِم بِدَوْرِيَّة تَـقْيِيم المُنْجَزَات، والتجارب، والانْـفِتَاح على النَّـقْد، والتَعَهُّد بِتَـقْوِيم كل ما هو ناقص، في جميع الميادين، وعلى جميع الأَصْعِدَة [وليس التمجيد المُسْبَق، وغير المَشْرُوط، لِكُلّ ما يصدر عن رئيس الدولة، أو عن قيادة الحزب]؛ بالإضافة إلى آليات مُجتمعية أخرى مُكَمِّلَة، يلزم اكتشافها، أو إِبْدَاعُها.

وإذا لم تسمح السلطة السياسية الثورية القائمة، أو الدولة الاشتراكية الانتـقالية، بوجود بُؤَر لِسُلُطَات مُضَادَّة، تكون مُـقْتَرِحَة، ونَاقِدة، ومُبْدِعَة، فإن تـقويم الأخطاء، وتَصْحِيح الانحرافات المُحتملة، التي قد ترتكبها السلطة السياسية المركزية، سَيَغْدُو صَعْبًا، أو مُستحيلًا.

7) هــل الطــبــقــة الــعــامــلــة دائــمًــا ثــوريــة ؟

خلال سنوات 1970، وفي إطار تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية بالمغرب، كان بعضنا، كَمُناضلين شباب، يَـتَّصِفُ ببعض الأخطاء المُمَيِّزة لِلَمَارْكِسِيِّين المُبْتَدِئِين، أو العَامِيِّين. فَكان بعض المناضلين يُبَالِغُون مثلًا في تَمْجِيد «الطبقة العاملة». ;وكان بعضنا ينظر إلى الطبقة العاملة بنظرة مِثَالِيَة. وكان بعضنا يُرَوِّج عن الطبقة العاملة تصوّرًا غير عقلاني، وغير جَدَلِيّ. وكان بعضنا يَدَّعي أن «الطبقة العاملة هي الطبقة الثّورية حتى النهاية». وكان بعضنا يقول عن الطبقة العاملة أنها هي «الطبقة الطَلِيعِيَة(avant-garde) بِامْتِيَاز». وكان بعضنا يزعم أن «العُمَّال هم المؤهّلُون أكثر من غيرهم لكي يكونوا مناضلين، وثوريين، وطَلِيعِيِّين». وكان بعضنا يتصوّر أن الطبقة العاملة هي «طبقة ثورية، وطَلِيعِيَّة، بشكل كَامِل وَدَائِم». وكان بعضنا يُلْصِق بهذه الطبقة كل الخِصال السياسية الحَميدة. وكان بعضنا يتخيّل أن «الطبقة العاملة هي وحدها التي تـقدر على تحرير المجتمع بِرُمَّتِه».

وهذه الأطروحات (المذكورة سَابقًا) غير سَليمة. لأنها لَا تَسْتَوْعِبُ جَدَلِيَّة الماركسية. ولأن الواقع لا يؤكّدها دائمًا. وقد يكون أصل هذا التصور المِثَالِي لِثَوْرِيَّة الطبقة العاملة يرجع إلى كارل ماركس هو نـفسه. حيث أن ماركس بالغ شيئًا مَا في وصف «ثورية» الطبقة العاملة. وكثيرون مِمَّن قرأوا كارل ماركس ظَنُّوا أن «ثورية» الطبقة العاملة هي صِفَة عُضْوِيَة، أو قَارَّة، أو دائمة. وانشغل ماركس بِتَـفْسِير وتوضيح أسباب «ثورية» الطبقة العاملة. ولم يُـنَـبِّـه ماركس بما فيه الكفاية إلى أن «ثورية» الطبقة العاملة غير مُسْتَـقِرَّة. حيث يُمكنها أن تَتـقَوَّى، كما يمكن أن تضعف، أو أن تغيب، خلال فترات تاريخية مُعيّنة.

ويمكن للطبقة العاملة أن تكون حقيقةً ثورية، أو طليعية، خلال فترات تاريخية محددة.كما يمكنها أن تـفقد هذه الصِّفَات خلال فترات أخرى. الشيء الذي لا يَنْـفِي أن تَعَرُّضَ الطبقة العاملة لِلْاِسْتِغْلَال الرَّأسمالي، يُؤَهِّلُهَا، كطبقة، أكثر من غيرها، لكي تكون ثورية.

وخلال فترات تاريخية مُعيّنة، يمكن لِفِئَات مُجتمعية مِن غير الطبقة العاملة (مثل فئات الفلاحين، أو الجنود، أو البورجوازية الصغيرة، أو المثـقّـفين الثوريين)(43)، أن تكون، هي أيضا، مناضلة، أو ثورية، أو طَلِيعِيَة، دون أن تكون هذه الصِّفَات ثابتة، أو دائمة. حيث تتبدّل هذه الصِّفَات مع تبدّل الأوضاع المُجتمعية، أو التاريخية.

وفي الرُّؤْيَة الماركسية الكلاسيكية، إِمَّا أن يقوم العمال بالثورة، وإمَّا أن الثورة لَا تحدث. لكن عندما ندرس الثورات الكبرى التي حدثت خلال القرن العشرين، مثل الثورات التي نجحت في روسيا (1917)، والصِّين (1949)، وفِتْنَام (1976)، إلى آخره، نُلَاحظُ باستغراب في هذه الثورات أن دور الفلاحين الفقراء، والبرجوازية الصغيرة، والمثقفين الثوريين، كان نِسْبِيًّا أكثر تأثيرًا، وقُوَّةً، وفعالِيَةً، بالمقارنة مع دور العمال المأجورين الصِّنَاعِيِّين. بمعنى أن تَظافر الجُهود الثورية للطبقة العاملة مع جُهود طبقات الشعب الأخرى هو الذي يكون فَعَّالًا وحاسما.

وتُوجد أطروحة أخرى(اسْتَالِينِيَة)تُضْفِي الصِّفَات المُـفْتَرَضَة نَظَرِيًّافي «الطبقة العاملة» (أو في البْرُولِيتَارْيَا) على «حِزب الطَّبَقَة العَاملة» المُفْتَرَض.وتُمَدِّدُ هذه الأطروحة، بِشَكل مُطلق ودَائم، صفات ”الثورية”، و”الطَلِيعِيَة” (avant-garde)، على «حزب» الطبقة العاملة المُفْتَرَض. ثم تَدَّعِي هذه الأطروحة وُجُود امِتِدَاد، أو تَطَابُق، بين الطبقة العاملة، وزعيم حزب الطبقة العاملة. حيث أصبح زعيم الحزب الشيوعي، جُوزِيف اسْتَالِين، بِمَثَابَة مُمَثِّل، أووَكِيل،لِلبْرُولِيتَارْيَا. وهي أطروحة غير مُثْبَتَة، وغير سَلِيمة، وغير مَاركْسِيَة. لأنه لَا يُوجد في الواقع، لَا تَطابق مَضْمُونٌ، ولَا انْسجام دَائم، بين الطَبقة والحِزب. ولا يُوجد ما يُثْبِتُ انتـقال صِفَات الطبقة العاملة بِشَكْل آلي إلى الحِزب الذي يُفترض فيه أنه يَسْتَـقْطِبُ العُمَّال، أو ينظّم جزءًا من أفراد الطبقة العاملة، أو يَخدمها، أو يُمَثِّلها.

وخلال سنوات 1970، كانت حركاتنا الماركسية اللينينية بالمغرب مُكَوَّنَة على الخصوص من أشخاص مُثَـقَّـفِين ثَوريين، ومن شباب، ومن طلبة، ومن بعض الأطر الثوريين (معلّمين، أساتذة، تقنيين، مهندسين، إلى آخره). ولم يكن العُمّال يمثلون من بين أعضاء حركاتنا الماركسية اللينينية) سوى نسبة مِئَوِيَّة ضعيفة (أقلّ من 7 %). وكانت من بين إشكالياتنا آنذاك الرَّغْبَة في تحقيق التَجَذُّر في الطبقة العاملة. بِمَعْنَى الانغراس فيها. وكان المُفْتَرَضُ نظريًّا هو أن يَحْتَضِنَ العمالُ بِتِرْحَابٍ مناضلِي حركاتنا الماركسية اللينينية. لأننا كنا ندافع عن المصالح الأساسية للعُمال. وفي الواقع، لا يكفي أن يُدافع شخص مُعَيَّن عن مصالح الكادحين، لكي يفهمه الكادحون، أو لِكَي يَلْتَـفّوا حوله. وخلال سنوات متوالية، حاول عدد لا بأس به من مناضلينا سُلُوك طريق «الاِنْتِحَارالطَبَقِي» (أي التضحية بالدراسة، وبالمهنة، وبالعائلة، وتكريس حياته للنضال الثوري، بهدف الاشتغال كعمّال، وتجريب تأطير العُمّال من داخل المَعْمَل).

ولاحظنا باستـغراب أن نتائج محاولات تَجَذُّرِنَا في الطبقة العاملة بَـقِيَت على العُموم ضعيفة، أو فاشلة. ولم نكن آنذاك نفهم لماذا تَخْـفِقُ محاولات تَجَذُّرِنَا. وكان بعض المناضلين (الذين لم يُحاولوا التَجَذُّر في الطبقة العاملة) يمجّدون هذه الطبقة. وكانوا يتكلمون عن العمال كنوع من الثوريين المِثَالِيِّين. وصُدِمَ بعضُ المناضلين (الذين حاولوا ربط علاقات مباشرة مع العمال) بِسُلُوك بعض العمال. حيثُ كانت أقلية من العمال تُخْبِرُ فَوْرًا المُشَغِّل أن شخصا مُحَدَّدًا يُحاول تَسْيِيسَهم، أو تَوْعِيَّتَهم، أو تَنْـظِيمهم. وكان المُشَغِّلون يطردون فورًا كل شخص يتكلّم للعمال عن النقابة، أو عن السياسة. وحتى النـقابات كانت تميل إلى محاربة كل شخص يحاول تَوْعِيَة العمال، أو تَثْوِيرِهِم، أو تنظيمهم. وكانت عوامل مثل الفقر، أو الأمية، أو الجهل، أو الخوف من القمع، تدفع كثيرا من العمال إلى إهمال تثـقيفهم الذَّاتِي. وكانت خشيتهم من القمع، أو من الطَّرْد، تجعلهم يَتَلَافَوْنَ المشاركة في النضال. وكانت ظروفهم القاهرة تَحُثُّهم على التركيز على تَوْفِير الحاجيات المادية الضرورية للعيش. وكان بعض العمال مُستعدِّين لِلْخُضُوع، أو لِلْاِنْضِبَاط، لكل شخص يمنحهم المال. ولم تكن هذه السُلُوكِيَات خاصة بالعمال، وإنما كانت شائعة في مجمل جماهير الشعب(44). وهي مظهر من بين مظاهر تخلّف المُجتمع.

وكان بعض الماركسيين يفترضون أن الظروف الطبقية لعيش العمّال (أو البروليتاريا) تجعلهم موضوعيًّا مؤهّلين (تقريبا بشكل تِلْـقَائِي [spontané]) لاكتساب الوعي النظري الثوري (بِمعنى الماركسي). وكان هؤلاء الماركسيين يظنّون أن العمال مُهَيَّئِين بشكل طبيعي لكي يُغيّروا منظومة المُجتمع في شموليتها. بينما الملاحظ، من خلال التجربة الملموسة، هو أن إدراك هذا الوعي النظري الثوري يظلّ صعب المنال على العمّال. ولا يمكن أن تـظهر معرفة النظرية الماركسية بشكل تِلْقَائي (spontané) سَوَاءً لَدَى العُمّال، أم لدى غيرهم. ولا يمكن للمعرفة العاَمِّيَة أن تتحوّل تلقائيا إلى معرفة عِلْمِيَة. وإذا بَـقِيَ العمّال مَسْجُونِين في ظروف مِهَنِيَة عُمَّالية، سيكون من الصّعب عليهم أن يَلِجُوا إلى هذا الوعي النظري الثوري (الماركسي). وإذا لم يساهم مثقفون ثوريون (وأحزاب ثورية) في سيرورة إِشَاعَة هذا الوعي النظري الثوري داخل الطبقة العاملة، وداخل كادحين آخرين، فسيكون صعب المنال على العمال. وذلك دون أن ننسى أن التَعْلِيم، والتَعَلُّم، هُما في العمق مُتَبَادَلَان بين المُعلّم والمُتَلَقِّي.

وفي سنوات 1970، كنّا في “التنظيمات الماركسية اللِّينِينِية” بالمغرب نَفْتَرِضُ أن العمال مؤهّلين لكي يَعُوا بشكل تلقائي أوضاعهم الطبقية. وكنّا نظنّ أن نضالات الطبقة العاملة (النقابية، أو الاحتجاجية) يصاحبها بالضّرورة تنامي، وانتشار، وتجذّر، الوعي النظري الثوري لدى جماعات واسعة من الطبقة العاملة. بينما كانت التجربة تُبيّن أن هذه العلاقة (بين النضال، والوعي النظري الثوري) لَا تَسِيرُ دائما، وبشكل تِلْقَائي، أو حَتْمِي، في هذا الاتجاه الإيجابي المَرْجُو. حيث أن تعميق الوعي النظري الثوري يتطلّب، سواءً على مستوى الفرد أم الجماعة، مجهودا دِرَاسِيًّا خاصّا، ومُنـظّما، ومُتواصلا، ومُمَنْهَجًا.

وكان معظمنا يُبَالِغُ في الاحتياط من «طبقة البرجوازية الصغيرة» (petite bourgeoisie). بل كُنَّا نُهِينُ، أو نسْتَبْعِدُ، كل ما له علاقة بهذه «الطبقة البرجوازية الصغيرة». ولم يكن كثيرون مِنَّا يفهمون جيّدًا التَـفَاعُلَات الجَدَلِيَة والخَفِيَّة فيما بين الطبقة العاملة من جهة أولى، ومن جهة أخرى الفلاحين (المُعْدَمِين، والصِّغار، والمتوسطين)، والبرجوازية الصغيرة، والبرجوازية الوطنية. وهذه الطبقات هي بالضّبط الطبقات المؤهَّلة لتحالف طبقي استراتيجي مع الطبقة العاملة، و«تحت قِيادتها»، خلال «الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية»، وخلال المرحلة الانتـقالية إلى الاشتراكية.

وقد علّمتنا الماركسية أن تعرّض أفراد «الطبقة العاملة» إلى الاستغلال الرأسمالي، هو العامل الرئيسي الذي يُؤَهِّل موضوعيا هذه الطبقة (كَطَبَقَة) لكي تكون «ثورية». لكن هذه «الثورية» ليست صِفَة آلية، أو مُطلقة، أو دائمة، وإنما هي صفة نِسْبِيَة، ومُتَطَوِّرَة، وقابلة لِلصُّعُود، أو لِلْخُفُوت، وذلك في ارتباط بمستوى تطوّر الصراع الطبقي، وفي تفاعل مع مُعطيات كثيرة، مُجتمعية، وَعَالَمِيَة. ولا يقدر حتى الحزب الثوري” (أو الشيوعي)، هو نفسه، على ضَمَان دَيْمُومَة ثَوْرِيَتِه، فبالأحرى أن يقدر على ضمان دَيْمُومَة ثَوْرِيَةالطبقة العاملة. ويُفْتَرَضُ في الحزب الثوري المَاهِر، أنه يستغلّ كل حركة نضالية، وأنه يستثمر كلّ تـقدّم سياسي حصل لدى إحدى طبقات الشعب، لكي يرفع مستوى الوعي السياسي، أو الفِعل النضالي، لدى طبقات الشعب الأخرى.

والطبقة العاملة هي جزء عُضْوي من المُجتمع، ومن الشعب. فإذا كان مثلًا المُجتمع مُتَخَلِّفًا (اقتصاديا، أو سياسيا، أو ثقافيا، أو نِضَالِيًّا، أو عَقَائِدِيًّا)، فمن المُحْتَمَل أن يُؤَثِّر هذا التخلّف على مجمل مُكَوِّنَات المُجتمع، بما فيها الطبقة العاملة. وَلَوْ أن هذا التأثير يحدث بشكل مُتَفَاوِت، حسب الزمان، وحسب المكان، وحسب الأوضاع الطبقية لكل فاعل مُعَيّن.

ويمكن للطبقة العاملة، خلال فترة مُعيّنة، أن تكون موجودة على مستوى الإحصائيات المِهَنِيَّة، دون أن يكون لها وجود مُعْتَبَر في المجال السياسي، أو في مجال الصراع الطبقي. وبعبارة فَلْسَفِيَّة، يمكن للطبقة العاملة أن تكون طبقة فِيذَاتِهَا(en soi)، دون أن تكون بالضرورة طبقة لِذَاتِهَا(pour soi)،وذلك على مستوى الفِكر، أو الوَعي، أو المُبادرة، أو الفِعل. وفي هذه الحالة، قد لا تـقدر الطبقة العاملة على أن تكون فَاعِلًا طبقيًا، وَاعِيًا، ومُبَادِرًا، وفَعَّالًا. وغالبًا مَا لَا يكون وُجود طبقة مُعيّنة (مثل الطبقة العاملة) مَحْسُوسًا في المُجتمع، إِلَّا حينما تتصارع هذه الطبقة مع طبقات أخرى. لِذَا نـقول أن المُؤَشِّر على وُجُودِ أَيَّة طبقة، هو فِعْلُها في مجال الصراع الطبقي. وَوَعْيُ كل طبقة بِمَوْقِعِها، وبِدَوْرِها، في الصراع الطبقي، هو الذي يُؤَهِّلُهَا لكي تتحوّل من طبقة في ذَاتِهَا(en soi) إلى طبقة لِذَاتِهَا(pour soi). ومن منظار ماركسي، لِكَي يُوجَدَ تَحَرُّك الطبقة العاملة كَطَبَقَة، يَنْبَغِي أن يَكُون أفرادها حَامِلِين لِوَعْي طَبَـقِي. أَيْ أن يُدْرِك أفراد الطبقة العاملة أنهم يَحْتَلُّون نفس الموقع الطبقي في بِنْيَة المُجتمع، وهو موقع الكَادِحِين المُسْتَغَلِّين، وأن يدافعوا عن مصلح طبقتهم.

والطبقة العاملة هي أيضًا وحدة مُتناقضة. وتتكوّن من فئات مُتَفَاوِتَة. ومن الخطأ الاعتـقاد أن العمّال هم كلّهم مَبْدَئِيِّين، أو وَاعِين، أو عَقْلَانِيِّين، أو دِيمُوقراطيين، أو ثَوْرِيِّين، أو اشتراكيين. وقد يُوجد ضمنهم المُتَـقَدِّمُون والمُتَخَلِّفُون، والتـَقَدُّمِيُّون والمُحَافِظُون، والمُتَضَامِنُون والانتهازيون، والمُكَافِحُون والغَشَّاشُون، إلى آخره.

وكل طبقة تتميّز بِوضع خاص. وخصوصية الطبقة العاملة هي أنها تخضع للاستـغلال الرأسمالي بشكل مباشر. وهذه الخصوصية لا تُحَوِّلُها بالضرورة إلى طبقة ثورية مِثَالِيَّة (idéale). حيث يُمكن للطبقة العاملة، خلال فترات تاريخية مُحدّدة، أن تكون فعلاً واعية، ثورية، مُبادرة، مناضلة، طليعية. لكن من الممكن أيضًا أن تَـفقد الطبقة العاملة هذه الصّفات خلال فترات أخرى. وصِفَات الوعي، أو الكفاح، أو النضال، أو الثورية، أو الطَلِيعِيَة، ليست صِفات ثابتة (سَوَاءًلَدَىالشُّعُوب، أم لَدَى الطبقات، أم الأحزاب، أم الجماعات، أم الأفراد). وإنما تتطور هذه الصِّفَات مع تبدّل الأوضاع المُجتمعية، والعَالمية، والتاريخية.

فالطبقة العاملة ليست ثابتة، أو جامدة، بل تتطور باستمرار، وذلك في ارتباط بتطور المُجتمع. ووعيها السياسي، أو الطبقي، يمكن أن يتـقدّم، كما يمكن أن يتأخّر. وكل عضو فيها يتطوّر هو أيضا. ويمكن قول أشياء مُماثلة عن الفلاحين، أو عن البرجوازية الصغيرة، أو عن البرجوازية الوطنية، أو عن فئات المثـقفين، إلى آخره. ويمكن لطبقات الشعب أن تُـقَوِّيَ بعضها بعضًا، كما يمكنها أن تُضْعِفَ بعضها بعضًا. فَلَا تـقدر المساهمة السياسية للطبقة العاملة على أن تكون مُتـقدّمة، أو فَعَّالَة، إِلَّا إذا تـعاونت، أو تكاملت، مع طبقات الشعب الأخرى. وبعبارة أخرى، فَإن إيجاد تحالف سياسي ملموس، ومتواصل، بين الطبقة العاملة وطبقات الشعب الأخرى، هو سِرُّ نجاح الثورة، وبدونه يبقى كل شيء مستحيلًا.

8) لِــمَــاذا الــثــورة الــثـــقــافــيــة الــسِّــلْــمِــيَــة الــمُــتَــوَاصِــلَــة ضَــروريــة ؟

خلال سنوات 1970، كُنَّا في “الحركات الماركسية اللينينية” بالمغرب، كُنَّا نظنّ أن حزب البَلَاشِفَة (bolcheviks) الذي تركه لِينين بعد موته (في 1924) كان يَحْظَى كلّ أعضاءه بتكوين سياسي ونظري من مستوى عَالٍ. لكن حينما ندرس الحماقات والجرائم التي ارتكبها جُوزيف اسْتَالِين وأنصاره بين سنتي 1924 و 1953، وذلك بِمُساندة معظم أعضاء الحزب الشيوعي، نُدْرِكُ أن ارتكاب هذه الحماقات والجرائم لَا يمكن أن يكون ممكنًا إلَّا إذا كان مُستوى التكوين السياسي والنظري ضَعِيفًا لَدَى نِسْبَة هامّة من أعضاء الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي. صحيح أن كثيرين من الأطر الأَوَّلِيَة في الحزب الشيوعي (قُبَيْلَ وبُعَيْدَ ثورة 1917) كانوا يَحْظَوْنَ بِتكوين سياسي من مستوى مُتـقدِّم. لكن الدَّاهِيَة اسْتَالِين بدأ بالضبط باتِّهَام، أو طرد، أو قتل، معظم هؤلاء الأطر العُلْيَا في الحزب، وفي الجيش. وَلَوْ لَمْ يَستغل اسْتَالِين ضُعف التّكوين النظري والسياسي الموجود لدى نسبة هامّة من أعضاء الحزب، لَمَا كان بمقدوره أن يُمَرِّرَ سياساته التَصْفَوِيَة ضِدَّ مناضلي الحزب الأوائل المُتَمَرِّسِين. وفي قرابة سنة 1937، لم يترك القمع السْتَالينِي أيَّ أحد حَيًّا
من بين المناضلين الذين لَعِبُوا أَدْوَارًا مهمة، سواءً في الحزب البلشفي، أم في ثورة 1917. وبعد تَثْبِيت وتعميم إرهاب الحزب والدولة، غَدَى اسْتَالِين يتلاعب بِسهولة كبيرة بالحزب الشيوعي.

لِذَا نُؤَكِّد، ونُكَرِّر، أن أقوى أَدَاة لِتَعْبِئَة الجماهير، ولإشراكها في تصوّر، وفي إنجاز، الثورة المُجتمعية، وفي تشييد الاشتراكية، ليست هي العُنف، وليست هي الدِّعَايَة، وليس هي الزَّبُونِيَة، وإنما هي الثورة الثـقافية الجماهيرية السِّلْمِيَة المُتواصلة.

والمفتاح الرئيسي لِرَفْعِ مُستوى تقدّم المُجتمع، هو تعليم وتثـقيف أبناء الشعب، ليس فقط خلال الصِّبَا، وإنما بشكل مُتَوَاصِل، على امتداد الحياة كلّها. ومن بين أهم أسـس التَـقدّم السياسي، أو النجاح الاقتصادي، تَحْصِيلُ المعارف العِلمية، وَمُرَاكَمَتُهَا، والمُساهمة في إنتاجها، وفي تَمْحِيصِها، وفي تَطويرها. فإذا كانت نَوْعِيَةُ تَـثْـقِيف أبناء الشعب عِلْمِيَّةً، ونَاقِدَة، ومُتَوَاصِلة، استطاع هذا التـَثْـقِيف أن يُسَاهِمَ في تَحَرُّر الجماهير. وإذا كانت نَوْعِيَةُ تعليم أبناء الشعب مُحافِظَة، أو رَدِيئَة، أو مُتَخَلِّفَة، أو دِينية، أصبحَ الجهلُ هو السَّائدُ. وانتشار الجهل في المُجتمع يؤدِّي حَتْمًا إلى انتشار الغِشِّ، والانتهازية، والأفكار اليمينية. ثمّ يُسَاهِم هذا الجهل هو بدوره في تَـفَاقُم انحطاط المُجتمع.

ومن ميزات الرأسمالية أنها تَدْفَعُنَا باستمرار إلى التضحية بالوقت المُخَصَّص إلى التَـثْـقِيف الذَّاتِي (خُصوصًا عبر قراءة مَرَاجِعَ ثَـقافية من مستوى عَالٍ). وإذا لم نُـقاوم الرأسمالية، وإذا لم نَـنْـتَـزِع منها، في كلّ يوم، وقتًا مُخصّصًا للتثـقـيـف الذّاتِي، فإننا سنغرق بالتّأكيد، وبالتَدْرِيج، في جهل مُتَزَايِد. ولَا تَنْتَبِه قوى اليسار بالمغرب إلى هذا النَّـقْص، رغم خُطورته.

وقد كان النظام السياسي القائم في الاتحاد السوفياتي لا يهتمّ بما فيه الكفاية بِالتَـثْـقِيـفْ المُنَـظَّم، والمُعَمَّق، والمُتَوَاصِل على مَدَى الحياة، لمُجْمَل أفراد الحزب، والشعب. وكان النظام السوفياتي يُـقَلِّـلُ من مَدَى أهمّية هذا التـثـقيف العِلْمِيوالسياسي في مَجال مُواجَهَة الخُصوم السياسيين الدَّاخليِّين، وكذلك في ميدان مُقَاوَمة الخُصوم الخارجيين (الإِمْبِرْيَالِيَات العالمية). وفي النظام السُّوفياتي، كانت الحِوارات السياسية، والصِّرَاعَات الفكرية، نَادِرَة، أو مَخْنُوقَة، أو مَقْمُوعَة، أو مَحْصُورَة في بعض الأوساط الضَيِّقَة (مثل الأوساط الحزبية، أو الجَامِعِيَة). ولم تكن الحوارات الثـقافية، والصراعات السياسية، مُوَسَّعَة إلى عَامَّة جماهير الشعب. لأن إشراك جماهير الشعب في الحوارات السياسية، وفي الصراعات الفكرية، هو الذي يُساعدها على صَقْلِ حِسِّهَا النَّـقْدِي. ولَمَّا ظهرت في المُجتمع السوفياتي إِشْكَالَات سياسية كُبرى، بل مَصِيرية، تَبَيَّنَ عجز جماهير الشعب على المشاركة في نِـقَاشها، أو في مُعالجتها، طِبْقًا لمصالحها الثورية. فكان إهمال التَثْـقِيف (العِلْمِي والنَـقْدِي) للشعب من بين الأسباب التي ساهمت في تسهيل انهيار الاتحاد السوفياتي. وكلمَا كانت نِسَبٌ هَامَّة من الشّعب «أُمِّيَة»، أو «ذات مستوى ثـقافي محدود»، أو مُسْتَلَبَة (aliéné)، أو مُمْتَـثِـلَة (conformiste) لِلدِّعَايَة السَّائِدة، يجدُ الشعبُ نفسَه عاجزًا على تحقيق طُمُوحَاته التحرّرية.

واستفادت نسبيًّا الصِّين من بعض الأخطاء أو النَـقَائِص التي حدثت خلال تجارب الاتحاد السُّوفياتي. ومَنَحَت الصِّين عِنَايَة أكبر نِسْبِيًّا إلى التَـثْـقِيف المُتَوَاصل للجماهير الكادِحة. وأَطْلَـقَ الحزب الشيوعي الصِّيني عدّة حركِات«ثَـقَافية»،أو «تَصْحِيحِيَة»، تستعمل أَسَاليب: تَعْبِئَة الجماهير، وفتح النـقاشات السياسية العمومية، والتَـثْـقِيف الفِكْرِي، والمشاركة في خوض الصراع السياسي. ومن أبرز هذه الحركات “الثقافية”: «حركة مِئَة زَهْرَة» بين سنتي 1956 و 1957، و«حركة القَـفْزَة الكُبْرَى» بين سنتي 1958 و 1960، و«حركة التَرْبِيَة الاشتراكية» بين سنتي 1962 و 1965، و«حركة الثورة الثـقافية» بين سنتي 1966 و 1976. وكل هذه الحركات، كانت، ومَا زالت، مُلْتَبِسَة نِسْبِيًّا، وتُثِير لَدَى المُهْتَمِّين، نقاشات فكرية، وخلافات سياسية، وصراعات فلسفية. ورغم بعض التَجَاوُزَات التي حدثت خلال هذه الحركات، كانت «الثورة الثـقافية» في الصّين، أكثر إفادةً، وأقَلُّ ضررًا، بالمقارنة مع حَمَلَات «التطهير»، و«التَّرْهِيب»، و«الرُّعْب»، التي وقعت تحت حُكْم المُسْتبد جُوزِيف اسْتَالِين.

وفي هذا الموضوع، سبق للمناضل المغربي ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي، قيادي سابق في “منظمة إلى الأمام”، أن قال: «كنتُ مُتابعا للثورة الصينية منذ بداياتها، أي منذ مَطْلَع سنوات 1950. وعندما حدثت القطيعة بين الشيوعيتين السوفياتية والصينية، كنتُ منحازا إلى الأخيرة. وقد تَضَمَّنَت نصوص مَاوُو زِي دُونْغْ عنصر الثـقافة، وهو أُفُقٌ لم تَأْبَهْ به الشيوعية السُوفْيَاتِيَة»(45). [وعلى خلاف إشارة السرفاتي السَّابقة، كان افْلَادِيمِير لِينِين يهتمّ بتثـقيف جماهير الشعب(46)، لكن خَلَفَهُ جُوزِيف اسْتَالِين هو مَن اِبْتَعَدَ عن هذا التَوَجُّه]. وأضاف السَّرْفَاتِي: «مَنَحَتْ أيضا المَاوِيَةُ شعوب العالم الثالث مكانةً، بينما الشيوعية السوفياتية، أو الاتحاد السوفياتي عموما، لَعِبَ فعلا دورا في الحرب المناهضة للإمبريالية، لكنه أبقى شعوب العالم الثالث مُتَوَارِيَّة وراء ما سُمِّيَ بالأخ السوفياتي الأكبر». وأشهد شخصيا أنه، عندما كان ابراهام السَّرْفَاتِي مُعْتَقَلًا سِيَاسِيًا معي في السجن المركزي بمدينة القُنَيْطِرَة بالمغرب، في قرابة سنة 1987، عَبَّر لِي شخصيا، وبِصراحة، عن تناقص حَمَاسِه تُجاه الصِّين (التي بدأت المَزْجَ بين الاشتراكية والرأسمالية)، وقال لِي أنه يُفَضِّل الانْحِيَاز إلى جانب الاتحاد السوفياتي، وإلى زعيمه مِيخَائِيل غُورْبَاتْشُوفْ، صاحب مشروع “البِيرِيسْتْرُويْكَا” (perestroïka). ثمّ خَابَت فيما بعد آمال السرفاتي حتى تُجَاهَ الاتحاد السوفياتي. وكان غُورْبَاتْشُوفْ قد أَطْلَقَ آنذاك هذه الحركة التَصْحِيحِيَّة، لكنه لم يستطع التَحَكُّمَ في تطوّرها، وفي نتائجها، فَتَحَوَّلت إلى عُنصر من بين العناصر التي سَاعَدَت على التَّعْجِيلِ بانهيار الاتحاد السوفياتي. [وفي الحقيقة، بين سنوات 1980 و 1990، كُنَّا جميعًا في “التنظيمات الماركسية اللينينية” بالمغرب، وبدون استثناء، حَائِرِين مِمَّا يجري، سواءً في الصِّين، أم في الاتحاد السوفياتي. ولم نكن ندري جيِّدًا هل التَوَجُّه السياسي كان سليمًا في الصِّين، أم في الاتحاد السوفياتي. لأننا لم نكن نتوفّر على معطيات كافية لِبَلْوَرَة موقف سياسي مُعَلَّل من أيّ منهما]. وهكذا كانت مُفَاجَآت التاريخ.

9) هــل تُــجُــووِزَت الــمــاركــســيــة ؟

بعد انهيار الاتحاد السُّوفْيَاتِي في قرابة سنة 1991، تَعَبَّأَت وسائل الإعلام الرأسمالية، للتَّهْلِيل بِنَبَأ «موت الاشتراكية»، ولِلتَبْشِير بِـ «التجاوز النهائي للماركسية». وكان هذا الاِدِّعَاء مُتَوَقَّعًا، ومفهومًا، في إطار “الحرب الفكرية”، القائمة بين الرأسمالية والاشتراكية. وظهر عدد كبير من «المُفَكِّرِين» المَأْجُورِين، أو المُرْتَزِقَة، الذين يُكَرِّرُون كالبَابَّـغَاوَات أطروحة «خطأ» الماركسية، أو «استحالة» الاشتراكية، و«الانتصار النهائي للرأسمالية على الاشتراكية». وطَرَحُوا مَـقُولَة «نِهاية التاريخ». وزعموا أن الرأسمالية ستبقى «أَبَدِيَة».

فهل فَشَلُ تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي يُثْبِتُ أن الماركسية غَدَت مُتَجاوزة؟ وهل كُلُّ حِزب جَرَّبَ بناء الاشتراكية في بلده الخاص، ثم فَشِلَ، هل يُـقْبَلْ أن يكون فشلُ تجربته حُجَّةً على خطأ النظرية الماركسية؟ وهل كان يَنْبَغِي أن تُـقَدِّم لَنَا الماركسية طَرِيقَةً مضمونةَ النَجاح في مجال بناء الاشتراكية؟ وهل مَا مَارَسَه الحزبُ الشيوعي في الاتحاد السوفياتي هو تَطْبِيق مُخلص لِمَبَادِئ الماركسية؟ وحتّى لو اِفْتَرَضْنَا جَدَلًا أن الماركسية تُوصِي بِتَنْـفِيذِ طريقة مُحَدَّدة وجاهزة لِبناء الاشتراكية، فهل فَشَلُ أي حزب شيوعي في بناء الاشتراكية في بلده الخاص يعني أن الخَلَل يُوجد بالضرورة في النظرية، وليس في طريقة استعمالها؟ وفي هذه الحالة، كيف تكون العلاقات والتفاعلات فيما بين النظرية، والفَاعِل المُطَبِّق للنظرية؟ وما هي مسؤوليات النظرية، وما هي مسؤوليات الفاعل الذي يُطَبِّق هذه النظرية؟

وقد حاول تِيَار اسْتَالِين تبسيط الماركسية (والاشتراكية)، عبر تَخْلِيصِها من مناهجها الجَدَلِيَة والنَـقْدِية، وذلك لِكَيْ تُـقْدِمَ الحُشُود الغَفِيرَة على تبنّي هذه الماركسية المُبَسَّطَة. لكن إذا كان تِيَار اسْتَالِين قد حوّل الماركسية إلى أَيْدِيُولُوجِية، فهذا التحويل لَا يُبْطِلُ صَلَاحِيَة النظرية الماركسية. وحتى إذا أقدم أي شخص (مثل اسْتَالِين) على اختيار نظرية مُحدّدة (مثل الماركسية) على أساس قناعاته أو تَصَوُّرَاتِه الأيديولوجية، فإن هذا الاختيار (على أساس أيديولوجي) لَا يُشَرِّعُ صَلَاحية تلك النظرية المُخْتَارَة، ولَا يُبْطِلُهَا.

وزَعَمَ بعض المُفَكِّرين أن انحرافات اسْتَالِين وأنصاره تَأْتِي مِن صُلْبِ النظرية الماركسية. وأنه يجب إِذَن التخلّص من الماركسية هي نفسها ! وتُذَكِّرُنِي هذه الطريقة في التفكير بِالأطروحة التي تَدَّعِي أن أسلحة الدَّمَار الشَّامِل، (بما فيها أسلحة القَنَابِل النَّوَوِيَة، أو الكِيمَاوِيَة، أو البَيُولُوجِيَة)، تُهدّد البشرية بالانقراض، وأنه يجب إِذَن التَخَلُّصُ من عِلْمَيْ الفِيزِيَّاء والكِيمِيَّاء، لأن هذين العِلمين يَحْتَوِيَّان على المعارف والتـقنيات الكافية، التي تُمَكِّن من صناعة أسلحة الدَّمَار الشامل! وهذا المنهج في التفكير هو طبعًا خاطئ.

وفِي الجزء الأوّل من هذا النَصِّ، رأينا أن مَا طَبَّـقَه الحزب الشيوعي خلال عهد اسْتَالِين في الاتحاد السوفياتي بَعِيدٌ عن الماركسية، بل يتناقض معها. وتبقى النظرية الماركسية بريئة من الأخطاء السياسية التي يمكن أن يسقط فيها كل حزب يزعم أنه يُحاول تَفْعِيل الماركسية، أو بناء الاشتراكية.

لِنتساءل الآن: مَا هي الماركسية؟ على خلاف القراءات التبسيطية، أو التأويلات “الدُّوغْمَائِيَة” (dogmatique) الماركسيةمناهج في التفكير، قبل أن تكون أفكارا مُحَدَّدَة. والماركسية هي مدرسة فكرية، وعَقْلَانِيَة،وفلسفية، وعِلْمِيَة، ونَـقْدِيَة، وثورية. وتَدْرُس الماركسيةُ المُجتمعَ الرأسمالي من عِدَّة زَوَايَا (مثل الاقتصاد، والسياسة، والتاريخ، والقانون، والفكر، والفلسفة، والثـقافة، إلى آخره). وتنتـقد الماركسية المُجتمع الرأسمالي، وتُساهم في إعداد المجتمع البديل، المتحرّر من الاستغلال الرأسمالي، ومن الطَّبقات المُجتمعية المُتناقضة. ولَا تنحصر الماركسية فـقط في مجموعة من المعارف (المُتَضَمَّنَة في كُتب كارل ماركس(47) [Karl Marx]، وفي كُتب مُفَكِّرِين ماركسيين آخرين(48)). بل جوهر الماركسية هو مجموعة من المَنَاهِج العَقْلَانِية، والفَلْسَفِيَة، والعِلْمِيَة، والنَّـقْدِيَة. والغاية من هذه الأدوات النظرية، هي أن تُساعد على تَحليل المُجتمع، وعلى نَـقْدِه، وعلى تَـغْيِيرِه. وعلى عكس «الماركسية الدُّوغْمَائِيَة»، تُكافح الماركسية الثورية ضِدَّ كل ما هو خَاطِئ، أو أَيْدِيُولُوجِي، أو عَقَائِدِي، أو قَدَاسِي، أو مُحَنَّط، أو جَامد، أو جاهل، أو ظَالم، أو مُسْتَلَب (aliéné)، أو مُسْتَبِد(49).

وتأتي قُوَّة الماركسية من جَوْدَة انْـتِـقَادَاتِها، وتَحَالِيلِها، واسْتِنْتَاجَاتِهَا. فَمَا هو التَحْلِيلُ (في الماركسية)؟ وكيف نُحَلِّلُ الظواهر المُجتمعية؟ التحليل هو القيام بالعمليات التالية: 1) الانطلاق من الواقع الملموس، بهدف العَوْدَة إلى الواقع الملموس (وليس الانطلاق من أفكار خَيَالِيَة، أو تصوّرات مُسْبَقَة). 2) إذا انطلقنا من الواقع الملموس، بمعنى إذا انطلقنا من ظَوَاهِر الأُمُور، يجب أن نُحاول الغَوْصَ داخل بَاطِنِ هذه الأمور، لِرُؤْيَة مَا يجري وراء المظاهر. 3) إِبْرَاز التَنَاقُضَات المُجتمعية التي تُحَرِّكُ الظَوَاهِرَ المُجتمعية. 4) تَـفْتِيت الظَّوَاهِر المُجتمعية إلى المُكَوِّنات التي تَتَرَكَّبُ منها. 5) إبراز التَفَاعُلَات المُباشرة والغير مُباشرة، الظَّاهِرَة والخَفِيَة، الوَاعِيَة أو غَيْر الوَاعِيَة، التي تَحدث فيما بين مُجمل العناصر، أو الفاعلين، أو المُكَوِّنَات المعنية. 6) الرؤية إلى الظَوَاهِر المُجتمعية في تطوّرها التاريخي. 7) محاولة إمساك جوهر الأشياء المَدْرُوسَة، وليس الاكتفاء بِالتَجَلِّيَات المظهرية لذلك الجوهر. 8) التَمَسُّك دَائِمًا بِالهدف الأساسي (في الماركسية) الذي هو رَدُّ الاعتبار إلى العقل، وإلى الإنسان، وتحرير الإنسان من كل القُيُود التي تَتَنَاقَضُ مع إنسانية الإنسان. 9) اعتبار الإنسان في واقعه الملموس، وفي علاقاته المُجتمعية المتناقضة. 10) الرؤية إلى الانسان كممارسة تاريخية، في صيرورته التاريخية والمُتغيّرة.

ورغم أن الماركسية كانت، ومَا زَالت، هي النظرية الأكثر تَـقدُّمًا في العالم، ورغم أنها حَلَّلَت، وفسّرت، وطَوَّرَت، الكثير من القضايا النظرية، في مجالات الفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، والمُجتمع، فَمِنْ الطُوبَاوِيَة (utopisme) أن نطلب من الماركسية أن تُوَفِّر لنا حُلولًا جاهزة، ونهائية، ومُسبَقَة، وأَبَدِيَة، تصلح لِمُعَالَجَة كل مشاكلنا المُجتمعية. ولا تستطيع الماركسية، ولا أية نظرية أخرى، أن توفر لنا حُلُولًا نظرية كَوْنِيَة، تضمن لنا النجاح في عملية تَـغيير المُجتمع، أو في إصلاحه. ومن الطُوبَاوِيَة (utopisme) أيضًا أن نطلب من النظرية الماركسية أن تُرْشِدُنا إلى الخطوات العَمَلِيَة، التي تَضْمَنُ لنا النجاحَ، في بناء الاشتراكية. لأن النظرية (من منظور ماركسي) تَرْتَبِطُ جَدَلِيًّا بالممارسة. ولا تـقدر النظرية على أن تسبق كثيرًا الممارسة (في ميادين تاريخية جديدة مثل تشييد الاشتراكية).كما لا تستطيع النظرية أن تُـفْلِتَ من أن تكون مَوْسُومَة (marqué) بِزمانها التاريخي.

وبعبارة أخرى، تُبْنَى النظرية على أساس مُمَارَسَة تاريخية محدَّدَة. ولا تتـقدَّم النظرية الثورية إلَّا إذا سَايَرَت تَـقَدُّم وتحليل الممارسة. والمناضلون الثوريون، المُنْخَرِطُون في الممارسة اليومية، وفي البحث العِلْمِي المُتَوَاصِل، هم المُؤَهَّلُون للاِجْتِهَاد، ولِلِإِبْدَاع، ولِاقتراح الحُلُول (النظرية والسياسية)،الملائمة لِمُستوى تطوّر الصراع الطبقي في مُجتمعهم، ولِمُسَايِرَة ِزَمَانِهِم التاريخي. وكل مُفَكِّر يَتَجَاهل الماركسية، أو يرفض استعمالها، سيبقى يَدور في “حلقة مُفْرَغَة” (cercle vicieux) داخل إطار الرأسمالية المُفْلِسَة.

ويعرف المناضلون الماركسيون مُسبقًا أن أوضاعهم ستكون صعبة، وأن تضحياتهم ستكون قاسية، وأن تجاربهم سَتَتَعَرَّضُ، مِرَارًا وتكرارًا، للقمع، أو لِلْحِصَار، أو للإجهاض، أو للتَّصْفِيَة، أو لاحتمال الانحراف السياسي. ويُدْرِكُ الماركسيون أنهم الأقلية الثورية التي اختارت، عَن وَعْي، مُنَاصَرَة مُعَسْكَر الطبقات المُسْتَغَلَّة والمَسْحُوقة، وفضَّلَت أن تُكَرِّس حياتها لِتَهْيِئ المُسْتَغَلِّين (بِفتح حرف الغِين) والمُهَمَّشِين لاكتساب الوعي، والنَـقْد، وتهيئهم للنضال، وإلى الانتفاض، وإلى التَجَرُّؤ على محاولة بناء المجتمع المُتَحَرِّر من الاستغلال الرأسمالي، ومن الطبقات المُجتمعية المُتَنَاحِرَة. ولا ينتظر المناضلون الماركسيون أن يقول لهم الرأسماليون أو خُدَّامُهُم: «أنتم على حقّ، ونحن نتمنَّى لكم التوفيق في مشاريعكم».

وقد شَكَّلَت الاكتشافات، أو الإِبْدَاعَات، أو التَدْقِيقَات النظرية، التي أنتجتها الماركسية، شَكّلَت قفزةً نوعية في تاريخ مَعَارِف البشرية. (ومن بينها: نظرية أنماط الإنتاج المُتَعَاقِبَة عبر التاريخ، والمادية الجدلية، والمادية التاريخية، ونظرية فائض القيمة، والعلاقة بين قِوَى الإِنْتَاج وعَلَاقَات الإنتاج، وشرح آلِيَات الاستغلال الرأسمالي، ومفهوم التَشْكِيلَة المُجتمعية، والترابط بين البنية التَحْتِيَة والبنية الفوقية، ومحرِّك التاريخ الكَامِن في الصراع الطبقي، وأطروحة الاِسْتِلَاب، إلى آخره). ولا يمكن نُكْرَان بعض الأطروحات الماركسية، ولا تَجاهُلُها، ولو أن بعضها مَا زال نظريةً غير مُكْتَمِلَة، أو مَوْسُومَة بِزَمَانِها التاريخي.

وعلى خلاف مَا يزعمه بعض الماركسيين “الدُّوغْمَائِيِين (dogmatique)، مَا هو مطروح على المناضلين الثوريين، ليس هو الوُقُوف عند نظرية ماركس، أو تَقْدِيسُهَا، أو اعتبارها نظرية كَامِلَة،أونِهَائِيَة.وإنما المَطْرُوح هو الانطلاق من ماركس، لِتَكْمِيلِه، أو لِتَطويره، أو حتى لِتَجَاوُزِه في بعض أطروحاته. فالماركسية ليست هي النِّهَايَة، وإنما هي البداية. فلا تستطيع أية نظرية، بما فيها الماركسية، أن تكون نظرية مُكْتَمِلَة، أو نِهَائِيَة، أو أبدية، أو مُطْلَـقَة. وإنما هي نظرية بَشَرِيَة، ومحكومة بزمانها التاريخي. وهذه التَارِيخَانِيَة تَنْطَبِقُ على كل مُقَوِّمَات التُرَاث الثَـقَافِي للبشرية. وتنطبق حتّى على العُلُوم الدَّقِيقَة (مثل الفيزياء والكيمياء). ويَأْتِي التـقدم العِلْمِي بالضّبط من التجارب المُتَوَالِيَة، ومن تَـقْيِيمِهَا، ونَـقْدِهَا، وتصحيحها. كما يأتي من تَرَاكُم المعلومات، والاكتشافات، ومُرَاجَعَتِها، وتطويرها، وإغنائها، وذلك في ارتباط حَيَوِيّ بالممارسة الثورية.

وعلى خلال بعض الظُّنُون، فإن وظيفة النظرية الماركسية، ليست هي تَوْفِير حُلول مُكْتَمِلَة، أو جاهزة، لكل فاعل سياسي، وذلك بِغَضِّ النَظَر عن مُجتمعه، وزمانه، وميدان اشتغاله. وإنما وظيفة النظرية الماركسية تُشْبِهُ وظيفة أيّة معرفة في العُلوم الدّقيقة (مثل الفيزياء أو الكيمياء). فهي تُزَوِّدُكَ ببعض الأدوات النظرية العلمية، لكنها لَا تَحُلُّ مَحَلَّك للقيَّام بالتحقيقات، ولَا تنوب عنك في تحليل المشاكل، ولَا تُعَوِّضُك في ابتكار الحُلُول الملَائِمة لهذه المشاكل، ولَا تُعْـفِيك مِن بذل الجُهود لِتَـنْـفِيذِهَا.

وعلى عكس بعض التصوّرات المِثَالية، كُلّما تعمّـقنا في التَـفَاصِيل، وَجَدْنَا أن تاريخ بناء الاشتراكية، سواء في الاتحاد السوفياتي، أم في الصّين، أم في غيرهما، لم يكن أبدًا هَادِئًا، ومُرِيحًا، حسب خط مُسْتَـقِيم، واضح، ومُسَانَد من طرف كل أعضاء الحزب الشيوعي، وقادته، وأطره، في جَوٍّ من الاِتِّـفَاق، أو الانسجام، أو الإجماع. على عكس ذلك، نجد أن كل هؤلاء الفاعلين السياسيين، وفي كل يوم، كانوا مضطرِّين إلى بذل مجهودات كُبرى ومُضنية. وكانت المناقشات صعبة. وكان الغُموضُ يَغلبُ الوضوحَ في فترات كثيرة. وكانت الصّراعات السياسية حَادَّة. وكانت الأساليب المستعملة مُفَاجِئَة وقَاسِية. وبدلًا من الوضوح المُسْبَق في نظرية ماركسية جاهزة، كان الفَاعِلُ السياسي يبحث عن الحُلول، أو يُجَرّبها، أو يُعَدِّلها في مُنتصف الطريق، في جَوٍّ من التَسَاؤُلَات، والشَّك، والاِحْتِرَاس، والحِيرَة، والاكتشاف. وكان الفاعل السياسي إن أَصَابَ مَرَّةً، أَخْطَأَ مَرَّتَين أو أكثر. وكانت مَيَادِين فهم النظرية الماركسية، وتطبيقها، وتطويرها، هي نَـفْسُهَا مجالَات للصراع الطبقي. والتـقدم على طريق بناء الاشتراكية يستوجب، في كل يوم، مجهودات، وتضحيات لا تنتهي. بل يتطلّب أحيانا ضحايا، مَجْهُولِين، أو مَرْمُوقِين. وبناء الاشتراكية ليس هو فقط تغيير نمط الدولة القائمة، وتغيير نمط الإنتاج، وإنما هو أيضًا خلق مواطن من نوع جديد. فَلَمْ، وَلَنْ، يكون تشييد الاشتراكية نزهة جماعية، سَهلة،أومُريحة.

ويجب الانتباه إلى أنه، إذا كانت النظريةُ الماركسيةُ قد طرحت، وبشكل صَريح، وشَفَّاف، الخُطوط العريضة للمشروع المُجتمعي الاشتراكي الذي تطمح إليه، فإن أنصار الرأسمالية يتهرّبون دائما من توضيح وتَدْقِيق مشروعهم المُجتمعي الرأسمالي، ولو بعد مُرور قرابة قرنين على ظهور الرأسمالية. ولماذا يتهرّب عادةً أنصار الرأسمالية من توضيح مشروعهم المُجتمعي الرأسمالي؟ لِسَبَبَيْن. أوّلًا، لأن الرأسماليين لَا يَجْرُؤُون على الإفصاح عن مشروعهم المجتمعي، حيث يُحسّون أن الرأسمالية تبقى، في عُمْقِهَا، مُضَادّة للأخلاق، وللعدل، وللعقل. وثانيًّا، لأن الرأسماليِّين يشعرون أنهم لَا يَـقدرون دائمًا على تَنْـفِيذ إراداتهم أو اختياراتهم بحرية، وإنما منطق الرأسمالية الخَفِيّ، الكامن في عمق نمط الإنتاج الرأسمالي، هو الذي يُحَدِّد إِراداتهم، واختياراتهم. وحتى إذا طرح بعض الرأسماليين مشروعًا مُجتمعيا رأسماليًّا مُفَصَّلًا، فإنهم يعجزون دائمًا على الالتزام به، ولَا يقدرون على تحقيقه في الآجال المُصَرّح بها. والجوهر المَكْتُوم في تصوّر الرأسماليين للمُجتمع، هو أن البشر ينقسمون إلى «خِرْفَان» و«ذِئَاب»، وأنه يَحِقُّ «لِلذِّئَاب»أن يَسْتَـغِلُّوا «الخِرْفَان»، وأن يَسْتَخْرِجُوا منهم “فَائِضَ القِيمَة”، وأن يحتكروه، وأن يُراكموه، وأن يَسْتَثْمِرُونه طبقا لمصالحهم الأنانية الخُصوصية. وهَوَسُ مُجمل الرأسماليين هو إنتاج الرِّبح، أو المال، ومُضَاعَفَتِه، ومُرَاكَمَتِه، بِلَا توقّف، ولو كانت مُضَاعَفَة المال تَحدث عَبْر الإِضْرَار بِِالبَشر، وعبر تـفـقير الكَادِحِين، وعبر تخريب الطبيعة. هذا هو الجوهر الخَفِيُّ في نظرية الرأسمالية.

ويطلب دَائِمًا الرأسماليون مِن الشعب أن يَـعتمد بشكل كُلِّيٍٍ، وأَعْمَى، على آلِيَات نَمَطِ الإِنْتَاج الرأسمالي. ويطلب الرأسماليون مِن الشعب أن يتركَ السُّوقَ تُـنَظِّمُ النشاطَ الاقتصادي. والغاية من مطالبة الرأسماليين بِتَـقْلِيص أدوار الدولة إلى أدنى حَدٍّ ممكن، هو إفلَات الرأسمال من المُرَاقَبَة، ومن المُحَاسَبَة، ومن حكم القوانين القائمة. والنتيجة المألوفة لِتَـقْليص تدخّل الدولة، هي تَعْمِيق الاستغلال الرأسمالي، وهضم حقوق المأجورين المُشَغَّلِين، واستـفحال الفقر، وتَفَاقُم الفوارق الطبقية، وتحطيم البيئة، وانحطاط المُجتمع. ومهما قال الرأسماليون، فإن المبادرات الرأسمالية الخُصُوصِيَة لَا تقدر على تلبية مُجْمَل حاجيات المُجتمع الأساسية. وإذا لم تتدخل الدولة بقوة، لِإِنْجَاز كل ما يَتَهَرَّبُ منه الرأسماليون الخُصُوصيّون، تحدث في المُجتمع اختلالات، أو احتكارات، أو أزمات، أو حُرُوب. ويطلب الرأسماليون من الشعب الاعتمادَ على «المبادرة الاقتصادية الحُرَّة»، وعلى «حُرِّيَة السُّوق»، و«حُرّية المنافسة»، إلى آخره. لكن هذه الآلِيَات تَنْحَرِف، أو تَفْشِل، إذا لم تَـفْرِض عليها الدولة الاشتغال في نطاق حُدُود قانونية مُعَيَّنَة. والمَأْسَاة التي تَتَكَرَّر في الرأسمالية، هي أن “فِرَق الضَّغْط” (lobbies) الرأسمالية تَنْجَحُ دائمًا، وفي آخر المطاف، في السيطرة على دَوَالِيب الدولة. بل تُسَخِّرُ “فرق الضَّغْط” الدولةَ لخدمة الأغراض الأنانية الضَيِّقة لِتلك الفئات المُسْتَغِلَّة الكُبرى، وذلك على حِسَاب مصالح عامّة الشعب الكادح.

وَتُنَاهِضُ الرأسماليةُ الماركسيةَ، وتُحَارِبُ الاشتراكيةَ، بِمَنْطِق القُوَّة، وليس بِقُوَّةالمَنطق. وتعتمد الرأسماليةُ على تجهيل الشعب، وعلى إخضاعه لِدِعَايَة مُكَثَّفَة، وتستعملُ الرأسماليةُ النِّـفاقَ، والخِدَاعَ، والقمعَ، والتصفيات الجسدية. ولا تلتزم الرأسماليةُ لَا بالقانون، ولَا بالأخلاق. ونتذكّر هنا العديد من المؤامرات، والاغتيالات، والحروب، والحِصَارَات، التي فَرَضَتها الإمبريالية على كل البلدان، وعلى كل الأنظمة السياسية، وعلى كلّ الحركات الثورية، التي حاولت اِتِّبَاع اخْتِيَارَات «اشتراكية». ومن بين هذه البلدان الضحايا: الاتحاد السوفياتي، وحُلَفَائِه في حِلْفِ ”وَارْسُو“، والصِّين، وفِيتْنَامْ، وكُورْيَا الشَمالية، وكُوبَا، وبلدان متعدِّدَة في أمريكا اللَّاتِينِيَة، وافريقيا، وآسيا، إلى آخره. وتاريخ العالم الحديث هو كلّه تاريخ قهر استعماري وإمبريالي. ويُعَدُّ إجمالي ضحايا المؤامرات والحروب الرأسمالية في العالم بمئات الملايين من البشر. وهو ما يَتَنَاسَاه دائمًا أنصار الرأسمالية.

ومنذ قرابة سنة 1945 (أي منذ نهاية «الحرب العالمية الثانية»)، وإلى حدود اليوم في سنة 2018، تَوَالَت عِدَّة حُكُومات في بلدان ”العالم الثالث“ (في افريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية). وكانت هذه الحكومات تُحَاوِلُ إخراج بلدانها من التخلّف، ومن التَبَعِيَة للإمبريالية، عبر اِتِّبَاع قَوَاعِد النظام الرأسمالي. ونتيجة ذلك، بعد مُحاولات دامت قرابة 70 عامًا، هي أن ”بلدان العالم الثالث“ مَا زَالَت تَتَخَبَّط في التخلّف المُجتمعي الشَّامل. وتُعَانِي من الفقر، والجهل، والاستبداد، والفساد، والضعف، والدُّيُون، والتَبَعِيَة للإمبريالية، إلى آخره. وعلى عكس بعض الظّنون، فإن تكاثر العمارات، والسيارات، والتَلْفَزَات، والهواتف، وما شابهها، في المُدُن الكبيرة داخل ”بلدان العالم الثالث“، ليس حُجَّة على خروج هذه البلدان من التخلّف، وارتـقاءها إلى مستوى التَـقَدُّم، أو التَحَرُّر. وإنما الخَلَاص من التخلّف يعني استرجاع سيادة الشعب الوطنية الحَقَّة، وتغيير المُجتمع، وتثويره، لكي يُصبح قادرًا، هو بنفسه، على تَلْبِيَة معظم حاجِيَاته، على مستويات البنيات التحتية، والإنتاج الفلاحي، والاقتصادي، والعِلْمِي، والتكنولوجي، والثقافي، في إطار دولة العدل، أو دولة الحقّ والقانون.

وحينما ندرس الأزمات المتنوّعة التي تتكرّر في النظام الرأسمالي، نجد أن سببها الأساسي يَكْمُنُ في اعتماد الرأسمالية على مُحَرِّك الأنانية الفردية(50) لدى الفاعل الرأسمالي. فلا يهتمّ الفاعل الرأسمالي سوى بِجَنْيِ الرِّبْح الشخصي، ولو عبر سحق المأجورين، أو عبر الإضرار بالمُجتمع، أو تخريب البيئة. بينما كان ينبغي أن يؤدي الطابع المُشترك للحياة في المُجتمع إلى تفضيل، أو تَغْلِيب، الاعتماد على مُحَرِّك التضامن(51) لدى الفاعل الاقتصادي. وحينما نربط الأزمات المُتكرّرة في الرأسمالية بِِخُصوصيات نَمَط الإنتاج الرأسمالي، يمكن أن ندرك أنه لا يوجد حل جَذْرِي، أو مَضمون، لهذه الأزمات، إلاّ عبر إخراج البشرية من نمط الإنتاج الرأسمالي.

وحينما نـفحص الإصلاحات الكبرى التي تـقترحها بعض الجهات المُسَخَّرة لخدمة الطبقات السّائدة، بُغْيَةَ تـقليص بعض النتائج السلبية الموجودة في النظام الرأسمالي، نجد أنها تـقترح علينا مثلًا استراتيجية توزيع الصدقات على المُعْوِزِين، أو سياسة «التَكَفُّل بالفقراء والمُحْتَاجِين»، أو «العناية بالبيئة» (écologie)، أو استراتيجية «التنمية المُستدامة» (développement durable)، إلى آخره. ويمكن أن ندرك المأزق الذي تتخبّط فيه مثل هذه الأطروحات. لأن كلَّ واحدة من هذه الأطروحات تـفكر في جانب جزئي، ومحدود، من إشكالات المجتمع. وَتَبْـقَى الحلول التي تقترحها خاضعة لِمَنْطِق الرأسمالية. ولا تَـقدر هذه الإصلاحات على مُعالجة مشاكل المُجتمع في شُموليتها. فيكون مآلها، في آخر المَطَاف، هو الفشل.

وفي مثل هذه اللحظات من التّأمّل، يحسّ الشخص الباحث فورًا بالأهمية الحاسمة للنظرية الماركسية. لأن الماركسية هي بالضّبط النظرية الوحيدة التي تُحَلِّلُ المجتمعَ في شموليته (دون الفصل بين الإشكالات السياسية، والاقتصادية، والفكرية، والإشكالات الأخرى البيئية، أو الثـقافية، أو النفسية). والماركسية هي النظرية الوحيدة التي تَـتَجَرَّأُ على تَحْدِيد أصل الداء في «التناقض بين الطَّابع المُجتمعي للإنتاج، والطَّابع الخُصُوصِي لِتَمَلُّك وَسَائل الإنتاج». وتُشَخِّصُ الماركسية الأسباب العميقة في نمط الإنتاج الرأسمالي، وتُـقدِّم وَصْفَة العلاج في التخلّص منه.

فما دام هناك نظام مجتمعي مبني على أساس «استغلال الإنسان من طرف الإنسان»، وعلى أساس «التملّك الخاص لوسائل الإنتاج المُجتمعية»، وعلى أساس هيمنة «القِيم الأنانية» بدلًا من «قِيم التَـضَامُن»، فإن هذا النظام المجتمعي سيبقى حتمًا غير عادل، وغير عقلاني، ومُخَرِّبا للبيئة. وسَيَبْـقَى يُعِيدُ إِنْتَاج الفقر، والجهل، والفوارق الطبقية المُستدامة. ويمكن هنا أن نلمس أن النظرية الماركسية، ولو بنواقصها المُـفْتَرَضَة، هي الوحيدة التي تـقترح تحليلا شُموليا للمجتمع، وتطرح بُنُود استراتيجية (ولو غير مُكْتَمِلَة) لِتَحرير البشرية من الاستغلال، ومن الفقر، والجهل، ومن تخريب البيئة.

فالعُنْصُر الذي فَشِلَ في حدث انهيار الاتحاد السوفياتي، ليس هو الماركسية، وإنما هو غياب الاِسْتِرْشَاد الصحيح بِالماركسية.

10) مــن هـو مُؤَهَّــل لـلحُـكْــمِ عـلـى الــماركــســيــة ؟

لِنَفترض أنني سَطْحِي، أو بليد، بمعنى ضعيف الذكاء، كيف يُمكنني في هذه الحالة أن أَعِيَ أن النظرية الماركسية مُفيدة، أم ضَارَّة؟ هذا غير ممكن. وإذا كانت ثـقافتي هَزِيلَة، وتكويني رَدِيء، وتعليمي ضعيف، فهل سيكون بمقدوري أن أُبَلْوِرَ موقـفًا معقولًا من الماركسية؟ هذا غير ممكن. وإذا كنتُ سَاذَجًا (naïf)، وإذا كانت “اللُّوبِيَّات” (lobbys) الرأسمالية، أو “العِصَابات” المُهَيْمِنَة على المُجتمع، تتلاعب بِعَـقْلِي، وبِتَكْوِيني المدرسي، والثقافي، وتُلَوِّثُ دِمَاغِي بِدِعَايات مُغْرِضَة، فَهَل سيكون بِمُسْتَطَاعي أن أفهم أن النظرية الماركسية هي سِلاح نظري ضروري، لتحقيق تَحَرُّرِي السياسي، والاقتصادي؟ هذا غير ممكن. وحتّى إذا كان ذَكَائِي جيِّدًا، وتكويني التعليمي حَسَنًا، لكنني لم أبذل خلال حياتي كُلِّهَا مجهودا شخصيا كافيا لِلْاِطِّلَاع على النظرية الماركسية، ولِاكْتِشَاف مناهجها، فَكَيْفَ يمكنني أن أعرفها، أو أن أحكم عليها؟ هذا غير ممكن.

وتلك هي بالضَّبْط شُروط التَّأهِيل للحُكم على النظرية الماركسية.

وكثير من المواطنين يكتـفون بِتَرْدِيد ما يسمعونه، فَيَزْعَمُون، هم أيضًا، أن «النظرية الماركسية هي مُجرّد أوهام». ويُكرِّرون أن «الاشتراكية هي مجرّد كذبة، وأنها مستحيلة التحقيق»(52). وإذا طرحنا عليهم أسئلة دقيقة، نلاحظ أنهم لَا يعرفون لَا «الماركسية»، ولَا «الاشتراكية»، ولَا «الرأسمالية»، ولَا عِلْم المُجتمع (السُوسْيُولُوجِية)، ولا التاريخ، ولا الاقتصاد، ولا الفلسفة، ولا المَنطق، ولا فلسفة القانون. بل لا يعرف هؤلاء المواطنين أنهم يجهلون هذه المسائل. ورغم ذلك، تراهم يُصْدِرُون الأحكام المُسْبَقَة على مَا يَجْهَلُون، وهم وَاثِـقُون من أنفسهم. فَيَا لَهُ من غُرُور !

وأُسُـسُ التـعامل مع الماركسية اِثْنَتَان رئيسيتان: إِمَّا أن نكون طرفًا مُستـفيدًا من النظام الرأسمالي، فنعادي الماركسية. وإمَّا أن نكون ضحية لهذا النظام الرأسمالي، فنميل إلى مناصرة الاشتراكية.

11) هــل الــمــاركــســيــة أيــديــولــوجــيــة ؟

خلال قرابة سنوات 1968، كُنَّا نُناضل في إطار “الحزب الشيوعي المغربي”. ولمّا اشتدّ القمع والترَهِيب على هذا الحزب، من طرف الملك المُستبدّ الحسن الثاني، دخلتْ قيادة هذا الحزب في سياسات تدريجية اِسْتِسْلَامِيَة، ثم تراجُعية. فانسحبنا جماعيا من هذا الحزب. وانسحب كذلك مناضلون ثوريون من “حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”. ثم أسَّـسَ المنسحبون تنظيمات ثورية، سرّية، «ماركسية لينينية» (وهي “منظمة إلى الأمام”، و”منظمة 23 مارس”، و”منظمة لنخدم الشعب”).

ولم نكن آنذاك نُدرك أن مَا سُمّي ب «النظرية المَارْكِسِيَة الْلِّينِينِيَة»، ليست هي الصِّيغَة الأصلية الوَفِيَة لِأُطْرُوحَات كَارْل مَارْكِسْ، وفْلَادِيمِيرْ لِينِينْ، وإنما هي آراء وتأوِيلَات تِيَار جُوزِيف اسْتَالِين ومُعاونيه. ولم نكن نعرف آنذاك أن مناهج وممارسات جوزِيف اسْتَالِين ومن معه، تختلف جَذْرِيًّا عن مناهج كارل ماركس.

زِيَادَةً على ذلك، كنّا نظنّ أن «الفكر الماركسي اللينيني» هو فكر سياسي نَاضِج، شامل، مُكْتَمِل، وجاهز للتطبيق النَّاجِح والأكيد. فحوّلناه بسرعة، ودون أن نعي ذلك، إلى ما يشبه “أَيْدِيُولُوجِيَة” من نوع جديد. ومن الممكن أن يكون البعض منّا مَا زال يتعامل مع «الفكر الماركسي اللينيني» كَـ “أَيْدِيُولُوجِيَة” من نوع جديد. ومن بين نتائج ذلك التصوّر، أننا لم نتجرّأ على تطوير هذا «الفكر الماركسي اللينيني»، ولم نستطع تغيير المجتمع، ولم ننجح في مشاريعنا السياسية الأَصْلِيَة.

مَا هي الأَيْدِيُولُوجِيَة؟ يُمْكِنُ أن نُـعَرِّفَ الأيديولوجية بِكَوْنِها: مَنْظُومَة من الأفكار، أو الأحكام، أو الاختيارات، التي لا تَنْطَلِق من الواقع المَحْسُوس، ولا تُسْتَخْرَج من التجارب البَشَرِيَة المَلْمُوسَة، وإنما تكون جاهزة، ومُسْبَـقَة، وَمُتَوَارَثَة عبر التَـقَالِيد، أو المُعتـقدات، أو التَّلْـقِين، أو الدِّعَايَة. وتُسْتَعْمَل “الأيديولوجية” كوسيلة لمعرفة الواقع، أو لِتَـفْسِيره، أو لِتحليله، لكن عبر رُؤْيَة مُسْبَـقَة، وغير عَقلانية، أو عَبْرَ مِصْفَاة (أو فِيلْتَرْ، filtre) غير عِلْمِية. وميزة “الأيديولوجية” هي أنها لا تُخْضِع عَلَاقَتَهَا بالواقع إلى العَقْل، وإلى النَّـقد، وإلى العِلْم. ويمكن أن تُوجد “الأيديولوجية” في مجالات السياسة، أو الاقتصاد، أو الدِّين، أو القانون، أو الثـقافة، إلى آخره.

وأكبر المُنْتِجِين للأيديولوجية في المُجتمع هم : السُّلطة السياسية، والهَيْئَات الدِّينِيَة، والعائلة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والقوى السياسية، والفاعلين الفَنِيِّين، إلى آخره.

فالطبقات المُسْتَـغِلَّة، أو السَّائدة، هي التي تُنْتِج الأيديولوجيات، لِتَبْرِير انقسام المُجتمع إلى طبقات مُجتمعية، وَلِتخدِير عُقُول المُسْتَغَلِّين، ولِتَسهِيل إِخْضَاعِهم، ولِإِدَامَة طَاعَتِهم، واسْتِـغْلَالِهِم. وغالبًا ما تحتاج الأنظمة السياسية المُسْتَبِدَّة، أو الدِّينية، أو الاقتصادية، أو الثـقافية، إلى ترويج، وتَلْقِين، وترسيخ، “الأيديولوجيات”، بهدف تبرير هَيْمَنَتِها، أو لِتَـعْلِيلِ امتيازاتها، أو لِإِضْفَاء الشرعية على أنشطتها، أو لإعطاء قيمة عُلْيَا لِسُلُوكِيَّاتها، أو لإخفاء استبدَادها، أو لِتَمْوِيهِ فَسَادِهَا. والأيديولوجية السّائدة في المُجتمع، هي عُمُومًا أيديولوجية الطبقة السَّائِدَة. ودور الأيديولوجية السائدة هو أنها تُصَوِّرُ المصالحَ الأنانية للطبقة السائدة على أنها المَصَالِحَة المُشتركة لكل المجتمع.

وفي معظم الحالات، يُرَدِّد تِلْقَائِيًّا المَسُودُون، والمُسْتَغَلُّون، الأيديولوجيات السَّائدة في المُجتمع، دون أن يُدْرِكُوا مَصْدَرَها، ودون أن يَحِسُّوا أنها مُنَاقِضَة لِلعقل، ولِلْوَاقِع، ودون أن يَعُوا أنها تَضُرُّ بمصالحهم الطبقية. وتكون الأيديولوجيات منتشرة في مجمل مَوَاقِع المجتمع الطبقي، لكنها تبقى عُمومًا غير مَحْسُوسَة من طرف مُسْتَـعْمِلِيها.

هل الماركسية أَيْدِيُلُوجِيَة؟ البعض من بين أنصار الاشتراكية يتعاملون مع نظرية الماركسية كَـأَيِدِيُولُوجِيَة (أي كَفِكْر مُحَنَّط، وغير مُتَفَاعِل مع الواقع الحَي). لكن الماركسية بريئة من هذا السُّلوك غير العِلْمِي. لأن الماركسية نَشَأت، ونَمَتْ، بالضَّبْط عبر نَـقْد، ومحاربة، مختلف الأيديولوجيات، في ميادين الفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، وعِلْم المُجتمع، والسياسة، إلى آخره. وميزة الماركسية (التي تُبِعِدُها عن الأَيْدِيُولُوجِيَة)، هي بالضّبط حِرصُها المُتَوَاصِل على الانطلاق من الواقع المَادِّي المَلْمُوس، وليس من المُعْتَـقَدات، أو من المُقَدَّسَات.

والأشخاص الذين يطلبون من النظرية الماركسية أن تكون صحيحة، وفَعَّالة، وناجحة، في جميع تفاصيلها، وبشكل مُطْلَق، وكُلِّي، ونِهَائِي، وفي جميع الميادين، لا يُدْرِكُ هؤلاء الأشخاص أنهم هكذا يطلبون من هذه النظرية الماركسية أن تكون بالضّبط مثل الأيديولوجية“.

وعلى خلاف الأيديولوجيات، والنظريات المِثَالِيَة، لا تـقول الماركسية إن الفكر هو الذي يسبق المَادَّة، أو يُحَدِّدها، بل على عكس ذلك، تقول الماركسية إن المادّة هي التي تسبق الفكر، وهي التي تُحدِّده.

وتزعم الأيديولوجيات أن تاريخ المُجتمع هو تاريخ وِئَام، وإجماع، وتآزر، ووَطَنِيَة، أو قَوْمِيَة مُتضامنة، إلى آخره. بينما تـقول الماركسية أن تاريخ المُجتمع هو تاريخ صِرَاع بين طَبَقَات مُجْتَمَعِيَة. ولا تَدَّعِي الماركسية أنها مُحَايِدَة، بَلْ تُعْلِن الماركسيةُ عَلَنِيَةً انحيازها إلى جانب المُسْتَغَلِّين، والمُضطهَدين.

وإذا كانت الأيديولوجيات تَتَعَالَى على الزمان التاريخي الذي نشأت فيه، وتُعْلِنُ نَفْسَهَا حَـقَائِـقَ مُـكْتَمِلَة، ومُطْلَقَة، وَأَبَدِيَة، فإن النظريات الماركسية(مثلها مثل النظريات العِلمية)، تعترف بِنِسْبِيَتِهَا، وبارتباطها بِـزَمان تاريخي مُحدّد، وتَـقْبَل بأن تخضع لِلنِّـقَاش، ولِلمُرَاجَعَة، ولِلنَّـقْد، ولِلتَّطْوِير، ولِلْإِغْنَاء. وإذا كانت الأيديولوجيات لا تـقبل الاعتراف بإمكانية خطئها، فإن النظريات الماركسية تعترف بإمكانية خطإ بعض أطروحاتها. ولِإِثْبَات خطإ أحد أطروحات الماركسية، يكفي تقديم الحُجَج العِلْمِيَة الكافية لكي يقبل الماركسيون هذا النقد.

وترفض الأيديولوجيات إخضاع مزاعمها للعُلوم الدَّقِيقَة. بينما تبقى الماركسية مُنْـفَتِحَة على العُلوم الدَّقِيقَة، وتقبل التَـفَاعُلَ الخَلَّاق والنَـقْدِي معها.

ويَمِيلُ الماركسيون السَطْحِيُّون بسهولة إلى تحويل الماركسية إلى عَقِيدة جَامِدَة. فَنـقول للماركسيين “الدُّوغْمَائِيِّين” (dogmatique)، إذا اعتبرنا أن النظرية الماركسية كلّها صحيحة، ومُنْتَهِيَة، وأبدية، فهذا الموقف سيعني أننا نتعامل مع النظرية الماركسية كأنها نَصٌّ دِيني، مُنَزَّل، ومُطْلَق، ومُقدّس، وغير قابل للمراجعة، وغير خاضع للنقد، أو للتطوير. وهذا التصوّر سيكون غير جَدَلِي. بل سيكون مناقضًا للنظرية الماركسية هي نفسها. لأنه يُحول الماركسية، من دون وعي، إلى أيديولوجية.

12) هــل الــمــاركــســيــة عِــلــمٌ دَقِــيــقٌ ؟

على خلاف بعض الظنون، الإشكاليات التي تهمّ الماركسية، لا تُوجد في نظريات فِكْرِيَة، أو مُجَرَّدَة، وإنما توجد في الواقع المُجتمعي الحيّ، أي في الممارسة المُجتمعية للبشر. إنها إشكالية تَحَرُّر شُعوب، ليس فقط من الاستعمار، ومن الاستغلال الرأسمالي، ومن الاستبداد السياسي، ومن التَخَلُّف المُجتمعي، ولكن أيضًا من الاِسْتِلَاب (aliénation). وَلُبُّ الماركسية، ليس هو نظرية لوصف الأشياء، وإنما هو نظرية لِتَهْيِئ الثورة المُجتمعية، وإنجاحها، أي تَـغْيِير وَتَثْوِير المُجتمع(53). وقد كتب كارل ماركس هو نفسه أنه إذا أردتَ أن تُثْبِتَ صحة أفكارك، يلزمك أن تُثبتَها في الميدان، أي في الممارسة العملية، وليس في تصوُّرات نظرية أو خيالية(54).

وفي المُجتمع الرأسمالي، تسمح الطبقة السائدة للجامعات، ولمراكز البحث العلمي، وللعلماء، بأن يَدرسوا كل الميادين التي تهمّهم، باستثناء ميدان واحد يبقى مَكْرُوهًا، أو مُحَرَّمًا، أو شِبْهَ ممنوع، هو دراسة المُجتمع بمنهج ماركسي. بينما دراسة المُجتمع بمناهج “برجوازية”، أو “رَأْسَمَالِيَة”، تَبْقى مُباحة. لأن الطبقة السائدة تُدْرِكُ مُسبقًا أن دراسة المُجتمع بِمَنْهَج ماركسي، ستـؤدي إلى إنتاج معارف ونظريات تَفْضَحُ تناقضات المُجتمع، وتَنْتَـقِدُها، وتَحُثُّ على تَثْوِيرِ المُجتمع. وهو ما لا تسمح به الطبقة الرأسمالية السائدة. فالماركسية هي من بين المدارس الفكرية النادرة التي تُرَكِّز على دراسة المُجتمع، وَتَعْرِيَة تَنَاقُضَاته، ومَظَالِمِه، وتَدْعُو إلى عَقْلَنَتَه.

هل الماركسية عِلْم دَقِيق (science exacte)؟ ليست الماركسية علمًا دقيقا بالمعنى الكلاسيكي، مثلما هو حَالُ الفيزياء، أو الكيمياء، أو مَا شَابَهَهُمَا. لأن الماركسية لا تدرس أجسامًا جامدة (مثلما هو الحال في الفِيزِيَاء أو الكِيمياء)، وإنما تدرس الماركسية على الخصوص المُجتمعات البشرية كَأَجِْسَام حَيَّة، وَمُتَنَاقِضة، ومُتَطَوِّرة، تحت تأثير فَاعِلِين مُجْتَمَعِيِّين مُتَعَدِّدِين، يَتَغَيَّرُون هم أنفسهم،وَيَتَـفَاعَلُون فِيمَا بَيْنَهُم، ويَتَكَامَلُون، وَيَتَصَارعون، ويتناقضون. فَالماركسية هي عِلْم من نوع خاص. وتُشبه الماركسيةُ ”عِلْمَ المُجتمع“ (sociologie)، دُون أن تَتَطَابَقَ مَعه.ولا تستطيع الماركسية القيام بِتَجَارِب مُجتمعية قَابلة لِلتِّـكْرَار ولِلْمُضَاعَفَة (مثلما هو مُمْكِنٌ في الفيزياء، أو الكيمياء)، لِكَيْ تَخْتَبِرَ أطروحاتها، أو للتَأَكُّد من صحّتها. فمثلا الثورة الفرنسية التي حدثت في سنة 1789، أو كُمُونَة باريس في سنة 1871، أو الثورة البلشفية في روسيا في سنة 1917، درسها المُنَظِّرُون الماركسيون، واستنتجوا منها دروسًا وقوانين نظرية. لكن هاته الثورات هي ثورات فريدة من نوعها، ولا يمكن تِكْرَارُهَا بهدف التأكّد من مدى صحة الدُرُوس، أو القوانين، أو النظريات الماركسية، المُسْتَنْتَجَة منها. وتستـفيد الماركسية من مُجمل العُلوم الدَّقيقة، ومن مُجمل التُرَاث الثقافي للبشرية (بما فيها الفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، وغيرها)، دون الوقوف عند الفَوَاصِل التَخَصُّصِيَة الموضوعة فيما بينها.

وإذا اِتَّـفَـقْـنَا على أن النظرية الماركسية تحتوي على مناهج ومضامين عِلْمِيَة، فيجب في هذه الحالة أن نتـعامل مع منتوج النظرية الماركسية، مثلما نتعامل مع منتوجات العُلوم الدَّقِيقَة. أي أنه يلزم أن ننظر إلى العناصر المكوّنة للنظرية الماركسية على أنها قابلة لِلنِّسْبِيَة، ولِلصَّوَاب، ولِلْخَطَأ، وللتَّطْوِير، مثلما تتطور مجمل نظريات العلوم الدّقيقة (في الفيزياء، والكيمياء، وغيرهما). فمن الممكن أن تظهر أُطْرُوحَة ماركسية مُعَيَّنَة سَليمة خلال فترة تاريخية؛ وفي فترة لَاحِقَة، يمكن أن نكتشف أن هذه الأطروحة الماركسية القديمة جُزْئِيَة، أو ناقصة، أو خاطئة. فَنُعَوِّضُ هذه الأطروحة الماركسية القديمة بأخرى يُفترض فيها أنها أكثر صَوَابًا. ونستمر في استعمال هذه الأطروحة الماركسية الجديدة إلى أن نكتشف نقصًا، أو خطأً مَا فيها. فَنَسْتَبْدِلُها هي أيضًا بِأطروحة ماركسية أخرى بديلة، نَفْتَرِضُ أنها أكثر صوابًا من سابقتها. وبهذه الرُّؤْيَة، سندرك أنه من غير المعقول أن نَتَعَامَل مع العناصر المكوّنة للنظرية الماركسية كأنها مُكْتَمِلَة، أو مُطْلَقَة، أو نِهَائِيَة، أو مُقدّسة. بل تَـفْتَرِضُ الرُّؤية الجَدَلِيَة بأن تبقى مُكَوِّنَات النظرية الماركسية خاضعة للمُراجعة، وللنـقد، وللتطوير، ولِلتَّحْسِين. لذلك يقول بعض المفكرين (مثل سمير أمين): «يجب الانطلاق من الماركسية، وليس الوقوف عندها»(55).

13) مَــن يَــقْــدِرُ عـلى تَــطْــوِيــر الــمــاركــســيــة ؟

يميل بعض “الماركسيين” (غير العَالِمِين) إلى تَـقْدِيس الماركسية، أو إلى التعامل معها بطريقة دُوغْمَائِيَة (dogmatique). لكن الماركسية هي نفسها تَنْبُذُ الدُّوغْمَائِيَة“.

وقد تحوّل بعض المناضلين الماركسيين إلى «دُغْمَائِيِّين»، لأنهم اعتـقدوا أن الوفاء للمبادئ الماركسية الثورية، يـقتضي بالضّرورة عدم تغيير الأفكار، أو التصوّرات الماركسية. بينما مِيزَة عدم تغيير الأفكار هي من مِيزَات الشخص الأحمق. حيث يبقى الأحمق يعيش في لحظة مَاضِيَة ومَفْصَلِيَة من حياته، ولا يقدر على تجاوز الأفكار أو الأحاسيس المتعلّقة بتلك اللحظة الماضية. ويُفترضُ في المناضل الثوري أنه يلتزم بأن يجتهد، وأن يتطوّر، بشكل متواصل، في أفكاره، وتصوّراته، وممارساته، بهدف التَكَيُّف مع حَرَكِيَة (dynamique) الواقع المُجتمعي ومُتطلّباته. فيُغيّر أفكاره، دون أن يتخلّى بالضرورة عن “التوجّه العام” الثوري. مع العلم أن حتى “التوجّه العام” ينبغي أن يبقى خاضعًا للمُراجعة، وللمناقشة، وللعقل.

أكيد أننا نحتاج اليوم إلى تطوير النظرية الماركسية. ولكن ما هي «الماركسية»؟ يظن البعض أن «الماركسية» هي تَرَاكُم مُصْطَنع من الأفكار الدِّعَائِيَة، أو الوَصَفَات الجاهزة، لِإثَارَة تَمَرُّد ثوري عَنيف، وخَلق الفَوْضَى. وهذا تصوّر خاطئ. فَـ«الماركسية»، في جوهرها، هي نَـقْد الرأسمالية، ونـقد المُجتمع الرأسمالي، بهدف المُساهمة في تحرير البشرية من الاِسْتِلَاب، ومن الاستغلال، ومن الاستبداد. وعليه، فتطوير «الماركسية» هو مُراجَعَة، وتَـعْمِيق، وتَحْيِين،نَـقْد الرأسمالية. والنـقد الثوري، لَا يقف عند وَصْف المَظَالم، أو النَـقَائِص، أو الأخطاء، وإنما يَتَجَرَّأُ أيضًا على اقتراح الحُلول العَقْلَانِيَة والثورية المُلائمة. وهذه الحلول المُقترحة، تكون بالضرورة مُرتبطة بزمان ومكان ظُهُورِهَا. ويستحيل أن تكون هذه الحلول المُقترحة صالحة لكل زمان ومكان.

ومن هو الشخص الذي يقدر على تطوير النظرية الماركسية؟ هل يقدر على ذلك المناضل المأجُور (salarié)، الذي يشتَـغِل خلال ثمانية ساعات في كل يوم، في مؤسّـسة مِهَنِيَة مُعَيَّنَة، مُقَابِل أُجْرَة. وخلال الوقت اليومي المُتَبَقِّي، ينشغل هذا المناضل بشؤون عائلته، أو يجري، خلال نهاية الأسبوع، بين مَقَرَّات الحزب ومقرَّات النقابة، ولا يجد حتى الوقت الكافي لقراءة كتاب، أو مجلّة؟ مثل هذا الشخص لا يقدر حتى على الاطلاع على الثقافة القائمة في مجتمعه، فبالأحرى أن يقدر على نقدها، أو أن يقدر على تطوير النظرية الماركسية.

ونرى حاليًّا كثيرًا من أفراد قِيَادات أحزاب اليسار، الذين يَصِفُون أنفسهم بكونهم «مَاركسيّين»، و«اشتراكيين»، نَرَاهم يتحمّلون في نفس الوقت مسؤوليات مِهَنِيَة مُعْتَبَرَة، ويتظاهرون بأنهم يَسْهَرُون على تَدْبِير الحزب، ويزعمون أنهم يُساهمون في تطوير النظرية الماركسية، أو الاشتراكية، بينما هم لا يقدرون حتّى على تخصيص وقت كَافٍ للإِطِّلَاع على التُراثِ الثَـقَافِي للبَشَرِيَة، بهدف تَـثْـقِيـف أنفسهم.

والمناضلون الذين ينتظرون حتّى يحصلوا على تَـقَاعُدِهِم المِهَنِي لكي يمنحُوا للنضال النصيبَ الذي يستحقُّه من وقتهم، يُصبحون «مُسْتَهْلَكِين»، ومُنْهَـكِين، وغير مُؤَهَّلِين لِلْقِيَّام بِمُهِمَّة تطوير الماركسية. لأن مُهِمَّة تطوير الماركسية لَا تقبل بأن تكون ثَانَوِيَة بالمقارنة مع مَهَام مِهَنِيَة أخرى. ولأن مُهِمَّة تطوير الماركسية هي مُهِمَّة عِلْمِيَة، دَقِيقة، ومُتْعِبَة، وطويلة الأمد. وتَتَطَلَّبُ من الشخص (الرَّاغِبِ في تطوير الماركسية) وقته كاملًا. ويحتاج هذا الشخص إلى استيعاب مُعْظَم التُراث الثـقافي البشري. فينبغي على من يطمح للمُساهمة في تطوير الماركسية أن يكون مناضلًا، ومُحْتَرِفًا ثَوريا، وأن يُخصِّص معظم وقته لقضايا المعرفة، والعلوم، والنضال.

ونُلاحظ أن كل المُفَكِّرين الذي ساهموا حَقًّا في إغناء الماركسية (مثل كَارْلْ مَارْكَسْ، وَافْرِيدْرِيشْ إِنْجَلْسْ، وفْلَادِيمِير لِينِين، ومَاوُو زِي دُونْغْ، إلى آخره) كانوا كُلُّهُم يَحْرُصُون دائمًا على توسيع تكوينهم العِلْمِي، لِكي يَشْمَلَ كل عُلُوم عَصْرِهم. وكانوا، في نفس الوقت، فَلَاسِفَة نَابِغِين، وعُلَمَاء مُـقْتَدِرِين، ومُتحرّرِين من أي عمل مأجُور، ومستـقِلِّين في مواقـفهم، وفي أَحْكَامِهم. ولا يقدر أيَّ شخص على تطوير الماركسية إِلَّا إذا كان، في نفس الوقت، فيلسوفًا مُمتازًا، وعَالما مُحَنَّكًا، في الاقتصاد السياسي، وفي عِلْمِ المُجتمع، وفي علم التاريخ، وفي علم السياسة. والاستيعاب الشُمُولِي والنَّـقْدِي لمُجمل هذه العلوم، هو بالضَّبْط الذي يُسَاعِد على اكتساب رُؤْيَة ماركسية ثورية للعالم. ويُفْتَرَضُ في الشخص المُرَشَّح لهذه المهمة أن يُكَرِّسَ حياته كلّها لهذا العمل، منذ شبابه، وبدون مقابل مادي. ويلزم أن يكون هذا الشخص مُتَحَرِّرًا من أيّ عمل مأجُور، ومن الخُضوع لأيّة سُلطة، لكي يعمل بِحُرِّيَة. ويَنْبَغِي أن تَـكون أكبر وأحسن مكتبات العالم في مُتَنَاوَلِه. [ويمكن للأجيال الحديثة، بفضل تقنيات الأنترنيت (Internet)، أن تصل بسهولة أكبر مِمَّا كان مُتاحًا لِجِيلنا، إلى المُعْطَيات، وإلى المَعَارف العِلْمِيَة الضرورية]. ويلزم هذا الشخص المعني أن يَتَـتَـبَّعَ بِعِنَايَة فائقة كل الحركات الجماهيرية النضالية أو الاحتجاجية، سواءً في بلاده، أم في باقي بِقَاع العَالَم. ويُفْتَرَضُ في هذا الشخص المُرَشَّح (لِتَطْوِير الماركسية)، أن يكون مثل أَوْلَئِكَ الأطفال النَابِغِين، الذين يتعلّمون إتـقان عَزْف مُوسِيقَى بِيتْهُوفَن، أو مُوزَارْ، على الكَمَان، أو على البِيَانُو، منذ سِنِّ مُبْكِر. مثل هذا النُبُوغ يدخُل ضمنَ تَحَدِّيات الماركسية. وتلك هي إكراهاته العِلْمِيَّة. فَمَنْ يقدر على رَفْع هذا التحدّي؟

عندما يكون مناضل جاهلًا، وعندما يكون هذا المناضل مُجرّد جندي قَاعِدِي، يمكن أن نَـتحمّل (مُؤَقَّتًا فقط) جَهْلَهُ. ولكن إذا أصبح هذا المناضل الجاهل من بين المسؤولين الرئيسيِّين في الحزب (مثلما حدث مع اسْتَالِينْ)، فإن جهله سَيَتَسَبَّبُ للحزب، وللمُجتمع، في انحرافات، وربّما في كوارث، باهظة التَكْلُفَة. لماذا ؟ لأن النِضَال هو محاولة لِتَغْيِير المُجتمع. ولأن تغيير المجتمع لا يَنْجَحُ إلَّا بالعِلْم. ومن لا يتسلّح بمعرفة عِلْمِيَة شُمُولِيَة، ومُتَجَدِّدَة، ونَاقِدَة، لا يقدر على التأثير في تطوّر مُجتمعه. لِذا نـقول، ونُكَرِّر، لِكل حزب اشتراكي، أو ثوري، أو شيوعي، أو يساري: لَا تعتمدوا على التَّكوين التِلْقَائِي (spontané) للمناضلين، بل يجب عليكم أن تُنظِّمُوا أَوْرَاشًا، أو مَدَارِسَ مشتركة، أو جامعات مفتوحة، تكون دَوْرِيَة، ومُتَوَاصِلَة، ومُتَوَازِيَة، وأن تَسْتَدْعُوا أحسن المُحاضِرين، أو المُفكّرين، أو العُلَمَاء، بِهدف تنظيم تَعْمِيم تكوين أعضاء الحزب، في جميع الميادين التي يحتاجها النضال، بما فيها الفلسفة، والمنطق، والاقتصاد السياسي، وتاريخ الثورات، والعلوم الدقيقة، وفلسفة القانون، والتكنولوجيات، والبيئة، وتِقْنِيَات القَمْع وتَاكْتِيكَاتِه، وأشكال التنظيمات الجماهيرية، وأساليب النضال الجَمَاهِيرِي المُشْتَرَك، إلى آخره.

وتخضع «الماركسية» لِلنِّسْبِيَة. ومن وجهة نظر الشخص الرأسمالي، يعتبر أنه من حقّه أن يَتَمَلَّك، وأن يَسْتَغِلَّ، وأن يَحْتَكِر، وأن يَسُود، وأن يَغْتَنِيَ، وَبِِلَا حُدُود. ومن وجهة نظر العَامِل المَأْجُور، أو البْرُولِيتَارِي المُعْدَم، يَعتبر أن تَمَلُّك وَسَائِل الإِنْتَاج هو سَرِقَة مُمَوَّهَة، وأن الاستحواذ على مُجمل فائض القيمة هو ظُلْم. ويرى أن ما هو ناقص لدى الكادحين، هو بالضبط ما هو فَائِض لدى الرأسماليين. وتختار الماركسية عن وعي الاِنْحِيَازَ إلى صَفِّ الكادحين.

14) أَلَــمْ يَــتَــضِــحْ بــعــدُ أن الاســتــمــرار في الــرأســمــالــيــة هـو انــتــحــار جــمــاعــي بَــطِــيء ؟

منذ نهاية “الحرب العالمية الثانية” (في سنة 1945) إلى اليوم في عام 2018، نُلَاحظ ظاهرة تتكرّر في كثير من البلدان. وهي أن مُجمل الأحزاب السياسية التي فازت في الانتخابات الرئاسية، أو البرلمانية، في الدول الرأسمالية الغربية، كانت قد فازت على أساس وَعْد بِتَحْسِين الرأسمالية. وفي الانتخابات اَلْلَّاحِقَة (أي بَعْدَ أَجَل انتخابي، أو إِثْنَيْن)، يَرْفُضُ الناخِبُون هذه الأحزاب السياسية السَّابقة، ويُصوّتون لصالح مُنَافِسِيها، لأن هذه الأحزاب السّابقة فَشِلت في تحسين الرأسمالية. وعند كل أَجَل انتخابي، يُلَاحظ الناخبون من جديد، أن المشاكل الرئيسية في الرأسمالية (مثل البطالة، والتَـفْـقِير، وتَدَهْوُر أوضاع المَأْجُورِين، وتَعَمُّـق الفوارق الطَبَـقِيَة، والظُّلْم الضَرِيبِي، والتَلَوُّث، وتدمير الطبيعة، وهَشَاشَة السِّلْم في العالم، إلى آخره)، مَا تزال قائمة، بل تَتَـفَاقَم من فترة إلى أخرى. وتِكْرَار هذا الفَشَل في محاولات تحسين الرأسمالية، هو الذي يـقودنا اليوم إلى الاستنتاج التَالِي: إن الرأسمالية وَصَلَت إلى ذِرْوَةِ إمكاناتها، وأنها غير قَابِلَة لِلتَّحْسِين، أو للإصلاح.بل إصلاح أوضاع البشرية (وَطَنِيًّا وعَالَمِيًّا) يقتضي تجاوز الرأسمالية هي نفسها.

ونلاحظ أن تضخّمُ قِوى القمع، وفعاليةُ وسائل الإعلام الدِّعَائية السياسية، والتحكّمُ في عقول المواطنين، تُعطي للطبقات السّائدة (الرأسمالية) الإحساس بالقوّة، وتمنحها غُرُورًا سياسيًّا مُبالغ فيه. كما أن التكنولوجيات الحديثة الناجحة والفعَّالة تُحدث لدى الطبقات السّائدة شعورًا بالقدرة على ضبط كل التطوّرات المُجتمعية المُحتملة. بينما الحقيقة الجديدة هي أنه بقدر تزداد المجتمعات الرأسمالية تِـقْتِيَّةً وتَـعْـقِيدًا، بقدر تُصبح أكثر فأكثر هَشَاشةً، سواءًافي مجال مُعالجة الكوارث الطبيعية المُفاجئة، أم في ميدان مُوَاجهة الثورات المُباغتة. وبعض التطورات التي شهدها العالم حديثًا (مثل الأزمة المالية في سنة 2008)، تُـثبت أن حدوث انهيارات في الاسواق المالية، أو وقوع انهيار في النظام النقدي العالمي، أصبحا من بين الاحتمالات الممكنة.

وَنُلاحظ منذ قرابة سنوات 2000، أن مجموعات مُتَوَالية من العُلماء أَخَذَت تَنْشُرُ بَيَانَات جماعية تَحْذِيرِيَة، تُنَبِّه فيها السياسيين، والمواطنين، إلى أننا، نحن البشر، نُدَمِّر أو نُبِيدُ أَصْنَاف الحياة بسرعة كبيرة، وبدون إمكانية العودة إلى الأوضاع القديمة. ويُهَدِّد تَسَارُعُ هذا التَّدْمِير استمراريةَ حياة البشرية هي نفسها. حيث أدّى نَمَطُ عَيْشِ البشر الرأسمالي إلى اسْتِئْصَال وإبَادَة قرابة 60 % من الثَدْيِيَات والطُّيُور والأسماك والزَوَاحِف، خلال الـ 50 عامًا الماضية فقط. ويُدَمِّرُ البشر بِشكل أعمى نُظُمًا بِيئِيَّةً مُتَرَابِطَة. ويَـتَّـجِهُ هذا التَدْمِير مباشرة إلى نِقَاط الْلَّاعَوْدَة (points de non-retour). وَتَدْمِير هذه التوازنات الهَشَّة لكوكب الأرض، سَيَجعل حياة البشر فوقه مُتَعذِّرَة، ثم غير مُمكنة. ومجمل الدول الرأسمالية، و«المُؤَسَّـسَات العالمية»، تعجز على التعامل بِجِدِّيَة مع هذه التَحْذِيرَات التي نَشَرَها العُلَمَاء. وبمنطق جَشَع الرِّبْح، تُؤَثِّر مثلًا أعداد هامّة من شركات صناعة الأدوية على الأطباء، وتحثهم على كتابة وصفات أدوية، ولو أن هذه الأدوية لَا تُدَاوِي شيئًا. ولكي تستمر شركات صناعات كيماوية في جَنْيِ أرباح مُثْمِرَة، مثل شركة “مُونْسَانْتُو” الأمريكية، تُروج مواد مثل “مُبِيدَات الأعشاب” (glyphosate)، رغم أن هذه المواد تتسبّب في السرطان، وفي أمراض أخرى. بل تلجأ هذه الشركات إلى شراء ضَمَائِر بعض الحُكَّام أو السياسيين لكي لَا يمنعوا استعمال هذه المواد. أو تقوم هذه الشركات بِإرشاء بعض العلماء منعدمي الضمير، لكي ينشروا تقارير علمية مزوّرة، تزعم أن “مبيدات الأعشاب” لَا تتسبّب في أيّ مرض، أو لكي يُكذِّبُوا علماء آخرين(56). وكون مُعظم شُعوب العالم غَارِقَة في الجهل، والفقر، والخُضُوع، والاِسْتِلَاب (aliénation)، يجعلها عاجزة عن إدراك خطورة مجمل هذه التطوّرات الرأسمالية، وعاجزة على الانتـفاض ضِدَّهَا. ومعنى كل ما سبق، هو أن الاستمرار في نمط الإنتاج الرأسمالي المُعَوْلَم (mondialisé) يتحوّل بشكل مُتَسَارِع إلى انتحار جماعي بَطِيءلِمُجْمَل البشرية، الساكنة فوق كوكب الأرض.

وجزء هام وَمُتَنَام من البشرية، يريد اليوم التَحَرُّر من النَتَائِج الكَارِثِيَة لِلرأسمالية. لكن البشرية لا تعرف بديلًا آخر عن الرأسمالية غَيْرَ الاشتراكية.

وفي سنوات 1970، كُنَّا في “تنظيمات الحركات المَارْكِسية اللِّينِينِيَة” بالمغرب، نعتـقد أن موضوع “الاشتراكية” (ولو نظريًا) غير مطروح ضِمْن جدول مهام المرحلة الرّاهنة. لأننا كُنَّا نظن أنه لا يحق الكلام عن “الاشتراكية” في مُجتمع مُحدَّد، إلَّا إذا بلغ نُمُوُّه الرأسمالي مُسْتَوًى مُتَـقَدِّمًا. وكُنَّا نقول: «إن شروط بناء الاشتراكية لم تنضج بعد بما فيه الكفاية بالمغرب». أمَّا اليوم، فَأعتـقد أنه يجب دراسة موضوع “الاشتراكية”، واكتساب قدر كبير، ومُرْضٍ، من الوضوح حولها. وَلَوْ أن مُجتمعنَا لم يَبْلُغ (أو بالتَّدْقِيق، لَا يقدر على بُلُوغ) مُسْتَوًى متقدّمًا من النُمُوّ الرأسمالي. وذلك لِعِدَّة اعتبارات جديدة، أبرزها ما يلي: 1) يفرض جِدَالنا وصِرَاعنا مع أنصار الرأسمالية أن يتوفَّر لدينا تصوّر متـقدِّم حول نمط الإنتاج البديل، أي حول مضمون الاشتراكية، وحول طُرق بنائها، وحول مُبَرِّرَاتها. 2) في مُعظم مناطق العالم، يحدث اليوم تَسَارُع في انْدِلَاع كَوَارِث تُؤَدي إليها الرأسمالية المُعَوْلَمَة (في مجالات: تخريب البِـيـئَـة، والانـقراض المُتَسَارِع للأنواع النَبَاتِيَة والحَيَوَانِيَة، وانتشار البطالة البِنْيَوِيَة والدَّائِمَة، وتعميق الفوارق الطبقية، وانتشار الفقر المُدْقِع، وتعميم الجَهْل، وتنامي الحركات اليَمِينِيَة المُتَطَرِّفَة، وتَجَدُّد حُرُوب بالوَكَالَة، تُدَمِّرُ كلّ شيء، إلى آخره)، الشيء الذي يَـفْرِضُ علينا، منذ الآن، أن نأخذ في الحُسْبَان، احتمال حُدُوث ثورات ضد الرأسمالية قبل الآجَال التي كُنَّا نَتَخَيَّلُهَا من قَبْل.وأن إنـقاذ البشرية من هذا الانتحار الرأسمالي الجماعي البَطِيء، سَيَفِرِض، في العديد من بلدان العالم، تَسْرِيعًا نِسبيًا في صَيْرُورَة التَحَرُّرِ من الرأسمالية. وسَيُعَجِّل بالحاجة إلى الشُرُوع في بناء الاشتراكية، أو إلى استعمال مَزِيجٍ من الرأسمالية والاشتراكية، قبل التَوَارِيخ التي كُنَّا نتصوّرها سَابِقًا.

لِذَا نحتاج اليوم إلى اكتساب أكبر وضوح ممكن حول تصوّرنا لمشروع المجتمع البديل الذي نطمح إليه (هل هو الرأسمالية؟ أم هو مزيج من الرأسمالية والاشتراكية؟ أم صنف جديد من الاشتراكية؟). ويشمل هذا المشروع المجتمعي مهمة تَعْوِيض ”الرأسمالية“ بشيء آخر، ولو أننا لَا ندرك اليوم جَيِّدًا كلّ تَـفَاصِيل هذا الشَّيء البديل، الذي نُسميه «الاشتراكية»، أو «الاشتراكية الانتـقالية».

ومن ضِمن العوامل الجديدة التي تَجعل الدِّفَاع عن الاشتراكية أكثر صعوبةً مِمَّا كان في الماضي، أن الدول العربية النفطية (السعودية، وقطر، والإمارات، إلى آخره) تَخْلُقُ، وتُمَوِّل، وتُدَعِّم، سلسلة مُتَجَدِّدة من “الحركات والمِيلِيشْيَات الإسلامية الأصولية“؛ وأن مُجمل هذه الحركات هي مُحَافظة، أو رِجعية، أو عنيفة، أو مُمْتَثِلَة للعادات، أو مُتعاوِنَة مع الإمبرياليَّات الغربية؛ وأن هذه الحركات الإسلامية تَرْكَب على جهل غالبية الشعب وتستغلُّه؛ وأنها لَا تتوفّر على مشروع مُجتمعي وَاعِ أو عَـقْلَاني؛ وأن البرنامج الوحيد لدى هذه “الحركات الإسلامية” هو «الشريعة الإسلامية + الرأسمالية المتوحِّشَة» (رغم كلّ ما إِتَّضَح فيها من فظاعات مُجتمعية وبيئية). وَتَنْحُو هذه “الحركات الإسلامية الأصولية” بسهولة مُذْهِلَة نحو التَسَلُّح، والعُنْف، والحرب الأهلية، التي تُخرّب كل شيء، وَبِسُرْعَة فَائِقَة.

وقد عَلَّمَتْنَا تجارب التاريخ الحديث، أن مجمل القوى الإمبريالية في العالم سيتحالفون ضِدَّنَا، وضِدَّ كُل من هو اشتراكي مثلنا، وسَيَخُوضُون حربا شاملة ضِدَّنَا، بهدف منعنا من اِتِّبَاع طريق بناء الاشتراكية داخل بلادنا. ونحن نُدْرِكُ أن كلّ الأفراد، والجماعات، والمؤسّـسات، الذين يستـفيدون من نَمَط الانتاج الرأسمالي، سَيَتَوَاطَؤُون فيما بينهم، وسيقولون لنا: «لا يمكن أن ينجح سوى النظام الرأسمالي وحده. وإن الاشتراكية هي وهم مستحيل التحقيق»! مثلما كان مَلَّاك العَبِيد يقولون: «إن العُبودية (esclavagisme) هي النظام الوحيد المعقول»! ومثلما كان الإِقْطَاعِيُّون يقولون: «إن التخلي عن الاقطاعية (féodalité) هو مَعْصِيَة لِلْـإِلَـه، وسيؤدي إلى الفوضى والخراب التَّام»!

ويَهْجُمُ كثير من أنصار الرأسمالية على الماركسية، وعلى الاشتراكية، وعلى برنامجها، وعلى طُمُوحَاتها المُجْتَمَعِيَة. ويَنْسَون أن الرأسمالية، لَا تتوفّر حتّى على نظرية مُدَقَّـقَة، وواضحة، وصريحة، فبالأحرى أن تـقدر الرأسمالية على مُقَارَعَة الماركسية بِحُجَج عَقْلَانية، أو عِلْمِيَة. بل الكثير من الأطروحات المُؤَسِّـسَة للرأسمالية هي إمَّا خاطئة، وإِمَّا كاذبة، وإمَّا ظَالِمَة. ومنها مثلًا الأطروحات الزَّائـفة التي تَقُول: إن «الرأسمالية تُوَفِّر وتَضْمَن حُرِّيَة المُبَادَرَة الاقتصادية»، أو إن «السُّوق هي التي تُحدِّد الأثمان»، أو إن «السوق تضمن تِلْقَائِيًّا حُرِّيَة وَنَزَاهَة المُنافسة»، أو إن «الرأسمالية تُغْنِي جميع الطبقات»، أو إن «الرأسمالية تُـقَلِّصُ الفوارق الطبقية»، إلى آخره)!

ومثلًا في مجال النُّـقطة الأخيرة (المتعلّقة بِزَعْمِ تَـقْلِيص الفوارق الطبقية)، اِسْتَعْمَلَ مُؤَخَّرًا الاقتصادي طُومَاسْ بِيكُوتِي (Thomas Piketty)، في كتابه الحديث، الصادر في سنة 2013، تحت عنوان «الرأسمال في القرن 21»، اِستعمل الإحصائيّات الرّسمية (في الولايات المتّحدة الأمريكية، وفي أوروبّا الغربية)، وبَيَّنَ أنه يُمكن للفوارق في الثَرَوَات أن تتـقلص، خلال فترات تاريخية محدّدة (مثلًا أثناء فترة «الحرب العالمية الثانية»، ثم خلال فترة «الحرب الباردة»، تحت ضغط وتأثير المنافسة فيما بين المُعَسْكَرَين الاشتراكي والرأسمالي). لكن هذه الفوارق الطبقية سُرْعَان مَا عَادت إلى مُستواها القديم، منذ سنوات 2000 تقريبًا (بعدما توقّـفت تلك المنافسة). وتؤدّي طبيعة الدِّينَامِيَة التي تُحرّك الرأسمالية إلى تَـفَاقُم أو تَعْمِيق الفَوَارِق في المداخيل، وفي الثروات، وفي الأجور، وفي التعليم، وفي الثـقافة، وفي المعارف، وفي العلاج الطبي، وفي حُظُوظ مُدَّة العيش، إلى آخره. الشيء الذي يُكَذِّبُ الأطروحة التي تزعمُ أن الرأسمالية تتطوّر من حسن إلى أحسن، وأنها تُـقَلِّصُ الفوارق بين الطبقات، وأنها تُغني جميع الطبقات.

ومنذ عُـقُود، تَزْعُم أجْيَال مُتَوَالِيَة من السياسيين والاقتصاديين الرأسماليين، أن «مظاهر الفقر، والجهل، والتخلّف، والفساد، والاستبداد، الموجودة في ”بلدان العالم الثالث“، هي مُجَرَّد مَظاهر عَابِرَة، أو مؤقّتة». ويدَّعِي أولَئك السياسيين الرأسماليين (وكذلك المؤسّـسات البنكية العالمية المُقْرِضَة) أنه «إذا طَبَّـقَت ”بلدان العالم الثالث“ قَوَاعِدَ الرأسمالية بِدِقّة، سَتَلْتَحِقُ في مُستـقبل قريب، بِمُسْتَوَى تَـقَدُّمِ البلدان الغربية الأكثر تَـقَدُّمًا في العالم»! وهذه كذبة مُخَادِعَة، ومستحيلة الإنجاز. وقد سبق لِعُلَمَاء مرموقين في علم الاقتصاد السياسي، ومن ضمنهم الاقتصادي سَمِير أَمِين، أن طَرَحُوا أن «تـقدّم البلدان الغربية، وتخلّف بلدان العالم الثالث، هُمَا وَجْهَان لظاهرة واحدة. ويستحيل تغيير الجانب الثاني دون تغيير الجانب الأول». لأن المسألة هي مسألة بِنْيَوِيَة، في إطار تَبَادُل غير مُتَكَافِئ، وفي شبكة من الأنظمة الرأسمالية المُتَرَابِطة، والمُعَوْلَمَة.

ويَزْعُمُ بعض الرأسماليين النَيُولِيبِيرَالِيِّين (néolibéraux)، أن «النظام الرأسمالي يصلح لِكُلّ زمان، ولكلّ مكان، وأنه هو قَدَرُ البشرية الحَتْمِي، والنِهَائِي، والأَبَدِي». ويَدَّعُون أن «أَيَّ بلد في العالم، إذا اِتَّبَعَ قواعد الرأسمالية (التي تُرَوِّجُها مُؤَسَّـسات “البنك العالمي”، و”صندوق النقد الدُّوَلِي”، و”المنظّمة العالمية للتِّجارة”، إلى آخره)، فإنه سَيَلْتَحِقُ بمستوى تقدم البلدان الأكثر تقدُّمًا في العَالَم»! وعلى خلاف هذه الأطروحات الْـلَّاتَارِيخِيَة، والْـلَّاجَدَلِيَة، نُلاحظ، خلال الفترة المُمْتَدَّة من نهاية «الحرب العالمية الثانية» إلى اليوم (في سنة 2018)، أن بلدان العالم الوحيدة التي استطاعت الخُرُوج من التخلّف المجتمعي الشامل صِنْـفَان: الصِّنف الأول هو البلدان التي خاضت ثورة وطنية تَحَرُّرِيَة ديموقراطية، تحت قيادة أحزاب شِيُوعية، أو اشتراكية، وطبّقت مناهج تَنْمَوِيَة اشْتِرَاكية، أو مناهج “رأسمالية دَوْلَة وَطَنِيَة شَعْبِيَة” (مثلما حدث في رُوسْيَا، والصِّين، وفِيتْنَام، وكُوبَا، وكُورْيَا الشمالية، وبدرجة أقل الهِنْد، إلى آخره)؛ والصِّنف الثاني هو بلدان حَظِيَتْ بِدَعْم شَامِل، واستثنائي، من طرف المراكز الإمبريالية، وذلك في إطار الاستراتيجية العالمية التي تخوضها هذه المراكز الإمبريالية، لِمُحَاصَرَة، ومُحَارَبَة، كُلّ الأنظمة الشيوعية، أو الاشتراكية. ومنها مثلا: كُوريَا الجنوبية، وتَايْوَان، وَسَنْغَافُورَا، [وإسرائيل]، إلى آخره. ولو لم تُدَعِّم الإمبرياليات هذه البلدان المذكورة لَمَا وَصَلَت إلى ما هي عليه من التنمية الاقتصادية. والبَلَدَان الوَحِيدَان في العالم اللَّذَان يَقْدِرَان اليومَ على مُعارضة، أو مُقاومة، أو منافسة، المراكز الإمبريالية، هما الصِّين وروسيا، اللذين قَادَهُمَا حزبان شيوعيان، خلال قُرابة سَبْعِينَ عامًا، وأَخْرَجَاهُمَا من تخلّف مُجتمعي قُورُونْ وُسْطَوِي (moyenâgeux).

والمُـفَارَقَة (paradoxe) العجيبة، هي أن خطاب الرأسمالية عن نفسها هو، في معظم الحالات، مُخَالِف، أو مُنَاقِض، لواقع هذه الرأسمالية. ويتكلّم مثلًا بعض الرأسماليين، في إطار رأسمالية مُعَوْلَمَة، عن «التَنْمِيَة المُسْتَدَامَة». وفي الواقع، فإن هذه «الاستدامة» المزعومة، مستحيلة، لأن المَوَارِد الطبيعية الموجودة على سطح كوكب الأرض محدودة، وحاجيات البشر ”الرأسمالية“ تَتَـزايَد باستمرار. وأكّد بعض العلماء أنه، في حالة افتراض أن جميع بلدان العالم سَتَعِيش بنـفس النَمَط الرأسمالي القائم في البلدان الأكثر تـقدّمًا، وبنفس المُستوى في الاستهلاك الرأسمالي، فإن البشرية ستحتاج إلى المواد الخَام الموجودة في ثَلاثة كواكب من صنف كوكب الأرض!

وأصبحت أغلبية عُلماء العالم يَتَّـفِـقُون على أن نمط الإنتاج الرأسمالي، ونمط الاستهلاك الرأسمالي، (بما فيه الإِفْرَاطُ، منذ أكثر من قرن، في استعمال الهِيدْرُوكَارْبُونَات [hydrocarbures])، أَدَّيَا إلى ظاهرة ”الاحتباس الحراري“(réchauffement climatique)، وأن ارتـفاع مُعَدَّل درجة الحرارة على كوكب الأرض بِـ 2 أو 3 درجات سِيلْسْيُوسْ (Celsius)، في قرابة نهاية القرن 21، سَيُؤَدِّي إلى ذَوَبَان الجَلِيد (glaces)، وإلى ذَوَبَان “الأراضي الدَّائِمَة التَجَمُّد” (permafrost). وَسَيُحْدِثُ كَوَارِثَ طبيعية مُتنوِّعة، وغير مَسْبُوقَة. وأن البشرية تعجز على مُقَاوَمَة هذه الكَوَارِث. وأن نُكْرَان هذه الأطروحات العِلْمِيَة، من طرف بعض السِيَاسِيِّين الجُهَّال، المُنْتَمِين للحركات الإسلامية الأصولية، أو لِلْيَمِين المُتطرّف الجديد، مثل الرئيس الأمريكي دُونَالْدْ تْرَامْبْ، سَيُعَرِّضُ البشرية لِكَوَارِث قَاتِلَة. وأَدَّى نمط الإنتاج الرأسمالي المُعَمَّم، إلى كَوَارِثَ أخرى، منها تَعْمِيم استعمال مُبِيدَات الحَشَرِات في الفلاحة، واستخدام مَوَادَّ كِيمَاوية أخرى، تُحْدِثُ اضطرابات في الغُدَد الصَّمَاء (perturbateurs endocriniens)، وتَتَسَبَّب في تَضَاعُف حالات السَّرَطَان، وفي إفْقَار الأراضي الفلاحية، وفي تَعْمِيمِ إِزَالة الغابات، وتَلْوِيت الهواء في المدن، وتَلْوِيث الأراضي، والأنهار، والمحيطات، بمواد كيماوية مُتعدّدة، ومُضِرَّة. ويستحيل التَخَلُّص من هذه المواد المُلَوِّثَة، لَا بسرعة، ولَا بشكل كامل.

والرأسمالية التي تُنتج الفقراء، والعاطلين، والمُهَمَّشِين، وتُدِيم الفوارق الطبقية، هي نفس الرأسمالية التي تَسُوقُ بعض دول العالم الرأسمالية الغنية إلى إِقَامَة تَوَازُنَات الرُّعْب العالمية، وإلى صُنْع، ومُرَاكَمة، وتخزين، تَرْسَانَات هَائلة من أسلحة الدَّمَار الشَّامل، النَوَوِيَة، والهِدْرُوجِنِيَة، والكيماوية، والبيولوجية. وتكفي هذه الأسلجة المُرَاكَمَة إلى إبادة البشرية كلّها عدة مرات. ولكي تُصْبِح هذه المغامرة الحمقاء مُحتملة، يكفي أن يَصِلَ، في نفس الوقت، إلى مسؤوليات الرِّئَاسَة في بضعة بلدان غربية، أشخاص جُهَّال، ويمينيون متطرّفون، أمثال الرئيس الأمريكي الحالي دُونَالْد اتْرَامْبْ. هكذا سَتُصْبِحُ المُقَامَرَة بالسِّلم العالمي ممكنة، وسَتَغْدُو المُغَامَرَة بتجريب حرب شاملة جديدة، واردة بين الدول القوية. ومن الممكن أن تكون هذه الحرب كافية لإبادة معظم البشرية أو كلها. وما دَامَت الرأسمالية موجودة، فإن هذا الاحتمال سيبقى وَارِدًا.

وَلِكُلِّ هذه الاعتبارات، نُؤَكِّد أن استمرار البشرية في نَمَط الانتاج الرأسمالي، وفي نمط الاستهلاك الرأسمالي، هو انتحار جماعي بَطِيء. ويمكن لهذا الانتحار الجماعي البَطِيء أن يتحوّل إلى إبادة شاملة وسريعة للبشرية بفعل أسلحة الدَّمَار المُرَاكَمَة والمخزُونَة. ومجمل البشرية تحتاج اليوم، وبسرعة، إلى تحصيل أكبر وضوح ممكن، حول نمط الإنتاج البديل، الذي سَنُعَوِّض به نمط الإنتاج الرأسمالي، الذي لَا يقبل الخُضُوع لَا للعقل، ولَا للشعب.

—–❊❊❊◊❊❊❊—–

وتُوجد اليوم مُجمل البشرية في أزمة(57) لم يسبق لها مثيل. وتَدْفَعُ أكثر فأكثر الرأسماليةُ المُعَوْلَمَةُ مجمل البشرية نحو نوع من الانتحار الجماعي، الذي يُمكن أن يكون بَطِيئًا، كما يمكن أن يصبح فائق السُّرْعَة. ورغم الطّابع المَفْضُوح لهذا الانتحار الرأسمالي الجماعي للبشرية، يظهر كأنه غير مَشْعُور به، أو غَيْرَ وَاعِ، من طرف معظم شعوب العالم. والطبقات السَّائدة، أو المُسْتَغِلَّة، التي تحتكر سلطات القَرَار، تُعْمِيهَا أنَانِيَتُهَا، فَتَـتَمَادى كعادتها في تغليب مصالحها الضَيِّـقَة، أو القصيرة المَدَى، على مصالح شُعُوبها، وعلى مصالح البشرية جمعاء. وإن انْحِبَاس الكثير من الحركات المناضلة الصَّادِقَة، في الحدود الضَيِّـقَة للمطالبة بقليل من الديمقراطية هُنَا، وبقليل من حقوق الإنسان هُنَاك، دون إعادة النظر في نمط الإنتاج الرأسمالي في شُمُولِيَّته، سَيكون بِمَثَابَة اِنْخِدَاع غير مسؤول، وغير مقبول. والماركسية هي من المَدارس الفكرية النادرة جِدًّا التي تنتـقد الرأسمالية، وتَـفْضَح آلِيَّاتِهَا المُسْتَلَبَة (aliéné)، وتَحُثُّ على التحرّر منها. فهل سَتَـقْبَل الشعوب فَنَائَهَا، دون مقاومة، ولَا انتفاض، ولَا ثورة شَامِلَة؟ وهل سنكون، كبشر، في مستوى رفع هذه التَحَدِّيَات، قبل فَوَات الأَوَان الحَاسِم؟

رحــمــان الــنــوضــة

(بدأ تَحْرِير هذه الدراسة في منتصف شهر يونيو 2015، بالدار البيضاء. وقدّم رحمان النوصة ملخص هذه الدراسة في ندوة منظّمة من طرف ”جمعية البناء الثقافي بمدينة الخُمِيسَاتْ” بالمغرب، في مقر “جمعية المحامين الشباب”، في مدينة الخُمِيسَاتْ، في يوم الخميس 2 يوليوز 2015. وشارك أيضا كَمُحَاضِر في هذه الندوة عبد الغني القبّاج، وعلي أفقير. ثم طَوَّرَ رحمان النوضة، كعادته، هذه الدراسة خلال مرَّات مُتَوَالِيَة). (nouda.abderrahman@gmail.com)

الـــــهـــــوامـــــــش :

1 كارك ماركس، في أطروحته رقم 3 حول فُويِيرْبَاخً (Feuerbach) (K. Marx et F. Engels, Œuvres Choisies en trois volumes, Tome 1, Editions de Progrès, Moscou, URSS, 1976, p.9).

2 أنظر كتاب رحمان النوضة: نقد أحزاب اليسار بالمغرب. ويمكن تحميله من مدوّنة الكاتب (https://LivresChauds.Wordpress.Com).

3 Parmi les ouvrages (en français) de Charles Bettelheim: La transition vers l’économie socialiste; La planification soviétique; L’économie soviétique; La construction du socialisme en Chine; Révolution culturelle et organisation industrielle en Chine; Les luttes de classes en URSS; L’industrialisation de l’URSS dans les années 1930; Questions sur la Chine après la mort de Mao Tsé-toung.

4 رِزْكَارْ عَقْرَاوِي هو أوّل من طرح فكرة “اليسار الإلكتروني” (E-Left). وسَانَدَ “عدم التمسك الحرفي بالنصوص الماركسية”. ونَادَى بإحداث: “يسار يستند إلى التطور المعرفي والعلمي العقلاني، وإلى الفكر اليساري والإنساني، وقادر على الاستفادة، واستخدام التطور العلمي، والتكنولوجي، في عمله النظري، والسياسي، والتنظيمي، والإعلامي، والثـقافي، والجماهيري. ويطرح سياسات واقعية، وينطلق من قدراته، ومن قدرات الفئات التي يدافع عنها، ومن درجة تطور المجتمعات”.

5 يُعَدُّ مُجْمَل زُوَّار مَوْقِع “الحِوَار المُتَمَدِّن” بالملايِين. ويبلغ العدد الإجمالي للمواضيع المَقْرُوءة في “الحوار المُتمدّن” أكثر من 3 مِلْيَارَات. ويَفُوقُ عدد المواضيع المُرسلة إلى “الحوار المُتمدّن” 750 ألفً موضوع. ويبلغ عدد كَاِتَبات وكُتَّاب “الحوار المُتمدّن” 623 32 كاتبة وكاتب.

6 كِتَاب: اسْتِيفَنْ أَنْتُونِي اسْمِيثْ، “رُوسْيَا في ثورة: إِمْبْرَاطُورِيَة في أزمة، 1890-1928″، باللغة الإنجليزية.

7 سنرى في الأجزاء الآتية من هذا النَصِّ الحُجج التي تُثْبِتُ ضعف ثقافة اسْتَالِين.

8 الكتب المنسوبة لِجُوزِيف اسْتَالِين: «الفوضوية أو الاشتراكية؟»؛ «الماركسية والمسألة الوطنية والاستعمارية»؛ «مبادئ اللينِينية»؛ «قضايا اللِّينِينِية»؛ «الإنسان هو الرأسمال الأكثر قيمة»؛ «تاريخ الحزب الشيوعي البَلْشفِي»؛ «المادية الجدلية والمادية التاريخية»؛ «بعد الانتصار، السِّلْم الدَّائِم»؛ «الماركسية ومشاكل عِلْم اللِّسَانِيَات»؛ «المشاكل الاقتصادية في الاشتراكية في الاتحاد السُّوفياتي»؛ «كُتَيِّب الاقتصاد السياسي»؛ «حول الحرب الكبرى للاتحاد السوفياتي»؛ «تاريخ الثورة الروسية» في أربعة أجزاء؛ «الشبيبة الشيوعية»؛ «لِينِين»؛ إلى آخره.

9 الأنظمة البُوليسية المشهورة المُتَعَاقِبَة هي: اتْشِيكَا (Tcheka)، الجِيبِيأُو (Guépéou)، إِنْكَافِيدِي (NKVD).

10 تناول رحمان النوضة موضوع العلاقة بين السياسة والأخلاق في عدّة وثائق. أبرزها: كتاباه باللغة الفرنسية (Le Politique)، و (L’Éthique politique)، وكذلك مقاله: “العلاقة بين السياسة والأخلاق”. ويمكن تنزيل هذه الوثائق من مدوّنة الكاتب (https://LivresChauds.Wordpress.Com).

11 افْلَادِيمِير لِينِين، في مقاله “من أجل الذكري الرابعة لثورة أكتوبر”، نُشِرَ في جريدة “البرافدا” في 18 أكتوبر 1921، وَوَرَدَ ضمن كتاب (يحتوي على مقتطفات من أعمال لِينِين) تحت عنوان: “الثقافة والثورة الثقافية”، منشورات التقدم مسكو، الاتحاد السوفياتي، السنة 1977، من الصفحة 177 إلى الصفحة 192، (باللغة الفرنسية).

12 أُتَرْجِمُ مقتطفات (بِتَصَرُّف شخصي)، من الفرنسية إلى العربية، مأخوذة من المرجع المذكور في الحاشية السابقة، الصفحات 177، 179.

13 نفس المرجع السَّابِق، الصفحات 178، 179.

14 نفس المرجع السابق، الصفحات 178،

15 نفس المرجع السّابق، الصفحة 179.

16 نفس المرجع السابق، الصفحة 179.

17 Martin Edward Malia, “La Tragédie soviétique”, p. 218. https://fr.wikipedia.org/wiki/Nouvelle_politique_%C3%A9conomique.

18 سمير الخطيب، في مقاله «جدلية الثورة، والديمقراطية، والاشتراكية»، على موقع “الحوار المُتمدِّن”، العددين 5588، و 5598.

19 سمير الخطيب، نفس المصدر السابق.

20 نشر مؤخّرًا رِيمِي هِيرِيرَا (Rémy Herrera) في سنة 2019 كتابا تحت عنوان: “هل الصين اشتراكية”؟ (http://www.reveilcommuniste.fr/2019/03/la-chine-est-elle-capitaliste-video-remy-herrera.html).

21 بشيء من التَبْسِيط، أو التلخيص، “البْرُولِيتَارِيَا” هي الطبقة العاملة. وتتكوّن من الأشخاص الذين لَا يملكُون رَأْسَمَال، ولَا وَسَائِلَ إنتاج، فَيَضْطَرُّون إلى بيع “قُوَّةِ عَمَلِهِم” مُقَابِلَ أُجْرَة دَوْرِيَة، بِهَدَف تَلْبِيَة حَاجِيَّاتِهم المادية. وإذا دخلنا في التفاصيل، يمكن أن تتعقَّد الأمور أكثر.

22 في كتاب «طبقات المُجتمع»، لا يستعمل رحمان النوضة مُصْطَلَح «طبقة البرجوازية»، وإنما يستعمل مُصْطَلَح «طبقة المُسْتَغِلِّين». وقسّم «المُسْتَغِلِّين» إلى «طبقة المُسْتَغِلِّين الصّغار»، و«طبقة المُسْتَغِلِّين المتوسّطين»، و«طبقة المُسْتَغِلِّين الكبار». وحدّد أيضًا «طبقة المُسْتَغَلِّين»، و«طبقة الذين لَا يَسْتَغِلُّون ولَا يُسْتَغَلُّون». ويمكن تنزيل هذا الكتاب من مدوّنة الكاتب: LivresChauds.Wordpress.Com.

23 أنظر كتاب رَحْمَان النُوضَة، “طبقات المجتمع”. ويمكن تنزيله بالمجان من مُدَوَّنَتِه.

24 Joseph Staline utilise «l’argument de l’autorité», au lieu d’utiliser «l’autorité de l’argument».

25 سبق لي أن أوضحتُ هذه القاعدة المُجتمعية (loi sociétale) في كُتُبي التالية (باللغة الفرنسية): “المُجْتَمَعِي” [Le Sociétal]، و”السياسي” [Le Politique]، و”الأخلاق السياسية” [L’Éthique politique]). وكذلك في كتابي “نقد الشعب” (باللغة العربية).

26 La révolution culturelle pacifique et ininterrompue des masses laborieuses.

27 https://fr.wikipedia.org/wiki/Grandes_Purges

28 سمير الخطيب، «جدلية الثورة والديمقراطية والاشتراكية»، مقال موجود على موقع “الحوار المُتَمَدِّن”، الأعداد: 5588، و 5598.

29 أنظر كِتَابَي أَلِكْسَنْدَرْ سُولْجِينِتْسِين: Alexandre Soljenitsyne: (L’archipel du Goulag)، (Le pavillon des cancéreux).

30 عن القناة التلفزية الفرنسية LCP)، في مساء يوم 19 مارس 2019.

31 سمير الخطيب، في مقاله: «جدلية الثورة، والديمقراطية والاشتراكية»، على موقع “الحوار المُتَمَدِّن”، العدد 5588، و 6698.

32 حدثت مجاعة في الصِّين بين سنتي 1958 و 1962.

33 Économie de la république populaire de Chine, sur Wikipédia, consulté le 25/11/2018.

34 Rééquilibrage de l’Économie Chinoise: Un état des lieux, Françoise Lemoine & Deniz Ünal, CEPII, 14ème colloque de l’Association de Comptabilité Nationale Paris.

35 https://fr.wikipedia.org/wiki/Économie_de_la_république_populaire_de_Chine.

36 المقصود هنا هو الناتج المحلي الإجمالي بِاعْتِبَار “تَـعَادُل القُوَّة الشِّرَائِيَة” (PIB à parité de pouvoir d’achat). وَيَعْتَمِدُ منهج “تعادل القوة الشرائية” على استعمال مِقًيَاس القوة الشرائية، فيما يتعلق بـ “سَلَّة” تَتَكَوَّنُ من 3000 منتوج، بدلاً من الاعتماد على تحويل الناتج المحلي الإجمالي عَبْرَ استعمال “سِعْرِ الصَّرف الرسمي”.

37 Rééquilibrage de l’Économie Chinoise: Un état des lieux, Françoise Lemoine & Deniz Ünal, CEPII, 14ème colloque de l’Association de Comptabilité Nationale Paris.

38 نفس المصدر السابق.

39 https://fr.wikipedia.org/wiki/%C3%89conomie_de_la_r%C3%A9publique_populaire_de_Chine

40 “Qui seront les ingénieurs de demain?”, ParisTech Review, sur le Blog “LesEchos”, http://blogs.lesechos.fr/paristech-review/a13937.html

41 منها مثلًا رِوَايَة: (Qiu Xiaolong, “Dragon bleu, tigre blanc”, Edition Liana Levi, 2014, Traduction française). وأذاعت القناة التلفزية “بِي بِي سِي” بالعربية، في 20 يناير 2019، فيلما وثائقيا، يُظهر مواطنين صينيين يشهدون على «انتشار الرشوة والفساد» في الصِّين.

42 رِيمِي هِريرَا (Rémy Herrera)، في فِيدِيُو حول كتابه المعنون بِـ: “La maladie dégénérative de l’économie, le néoclassicisme”.

[https://www.facebook.com/profile.php?id=100009294356071]

.

43 وبالمُصْطَلَحَات الطَبَقِيَة التي استعملها الكاتب رحمان النوضة، في كتابه “طبقات المتمع”، يمكن القول: خلال فترات تاريخية مُعَيَّنَة، يمكن لفئات من طبقة الذين لَا يَسْتَغِلُّون ولَا يُسْتَغَلُّون، أو من طبقة المُسْتَـغِلِّين الصِّغَار، أن تكون مناضلة، أو ثورية، مثل طبقة المُسْتَغَلِّين، أو حتّى أكثر منها، دون أن تكون هذه الصفات دَائمة.

44 أنظر في هذا المجال كتاب: “نقد الشعب”، رحمان النوضة (الصيغة 54). ويمكن تحميله من مدوّنة الكاتب: (LivresChauds.Worpress.Com).

45 َ وَرَدَت هذه المقولة في استجواب لِابْرَاهَام السَّرْفَاتِي، أجرته معه كنزة الصفريوي حول مجلة ”أنفاس”.

46 نشرت “منشورات التقدم موسكو” (Edition du progrès Moscou) في سنة 1977 كتاب: “لِينِين، الثقافة والثورة الثقافية” (باللغة الفرنسية) (culture et révolution culturelle) جمعت فيه مقتطفات من خُطب لِينِين، وتدخّلاته، ونصوصه، المتعلّقة بالثقافة.

47 أبرز كتب كارل ماركس هي: من أجل نقد فلسفة القانون لدى هيجل (صدر في سنة 1843)؛ مخطوطات 1844؛ الأيديولوجية الألمانية (صدر في سنة 1845، وهو كتاب مُشترك مع فْرِيدْرِيشْ إِنْجَلْزْ)؛ بيان الحزب الشيوعي (1848، مع إنجلز)؛ الرَّأْسَمَال (1867)؛ الحرب الأهلية في فرنسا (1871). وهي كلها موجودة على الأنترنيت، وبعدة لُغَات. وتُوجد مكتبة رَقْمِيَة على الأنترنيت، يمكن العثو فيها على نصوص الكثيرين من الكتاب الماركسيين، وبِلُغَات مختلفة، وهي: [Marxists.org [archive] Archive internet des marxistes].

48 ذكر موقع المَوْسُوعَة “فِيكِيبِدًيَا” (Wikipedia) لَائِحَة جزئية لِلْمُفَكِّرِين الذين يعتبرون أنفسهم ماركسيين: Louis Althusser, August Bebel, Walter Benjamin, Daniel Bensaïd, Bertolt Brecht, Cornelius Castoriadis, Guy Debord, Jacques Ellul, Friedrich Engels, Herman Gorter, André Gorz, Antonio Gramsci, Henryk Grossmann, David Harvey, Michel Henry, Anselm Jappe, Leo Jogiches, Karl Kautsky, Alexandra Kollontaï, Karl Korsch, Robert Kurz, Paul Lafargue, Henri Lefebvre, Vladimir Ilitch Lénine, Abraham Léon, Karl Liebknecht, Georg Lukács, Rosa Luxemburg, Herbert Marcuse, Paul Mattick, Ernest Mandel, Anton Pannekoek, Kostas Papaïoannou, Nicos Poulantzas, Gueorgui Plekhanov, Moishe Postone, Isaak Roubine, Maximilien Rubel, Alfred Schmidt, Georges Sorel, Léon Trotski, Raoul Vaneigem, Nildo Viana, Jean-Marie Vincent, Clara Zetkin.

49 من أحسن ما نشره المناضل المغربي عبد السلام الموذن، مقاله تحت عنوان: “ثورة ماركس في نظرية المعرفة”. ويعرض فيه تاريخ صَيْرُورَة تَكَوُّن النظرية الماركسية. وهو فصل مأخوذ من كتابه: “الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية”، نشر “عيون المقالات”، الدار البيضاء، الطبعة الأولى في سنة 1990، الصفحة من 93 إلى 143. ورابطه هو (https://www.marxists.org/arabic/).

50 L’égoïsme individuel comme moteur de l’activité économique.

51 La solidarité comme moteur de l’activité économique.

52 أنظر مقال رحمان النوضة: «نـقد أنصار الرأسمالية»، وهو موجود على مُدَوَّنَتِه.

53 كارل ماركس، في أطروحته رقم 11 حول فُويِرْبَاخْ (Feuerbach): «لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بِطُرُق مُختلفة، بينما المطلوب هو تغييره». (K. Marx et F. Engels, Œuvres Choisies en trois volumes, Tome 1, Editions de Progrès, Moscou, URSS, 1976, p.9).

54 كارل ماركس، في أطروحته الثانية حول فُويِيرْبَاخْ: «إن مسألة ما إذا كان الفكر الإنساني يمكن أن يَصِلَ إلى حقيقة موضوعية، ليس مسألة نظرية، بل مسألة عملية. فإذا أراد الانسان أن يُثْبِتَ الحقيقة، فينبغي عليه أن يُثْبِتَهَا في المُمَارَسَة». (نفس المصدر السّابق، الصفحة 7).

55 دَافع سعيد السعدي عن هذه الفكرة أثناء الندوة المنظمة لِتَكْرِيم المناضل أستاذ الاقتصاد سمير أمين، في 15 نونبر 2018، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، المغرب.

56 Emission de télévision “Complément d’enquête” sur le canal “France 2”, le 15/02/2019, sur l’interdiction avortée du Glyphosate en France.

57 أنظر على الأنترنيت نـقدا حديثا ومُهِمًّا للرأسمالية، لِيُوهَانَسْ فُوجَلْ (Johannes Vogele): (http://www.krisis.org/2000/essai-d-une-autocritique-de-la-gauche-politique-economique-et-alternative/).

الإعلانات

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.