نـقد الدّعوة إلى ‏ تأسيس حزب يساري جديد

نـقد الدّعوة إلى تأسيس حزب يساري جديد

رحمان النوضة (الصيغة 5)

undefined
في الصورة أعلاه، من اليمين إلى اليسار: الأمناء العامون لأحزاب اليسار الأربعة، في سنة 2020: نبيلة منيب (حزب الاشتراكي المُوَحَّد، ‏تأسّـس في سنة ‏‏2002)، عبد السلام العزيز (حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، تأسّـس في سنة 2001)، ‏مصطفى البراهمة (حزب النّهج ‏الديموقراطي، تأسّـس سنة 1995)، علي بُوطُوَّالة، (حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي، تأسّـس في 1989). ثم السيد محمد الساسي الذي دَعَى إلى تأسيس حزب يساري جديد.

محمد السّاسي هو مناضل معروف بِنَزَاهته، وبذكائه، وَبِطَيْبُوبَته، وباجتهاداته القَيِّمَة، في كثير من الميادين الأكاديمية والسياسية. ونُكِنُّ له الاحترام والتـقدير. لكن الاحترام لا يُلْغِي الصّراحةَ، ولا يمنعُ النـقدَ، خاصّة في حالة وجود خِلَاف حول قضايا سياسية، قَد تكون لها انعكاسات هامّة على مصير الشعب. وفي نهاية شهر فبراير 2020، دَعَى المناضل محمد الساسي إلى «إنشاء حزب يساري جديد»([1]). ورغم عدم توفّر المُعطيات الكافية، تَسْتَدْعِي هذه الدَّعْوَة السياسية العُمُومية النـقاشَ، بل حتّى النـقدَ، نظرًا لِمَا يمكن أن يَنتُج عنها من مُخَلَّفَات سلبية على اليسار. وَيُوَفِّرُ لنا نقاشُ هذه الدعوة فُرْصَةً لتناول بعض مشاكل اليسار بالمغرب. وهذا المقال الحالي هو مجرّد اجتهاد شخصي، ولا يُلزم أحدًا غير كَاتِبِه. والأفكار المنسُوبة هنا إلى محمد الساسي مأخُوذة من الفيديو الذي دَعَا فيه عَلَنِيًّا محمد الساسي إلى «تأسيس حزب يساري جديد»([2]).

 1) كانت أحزاب اليسار الثلاثة بالمغرب [وهي “حزب الطليعة”، و”حزب الاشتراكي المُوَحَّد”، و”حزب المُؤتمر الاتحادي”]، المتحالفة في «فيديرالية اليسار»، كانت مُتـفـقة مبدئيا على مشروع اندماجها في حزب واحد. وكانت تتصوّر توحيدها، أَوَّلًا، عبر إقدام كل واحد من هذه الأحزاب الثلاثة على حلّ نفسه أثناء مؤتمر استثنائي خاصّ به، وثانيًا، عبر انخراط أعضاء كل هذه الأحزاب الثلاثة في مؤتمر تأسيسي لحزب يساري جديد مُوحّد. وإلى حدود قُرابة يناير 2020، كان محمد السّاسي مُتـفـقا على، ومُشاركًا في، تنـفيذ هذا التصور. لكن في نهاية شهر فبراير 2020، دعى فجأةً محمد الساسي إلى «تأسيس حزب يساري جديد»، يُضَافُ إلى أحزاب اليسار الأربعة [وهي: ‏«حزب الطليعة»، و‏«حزب الاشتراكي الموحّد»، و‏«حزب المؤتمر الاتحادي»، و‏«حزب النهج»].‏ وهذا الطّرح الجديد لمحمد الساسي يختلف عن السَّيْرُورَة التي سبـق لأحزاب «فيديرالية اليسار» أن اِتـفـقت عليها. ولم يوضّح محمد الساسي الأسباب التي جعلته ينتـقل فجأةً من الإجماع الذي كان سائدا داخل «فِيديرالية أحزاب اليسار» حول اندماج الأحزاب الثلاثة، إلى الدّعوة «لتأسيس حزب يساري جديد».

2) هل مُعالجة مشاكل قِوَى اليسار سَتَتَحَـقَّـق عبر «تأسيس حزب يساري جديد»؟ في حالة تنفيذ دعوة محمد الساسي ونجاحها، أي في حالة إنشاء «حزب يساري جديد» بالمغرب (مُغَايِر للحزب الذي كان يُنْتَظَرُ أن يَنتج عن اندماج أحزاب الفيديرالية الثلاثة)، سيكون هذا الحزبُ هو الحزب اليساري «الخَامِس». وَسَيُضِيفٌ هذا الحزب الجديد مشاكلَ جديدةً إلى مشاكل اليسار، دون أن يُساعد على مُعالجة أيّ مُشكل من بين مشاكل اليسار القديمة أو المُزمنة. وإذا كان مَعْقُولًا تأسيس حزب يساري «خَامِس»، لماذا لَا نـقبل أيضًا إنشاء حزب يساري «سَادِس»، و«سَابع»، و«ثَامِن»، و«تَاسِع»، إلى آخره؟ الحقيقة العَنِيدَة هي أن مشاكل اليسار لَنْ تَزُولَ عبر الانشقاق عن أحزاب اليسار القديمة، ولَا عبر اللُّجُوء إلى خلق “أحزاب يسارية جديدة”، وإنما ستزول عبر إِقْدَام المناضلين اليساريّين على فهم هذه المشاكل، وعبر تـقيِيم وَتـقوِيم وَتَثْوِير أحزاب اليسار القديمة. وبالتالي، فَلَا فائدة من إنشاء «حزب يساري جديد». وكل محاولة تُريد الانطلاق من جديد من الصّفر، عبر محاولة «إعادة بناء اليسار»، أو عبر «تأسيس حزب يساري جديد»، ستؤدّي إلى طريق مَسْدُود، وسيكون مآلها هو الفشل. لأن الحلّ الوحيد، الجِدِّي والثوري، يَـقْتَضِي الانطلاق من أحزاب اليسار كما هي حاليًّا في الواقع، ويَسْتَوْجِبُ تـقيِيم وَتـقوِيم وَتَثْوِير هذه الأحزاب، وليس تجاهلها، أو تجاوزها. [وعندما يكون الابن مُتَّسِخًا وفَاشِلًا، لَا يَـكْمُنُ الحلّ في رميه في المزبلة، وإنتاج اِبن آخر، وإنّما يَكْمن الحلّ في تنظيف هذا الابن، وإعادة تربيته].

3) خلال قرابة الـسِتِين سنة الماضية، جَرَّبْنَا، مِرارًا وتكرارًا، سياسة الانشقاقات عن أحزابنا القديمة، وجرّبنا محاولات تأسيس أحزاب جديدة. واعتـقدنا أن هذه الانشقاقات والتأسيسات ستكون هي المِفتَاح السّحري لكل مشاكلنا السياسية. وبعد مرور الزمان، بَيَّنَت لنا هذه التجارب أنها بعيدة عن أن تكون كافية لمعالجة مشاكل أحزاب اليسار. بل إنها تُعِيد إِنْتَاج نفس المشاكل القديمة. وتجعلنا ندور في حَلْـقَة مُـفْرَغَة. والحل البديل، هو سُلوك أسلوب ثوري آخر، وهو الممارسة المتواصلة للتَّـقْييم، والنَّـقْد، والتَـقْوِيم، والتَـثْوِير. قد نكون، في ظروف خاصّة، مُضطرّين فعلًا إلى الانشقاق عن حزب قديم، أو إلى تأسيس حزب جديد، لكن بشرط أن يكون هذا الحل استثنائيًّا، وأن لَا يتحوّل إلى عَادة سَهلة نُكرّرها كلّمَا أحسـسنا بالقلق أو بالغضب. يجب أن نـقلع جذريًّا عن عادة الانشقاقات عن الأحزاب، وعن عادة محاولة تأسيس أحزاب جديدة. يجب أن نـفهم أن معالجة مشاكل أحزاب اليسار تَتَطَلَّبُ الممارسة المتواصلة للتَـقْيِيم، والنـقد، والتـقويم، والتثوير.

 4) في دَعوة محمد السّاسي إلى «تأسيس حزب يساري جديد»، لا تُوجد اقتراحات، أو إجراءات، أو مناهج، تَضْمَن بأن يكون هذا «الحزب اليساري الجديد» خَالِيًّا من مشاكل أحزاب اليسار الحَالية أو القديمة. وعليه، فالاحتمال الأكبر، هو أن هذا «الحزب اليساري الجديد»، سَيُعِيدُ إِنْتَاجَ مشاكل اليسار القديمة، دون أن يقدر على مُعالجتها.

 5) كان محمد السّاسي عضوًا في قيّادة “الحزب الاشتراكي الموحّد”، خلال أكثر من عِشْرين سنة. وحسب علمي، لم يسبـق لمحمد الساسي أن أنتج تَشْخِيصًا مَوضُوعيًّا، ومُعَمَّقًا، ودقيقا، ومُقْنِعًا، ومَـقْبُولًا، لمشاكل اليسار الحقيقية. ومن المُستبعد أن يقدر مَن لَا يتوفّر على تشخيص سَلِيم، ودقيق، ومُقْنِع، لِمشاكل اليسار، أن ينتج عِلاجًا مُلائمًا، وفعّالًا، لهذه المشاكل.

6) لم يُوضِّح محمد الساسي، بما فيه الكفاية: ما هو نوع الخط السياسي الذي يُريده ‏لهذا الحزب «الخَامِس» اليساري الجديد؟ وما هي نوعية الأعضاء المُرشّحين للعضوية في ‏هذا «الحزب اليساري الجديد»؟ وما هي المرجعية الفكرية لهذا الحزب؟ كما لم يوضّح الساسي كيف ستكون مَهَام هذا الحزب الجديد، ومُمَارَساته، وأساليبه، وتَكْتِيكَاته، وتحالفاته، وأهدافه الاستراتيجية، ألى آخره. ‏

7) ‏لم يحدّد محمد الساسي شُروط العضوية في «الحزب اليساري الجديد». وما دام أصحاب مشروع ‏‏«تأسيس حزب يساري جديد» لَا يَطلبون من الأشخاص المُرشّحين للعضوية في هذا الحزب الجديد أن يَتَوَفُّروا ‏على خصال نضالية من مستوى عَالٍ، فهذا التسامح قد يعنى أن أصحاب هذا المشروع مستعدّون لِمَنْحِ ‏العُضوية في هذا «الحزب اليساري الجديد» لِأيّ شخص كان. لأن هدفهم ليس هو «الجودة اليسارية» للحزب، وإنما ‏هدفهم هو «الضَّخَامَة العَدَدِيَة» للحزب، بُغْيَةَ الفوز في الانتخابات البرلمانية والمحلية المُقبلة. ومنح ‏العضوية في «الحزب اليساري الجديد» لأي شخص كان، وبدون شروط صَارمة، سَيُحَوِّلُ هذا الحزب الجديد إلى ‏تَجَمُّع مَائِع، وَفَاتِر، وَضَعِيف. ‏الشيء الذي يُفاقم مشاكل اليسار، ولا يُعالجها.

8) ومِنْ أين سيحصل محمد الساسي على أشخاص مُؤَهَّلِين لكي يَكُونُوا أعضاء في «حزبه اليساري الجديد»؟ هل هؤلاء الأعضاء سيأتون من أحزاب اليسار الأربعة القديمة؟ هذا الاعتـقاد غير واقعي. هل سيأتون من “حزب الاتحاد الاشتراكي”؟ هذا غير ممكن. ولماذا؟ لأن أعضاء كل حزب قديم يَتَشَبَّثُون بالوفاء لحزبهم الخاص العَتِيد. وغايتنا كثوريّين، ليست هي إخراج مناضلين من حزبهم القديم، وإدخالهم في حزب آخر، سواء كان هذا الحزب جديدا أم ‏قديما. هذا العمل سيكون نوعًا من العبث. وإنما هدفنا هو أن نرفع مستوى الجودة النضالية والثورية لكلّ المناضلين، كيفما كان موقعهم الحزبي أو التنظيمي. وَلِحَلّ مشكل الحُصول على أعضاء جُدد في الحزب الجديد المُرتـقب، قال محمد الساسي أنه يتمنى أن يلتحق بحزبه الجديد «أشخاص يأتون من “المُجتمع المدني”، ومن الجمعيات، ومن “التنسيقيّات”، ومن رُوّاد شبكة “الفِيسْبُوكْ” على الإِنْتِرْنِيت، إلى آخره». لكن محمد السّاسي نَسِيَ أن هؤلاء الأشخاص (الذين ذكرهم) هم مواطنون عَادِيُّون، وليسوا بالضرورة مناضلين تـقدُّميين، أو اشتراكيين، أو يساريّين، أو ثوريين. ولَا يتوفّرون على تكوين سياسي ونضالي مُتـقدّم. ولَا يَصْلُحُون بالضّرورة لتكوين «حزب يساري جديد»، أي لِتكوين حزب قادر على مُنافسة أحزاب اليسار الأربعة القديمة. ولم يُوَضِّح محمد الساسي ما هو السِرُّ الذي سيدفع أشخاصًا اختاروا العمل في «المُجتمع المدني»، وفي «الجمعيات»، إلى تغيير اختيارهم، وإلى الالتحاق بِـ «الحزب اليساري الجديد». وعلى ما يظهر، لا يَهتمّ محمد السّاسي بالمناضلين الثوريين. ربّما لأنه يهتمّ أكثر بالأشخاص القادرين على التصويت في الانتخابات العامّة، وعلى الإتيان بأصوات انتخابية إضافية تُساعد على الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد التَمْثِيلِيَّة (في البرلمان، وفي الجماعات المحلّية).

9) طرح محمد الساسي مفهومًا «لليسار»، غير موضوعي، وغير مقبول. لأن محمد الساسي دَعَى ضِمْنِيًّا إلى أن يكون «حزب الاتحاد الاشتراكي» الحالي هو القُطْب الأساسي لِقِوَى اليسار بالمغرب. بينما هذا الحزب أصبح، منذ عُقُود، حزبًا يمينيًا، وغيرَ مبدئي، بل أصبح حزبًا انتهازيًا، ومُعاديًّا لنضالات الجماهير، ومُعاديًّا للثورة المُجتمعية، ومُعاديًّا للاشتراكية. وبشيء من التبسيط والتعميم، يمكن القول أنه، لم تبـق في «حزب الاتحاد الاشتراكي» سوى أُطُر تُريد انتهاز فُرَص الانتخابات العامّة، والوُصول إلى مناصب المسؤولية، ربّما بهدف استغلال النفوذ، والتَسَلُّق الطبـقي، وَجَنْي الرِّيع، والامتيازات. ومثل هؤلاء الأشخاص، ليسوا مناضلين، ولَا يساريِّين، ولَا اشْتِرَاكِيِّين، بل هم جزء مِن خُصُوم الشعب.

10) ولا ننسى أن القمع والاضطهاد الذي سُلِّطَ على الطبـقة العاملة، وعلى عامّة الكادحين، وعلى الكثير من المتظاهرين، والمعارضين، والصحفيّين، خلال العُقُود الأخيرة، مُورِسَ عليهم من طَرَف حُكومات كان يتواجد فيها وزراء أعضاء في «حزب الاتحاد الاشتراكي»، وفي «حزب التـقدم والاشتراكية». فهذان الحزبان، مثلهما مثل الأحزاب «المَخْزَنِيَة» الأخرى، ومثل الحزب الإسلامي «حزب العدالة والتنمية»، كلّهم ساهموا في استغلال الشعب، وفي خِدَاعِه، وفي قَمْعِه، وفي قَهْرِه، واضْطِهَادِه، فَأصبحوا جزءًا من بين خُصُوم الشعب.

11) توجد في الساحة السياسية بالمغرب قرابة أربعين «حزبا». وهو عدد ضخم. ونجد ضمنها أربعة أحزاب يُمكن وصفها بأنها «يسارية» [وهي “حزب الطليعة”، و”حزب الاشتراكي المُوَحَّد”، و”حزب المُؤتمر الاتحادي”، و”حزب النهج”]. وهذه الأحزاب تَتـفاوَتُ نِسبيًّا في خُطوطها السياسية، وفي مُمارساتها، وفي أساليبها، وفي نوعية الأعضاء المتواجدين داخلها. وفي كلّ شهر، أو في كلّ سنة، يكون عدد مُجمل المواطنين المُنخرطين فعلًا في هذه الأحزاب عَدَدًا محدودًا، وَمُسْتـقرًّا. وفي الفترات العادية، لا يتطوّر هذا العدد إلّا بِبُطْءٍ شديد. لكن في الفترات التاريخية السَّاخِنَة، أو الثورية، يمكن لهذا العَدَد أن يتـغيّر بسرعة نسبية (بالزِّيَادَة أو النـقصَان). وتخضع أَعْدَادُ أعضاء هذه الأحزاب بالضرورة إلى قانون «الأحواض المَوْصُولَة» فيما بينها (les vases communicants). بمعنى أنه، في كلّ فترة زَمانية وَجِيزة، لا يمكن لعدد أعضاء حزب مُحدّد أن ينمو إذا لم ينـقص، في نفس الوقت، عدد الأعضاء في واحد أو أكثر من الأحزاب الأخرى. وبالتّالي، فإن محمد السّاسي، الذي يدعو إلى «تأسيس حزب يساري جديد»، يَـفْتَرِضُ ضِمْنِيًّا أن المواطنين المغاربة يحتاجون إلى حزب يساري من نوع جديد (مُختلف عن أحزاب اليسار الأربعة الحالية)، وذِي خطّ سياسي من نوع جديد، وذِي مُمَارسة سياسية من نوع جديد. ويفترض أيضًا محمد السّاسي أن أعضاء من أحزاب اليسار الأربعة القديمة سَيَنْتـقلُون من حزبهم اليساري القديم إلى الانخراط في هذا «الحزب اليساري الجديد». وهذا الطَّرْح غير مُثْبَت، وغير مضمون، وغير مُؤَكَّد. وعدد أعضاء هذا «الحزب اليساري الجديد» (في حالة النجاح في إنشاءه) سيكون بالضرورة مَنـقوصًا من أعداد أعضاء الأحزاب اليسارية القديمة. بينما لا يُوجد بعدُ، في الواقع، مَا يُبَرِّرُ انتـقال أعضاء من أحزاب اليسار الأربعة القديمة إلى هذا الحزب اليساري «الخَامِس» الجديد.

12) قال محمد السّاسي أثناء دعوته إلى «تأسيس حزب يساري جديد» أن الخِلَافات والصّراعات السياسية الجارية فيما بين مناضلي اليسار، حول قضايا استراتيجية، أو مُستـقبلية بعيدة، أي التي هي غير مطروحة للتطبيق آنِيًّا، أو على المَدَى القريب، هي قضايا غير مُفيدة، وغير مطروحة للنقاش، بل نقاشها هو مَضْيَعَة للوقت. ومن الأحسن عدم طرح هذه القضايا الاستراتيجية البعيدة، أو نـقاشها، أو تحليلها، أو الصراع حولها. وما يجب فعله (حسب طرح الساسي)، هو أن نُحَدِّدَ في كل فترة زمانية قصيرة المدى الأهدافَ المُبْتَغَاة، وأن نتـفـق حولها، وأن نُحاول إنجازها. وبعد الانتـقال إلى فترة زمانية وجيزة أخرى، نفعل نفس الشيء مع القضايا الخاصّة بهذه الفترة، وهكذا دَوَالَيْك. ومعنى طَرح السّاسي هذا أنه لَا يُـفِيد أن يُدَقِّـق الحزبُ الأهدافَ الاستراتيجية المشتركة، وأن يتأكّد من التوافـق حولها، وإنما يجب على الحزب أن يحصر نـقاشاته في الأهداف القصيرة المَدَى. وتُذَكِّرُنَا هذه الفكرة بِمَـقُولَة بِيرْنْشْتَايْن (Bernstein)([3]) : «الحَركة هي كلّ شيء، والهدف النهائي هو لَا شيء»([4]). وقد أدّت هذه المقولة في النهاية إلى خَسَارَة كلّ من «الحركة» الآنِيَة، و«الهدف النهائي». وينسى محمد الساسي الترابط العُضوي الموجود بين الأهداف القصيرة الأمد، والأهداف الاستراتيجية البعيدة الأمد. لأن الأهداف الاستراتيجية هي التي تُحَدِّد نَوْعِيَة التَكْتِيكَات المطروحة للتنـفيذ على المدى القصير. والأساس المُمَيِّز لِأيّ حزب، ليس هو أهدافه القصيرة المَدَى، وإنما هو أهدافه الاستراتيجية. كما أن هذه الأهداف الاستراتيجية تُسَاهِمُ في تحديد نَوعية النضالات المطروحة لِلتَنْـفِيذ على المدى القصير، وَتُحَدِّد كذلك أشكالها، وأساليبها.

13) أفكار محمد الساسي، واهتماماته، واقتراحاته، تَدُور أساسًا حول «الانتخابات البرلمانية والمحلية»، رغم أنه يقول بأنه يهتمّ أيضا بنضالات الجماهير. وبعض رفاق محمد الساسي يُعيبون عليه، ومنذ سنوات، أنه لا يهتم في تـفكِيره، وبِـما فيه الكفاية، بِـ «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، وبِـ «الحِرَاكَات الشعبية» وبالأهداف الثورية.

14) هناك فرق كَيْفِي بين المشاكل التي يريد محمد الساسي معالجتها بِواسطة «تأسيس حزب يساري جديد»، والمشاكل الملموسة المطروحة على أرض الواقع، التي يتصارعُ معها مُنَاضِلُو أحزاب اليسار الأربعة. فَمحمد الساسي مَهْوُوس بشيء رئيسي، هو تهيئ الانتخابات العامّة، والفوز فيها بنصيب مُعتبر، والوصول إلى تحمّل مسؤوليّات في الحُكومة. وهو طُموح مَطْلُوب، وَمَشْرُوع، لكنه لا يكفي وحده. وليس هو الطُمُوح الأساسي. بينما يهتمّ مناضلو أحزاب اليسار الأربعة بـقضايا أخرى، كثيرة، ومُعقّدة. مِنها مثلًا: الانطلاق من واقع أحزاب اليسار الأربعة كما هي في الواقع، وابتكار وتنفيذ الآلِيَات المُلائمة لِتـقوِيَة أحزاب اليسار، ورَفْع مُستوى الوعي السياسي لدى الجماهير الشعبية الكادحة، وتَحْرِيضِهَا، وتَعْبِئَتِهَا، وتنظيمها، وإنجاح نضالاتها الجماهيرية المُشتركة، وإنضاج شُروط ثورتها المُجتمعية التحرّرية الشاملة. وقد لَا تَهُمُّ كثيرًا هذه المهام محمد الساسي.

15) مُعظم الأطر السياسية الموجودة في المُجتمع تُؤْمِنُ بـقاعِدَة اِنْتِخَابِية مُطْلَقة. وَمَضْمُون هذه «القاعدة» هو أن الأحزاب الوحيدة التي لها حُظوظ الفَوْز في الانتخابات العامّة (سواءً كانت برلمانية، أم محلية)، هي فـقط الأحزاب «المُحافظة»، أو «الوَسَطِيَة»، أو «اليَمِينِيَة». بينما الأحزاب «اليسارية»، أو «الثورية»، فإنها لا تَتَوَفَّرُ على أية حُظوظ للنَّجَاح في هذه الانتخابات العامّة. هذا ما تَـعْتـقدُه مُعظم الأطر السياسية. وهذه «القاعدة الانتخابية» لم تنزل عَفْوِيًّا من السماء. وإنما النظام السياسي القائم هو الذي فرضها. كيف ذلك؟ يعمل النظام الرأسمالي (والسياسي) القائم، بهدف تَـكْـيِـيـف المُجتمع كُلِّه، وبشكل مُسْبـق، ومُتواصِل، بِواسطة صناعة القانون، وَوَسَائِل الإعلام، وقانون الانتخابات، والأجهزة القمعية، والأجهزة الأَيْدِيُّولُوجِيَة، والأجهزة الدِعَائِيَة، والأجهزة الدّينية، والمُعتـقدات السّائدة في المُجتمع، إلى آخره. ويهدف هذا التَـكْـيِـيـفْ للمُجتمع إلى تـقلِيل قِيمَة الأفكار الثورية، وإلى منع القوى الثورية من الحصول على أيّ حظّ في الفَوْز في الانتخابات العامّة. ويُخْضِعُ باستمرار النظامُ السياسي القائم عُقولَ المواطنين (سواءً كانوا نَاخِبِين أم غير ناخبين)، لِعَمَلِيَّات التَكْيِيف (manipulation)، والتَهْيِئَة (formatage). وبالتالي، فإن مُجمل الأطر السياسية التي تطمح إلى تَسَلُّق المَرَاتِب المُجتمعية، وإلى الوُصُول إلى مناصب المسؤولية في أجهزة الدولة، أو التي تطمح إلى استغلال النُّـفُوذ، أو جَنْيِ الامتيازات، أو تطمح إلى قَطْف إمكانيات الاغتناء السَّريع، فإنها تختار دائمًا ومُباشرةً الانخراط في الأحزاب «المُحافظة»، أو «اليمينية»، ولو كانت هذه الأحزاب رَدِيئَة، أو مُنافـقة، أو فاسدة، أو مُتَخَلِّفَة، أو خائنة، أو مُرْتَزِقَة.

16) إذا كان محمد الساسي قد اِخْتَارَ «تأسيس حزب يساري جديد»، فإن الاحتمال الكبير هو أن هذا الحزب سيكون «وَسَطِيًّا»، أو «مُحَافِظًا»، أو «يَمِينِيًا». ولماذا؟ رُبَّمَا لأن محمد الساسي يُدرك جَيِّدًا أن أيّ حزب «يساري»، أو «ثوري»، لا يَمْتَلِك حُظُوظًا كَافِيَة للفوز في الانتخابات العامّة. ورُبَّما لأن محمد الساسي أخذ يَبْتَـعِدُ عن أحزاب اليسار القديمة. وربّما لأنه يعتبر هذه الأحزاب «يسارية»، أو «ثورية»، أكثر من مِمَّا هو مُتَحَمَّل، أو أكثر مِمَّا تُوجِبُه «الوَاقِعِيَة». وبشكل عام، فإن الأطر السياسية الوُصُولية تَهْرُبُ، أو تَنْـفُرُ، مِن كل حزب لا يتوفّر على حظوظ كَافِيَة للفوز في الانتخابات العامة. بل تَهرب الأطر الوصولية من هذه الأحزاب «اليسارية» كأنها مُصابة بالطّاعون.

17) يُمكن لمحمد السّاسي أن يُنْشِئَ حزبًا جديدًا، لكن هذا الحزب سيبـقى بالضّرورة «صغيرًا»، و«إصلاحيًّا»، وَ«مُحافظًا»، وَذَا تَوَجُّه «وَسَطِيّ»، أو «يَمِينيّ». ولن يقدر هذا الحزب الجديد على أن يتميّز فعلًا بالقُوّة، وبالفعالية، وبالنضال، وبالثوريًة.

18) محمد السّاسي هو مِن بين المُدَافِعين المُتحمِّسِين عن أُطْرُوحَة مَنْـع الطُمُوحات الشعبية، والنضالات الجماهيرية، مِن تَجَاوُز «سَقْف المَلَكِيَة البرلمانية»، ومِن تجاوز سقف الرأسمالية. وهذا «التَسْقِيف» يَكْبُتُ الطُمُوحات الشعبية، ويُكَبِّلُ الطَاقات الثورية، لدى الجماهير الكادحة، بدلًا من تَعْبِئَتِها، وتَحْرِيضِهَا، وتشجيعها، وتحريرها.

19) يَدْعُو محمد السّاسي إلى النضال، وإلى التضحية، من أجل تحقيق هدف دقيق، هو «المَلَكِيَة البرلمانية». ويغدو عنده السَّبِيل لِتحقيق «الديموقراطية» هو إنجاز «المَلَكِيَة البرلمانية». وعلى ما يظهر، لم يتساءل محمد السّاسي: مَنْ هو الطَرَف الذي سَيكون المُسْتـفيد الأكبر من نظام «المَلَكِيَة البرلمانية»؟ هل سيكون الشعب هو أوّل مُسْتـفيد من هذه «المَلكية البرلمانية»؟ ربّما يعتـقد محمد الساسي أن نَزْع السلطات المُطلقة من الملك أثناء الانتـقال من «المَلَكِيَة المُطلقة» إلى «المَلَكِيَة البرلمانية»، سَيُؤَدِّي آلِيًّا إلى انتـقال هذه السُّلُطَات إلى مُنْتَخَبِي أحزاب اليسار المُتواجدين في البرلمان، وفي الحكومة، إلى آخره. وهذا اعتـقاد خاطئ. لماذا؟ لأن الأفراد المؤهّلين أكثر من غيرهم للاستحواذ على السُّلطات القديمة للملك، سواءً من خلال الحُكومة، أم من خلال غيرها من مُؤَسَّـسَات الدولة، هم أفراد الطبـقة البرجوازية الكبيرة. بل نرى منذ الآن أن عددًا من أفراد الطبـقة البرجوازية الكبيرة، يَجْمَعُون بين الثَّرْوَة والسُّلْطَة، ويستولون على المناصب القادرة على اتّخاذ القرارات في الجماعات المحلية، وفي البرلمان، وفي الحكُومة، وفي المُؤَسَّـسَات الاقتصادية العُمُومِيَة، ويُسَخِّرُون بَاقِي مؤسّـسات الدولة لِخدمة مصالحهم الخاصّة. ونرى منذ الآن أن “نـقابة المُقاولين الكبار” (CGEM)، و”نـقابة البَنْكِيِّين الكِبار” (GPBM)، هم الذين يُـفْتُون على الحكومة مَا ينبغي فعله، وما لَا يُجُوز فعله. وكانت مُجمل الحكومات الماضية تُلَبِّي جميع مطالب “نقابة المقاولين الكبار” (CGEM)، ومطالب “نقابة البنكيّين الكبار” (GPBM). وفي مجال الانتخابات العامّة، وفي إطار «المَلَكِيَة البرلمانية»، مَن سيقدر على الترشّح للانتخابات العامّة، وعلى تمويل حملاته الانتخابية، وعلى الفوز فيها؟ هل سيقدر مناضلو أحزاب اليسار على منافسة، أو هزم، مُرَشَّحِي أحزاب «المَخْزَن»، والمُقَاوِلِين، والوُصُولِيِّين، والانتهازيّين، والأثرياء الفاسدين؟ أَلَيْسَت البرجوازية الكبيرة، الغَشَّاشَة والانتهازية، التي ترفض حاليًّا المشاركة في أيّ نضال من أجل انتزاع «المَلَكِيَة البرلمانية»، أليست هذه البرجوازية هي التي سَتَسْتـفيد أكثر من غيرها، في حالة إذا مَا استطاع اليسار أن يفرض الانتـقال إلى هذه «المَلَكِيَة البرلمانية»؟

ويظهر كأن السيد محمد الساسي نَسِي أنه، في حالة إذا ما ضَحَّى اليسار من أجل فرض «المَلَكِية البرلمانية»، لن يكون الشعب أو الطبـقات الكادحة هي من سَيَسْتـفيدُ من هذا النظام السياسي الجديد، وإنما نفس «الأحزاب المَخْزَنِيَة»، ونفس «الأحزاب الإدارية»، والأحزاب اليمينية، والفِئَات البرجوازية الكبيرة (وهي كلها انْتِهَازِيَة، وَغَشَّاشَة، وَمُفْتَرِسَة)، هي التي سَتُسَيْطِرُ على كلّ الانتخابات المُستـقبلية، وهي التي سَتـفوزُ فيها، وهي التي سَتَسْتَـغِلُّ نظام «المَلَكِيَة البرلمانية» الجديد، وهي التي سَتَسْتـفيدُ منه أكثر من غيرها، لِإِدَامَة الرأسمالية التبعية للإمبريالية، ولِفَرْضِ استمرارية الاستغلال الرأسمالي الفَاحِش، والرِّيع، والغِشّ، والاضطهاد، والقهر، والاستبداد. فَلِمَاذا سَنطلب من مناضلي اليسار أن يُناضلوا، وأن يُضَحُّوا، من أجل تحقيق هذه «المَلَكِيَة البرلمانية»، بينما نحن نعلم مُسبقًا أن المُستـفيدين الرئيسيّين من هذه «المَلَكِية البرلمانية» سيكونون هم أعداء الشعب في الطبقة البرجوازية الكبيرة؟

وَأُذَكِّرُ السيد محمد الساسي أن هذه المؤسّـسات التمثيلية، أو «الديموقراطية» الشكلية (المتجسّدة في البرلمان والمجالس المحلّية)، لم تكن موجودة في بداية استقلال المغرب في سنة 1956، وإنما قوى اليسار الثوري والاشتراكي هي التي فرضت على الملك المُستبد الحسن الثاني إنشاء هذه المؤسّـسات التمثيلية. وقد حَوَّلَها النظام السياسي القائم بسرعة إلى أجهزة مُسَخَّرَة كُلِّيًا لِخِدمة استبداده ودَوَامِه. وظلّ المستـفيد الأكبر من هذه المؤسّـسات التمثيلية، ليس هو الشعب، أو جماهير العمال والفلاحين والكادحين والمضطهدين، وإنما المستـفيد الأكبر هم العناصر الوُصُولية من البرجوازية الكبيرة، والبرجوازية المتوسطة، والبرجوازية الصغيرة. بل تحوّلت هذه المؤسّـسات التمثيلية إلى أجهزة إضافية لتشريع الاستبداد، ولنهب ثروات البلاد. وسيحدث نفس الشيء «للمَلَكِية البرلمانية» في حالة إنشاءها.

وحتى في البلدان الأوروبية التي توجد فيها «مَلَكِيَة برلمانية»، مثل اِسْبَانْيَا، وهُولَنْدَا، وإِنْجَلْتْرَا، وبلجيكا، إلى آخره، أَلَيْسَتْ البرجوازية الكبيرة المُفْتَرِسَة هي التي تـفرض دِكْتَاتُورِيَتَهَا الطبـقية، واستغلالها الرأسمالي، وقِيَمَهَا السِّلْعِيَة، وتصوّرها الاستهلاكي للمُجتمع؟ وهل استـفادت حقًّا قوى اليسار الثوري مِن إمكانيات فِعْلِيَة وكَافية موجودة داخل البلدان الأوروبية التي تَحَقَّـقَت فيها «المَلَكِية البرلمانية»؟ يظهر من خلال تَهْمِيش واضطهاد القوى اليسارية الثورية في هذه البلدان الأوروبية أن الجواب هو لَا. فلماذا إذن سَنُرَكِّزُ نضالنا الاستراتيجي على هدف إنشاء نظام «مَلَكِيَة برلمانية»، لن نَجْنِيَ منها أيّة فوائد استراتيجية لصالح تحرّر الطبـقات الكَادحة والمُسْتَـغَلَّة؟ ومن ميزات اليسار الثوري أنه «يُخْضِعُ النضالَ من أجل الإصلاحات، إلى النضال الثوري من أجل الحرية والاشتراكية، مثلما يَخْضَعُ الجزءُ للكلِّ» (لِينِين)([5]). والمُشاركة في الانتخابات، أو النضال من داخل مؤسّـسات الدولة، هو الجزء؛ بينما النضال من أجل التحرّر والاشتراكية هو الكُلُّ. ويُوجِبُ المنطقُ الثوري أن يخضع هذا الجزء، إلى هذا الكُلّ، وليس العكس.

وما تَنَاسَاه السيد محمد الساسي هو أن الاستبداد والفساد ظَلَّا سائدين في نظام «المَلَكِية المُطلقة»، وسَيَبْـقَيَان كذلك سائدين في نظام «المَلَكِية البرلمانية». لأن المشكل السياسي الأساسي لَا يكمن في شكل الدولة (هل هو مَلَكِية أم جمهورية، هل هو مَلَكِية مُطلقة أم مَلَكِيَة برلمانية). وإنما المشكل السياسي الأساسي يكمن في نمط الإنتاج الرأسمالي. وما دامت الرأسمالية قائمة، فأقصى «ديموقراطية» مُمكنة هي «الديموقراطية البرجوازية» (التي تَتَسَتَّرُ وراءها دِكْتَاتُورِيَة البرجوازية الكبيرة). ولَا يمكن تحقيق الديموقراطية الثورية، أو الاشتراكية، إلّا بعد هزم الرأسمالية، وبعد الشروع في بناء الاشتراكية. وبعبارة أخرى، مهمتنا كثوريّين، ليست هي تغيير شكل الدولة، وإنما هي تغيير العلاقات السياسية، والعلاقات المُجتمعية، وعلاقات الإنتاج، القائمة في المُجتمع.

20) ما هو الأكثر أهميةً: هل النضال الانتخابي (من خلال المشاركة في الانتخابات العامّة، والنضال من داخل المؤسّـسات التمثيلية)، أم النضال السياسي الثوري؟ أكيد أن النضال الانتخابي يحظى بِأهميته. لكنه يبـقى ثانويا بالمقارنة مع النضال السياسي الثوري. والإصلاحات التي يمكن انتزاعها من داخل المؤسّـسات التَمْثِيلِيَة في الدولة تَبـقى دائمًا محدودة، أو شكلية، أو هَشَّة، أو قَابِلَة لِلتَزْيِيف أو للإلغاء. أمَّا النضال السياسي الثوري، فَـيُمَارَسُ خُصوصًا من خلال: 1- الدِعَايَة السياسية الثورية؛ 2- كَشْف الفضائح السياسية؛ 3- تَعْبِئَة الجماهير لاستنكار الفضائح السياسية؛ 4- تشجيع المطالب النقابية وتحويلها إلى طُمُوحات ثورية؛ 5- ‏التحريض السياسي الثوري؛ ‏‏6- إنشاء أكثر ما يمكن من التنظيمات الجماهيرية المُتَنَـوِّعَة والمناضلة. 7- حَثُّ الجماهير على الدفاع عن مصالحها الطبـقية. 8- تشجيع الجماهير على تـغيير المُجتمع، وعلى تغيير العلاقات المُجتمعية، وعلى الطُمُوح إلى التحرّر والاشتراكية. وتُبَيّن تجارب الشعوب أنه إذا كان بالإمكان استغلال النضال من داخل المؤسّـسات التمثيلية (كالبرلمان والجماعات المحلية) لِمَعرفة بعض خَبَايَا الدولة، ولِكَشف بعض الفضائح السياسية، أو لِنَشْر الوعي بحقوق المواطنين، فإن نفس هذه التجارب تُؤَكِّدُ استحالة إِيصَال الوعي السياسي الثوري إلى الطبـقات الكادحة، من داخل هذه المؤسّـسات التمثيلية.

21) وما ينبغي الانتباه إليه، هو أن المشاركة في الانتخابات العامّة (للبرلمان وللجماعات المحلية) لها منطقها الخاص بها. والقوى السياسية التي تلتزم بالمشاركة في هذه الانتخابات العامّة، تجد نفسها مَسْجُونَة داخل حدود لُعبة (أو تمثيلية) سياسية ضَيِّـقَة، وذات قواعد صارمة، ومُحَدَّدَة سَلَفًا (من طرف الطبقة السّائدة في المُجتمع). ومهما اجتهدت القِوَى السياسية المشاركة في هذه الانتخابات العامة، فإنها ستجد نفسها مَمْنُوعَة من أن تتجاوز حدود دعم النظام السياسي القائم، وإعادة إنتاج مُكَوِّنَاته.

22) مِن طبيعة النظام السياسي في المغرب أنه أَنَانِي، وأنه يُسخّر إمكانات الدولة، أوّلًا وقبل كلّ ‏شيء، لتـقوية وإدامة نظام ملكي يُهَيمن على كل شيء. وقد دخل هذا النظام في تحالفات ‏استراتيجية وأمنية غير شفّافة، مع دول أجنبية قوية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، ‏ومملكات الشرق الأوسط، مثل السعودية والإمارات وَقَطَر والأردن، إلى آخره. ومن المُستبعد أن يَـقْبَلَ هذا ‏النظام السياسي بأن يتحوّل من نظام «مَلَكِية مُطلقة» تُسيطر على كل السُّلط، إلى نظام «مَلكية ‏برلمانية»، لا يكتسب رئيس الدولة داخلها أية سُلطة حَاسِمَة. وفي حالة إحساس هذا النظام السياسي بخطر فرض هذا التغيير عليه، فمن المُحتمل أن يَلْجَأُ إلى حُلفاءه المذكورين، لِاتِّهَام مُعارضيه بِالتَآمُر، وَلِتَسْلِيط قمع سَاحِق عليهم. وليس صُدْفَةً أن تكون أجهزة مُخابرات أجنبية (أمريكية، فرنسية، إسرائيلية، الخ) تنشط بحرّية داخل المغرب. فَمِن غير الواقعي الاعتـقاد بسهولة إصلاح النظام ‏السياسي بالمغرب (عبر تحويله إلى «مَلَكية برلمانية»)، بل يَـكْمُنُ الحَلّ الناجع في تثويره وتغييره. ‏

23) كانت قيادات أحزاب «فيديرالية اليسار» بالمغرب مُنْهَمِكَة في التـفكير في كيفية توحيد أحزاب اليسار الثلاثة في حزب واحد. ثمّ دَعَى فجأةً محمد الساسي إلى «تأسيس حزب يساري جديد». فَلماذا قام السّاسي بهذه الدّعوة المُفاجئة؟ لَا ندري. قال البعض أن محمد الساسي أراد أن يتجاوب مع حاجة جديدة بَرَزَت لَدَى النظام السياسي القائم، حيث يَرْغَب هذا النظام في تجديد «المُمَثِّلِين السياسيين» العاملين في المَشْهَد السياسي المتأزّم بالمغرب. وقال البعض الآخر أن محمد الساسي أحسّ أن كثيرين من رفاقه في حزبه لَا يتّـفـقون معه على تبنّي التوجّه السياسي الذي يُسَمَّى في أروبّا الغربية بِـ «الاشتراكية الديموقراطية» (sociale démocratie). وهذا التَوَجُّه هو تـقدّمي في مظهره، لكنه رأسمالي ومُحافِظ في جوهره. وهو التوجّه الذي طُبـَّقَته «الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية» في بعض بلدان أوروبا الغربية، منذ نهاية «الحرب العالمية الثانية» في سنة 1945، إلى الآن. ولم يُؤَدِّ هذا التوجّه السياسي (المُسَمَّى بِالاشتراكي الديموقراطي) في بلدان أوروبا سوى إلى اِسْتِلَاب (aliénation) الكادحين، وإلى تعميق الاستغلال الرأسمالي، وإلى تعميق الفوارق الطبـقية، وإلى تثبيت الهيمنة السياسية للبرجوازية الكبيرة الجَشِعَة.

24) يتـفـق جزء من أعضاء أحزاب «فِيديرالية اليسار» مع محمد الساسي، وجزء منها يُعارضه. واندلاع أيّ صراع حادّ بين هذين الاتجاهين حول إشكالية «تأسيس حزب يساري جديد» قد يُضَيِّع جزءًا من طاقاتهما المحدودة، في قضية غير مُفيدة. وسيكون أكثر إِفَادَةً تركيز البحث، والنـقاش، وحتى الصّراع، حول السُّبُل التي تُساعد حَقيقةً على تـقوِيَة قِوَى اليسار، وتـقوِيمها، وتَثْوِيرِهَا([6]).

25) المُحَدِّد الأَسَاسِي لِآرَاء محمد الساسي هو موقعه الطبـقي (situation de classe)، وليس عقله المُنَظِّر. وأُطْرُوحات محمد السّاسي تنسجم أكثر مع طموحات البرجوازية الصغيرة, والبرجوازية ‏المتوسطة، ولا تخدم بالضّرورة طُموحات الطبـقة العاملة وعامّة الكادحين. ‏ونعرف، من خلال دراسة تاريخ الصراع الطبـقي في بلدان العالم، أن طبقة البرجوازية لا تـقدر على الإعلان المَكْشُوف عن أهدافها المُجتمعية الحقيقية. لأن هذه الأهداف تتجلّى في تملّك ثروات البلاد، وفي فرض هيمنة الاستغلال الرأسمالي. فتلجأ البرجوازية إلى إخفاء نواياها السياسية خلف أهداف نظرية غامضة مثل «الديموقراطية»، و«الحريات العامّة». وقد تدّعي البرجوازية أن تحقيق هذه الأهداف المُغْرِيَة، يتطلّب، ليس ثورة مُجتمعية جذرية، وإنما يحتاج فـقط إلى «ثورة هَادِئَة»، و«مَحْدُودَة»، و«مُسَـقَّـفَة»، تَنْحَصِرُ في حدود «مَلَكِيَة برلمانية» رأسمالية، تنتـقل فيها السلطات من المَلك إلى البرجوازية الصّاعدة. لكن إذا أحسّت البرجوازية أن النضال من أجل هذه «المَلَكِيَة البرلمانية» قد يُعَرِّضُ مصالحها الأساسية للخطر، فإنها سَتَنْحَازُ بالتَّأكِيد إلى صُفُوف القِوَى المُنَاصِرة «لِلمَلَكِيَة المُطلقة»، وسَتُحارب القِوَى المطالبة بِـ «الملكية البرلمانية». وحينما سَتُـقْدِمُ الطبقة العاملة وعامّة الكادحين على الصّراع من أجل السّلطة، والتحكّم في المصانع، وفي الإنتاج، سَيَتَـغَيَّرُ كل شيء([7]).

26) ليس محمد الساسي هو وحده الذي يعمل حاليًّا من أجل «تأسيس حزب يساري جديد». بل يُوجد أيضًا أشخاص آخرون، يعملون هم أيضًا، من أجل «إنشاء حزب يساري جديد». ومنهم مثلًا مجموعة صغيرة تُسمّي نفسها «تنظيم اليسار المُتعدّد». كأن اليسار المكوّن حاليًّا من أربعة أحزاب يساريًّة، بكل تنظيماته، وتوجّهاته، وتياراته، وخطوطه السياسية المُتـفاوتة، ليس «متعدّدًا» بما فيه الكفاية! ولا يعلمُ أحدٌ ما هي الأشياء التي تَتَوَفَّرُ في مثل هذا التنظيم ولا تَتَوَفَّرُ في أحزاب اليسار الأربعة القائمة حاليًّا. وإذا سمعتَ خطاباتهم، أو قرأتَ مقالاتهم، فَإِنّك لَا تـفهم مَا يَعْنُون. ويلتـقي هذا التنظيم مع محمد الساسي في الإيمان بِـ «الثورة الهادئة»، وبِمَشروع «الوصول إلى السُّلطة عبر الانتخابات». وقد سبـق لِكَارْل مَارْكْس أن اِنْتـقدَ مثل هذه الأطروحات في كُتَيِّبه المَشْهُور «نـقد برنامج جُوطَّا»([8]). وتُوجد تنظيمات أخرى صغيرة تَحْلُم، هي أيضًا، منذ أكثر من عشرين سنة، بأنها «سَتَتَمَكَّنُ في مستـقبل قريب من بناء حزب يساري جديد» خاصّ بها. وتتسابـق أحيانًا بعض هذه التنظيمات المُتَـعَدِّدَة إلى المُطالبة بِعُضْوِيَّتها في «التنسيقيّات»، وفي «الاِئْتِلَافَات»، وفي «الجبهات»، الخ. وتُطالب بِنَصِيبِهَا في اقتسام كَراسي القِيَادِة في هذه «الاِئْتِلَافَات»، في إطار قِسْمَة المُحَاصَصَة المُمْكِنَة فيما بين الهيئات السياسية المُشاركة فيها. وحتّى بعض الجماعات، المُكَوَّنَة من بضعة أصدقاء قُدَامَى، تُـقَدِّمُ نفسها على أنها تُشكّل هي أيضًا «تنظيما سياسيا يساريا». فهل يُعقل أن نـقبل التعامل مع أيّة جماعة من الأصدقاء باعتبارها تُشَكِّلُ «حزبًا سياسيا»، أو «تنظيمًا ثوريا»، أو «تِيَّارًا سياسيًّا»؟ هذا عَبَث غير معقول. بينما لا تتوفر هذه «التنظيمات» المزعومة على خط سياسي مُتَمَيِّز، ولا على مؤتمرات دورية، ولا على هيكلة تنظيمية على صعيد وطني، ولا على وثائق نظرية تأسيسية، ولا على أُطْرُوحَات سياسية مُخالفة لأطروحات أحزاب اليسار، ولا على مشروع سياسي مُغاير، ولا على ممارسة نضالية دَالَّة أو وَازِنَة، إلى آخره. وفي معظم الحالات، لَا يوجد وراء هذه المشاريع الرَّامية إلى «تأسيس حزب يساري جديد» سوى أفراد يَطْمَحُون إلى بناء «زَعَامَتِهِم» الشخصية. ويستعملون أحيانًا سُلُوكِيَّات غير مَبْدَئِيَة لِتَحْـقِيق طُمُوحاتهم «الزَّعَامِيَة». ويستـغلّ بعضهم في ذلك نفوذه المهني، أو يحوّل العلاقات المهنية إلى علاقات سياسية. بينما في أوضاع اليسار الحالية، المُتميِّزَة بالضُّعف، أو الارتباك، أو التَأَزُّم، سيكون من العبث التـفكير في «تأسيس حزب يساري جديد». لماذا؟ لأن تأسيس هذه الأحزاب اليسارية الجديدة لَا يـقدر على الإِتْيَان بأشياء جديدة. ولأن كل محاولة لتأسيس حزب يساري خَامِس أو سَادِس أو سَابِع، سَتُؤَدّي إلى تكرار، أو إلى إعادة إنتاج، نفس المشاكل التي تُعِيقُ حاليًّا أحزاب اليسار الأربعة القديمة القائمة. بينما الحَلّ المطلوب هو الانطلاق من قِوَى اليسار كما هي في الواقع الحَالِي، وخوض ثورة ثقافية مُتواصلة، والعمل من أجل إنجاز مَهَامّ تَـقْيِيم، وَتَـقْوِيم، وتَثْوِير([9])، قِوَى اليَسَار.  

27) وإذا كان كل هؤلاء المناضلين صادقين، وَمَبْدْئِـيِّين، فلماذا لا يلتزمون بالتَوَاضُع، وبِالتَعَاوُن، وَبِالتَكَامُل؟

رحمان النوضة (10 مارس 2020).

     الــــــهــــــوامــــــش :

[1]  تُوجد دعوة محمد الساسي إلى “تأسيس حزب سياسي جديد”، في هذا الفيديو على موقع “يوتيوب”: https://www.youtube.com/watch?v=wBFX75hSgqo.

[2]  نفس المرجع المذكور أعلاه (https://www.youtube.com/watch?v=wBFX75hSgqo).

[3]  إِدْوَارْدْ بِيرْنْشْتَايْن (Eduard Bernstein)، 1850-1932، منظّر اشتراكي ألماني، كان عضوًا في “الحزب الاشتراكي الديموقراطي لألمانيا.

[4]  ذكر لِينين هذه المقولة في كتابه “ما العمل؟”، [Vladimir Lénine, œuvres, Tome 5, Que faire?, Editions Sociales, Paris, Editions du progrès, Moscou, 1976, p.413.].  

[5]   Vladimir Lénine, œuvres, Tome 5, Que faire?, Editions Sociales, Paris, Editions du progrès, Moscou, 1976, p.441..

[6]  أنظر مقال رحمان النوضة: “كيف نـقوِّي اليسار؟” (https://livreschauds.wordpress.com/2020/01/04/كيف نـقوّي اليسار ؟). وانظر كذلك: محاضرة رحمان النوضة تحت عنوان “آليّات تـقوية اليسار”، بتاريخ 8 مارس 2020.

[7]  المصدر: [https://les7duquebec.net/archives/251738Anton Pannekoek, “sur la religion”, ].

[8]  Karl Marx, Critique du programme de Gotha, (ou critique du programme du Parti Ouvrier Allemand), écrit en 1875.

[9]   أنظر مقال: «كَيف نـقوِّي اليسار»، رحمان النوضة، على مُدوّنة الكاتب https://livreschauds.wordpress.com/2020/01/04/كيف نـقوّي اليسار. وانظر كذلك محاضرته: ‏«آلِيَّات تـقوِيَة أحزاب اليسار».‏

 

! شارك في النقاش عبر كتابة تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.